البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1670, entry [334]23,512 chars
أمر سوار بن عبد الله العنبري قالوا: كان محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قدم البصرة مستخفيا ثم خرج عنها، وبلغ المنصور ذلك فقدم البصرة فنزل عند الجسر الأكبر، ويقال بل قدم في أمر القطائع والمسائح، وأمير البصرة عمر بن حفص، فولى عمر بن حفص السّند، وشهاب بن عبد الملك بن مسمع البحرين، وولّى عبد العزيز بن عب…
▸ expand full passage (23,512 chars)أمر سوار بن عبد الله العنبري قالوا: كان محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قدم البصرة مستخفيا ثم خرج عنها، وبلغ المنصور ذلك فقدم البصرة فنزل عند الجسر الأكبر، ويقال بل قدم في أمر القطائع والمسائح، وأمير البصرة عمر بن حفص، فولى عمر بن حفص السّند، وشهاب بن عبد الملك بن مسمع البحرين، وولّى عبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي، أخا عبد الجبّار بن عبد الرحمن، البصرة، وولى سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب - على مثال فعل - بن عمرو بن الحارث بن خلف بن مجفّر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم القضاء. فكان عبد العزيز يكتب إلى أبي جعفر المنصور يذمه، فيدرج المنصور كتبه بذلك في كتب منه إلى سوّار، فلم يزل على ذلك حتى خالف عبد الجبار وحمل عبد العزيز إلى المنصور، فولى المنصور سوّارا صلاة البصرة، وكان عبد العزيز صاحب شراب ولهو فأخرج له من دار الامارة شراب، فأمر سوّار بكسر آنيته وهراقته. وفي سوّار يقول الشاعر: فمن كان لا يرضى أميرا فإننا … رضينا بسوّار أميرا وقاضياوتقدم إلى سوار رجلان احدهما من عبد القيس فتحفّز العبدي فضرط فقال له سوار: أفساد في الجاهلية وضراط في الإسلام؟ وقال رجل لسوّار وكانت أمّه أمّ ولد: إنك لقليل الخالات بالدهناء، فقال: ولكني كثير العمّات هناك. وقضى على أعرابي فقال: رأيت رؤيا ثم عبّرتها … وكنت للأحلام عبّارا رأيتني أخنق في نومتي … ضبّا فكان الضبّ سوّارا ثم أقبل يدعب خلفه ورمى بنفسه عليه، فوثب الناس إليه فنحوه عنه، فكلمه كلاما رفيقا ولم يعاقبه. وخرج في أيامه عبيد سودان يقال إنهم كانوا أربعين أو أكثر، وكان اجتماعهم عند دار عقبة بن سلم، فاستشار في أمرهم فقائل يقول اقتلهم، وقائل يقول عبيد أضرّ بهم الجوع والضر وإن تركوا تفرقوا، وقائل يقول وجّه إليهم من يفرقهم من الجند؛ فوجه السري بن الحصين الباهلي وعبد الله بن حي بن حضين الرقاشي فلقياهم عند دار عقبة، أو نهر سليمان بالبصرة، فقتل منهم أربعة عشر عبدا، ويقال عشرة، ويقال سبعة عشر، ويقال أقل من عشرة، فأعطى مواليهم أثمانهم، وبعث برؤوسهم إلى المنصور، ويقال إنه كان يتصدّق في كل سنة من ماله بمثل أثمانهم. وقال له السري بن حصين: ما بالك أعظمت قتل هؤلاء؟ والله لو لم تقتلهم لقتلوك، قالوا: وتفرّق من بقي من أولئك السودان فلم يعرض لهم. قالوا: وكان سوّار يخذّل الناس عن إبراهيم بن عبد الله، وعن أخيه، وسوّد بعد خروج إبراهيم وتمثّل وهو على المنبر: أين الرجال التي عن حظّها غفلت … حتى سقاها بكأس الموت ساقيهاوحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: لما حبس أبو أيوب أمر المنصور الربيع الحاجب بتقلد ديوان الرسائل والنفقات إلى ما كان يقوم به من الحجابة، ففعل، ثم عزله عن الرسائل وصيرها إلى أبان بن صدقة، وأقره على النفقات مع الحجابة فشخص أبان معه إلى الشام وهو كاتبه عليها. وحدّثني أبو علي الحرمازي عن الفضل بن الرّبيع قال: كان المنصور معجبا بمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وكان كريما يسأله الحوائج للناس حتى ثقل ذلك عليه، فحجبه أياما ثم أذن له على أن لا يسأله حاجة لأحد، فدخل عليه يوما وكمّه مملوء رقاعا، فلما جلس تناثرت من كمه فجعل يردها ويقول: إرجعن خاسئات؛ فقال المنصور: ما هذه الرقاع؟ قال: فيها حوائج للناس، فضحك وقال: لا تبرح حتى تقضى كلها، فقضاها له. قال الحرمازي: وبعضهم يزعم أن الرجل يحيى بن جعفر بن تمّام، وهو آخر من بقي من ولد تمام، وكان المنصور له محبّا. وحدثني ابن الأعرابي قال: قال المنصور لرجل: ممّن أنت؟ قال: من يشكر، فتمثل: ويشكر لا تستطيع الوفاء … وتعجز يشكر ان تشكرا وحدثني أبو مسعود، قال: أقدم المنصور، عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب من المدينة بسبب محمد بن عبد الله بن حسن، ويقال لأمر بلغه عنه غير ذلك، فلما أدخل إليه قال له: يا عدو الله، قال: لست بعدو الله، وليس الأمر على ما بلغك، واذكر إدناء أبي أباك وتقديمه إياه على أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: قبحك الله، أفما كان لي عليك من الحق ما كان لأبي على أبيك؟ ثم أمر به إلى المطبق، فوقع بينه وبين قوم منالرافضة ملاحاة فوثب إلى خشبة فاقتلعها ثم ضربهم بها، فبلغ ذلك المنصور فأمر أن يؤتى به. فلما وقف بين يديه قال له: أما نهتك أولاك عن أخراك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت أسمع شيئا لو سمعته لأنكرته، سمعت هؤلاء يشتمون عمومتك من المهاجرين: أبا بكر، وعمر، وعثمان، فقال: ردوه إلى المدينة. حدثني الحسن الحرمازي قال: حبس المستهل بن الكميت بسبب تهمة في أمر الطالبيين، فقال: لئن نحن خفنا في زمان عدوّكم … وخفناكم إن البلاء لراكد حدّثنا محمّد بن داود الكاتب قال: وليّ القنجز الشيباني عملا فألزم مالا، فأمر المنصور أن يؤخذ به فحبس في دار العذاب وكانت إلى جانب المطبق، فكان يعذب فلا يقر بشيء، فلما طال ذلك كلم معن فيه المنصور فقال: إني عزمت أن لا يخرج من محبسه وهو مقيم على هذه المراغمة، ولكني أبعث إليه بمال يؤديه، فبعث إليه بمقدار ما كان يطالب به وهو مائة ألف درهم، فلما صار ذلك إليه حمله إلى منزله، فقال له المستخرج: احمل المال، فقال: أيّ مال، وجحد، فعذّب فلم يقر بشيء، فبلغ ذلك المنصور فقال: هذا شيطان، فخلوا سبيله، واصطنعه وقال: لا تولوه جباية، فكان يقال: أصبر من القنجز. حدثني أبو دهمان قال: عرضت على المنصور قينة فتغنت: ما نقموا من بني أمية إلا … انهم يحلمون ان غضبوا وإنهم صفوة الملوك فما … تصلح إلا عليهم العرب فغضب وأمر بها فأخرجت سحبا. قال: ويقال انها ألقيت منالخضراء، وذلك باطل، وكان المنصور لا يرى شاربا نبيذا، ولم يعط مغنيا شيئا قط، ولا أجرى عليه رزقا يثبت في ديوان أو يخرج به أمر وكتاب. وحدّثني المدائني قال: قال أبو عبيدة الكاتب: كان المنصور أعطى الناس في حقّ وأعلمهم بحزم وأشدهم شكيمة على عدو، حدثني عبدوس مولى جعفر بن جعفر، عن جعفر بن جعفر، قال: أقبل المهدي من داره يريد المنصور، والمنصور جالس في الخضراء في قصره بالمدينة ببغداد، فلما وقعت عينه عليه جعل يعوّذه ويدعو له، حتى إذا تبينه غضب وقال: ردّوه ردّوه، أما رأيتم عليه خفا أحمر كأنه من عبيد الروم، أهذا لبس من كان مثله! فألزمه منزله أياما ثم دعا به وعاتبه، قال: وكان أمر المنصور جدا كله. وحدّثني أبو الحسن المدائني قال: كاتب العبسيون من أهل حيار بني القعقاع (¬١) ومن معهم محمد بن عبد الله بن حسن وكاتبهم محمّد، وكان ممن كاتبه أبو ذفافة. فلما شخص المنصور إلى بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومائة، وغزا الصائفة وتتبع الأجناد والكور، أقدم أبا ذفافة معه فأصحبه المهدي فخص به، وكان يطلعه على أسراره وأموره، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين قد غلب أبو ذفافة على المهدي ورأيه ما تعلم، فقال: يا بني إن المهدي قدم من الري في زيّ أهل خراسان، فجهدت أن أنقله عن ذلك بكل حيلة يحتال بها في مواجهة وتعريض فلم ينتقل عنه، فلما صحبه أبو ذفافة لم أشعر به ذات يوم إلا وقد طلع عليّ معتما على قلنسوته، وفي رجليه خفّان أسودان، فو الله لو ضمّ إلى ملكي مثلّه ما كان ذلك بأسرّ إليّ من هيئته، وإنما أبو ذفافةرجل أراد أن ينال شيئا من الدنيا فقد ناله وأكثر منه، وهو رجل شريف وللشريف شكر فلا يسوءنكم مكانه. حدثني الحرمازي قال: قال الربيع الحاجب: دخلت على المنصور يوما وعليّ خفّ أبيض محكوك مكعب، فقال: لولا أني لم أتقدم إليك لأدّبتك، مالك ولحفاف الزفّانين (¬١)؟ حدّثني هدبة بن خالد، قال: دخل المبارك بن فضالة على أبي جعفر وهو بالجسر الأكبر فقال له: يا أمير المؤمنين حدثني الحسن قال: بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله حق فليقم، فما يقوم إلا العافون عن الناس» (¬٢)، فقال المنصور: قد عفوت، ولم يدخل البصرة. وحدّثني بعض أصحابنا قال: كان المنصور وهو بالبصرة قبل أمر المسوّدة يجلس في حلقة فيها أزهر السمّان، فلما أفضت إليه الخلافة وفد إليه أزهر فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: يا أمير المؤمنين داري مستهدمة، وعليّ دين مبلغه أربعة آلاف درهم وأريد أن أزوّج ابني محمدا، فقال: قد أمرنا لك باثني عشر ألف درهم فخذها ولاتأتنا طالبا، فأخذها وانصرف، فلما كان العام المقبل أتاه، فلما رآه قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيتك يا أمير المؤمنين مسلمّا، فقال: إنه ليقع في خلد أمير المؤمنين أنك أتيت طالبا، قال: ما أتيت إلا مسلّما، فقال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفا فخذها ولاتأتنا طالبا ولا مسلّما، فلما كانت السنة الثالثة عاد إليه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيتكعائدا، فقال: قد أمر لك أمير المؤمنين باثني عشر ألف درهم فخذها ولاتأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا، فلما كانت السنة الرابعة قدم عليه فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ فقال: سمعتك تدعو بدعاء فجئت لأكتبه عنك، قال: إنه غير مستجاب، قد دعوت الله به ألا أراك فلم يجب، وأمر له باثني عشر ألفا، وقال: تعال متى شئت فقد أعيت فيك الحيل. حدثني عبد الله بن صالح العجلي، قال: بعث أبو جعفر المنصور إلى مسعر بن كدام الهلالي فقال له: يا أبا سلمة هل لك في أن أوليك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرضي نفسي لأن اشتري لأهلي حاجة بدرهم حتى أستعين بغيري، على أن الثقات قليل، فكيف أغرك من عملك، وأنا إلى أن تصل قرابتي ورحمي أحوج مني إلى الولاية؛ فقال: قال النابغة الجعدي: وشاركنا قريشا في تقاها … وفي أنسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال … وما ولدت نساء بني أبان (¬١) يعني لبابة جدّتك فإنها هلالية، فأمر له بأربعة آلاف درهم وكساه ولم يزل يتعهده ويصله، وكانت آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر، أم العاص وأبي العاص والعيص وأبي العيص بني أمية بن عبد شمس، وكانت صفية بنت حزن عمّة أم الفضل وهي لبابة بنت الحارث بن حزن أم أبي سفيان بن حرب بن أميّة وهي هلاليّة. وحدثني عبد الله بن صالح قال: كان أبو بكر الهذلي يجالس المنصور، قال: فرأى المنصور في بعض قصره الجديد قوما في ثياب بيض، قال: ما هؤلاء؟ قلت: جهابذتك وقوم يعملون في خزائنك، فتمثل قول الشاعر:كما قال الحمار لسهم رام … لقد جمّعت من شتى لأمر أراك حديدة في رأس قدح … ومتن جلالة مع ريش نسر ثم قال: يا ربيع تفقّد هؤلاء وانظر من كان منهم في غير عمل فاخرجه. وحدثني العقوي الدلال البصري قال: بلغ المنصور أن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بالبصرة، فخرج إلى البصرة وأظهر أنه يريد ان يقطع صالحا المسكين بابقليا، ويقطع سليمان الهنيئة؛ وكان عيسى مستخفيا عند رجل يقال له يزيد، فبينا المنصور يخطب في يوم جمعة إذ وقعت عينه على عيسى، وعرف عيسى أنه قد عاينه، فلما دخل المنصور في الصّلاة انسلّ عيسى ويزيد صاحبه فاستعرض الناس بعد الفراغ من الصّلاة فلم يوجدا. ثم إن عيسى مات عند يزيد فأتى يزيد الربيع فقال له: اطلب لي الأمان من أمير المؤمنين وأدخلني إليه حتى أخبره من أمر عيسى بما يسر به، فطلب له الربيع الأمان فأمنه المنصور، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين قد مات عيسى بن زيد وأراحك الله منه، فخر المنصور ساجدا، ووجّه من نظر إليه ميتا، فوفى ليزيد بأمانه. وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي أن المنصور حج فكان يأتي الطواف ليلا فيطوف مستخفيا متنكرا لا يعلم أحد من هو، فإذا طلع الفجر عاد إلى دار الندوة، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى بالناس، فسمع رجلا يقول في بعض الليالي: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوقف على الرجل ثم خلا به ثم سأله عمّا قال فقال له: أتؤمنّي؟ قال: نعم لك الأمان، قال: ما عنيت سواك؛ فقال: كيف تنسبني إلى الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي والحلو والحامضبيدي؟ قال: وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ احتجبت عن الضعفاء فلم يصلوا إليك، ثم أوعبت الأموال وجمعتها فلم تقسمها في أهلها، ورآك القوم الذين استعنت بهم خائنا فخانوك وأنت متغافل عن الأمور، كأنك لا تعلم وعلمك حجة عليك، ثم أنت تطمع في السلامة في دينك ودنياك، ووعظه فاحتمل له ذلك وقال: جزيت عن النصيحة خيرا، وأقيمت الصلاة فصلى المنصور بالناس، وطلب الرجل فلم يوجد. حدثنا الذيّال مولى بني هاشم، قال: سمع المنصور جلبة في داره فقال: ما هذا؟ فإذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور وهم يضحكون منه، فأخبر بذلك فقال: وما الطنبور؟ فوصفه له حمّاد التركي، فقال له: وأنت فما يدريك ما الطنبور؟ قال: رأيته بخراسان، فقال: نعم، فدعا بنعله وقام يمشي رويدا حتى أشرف على الغلمان فرآهم فلما أبصروه تفرقوا، فقال: خذوا الخادم فاكسروا ما معه على رأسه، ثم قال: يا ربيع أخرجه من قصري وابعث به إلى حمران النخّاس حتى يبيعه، فوجه به الربيع من ساعته فبيع بالكرخ. وحدّثني رجل من ولد حمّاد التركي عن حمّاد قال: ولاني المنصور المدائن ثم عزلني، فقال لي ذات يوم: يا بن الخبيثة كم عندك من المال؟ فقلت أصدقه فإنه لا ينفعني عنده الا الصّدق، فأخبرته بمبلغ المال، فقال: ادفعه إلى الربيع، ففعلت، ثم رحت بالعشي فإني لبين يدي المنصور واقف لا أشك في ذهاب المال إذ دخل الربيع فقال له: يا ربيع أحمل حماد إليك ذلك المال؟ قال: نعم، قال: أفعرفت وزنه؟ قال: نعم، قال: احتفظ به فإذا تزوج حماد فادفعه إليه.وحدثني بعض الهاشميين عن رجل من حشم المنصور، قال: كان المنصور يقسم علينا الأرزاق وما في الخزائن حتى الفانيد (¬١) والترياق، وكان مشايخ أهله يدخلون عليه بالعشيات في النعال والأردية. وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي قال: بلغني أن المنصور خرج يوما نحو باب قطربّل حتى دخل من ناحية باب حرب فأساء بعض أحداث مواليه الأدب، وسار في ناحية أمر أن لا يسير فيها أحد كراهة للغبار، فالتفت إلى عيسى بن علي وهو يسايره فقال: والله ما ندري يا أبا العباس ما نصنع بهؤلاء الأحداث لئن حملناهم على الأدب وأخذناهم بما يجب ليقولن جاهل إنّا لم نحفظ آباءهم فيهم، ولئن تركناهم وركوب أهوائهم ليفسدن علينا غيرهم. حدّثني المدائني قال: لما خرج ابنا عبد الله بن حسن على المنصور، وجاءه فتق من ناحية غير ناحيتيهما جعل ينكث بقضيب معه ويقول: ونصبت نفسي للرماح دريّة … إن الرئيس لمثل ذاك فعول قال: وقال المنصور في آل أبي طالب: فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم … وبالله أحمي عنكم وأدافع وما زال منا قد علمتم عليكم … على الدهر أفضال يرى ومنافع ومازال منكم أهل غدر وجفوة … وبالله مغترّ وللرحم قاطع قالوا: وركب المنصور وأهل بيته حوله، وقد بلغه خبر محمد بن عبد الله، فقال عثمان بن عمارة المريّ: إن حشو اثواب هذا الرجل لمكر ودهاء ونكر وما هو إلا كما قال جذل الطعان: فكم من غارة ورعيل خيل … تداركها وقد حمي اللقاءفردّ رعيلها حتى ثناها … باسمر ما يرى فيه التواء وقال اسحاق بن مسلم: لقد سبرته فوجدته بعيد الغور، وعجمت عوده فوجدته صلب المكسر، ولمسته فوجدته خشن الملمس، وذقته فوجدته مرّ المذاق، وإنه ومن حوله لكما قال ربيعة بن مكدم: سما لي فرسان كأنّ وجوههم … مصابيح تبدو في الظلام زواهر يقودهم كبش اخو مصمئلّة … حليف سرى قد لّوحته الهواجر وقال عبد الله بن الربيع الحارثي: هو والله ليث خيس شرس، وللأقران مفترس، وإنه لكما قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: فإن لنا شيخا إذا الحرب شمّرت … بديهته الإقدام قبل التزاحف أخو الحرب قد عضت به فتفللت … نواجذ من أنيابها في المزاحف وحدثني الحرمازي قال: لما مات جعفر الأكبر ابن المنصور اشتدّ جزعه عليه، فلما قبر وسوّي عليه التراب قال: يا ربيع كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟ فأنشده: يا أهل بكّوا لقلبي القرح … وللدموع الذوارف السّفح راحوا بيحيى فلو تطاوعني الأق … دار لم يبتكر ولم يرح يا خير من يحسن البكاء له الي … وم، ومن كان أمس للمدح أعقبت حزنا من السرور وقد … أدلت مكروهنا من الفرح قال: فبكى المنصور وقال: صاحب هذا القبر أحقّ بهذا الشعر. وحدثني بعض مشايخنا أن المنصور قال للمهدي: يا بنيّ، استدم النّعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألّف، والنصر بالتواضع لله والرحمة للناس.وحدثني الحرمازي قال: لما أتى المنصور مخرج محمد بن عبد الله شنّ عليه درعه، ولبس خفّه، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مالي أكفكف عن سعد ويشتمني … ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا جهلا علينا وجبنا عن عدوهم … لبئست الخلّتان الجهل والجبن أما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضدوا الكافي، ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا، أشرب رنقا (¬١) على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله إني لا أصل ذا رحم بقطيعة نفسي، ولئن لم يرض بالعفو منّي ليطلبنّ مالا يوجد عندي، ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ من أن أحيا مستذلا، فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثم لا أبكي عليه ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله. حدثني بعض أصحابنا عن ابراهيم بن عيسى الهاشمي قال: خطب المنصور يوم عرفة فقال: «أيها الناس إنما انا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده، وخازنه على ماله وفيئه أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بارادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا، فإذا شاء أن يفتحني فتحني، فارغبوا إلى الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (¬٢)، أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل عليكم، والإحسان إليكم».وحدثني عبد الله بن مالك، أخبرني اسحاق بن عيسى بن علي، قال: بعث المنصور في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبنى له فيه مدينة، فكانوا يأخذون تربة كل أرض فإذا عفنت خرجت منها العقارب والخنافس، فلما عفنت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان فقال: هذه، هذه، فنزل الدير الذي على الصراة وقال: بغداد بلد يأتيه الميرة من الفرات ودجلة. فاختطّ المدينة وفرغ من أساسها، فإنه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد، وسليم المكي، فاستأذنا على المنصور، فدخل الربيع فاحتال له حتى استيقظ ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد الله القسري يخبر فيه بخروج محمد بن عبد الله، فقال المنصور: نكتب إلى مصر الساعة أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين وإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر، وأمر أن يكتب إلى العباس بن محمّد أخيه وهو على الجزيرة أن يمدّه بمن قدر عليه ولو أن يبعث إليه في كل يوم رجلا واحدا لينكسر بهم أهل خراسان، فإنه لا يؤمن فسادهم مع دالتّهم، ونادى بالرحيل من ساعته فخرج في حرّ شديد حتى عسكر بنهر صرصر، وصلى العصر هناك، وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه، ودعا بعيسى بن موسى فقال له: إمّا أن تخرج وأقيم فأمّدك وإمّا أن أخرج وتقيم فتمدنّي، فقال: بل أقيك بنفسي وأكفيك هذا الوجه إن شاء الله، فشخص، ثم خرج ابراهيم في عقب خروج أخيه محمد، فجمع المنصور ولد أبيه فقال: ما تقولون وما ترون؟ فقالوا: توجه إليه موسى بن عيسى، فقال: والله يا ولد عليّ ما أنصفتم، وجهت أباه وأوجّهه فأكون قد وجهت من ولد محمد بن علي رجلين، فقالوا: توجه عبد الله بن علي وتصطنعه، فقال:ابعث عليّ حربا أخرى، إن خافني مالأ عدوي عليّ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه جذعة، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه فأيّ رأي هذا؟ والله لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان آمن عندي من عبد الله بن علي وحدثني الحرمازي قال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله وبعث عيسى بن موسى برأسه أمر المنصور أن يطاف به بالكوفة، ثم خطب المنصور بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه، للعجب لبني أميّة وصبرهم عليكم كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريكم ويخربوا منازلكم، سبئيّة خشبيّة، قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل، وهو يقول: أقدم حيزوم، ثم عمدتم إلى أهل هذا البيت وطاعتهم حسنة فأفسدتموهم وانغلتموهم، فالحمد لله الذي جعل دائرة السوء عليكم، أما والله يا أهل المدرة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنّكم. وحدثني عبد الله بن مالك وغيره، قالوا: أتمّ المنصور بناء مدينته بغداد ونزلها في سنة ست وأربعين ومائة، وبنى قصره في الخلد على دجلة سنة سبع وخمسين، وتولّى ناحية منه الربيع، وناحية أخرى أبان بن صدقة. قال عبد الله بن مالك: وأنا يومئذ مع أبان، وكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول: الدنيا دار فناء وإنما الخلد في الجنة. حدثني الحرمازي قال: ولى المنصور الحسن بن زيد المدينة بعد جعفر بن سليمان، فعبث بجلساء جعفر وأصحابه، وأضرّ باسماعيل بن أيوب المخزومي، فقال: وإن بني العباس لن نستطيعهم … فلا ذنب لي فانظرهم حسراتهم ورثوا ميراث أحمد كله … ولم يدّعوه باطلا لبنات حدثني العمري عن ابراهيم بن السندي، أن المنصور لما أراد الحج في السنة التي توفي فيها أتى قصر عبدويه فأقام به، ثم دعا بالمهدي فقال له: يا أبا عبد الله اقرأ هذا الكتاب واعمل بما فيه، فإذا فيه: «أوصيك بتقوى الله ومراقبته، وعليك بإكرام أهل بيتك وإعظامهم، ولا سيما من استقامت طريقته، وطهرت سيرته، وحسنت مودّته منهم، فإنّ أقرب الوسائل المودّة، وأبعد النّسب البغضة، وانظر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم فشرّفهم، وأوطئ الرجال أعقابهم، فإنه لا يزال لأمر القوم نظام ما كانت لهم أعلام، وأجزل لهم الإعطاء، ووسّع عليهم في الأرزاق، فإن أكثر الناس مؤونة أعظمهم مروءة، ثم ليكن معروفك لغيرهم بعدهم، فإن الصلة تزيد الألفة، وصنهم ينبلوا ولا تبتذلهم فيخلقوا، واعلم أن رضى الناس غاية لا تدرك فتحبّب إليهم بالإحسان جهدك وتثبّت فيما يرد من أمورهم عليك، ووكل همومك بأمورك، وتفقّد الصّغير تفقّدك الكبير، وخذ أهبة الأمر قبل حلوله، فإنّ ثمرة التواني الإضاعة، وكن عند رأس كل أمر لا عند ذنبه، فإن المستقبل لأمره سابق، والمستدبر له مسبوق. وولّ أمورك الفاضل تكن مستعليا، ولا تولّ المفضول فإنه مزر باختيارك، وانظر الأموال فإنها عدة الملوك، وبهاء السلطان، ونظام التدبير، فوفّرها بولاية أهل العفاف عنها والحيطة عليها، ولا تبتذلها إلاّ في إصلاح أمور السلطان والرعية، وثواب أهل الطاعة والنصيحة، وأحسن إلى نصائحك (¬١) واستدم مودّتهم ومحبتهم بجميل التعهد لهم والتفقّد لأمورهم ولا تعط عطيّة تبطرالخاص، وتؤسف العام، واجعل لكل إليك حاجة، واجعل لهم من فضلك مادة، واسمع من أهل التجارب، ولا تردّنّ على ذوي الرأي، وعوّد نفسك الصّبر على التّعب في إصلاح الرعيّة وترك الهوينا والدّعة، واعلم أن ذهاب السّلطان يؤتى من ثلاثة أمور: قلة الحزم، وضعف العزم، وفقد صالحي الأعوان وأنّ ثباته بأربع خلال: المعرفة، وحسن التخّير، وإمضاء الاختيار، وتنكبّ أهل الحرص، فإن الحريص يبيعك باليسير من حظّه، وشره الوزراء أضرّ الأعداء، ومن خانك كذبك، ومن كذبك غشّك، واعلم أنّ مادّة الرأي المشاورة، فاختر لمشاورتك أهل اللب والرأي والصدق وكتمان السّر، وكاف بالحسنة، وتجاوز عن السيّئة ما لم يكن في ذلك ثلم دين، ولا وهن سلطان، ودع الانتقام فإنه أسوأ أفعال القادر، وقد استغنى عن الحقد من عظم عن المجازاة، وعاقب بقدر الذنب، واعف عن الخطأ، وأقل العثرات من أهل الحرمة والبلاء، وعليك بتلاد نعمتك، ومواليك من أهل خراسان وغيرها من الآفاق، فإنهم أنصح الناس لك، وأشدهم سعيا في بقاء دولتك فإنما عزّهم بعزك، وتجنب دقيق أخلاق أهل العراق، فإنهم نشأوا على الخبّ ومذموم الأخلاق، وإذا اطلعت من خاصتك وأهل نعمتك على هوى مفسد لنصيحتك فلا تقله عثرة، ولا ترع له حرمة، ودع الاغترار به فإنك إذا اغتررت به كنت كمدخل الحيّة دون شعاره، إن شاء الله». ولمّا قرأ الكتاب قال: أفهمته يا بنيّ؟ قال: نعم، قال: فاتخذه لك إماما ومثالا، ثم قال: أستودعك الله يا بني وأنشد: المرء يأمل أن يعيش … وطول عيش قد يضرّه تبلى بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مرّهوتخونه الأيام حتى … لا يرى شيئا يسرّه كم شامت بي إن هلك … ت وقائل لله درّه قال العمري: وقرأت هذا الكتاب بعد عند قوم من الكتّاب فوجدتهم قد كثّروه. حدثني عزّون بن سعد مولى الأنصار، عن أبيه سعد بن نصر، قال: حج المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة فودّع المهدي فقال: «يا أبا عبد الله إني ولدت في ذي الحجة، ووليت الخلافة في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من سنتي وذلك حداني على الحج، فإذا أفضى إليك الأمر فإن استطعت أن تكون حديثا حسنا فافعل». وحدثني عبد الله بن مالك وغيره عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: إني لمع المنصور في حجته التي توفي فيها، فلما دنا من مكة اشتد به الوجع فقال ذات ليلة وأنا زميله، أنزلني، وكانت به خلفة (¬١) فعدلنا به عن الطريق فأنزلناه، فأبطأ ثم أقبل متكئا على رجلين من مواليه، وأبو العباس الطوسي، والمسيب بن زهير مع وجوه أهل خراسان وقوف، فقلت: يا أمير المؤمنين أبطأت فهل حدث شيء؟ فقال: أنا صالح، وصاح بي فلما صرنا في المحمل قال: ويحك أترى هؤلاء الخراسانية وهم هم وتسألني عن هذه المسألة؟! أتذكر رؤياي التي أخبرتكم بها، إني رأيت كأنّ الكعبة انصدعت فجئت بحبل فضممتها به حتى التأمت ثم دفعت الحبل إلى رجل من مواليّ لم أسمّه لكم، فقلت له: شد، أفتدري من مولاي ذلك؟قلت: لا، قال: أنت هو ولكني كرهت أن أخبرك بذلك فاتّق الله وانظر كيف تكون طاعتك للمهدي. وحدثني علي بن أمير المؤمنين المأمون، قال: سمعت المأمون يحدّث عن عصيمة سرية المنصور، وكانت معه في حجته التي توفي فيها، أنها قالت: ما زال يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ، ثم يعيد ذلك ويهلل ويكبر ويلبّي حتى قبض، فغمضه الربيع وشدّ لحيته بعصابة ثم قال: والله لأملأنّ سيفي مّمن صاح حتى أحكم ما أمرني به مولاي. فخرج إلى الناس فأحكم ما أراد. قال، وقالت عصيمة: كان المنصور في تسبيحه وتهليله وتشهيده فكلمته فقال: كفي عني ساعة، فما قطع ذلك حتى شخص. حدثني عبد الله بن مالك الكاتب عن جماعة ممن حضر وفاة المنصور بمكة قالوا: خرج الربيع إلى من حضر من بني العباس وغيرهم فقال: إن أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهدي، فقال عيسى بن موسى: أحبّ أن أسمع ذاك من أمير المؤمنين، فدخل ثم خرج فقال: عند أمير المؤمنين حرمه وهو لا يسترهنّ من عمه عيسى بن علي فليقم فيدخل عليه ويخبركم عنه بما أعلمتكم، فقال عيسى بن موسى: لا بأس قم يا عم، فقام عيسى فدخل فقال له الربيع: إن أمير المؤمنين قد قضى وكان أمر بتجديد البيعة للمهدي وأنا أريد تجديدها وأنت أعلم، فخرج عيسى بن علي إلى عيسى بن موسى فقال: يأمرك أمير المؤمنين بتجديد البيعة، فبايع عيسى بن موسى للمهدي وبايعالناس، ثم عرف عيسى بن موسى القصة بعد ذلك فقال لعيسى بن علي: أنت الفاعل ما فعلت. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: عرض للمنصور اختلاف، فكان يحتاج إلى الخلاء في اليوم الخمس مرات وأكثر، ثم أسرف ذلك حتى كان يقوم في اليوم والليلة خمسين مرّة، فتوفي بعد التروية أو قبله بيوم، وفرغ من جهازه عند العصر، وصلى عليه عيسى بن موسى، ويقال عيسى بن علي، ويقال إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وهو ابن أخيه، وهو قائم بالموسم عامئذ، ولم يغطّ رأس المنصور لانه كان محرما ودفن عند بئر ميمون بن الحضرمي. وكان المنصور لما بلغ ثلاثا وستين سنة يقول: إنه كان يقال لهذه السنة داقّة الاعناق، قبض بها رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، فقبض وله أربع وستون سنة. وقال الواقدي: دفن المنصور في شعب نافع الخوزي في المقبرة التي تطل عليها ثنية المعلاة، وهي التي صلب عليها عبد الله بن الزبير، ونزل في حفرته عيسى بن علي، والعباس بن محمد، وعيسى بن موسى، والربيع، ويقطين، والريان مولاه، وجعل في صندوق وأطبقت عليه ألواح، وتوفي وله أربع وستون سنة إلا أيّاما. وحدثني عمرو بن عيسى أبو مسعود قال: توفي المنصور بمكة في سنة ثمان وخمسين، ودفن بين الحجون، وبئر ميمون بن الحضرمي، وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بوصيّة منه، وكان يوم توفي ابن أربع وستين سنة،وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وأياما، وحجّ بالناس في تلك السنة إبراهيم بن يحيى بن محمّد. وقال بعضهم: مات وله ثمان وستون سنة، وأثبت ماروي في عمره أربع وستون سنة. وقال الحسن بن علي الحرمازي، وهو مولى لقريش، غير أنه كان ينزل في بني الحرّماز، قال سلم الخاسر يرثي المنصور، وإنما قيل له الخاسر، لأن أباه كان تاجرا فمات وترك مالا فأنفقه في طلب العلم وابتياع الدفاتر فقيل هو خاسر: أين ربّ الزوراء إذ سوّغته المل … لك عشرين حجة واثنتان قال: وقال آخر. قفل الحجيج وخلّفوا ابن محمّد … رهنا بمكة في الضريح الملحد شهدوا المناسك كلها وإمامهم … تحت الصفائح محرم لم يشهد وأنشدني غير الحرمازي: لقي الله محرما وشهيدا … فهنيئا له هنيئا مريئا وأنشدت لبعضهم: ببئر ميمون ثوى قراره … في ملحد اسلمه انصاره