البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 5 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 1332, entry [272]18,290 chars
خبر محمد ابن الحنفية وابن الزبير وعبد الملك بن مروان. قالوا: بايع محمد ابن الحنفية ليزيد بن معاوية حين أخذ معاوية له البيعة على الناس غير مغتاص ولا ملتو عليه، فكان معاوية يشكر له ذلك ويصله عليه ويقول: ما في قريش كلها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا، ولا أبعد من كل كبر وطيش ودنس من محمد بن علي…
▸ expand full passage (18,290 chars)خبر محمد ابن الحنفية وابن الزبير وعبد الملك بن مروان. قالوا: بايع محمد ابن الحنفية ليزيد بن معاوية حين أخذ معاوية له البيعة على الناس غير مغتاص ولا ملتو عليه، فكان معاوية يشكر له ذلك ويصله عليه ويقول: ما في قريش كلها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا، ولا أبعد من كل كبر وطيش ودنس من محمد بن علي، فقال له مروان ذات يوم: والله ما نعرفه الا بخير، فأما كل ما يذكر فإن غيره من مشيخة قريش أولى به، فقال معاوية: لا تجعلن من يتخلق لنا تخلقا وينتحل لنا الفضل انتحالا كمن جبله، إنه على الخير وأجراه على السداد، فو الله ما علمتك إلا موزعا مغرى بالخلاف. وكان يزيد يعرف ذلك له أيضا، فلما ولي يزيد لم يسمع عن ابن الحنفية الا جميلا وببيعته إلا تمسكا ووفاء، وازداد له حمدا وعليه تعطفا، فلما قتل الحسين بن علي، وكان من ابن الزبير ما كان مما نحن ذاكروه ان شاء الله كتب يزيد إلى ابن الحنفية يعلمه أن قد أحبّ رؤيته وزيارته إياه، ويأمره بالإقبال إليه، فقال له عبد الله ابنه: لا تأته فإني غير آمنه عليك، فخالفهومضى إلى يزيد، فلما قدم عليه أمر فأنزل منزلا وأجرى عليه ما يصلحه ويسعه، ثم دعا به وأدنى مجلسه وقرّبه حتى صار معه، ثم قال له: آجرنا الله وإياك في الحسين بن علي، فو الله لئن كان نغضك (¬١) لقد نغضني، ولئن كان أوجعك لقد أوجعني، ولو أني أنا الذي وليت أمره ثم لم استطع دفع الموت عنه إلا بحزّ أصابعي أو بذهاب نواظري لفديته بذلك، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ولا أحسبه إلا قد بلغك أنا نقوم به فننال منه ونذمه، وأيم الله ما نفعل ذلك لئلا يكونوا الأحباء الأعزاء، ولكنا نريد إعلام الناس أنا لا نرضى إلا بأن لا ننازع أمرا خصنا الله به، وانتخبنا الله له. فقال له ابن الحنفية: وصلك الله، ورحم حسينا وغفر له، قد علمنا أن ما نغضنا فهو لك ناغض، وما عالنا فهو لك عائل، وما حسين بأهل أن تقوم به فتقصيه وتجذبه، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين أن لا تسمعني فيه شيئا أكرهه. فقال يزيد: يا بن عم. لست تسمع مني فيه شيئا تكرهه، وسأله عن دينه، فقال: ما علي دين فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد: يا بني إن عمك هذا بعيد من الخبّ واللؤم والكذب، ولو كان لبعض هؤلاء لقال: عليّ كذا وكذا، ثم أمر له بثلاثمائة ألف درهم فقبضها، ويقال انه أمر له بخمسمائة ألف، وعروض بمائة ألف درهم. وكان يزيد يتصنع لابن الحنفية ويسأله عن الفقه والقرآن، فلما جاء ليودعه قال له: يا أبا القاسم إن كنت رأيت مني خلقا تنكره نزعت عنه، وأتيت الذي تشير به عليّ، فقال: والله لو رأيت منكرا ما وسعني إلا أنأنهاك عنه وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم من أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرا. وشخص من الشام حتى ورد المدينة، فلما وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى ابن الزبير، وأتاهم مسلم بن عقبة المري في أهل الشام، جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مطيع في رجال من قريش والأنصار فقالوا لابن الحنفية: أخرج معنا نقاتل يزيد، فقال لهم محمد بن علي: على ماذا أقاتله ولم أخلعه؟ قالوا: إنه كفر وفجر، وشرب الخمر، وفسق في الدين، فقال لهم محمد بن الحنفية: ألا تتقون الله هل رآه أحد منكم يعمل ما تذكرون، وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيت منه سوءا. قالوا: إنه لم يكن يطلعك على فعله. قال: أفأطلعكم أنتم عليه؟ فلئن كان فعل إنكم لشركاؤه، ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم على غير ما علمتم. فخافوا أن يثبّط قعوده الناس عن الخروج فعرضوا عليه أن يبايعوه إذكره ان يبايع لابن الزبير، فقال: لست أقاتل تابعا ولا متبوعا. قالوا: فقد قاتلت مع أبيك. قال: وأين مثل أبي اليوم. فأخرجوه كارها ومعه بنوه متسلحين وهو في نعل ورداء، وهو يقول: يا قوم اتقوا الله ولا تسفكوا دماءكم. فلما رأوه غير منقاد لهم خلوه. فذهب أهل الشام ليحملوا عليه فضارب بنوه دونه فقتل ابنه القاسم بن محمد، وضرب أبو هاشم قاتل أخيه فقتله. وأقبل ابن الحنفية إلى رحله فتجهز ثم خرج إلى مكة من فوره ذلك، فأقام بها حتى حصر عبد الله بن الزبير حصاره الأول، وهو في ذلك قاعد عنهلا يغشاه ولا يأتيه، وسأل قوم من الشيعة من أهل الكوفة عن خبره فأعلموا أنه بمكة، فشخصوا إليه وكانوا سبعة عشر رجلا وهم: معاذ بن هانئ بن عدي ابن أخي حجر بن عدي الكندي، ومحمد بن يزيد بن مزعل الهمداني ثم الصائدي، ومحمد بن نشر الهمداني، وأبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وهانئ بن قيس الصائدي، وصخير بن مالك المزني، وسرح بن مالك الخثعمي، والنعمان بن الجعد الغامدي، وشريح بن احناء الحضرمي، ويونس بن عمرو بن عمران الجابري من همدان، وعبد الله بن هانئ الكندي، وهو الذي قتل بعد ذلك مع المختار، وجندب بن عبد الله الأزدي، ومالك بن حزام بن ربيعة، قتله المختار بعد بجبانة السبيع، وهو ابن أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، وقيس بن جعونة الضبابي، وعبد الله بن ورقاء السلولي. فبعث عبد الله بن الزبير إلى ابن الحنفية بعد انصراف أهل الشام من مكة مع الحصين بن نمير السكوني، وموت يزيد بن معاوية: أن هلمّ فبايعني. فأبى عليه، وبايع الناس ابن الزبير بالمدينة والكوفة والبصرة، فأرسل إليه أن الناس قد بايعوا واستقاموا فبايعني. فقال له: إذا لم يبق غيري بايعتك. وبعث إلى السبعة عشر الكوفيين فسألهم عن حالهم وأمرهم بالبيعة له، فقالوا: نحن قوم من أهل الكوفة اعتزلنا أمر الناس حين اختلفوا، وأتينا هذا الحرم لئلا نؤذي أحدا ولا نؤذى، فإذا اجتمعت الأمة على رجل دخلنا معهم فيما دخلوا فيه، وهذا مذهب صاحبنا، ونحن معه عليه وله صحبناه.فوقع في ابن الحنفية وتنقصه وقال: أما والله ما صاحبكم بمرضيّ الدين، ولا محمود الرأي، ولا راجح العقل، ولا لهذا الأمر بأهل. فقام عبد الله بن هانئ فقال: قد فهمت ما ذكرت به ابن عمك من السوء، ونحن أعلم به وأطول معاشرة له منك، وأنت تقتل من لم يبايعك، وهو يقول والله ما أحب أن الأمة بايعتني كلها غير سعد مولى معاوية، فبعثت إليه فقتلته، وإنما عرض به لأنه كان بعث إلى سعد فقتله. وكلمه عبد الله بن هانئ بكلام كثير فقال: إلهزوه وجؤوا (¬١) في قفاه. فقال: أتفعل هذا في حرم الله وأمنه وجوار بيته؟ فقالوا له: لئن لم يضرّك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شيء أبدا، ولا يلحقك مكروه، ودعا به فقال: إيه، أبي تضرب الأمثال، وإياي تأتي بالمقاييس؟ فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ (¬٢) فقال ابن الزبير: ادفعوهم عني لعنكم الله من عصابة. فأتوا ابن الحنفية فأخبروه بما كان بينهم وبين ابن الزبير، فجزاهم خيرا وعرض عليهم أن يعتزلوه فأبوا وقالوا: نحن معك في العسر واليسر، والسهل والوعر، لا نفارقك حتى يجعل الله لك فسحة وفرجا، وبايعوه على ذلك فقال لهم: إني بكم لمتأنس كثير، وسأله بعضهم أن يرصدوا ابن الزبير فيقتلوه إذا خرج من الحرم فكره ذلك، وقال: ما يسرني أني قتلت حبشيا مجدّعا ثم أجمع سلطان العرب كله. وقدم على السبعة العشر الرجل من أبنائهم ثلاثة نفر: بشر بنسرح، والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وبشر بن هانئ بن قيس. فلما يئس ابن الزبير من بيعة ابن الحنفية وأصحابه وقد فسدت عليه الكوفة، وغلب المختار بن أبي عبيد الثقفي عليها، وأخرج ابن مطيع عامله عليها، ودعت الشيعة بها لابن الحنفية ثقل عليه مكان ابن الحنفية معه، وخشي أن يتداعى الناس إلى الرضى به. فحبسه وأهل بيته ومن كان معه من أصحابه أولئك بزمزم ومنع الناس منهم، ووكل بهم الحرس، ثم بعث إليهم: أعطي الله عهدا لئن لم تبايعوني لأضربنّ أعناقكم أو لأحرقنكم بالنار. وكان رسوله بذلك عمرو بن عروة بن الزبير، فقال له ابن الحنفية: قل لعمك لقد أصبحت جريئا على الدماء منتهكا للحرمة متلثلثا (¬١) في الفتنة. وقال له عدة من السبعة العشر الرجل فيهم ابن مزعل: إن هذا حصرنا بحيث ترى، وخوفنا بما تعلم، و والله ما ننتظر إلا أن يقدم، وقد ظهر بالكوفة من يدعو إلى بيعتك والطلب بدماء أهل بيتك فالطف لبعثة رسل من قبلك يعلمونهم حالك وحال أهل بيتك. فقال: اختاروا منكم نفرا فاختاروا الطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وهو المقتول مع ابن الأشعث، ومحمد بن نشر، وأبا المعتمر وهانئ بن قيس، فأمرهم ابن الحنفية بكتمان أمرهم، وأمر لهم بأربع نجائب وأجّلهم لذهابهم ومجيئهم ستا وعشرين ليلة، فلما هدأت العيون ونام طالع الكلاب، ورمق الحرس فوجدهم نياما مستثقلين دفع إليهم كتابا منه إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من الشيعة، يخبرهم فيه بحالهم وما يتخوفون من ابن الزبير، ويقول فيه:يا غوثتا بالله يا غوثتا بالله. وقال: إن رأيتم منه ما تحبون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه تقصيرا فاعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي تركتمونا عليها. فلما قرأ المختار الكتاب دعا أصحابه فقرأه عليهم، فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجون ويقولون للمختار: سرّحنا إليه وعجّل، فخطب المختار الناس وقال: هذا كتاب مهديكم وصريخ أهل بيت نبيكم ومن معه من إخوانكم وقد تركوا محظورا عليهم حظار كزرب الغنم ينتظرون القتل والتحريق في آناء الليل ونارات النهار، لست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وأسرّب إليهم الخيل آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل - يعني بابن الكاهلية عبد الله بن الزبير وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو بن حنثر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة-. وأنفذ المختار جواب كتاب ابن الحنفية مع محمد بن نشر والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، واحتبس قبله أبا المعتمر وهانئ بن قيس ليسرح معهما جيشا. ثم وجه أبا عبد الله بن عبد من ولد وائلة بن عمرو بن ناج بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان - وهو الذي يعرف بأبي عبد الله الجدلي، لأن أم عدوان بن عمرو بن فهم بن عمرو، يقال لها جديلة فهم ينسبون إليها - في سبعين راكبا، وعقبة بن طارق الجشمي في أربعين راكبا، ويونس بن عمرو بن عمران الجابري في أربعين راكبا، وكان يونس قد رجع إلى الكوفة قبل شخوص هؤلاء الأربعة النفر، فسار هؤلاء المائة والخمسونومن عليهم حتى وافوا مكة وابن الحنفية وأهل بيته وأولئك القوم بزمزم قد أعد لهم عبد الله بن الزبير الحطب ليحرقهم بالنار فيما يظهر للناس ولهم، حتى يبايعوا. فعقل القادمون رواحلهم بالباب ودخلوا فكبروا ونادوا: يا لثارات الحسين ثم شدوا على الحرس الموكلين بابن الحنفية وأصحابه فطردوهم، ودخلوا عليه يفدونه بآبائهم وأمهاتهم ويقولون: خلّ بيننا وبين ابن الزبير. فقال: لا أستحل القتال في حرم الله. وقال ابن الزبير: وا عجبا من هذه الخشبية (¬١) الذين اعتزلوني في سلطاني ينعون حسينا كأني أنا قاتل حسين، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم. وكان دخولهم على ابن الزبير وفي أيديهم الخشب كراهة أن يشهروا السيوف في الحرم والمسجد الحرام. وقال بعضهم بل وثبوا على الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه حول زمزم لإحراق ابن الحنفية وأصحابه، فأخذ كل امرئ منهم بيده خشبة فسموا خشبية. وأقبل ابن الزبير على أبي عبد الله الجدلي وأصحابه فقال: أتروني أخلي سبيل صاحبكم دون أن يبايع وتبايعوا؟ فقال الجدلي: ورب الركن والمقاموالحل والإحرام لتخلين سبيله فينزل من مكة حيث شاء، ومن الأرض حيث أحب أو لنجالدنّك بأسيافنا. فقال ابن الزبير - ورأى أن أصحابه قد ملأوا المسجد، وأن أصحاب ابن الحنفية لا يبلغون مائتين-: وما هؤلاء، والله لو أذنت لأصحابي فيهم ما كانوا عندهم إلا أكلة رأس. فقال صخير بن مالك: أما والله لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب. وقام الطفيل بن عامر فقال: قد علمت ذات الشباب الرّود … والجرم ذي البضاضة الممسود إنا أسود وبنو الأسود فقال ابن الحنفية لعامر: يا أبا الطفيل مر ابنك فليسكت، وتكلم ابن الحنفية فقال: آمركم بتقوى الله وأن تحقنوا دماءكم، وإني معتزل لهذه الفتنة حتى تجتمع الأمة. إذ اختلفت وتفرقت فأطيعوني. وقال عبد الله بن عباس بن عبد المطلب لابن الزبير: قد نهيتك عن هذا الرجل وأعلمتك أنه لا يريد منازعتك فاكفف عنه وعن أصحابه. فقال: والله لا أفعل حتى يبايع وتبايعوا، أما بايع يزيد ولا يبايعني؟! فمكث القوم ثلاثة أيام قد صفّ بعضهم لبعض في المسجد والمعتمرون يمشون فيما بينهم بالصلح - فلما كان اليوم الثالث قدم عليهم من قبل المختار أبو المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وظبيان بن عمارة التميمي في مائتين، ومعه مال بعث به المختار، وهو أربعمائة ألف درهم،ثم أقبلوا جميعا حتى دخلوا المسجد يكبرون وينادون: يا لثارات الحسين، فلما رآهم اصحاب ابن الزبير خافوهم. ورأى ابن الحنفية أنه قد امتنع وأصحابه فقال لهم: اخرجوا بنا إلى الشّعب. ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم فخرج فنزل شعب علي، وضم إليه المال الذي عنده، وأتته الشيعة من عشرة وعشرين ورجل ورجلين حتى اجتمع عنده أربعة آلاف رجل، ويقال أقل من أربعة آلاف فقسم بينهم المال الذي أتاه، فلما صار ابن الحنفية في هذا الجمع استأذنه قوم ممن كان قدم إليه في إتيان الكوفة للإمام بأهليهم ثم الرجوع إليه، منهم عبد الله بن هانئ الكندي، وعقبة بن طارق الجشمي، ومالك بن حزام بن ربيعة الكلابي، وعبد الله بن ربيعة الجشمي، فقدموا الكوفة، فلما كانت وقعة جبانة السبيع (¬١) قاتلوا المختار إلاّ عبد الله بن هانئ فيقال إنه رجع إلى ابن الحنفية. ثم إن المختار بعث إلى ابن الحنفية بثلاثين ألف دينار مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، وعبد الله بن شداد الجشمي، والسائب بن مالك الأشعري، وعبد الله وهو عبدل لام بن الحصل الطائي، وبعث معهم برأس عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وابن ذي الكلاع، فنصبت هذه الرؤوس على باب المسجد. وقسم ابن الحنفية ذلك المال بين أصحابه فقووا وعزوا. قالوا: ولم يزل ابن الحنفية بالشعب عزيزا منيعا حتى قتل المختار، وظهر مصعب بن الزبير على الكوفة، واشتد أمر عبد الله بن الزبير وتضعضعأمر أصحاب ابن الحنفية، وانقطعت عنهم موادهم، واشتدت حاجتهم، وقال ابن الزبير لابن عباس: لم يبلغك قتل الكذاب؟. قال: ومن الكذاب؟. قال: ابن أبي عبيد. فقال: قد بلغني قتل المختار، قال: كأنك تكره تسميته كذابا وتتوجع له؟. فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس جزاؤه منا الشتم والشماتة. فقال ابن الزبير: لست أدري أأنت معنا أم علينا. ومر ابن عباس بعروة بن الزبير فقال: قد قتل الكذاب المختار وهذا رأسه، فقال ابن عباس: إنه قد بقيت لكم عقبة فإن صعدتموها فأنتم أنتم - يعني عبد الملك وأهل الشام-. وبعث ابن الزبير إلى ابن الحنفية إن البلاد قد افتتحت، وإن الامور قد استوسقت فاخرج إليّ فادخل فيما دخل فيه الناس وإلا فإني منابذك. وكان رسوله بذلك عروة بن الزبير، فقال له ابن الحنفية: بؤسا لأخيك ما ألحّه في إسخاط الله وأغفله عن ذات الله. وقال لأصحابه في خطبة خطبها: إنه بلغني أن هذا العدو الذي قربت داره وساء جواره واشتدت ضغينته يريد أن يثور إلينا بمكاننا هذا من يومنا هذا، وقد أذنت لمن أحب الأنصراف عنا في ذلك فإنه لا ذمام عليه منا ولا لوم فإني مقيم حتي يفتح الله بيني وبينه وهو خير الفاتحين. فقام إليه أبو عبد الله الجدلي، ومحمد بن نشر، وعبد الله بن سبيع فتكلموا وأعلموه أنهم غير مفارقيه. قالوا: وجدّ ابن الزبير في قتال ابن الحنفية، وكره ابن الحنفية أن يقاتله في الحرم، وقد كان خبر ابن الحنفية انتهى إلى عبد الملك بن مروان،وبلغه فعل ابن الزبير فبعث إليه يعلمه إنه إن قدم عليه أحسن إليه، وعرض عليه أن ينزل إي الشام شاء حتى يستقيم أمر الناس، وكان رسوله إليه حبيب بن كرّه مولاهم. وكتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك في محمد بن الحنفية كتابا يسأله فيه الوصاة بمحمد بن الحنفية والعناية بشأنه والحيطة عليه، إذا صار إلى الشام، فأجابه عبد الملك بكتاب حسن يعلمه فيه قبول وصيته، وسأله أن ينزل به (¬١) حوائجه، وخرج ابن الحنفية وأصحابه يريدون الشام، وخرج كثير عزة أمامه وهو يقول: هديت يا مهديّنا ابن المهتدي … أنت الذي نرضى به ونرتجي أنت ابن خير الناس من بعد النبي … أنت إمام الحق لسنا نمتري يا بن عليّ سر ومن مثل علي (¬٢) … وأتى ابن الحنفية مدين وبها مظهر بن حبّي العكي من قبل عبد الملك، فحدثه أصحابه بما كان من غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد بن العاص بعد أن أعطاه العهود المؤكدة فحذره ونزل أيلة، وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة صلاته وزهده وحسن هديه، فلما بلغ ذلك عبد الملك ندم على إذنه له في قدوم بلده فكتب إليه: إنك قدمت بلادنا بإذن منا، وقد رأيت أن لا يكون في سلطاني رجل لم يبايعني. فلك ألف ألف درهم أعجل لك منها مائتي ألف درهم ولك السفن التي أرفأت إليك من مصر، وكانت سفنا بعث إليه فيها بأمتعة وأطعمة.فكتب إليه ابن الحنفية: قد قدمنا بلادك بإذنك إذ كان ذلك لك موافقا وارتحلنا عنها إذ أنت لجوارنا كارها. وقدم ابن الحنفية فنزل الشعب بمكة، فبعث إليه ابن الزبير: ارتحل عن هذا الشعب فما أراك منتهيا عنه أو يشعب الله لك ولأصحابك فيه أصنافا من العذاب. وكتب إلى مصعب بن الزبير أخيه يخبره بأسماء رؤساء أصحاب ابن الحنفية ويأمره أن يسيّر نساءهم من الكوفة فسير نساء نفر منهم فيهن امرأة طفيل بن عامر بن واثلة، وهي أم سلمة بنت عمرو الكنانية، فجاءت حتى قدمت عليه فقال الطفيل في ذلك: إن يك سيّرها مصعب … فإني إلى مصعب مذنب أقود الكتيبة مستلئما … كأني أخو عرة (¬١) أجرب عليّ دلاص تخيّرتها … وبالكف ذو رونق مقضب سعرت عليهم مع الساعرين … نارا إذا خمدت تنقب فلو أن يحيى به قوة … فيغزو مع القوم أو يركب ولكن يحيى كفرخ العقاب … ريش قوادمه أزغب فكفّ ابن الزبير عن ابن الحنفية حتى إذا حج الناس، وكان يوم النفر أرسل إليه: تنحّ عن هذا المنزل وانفر مع الناس وإلا فإني مناجزك. فسأله معاذ بن هانئ وغيره من أصحابه أن يأذن في مقارعته، وقالوا: قد بدأك بالظلم واضطرك وإيانا إلى الامتناع، فقال له ابن مطيع: لا يغرنّك قول هؤلاء فإنهم قتلة أبيك وأخيك، فقال له: نصبر لقضاء الله،اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذل والخوف، وسلط عليه وعلى أشياعه وناصريه من يسومهم مثل الذي يسوم الناس، اللهم أبلسه بخطيئته، وأجعل دائرة السوء عليه، سيروا بنا على اسم الله إلى الطائف. فقام ابن عباس فدخل على ابن الزبير فقال له: ما ينقضي عجبي من تنزّيك على بني عبد المطلب، تخرجهم من حرم الله وهم والله أولى به وأعظم نصيبا فيه منك، إن عواقب الظلم لتردّ إلى وبال. فقال ابن الزبير: ما منك أعجب ولكن من نفسي حين أدعك تنطق عندي ملء فيك، فقال ابن عباس: والله ما نطقت عند أحد من الولاة أخسّ منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ، وأبي بكر، ونطقت رجلا عند عمر وعثمان وعلي يروني أحقّ من نطق فيستمع لرأيي، وتقبل مشورتي، وكل هؤلاء خير منك ومن أبيك. فقال: والله لئن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل أبيك مذ أربعون سنة. فقال ابن عباس: ذلك والله أبلغ إلى جاعرتيك (¬١)، بغضي والله ضرك واثمك إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبك فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل سوء، فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم. فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا تقربني. قال: أنا أزهد فيك من أن أقربك، ولأخرجنّ عنك خروج من يذمّك ويقليك. فلحق بالطائف فلميلبث يسيرا حتى توفي فصلى عليه ابن الحنفية، فكبّر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا. ولم يزل ابن الحنفية بالطائف حتى أقبل الحجاج بن يوسف من عند عبد الملك إلى ابن الزبير، فلما حصره عاد ابن الحنفية إلى الشعب. وكتب إليه عبد الملك بعد مقتل مصعب بن الزبير وبعثته الحجاج: أما بعد فإذا أتاك كتابي فاخرج إلى الحجاج عاملي فبايعه. فكتب إليه: إني لا أبايع حتى يجتمع الناس عليك فاذا اجتمعوا كنت أول من يبايع. فلما قتل عبد الله بن الزبير، وهو يومئذ بالشعب أيضا سرح أبا عبد الله الجدلي بكتاب منه إلى عبد الملك يسأله فيه الأمان لنفسه وأصحابه، وبعث اليه الحجاج يأمره بالبيعة فأبى وقال: قد كتبت الى عبد الملك كتابا، فإذا جاءني جوابه بما سألته بايعت. قال: أو تشترط على أمير المؤمنين الشروط لتبايعنّي طائعا أو كارها؟! فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: ما تريد من رجل ما نعلم في زماننا مثله. أمسك عنه حتى يأتيه كتاب ابن عمه. وقد كان كتاب عبد الملك أتى الحجاج قبل قتل ابن الزبير يأمره فيه بالكف عن ابن الحنفية والرفق به، فأمسك الحجاج حتى قدم على ابن الحنفية رسوله أبو عبد الله الجدلي بجواب كتابه ببسط الأمان وتصديق قوله ووصف ما هو عليه في إسلامه وعفافه وفضله وقرابته وعظيم حقه، وقال له: لعمري لئن ألجأتك الى الذهاب في الأرض خائفا لقد ظلمتك وجفوتك، وقطعت رحمك، فبايع الحجاج على بركة الله، وأمره بالقدوم عليه آمنا مأمونا وفي الرحب والسّعة، والى الكرامة والاثرة والمواساة.فخرج الى الحجاج فبايعه لعبد الملك، وأشخصه الحجاج إليه في جماعة منهم عبد الله بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير، فلما قدم على عبد الملك أعظمه وأكرمه وبره وأقبل عليه، فحسده الحجاج على ما رأى من احتفاء عبد الملك به فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد أردت أن أضرب عنقه لولا تقدمك إلي في أمره لتأخره وتثاقله عن البيعة. فقال له عبد الملك: مهلا يا حجاج. فسأله ابن الحنفية أن ينزع عنه سلطانه فقال: إنه لا سلطان له عليك ولا لأحد من الناس دوني، ولك في كل سنة رحلة ترفع إلي فيها حوائجك فأقضيها لك. ويقال إنه قال: أخلني يا أمير المؤمنين. فقال: إنه ليس دون الحجاج سر. قال: فاعدني عليه فإنه يكلفني الغدوّ والرواح اليه ويعدي عليّ غرمائي قبل بيع الثمرة. فقال عبد الملك: لا سلطان لك عليه دون بلوغ الثمرة، ولا على عبد الله بن جعفر فإنهما ينتظران الغلة، أو صلتنا. ثم انصرف من عند عبد الملك وكان معه جماعة من أصحابه منهم عامر بن واثلة أبو الطفيل، ومحمد بن نشر، ومحمد بن يزيد بن مزعل حتى قدموا المدينة. حدثني أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن ابن كيسان قال: قال عبد الملك لابن الحنفية حين قدم عليه وهما خلوان: أتذكر فعلتك يوم الدار؟ فقال: أنشدك الله والرحم يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما ذكرتها ولا أذكرها.وكان محمد سمع مروان قال لعلي يوم الدار: قطع الله الليلة أثرك، فأخذ محمد بحمائل سيف مروان فرجع ففرق بينهما. ويقال ان الحجاج وجه ابن الحنفية الى عبد الملك وافدا فأكرمه وبره، ثم رده الى المدينة وقال: فد إليّ في كل عام، وإن الحجاج لم يشخصه معه.
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 1332, entry [272]344 chars
بير على الكوفة، واشتد أمر عبد الله بن الزبير وتضعضعأمر أصحاب ابن الحنفية، وانقطعت عنهم موادهم، واشتدت حاجتهم، وقال ابن الزبير لابن عباس: لم يبلغك قتل الكذاب؟. قال: ومن الكذاب؟. قال: ابن أبي عبيد. فقال: قد بلغني قتل المختار، قال: كأنك تكره تسميته كذابا وتتوجع له؟. فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس جزاؤه منا الشتم وا
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 1332, entry [272]343 chars
نقطعت عنهم موادهم، واشتدت حاجتهم، وقال ابن الزبير لابن عباس: لم يبلغك قتل الكذاب؟. قال: ومن الكذاب؟. قال: ابن أبي عبيد. فقال: قد بلغني قتل المختار، قال: كأنك تكره تسميته كذابا وتتوجع له؟. فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس جزاؤه منا الشتم والشماتة. فقال ابن الزبير: لست أدري أأنت معنا أم علينا. ومر ابن عباس بعروة بن
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 1332, entry [272]344 chars
ك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس جزاؤه منا الشتم والشماتة. فقال ابن الزبير: لست أدري أأنت معنا أم علينا. ومر ابن عباس بعروة بن الزبير فقال: قد قتل الكذاب المختار وهذا رأسه، فقال ابن عباس: إنه قد بقيت لكم عقبة فإن صعدتموها فأنتم أنتم - يعني عبد الملك وأهل الشام-. وبعث ابن الزبير إلى ابن الحنفية إن البلاد قد افتتحت، وإن الا
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 1332, entry [272]341 chars
وظهر مصعب بن الزبير على الكوفة، واشتد أمر عبد الله بن الزبير وتضعضعأمر أصحاب ابن الحنفية، وانقطعت عنهم موادهم، واشتدت حاجتهم، وقال ابن الزبير لابن عباس: لم يبلغك قتل الكذاب؟. قال: ومن الكذاب؟. قال: ابن أبي عبيد. فقال: قد بلغني قتل المختار، قال: كأنك تكره تسميته كذابا وتتوجع له؟. فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا، وشفى غليل صدورنا، ليس