البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1228, entry [261]12,000 chars
شبر وشبير ومشبر حدثني هشام بن عمار، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: سمع رسول الله ﷺ بكاء حسن أو حسين فقام فزعا فقال: «أيها الناس، الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل». حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن هانئ عن علي ﵇ قال: ولد لي ابن سميته حربا. فقال رسول ال…
▸ expand full passage (12,000 chars)شبر وشبير ومشبر حدثني هشام بن عمار، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: سمع رسول الله ﷺ بكاء حسن أو حسين فقام فزعا فقال: «أيها الناس، الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل». حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن هانئ عن علي ﵇ قال: ولد لي ابن سميته حربا. فقال رسول الله ﷺ: ما سميتموه؟ قلنا: سميناه حربا. فقال: هو حسن. ثم ولد لي آخر فسميته حربا فقال رسول الله ﷺ: ما سميتموه؟ قلنا: حربا، قال: هو حسين. ثم ولد لي ابن آخر فسميته حربا فقال رسول الله ﷺ ما سميتموه؟ قلنا: حربا. قال: هو محسن، إني سميت بنيّ هؤلاء بأسماء ولد هارون: شبر وشبير ومشبر. فولد حسين: عليا الأكبر وأمه ثقفية، قتل بالطفّ، وكان يقاتل وهو يقول: أنا عليّ بن الحسين بن علي … أنا وبيت الله أولى بالنبيمن شمر وشبث وابن الدّعي وعليا الأصغر وهو الذي أعقب، وأمه أم ولد تسمى سلافة. قال الزهري: ما رأيت قرشيا قط أفضل من علي بن الحسين، ومات بالمدينة وهو ابن ثماني وخمسين سنة ويقال ابن ستين ويكنى أبا محمد. وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين، ودفن بالبقيع، ويقال مات في سنة اثنتين وتسعين. وفاطمة بنت الحسين، أمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله. وسكينة، أمها الرباب بنت امرئ القيس، وقد ذكرنا أمرها فيما تقدم. وكانت فاطمة بنت الحسين عند الحسن بن الحسن بن علي، ثم خلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. فولد علي بن الحسين: محمدا. وعبد الله. وحسينا، وأمهم أم عبد الله بنت الحسن بن علي. وعمرا وزيدا لأم ولد. وعليا وخديجة لأم ولد. وأم موسى. وأم حسن. وكلثم. ومليكة، لأمهات أولاد شتى. فولد محمد بن علي: جعفر. وعبد الله، وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، فإلى جعفر بن محمد بن علي تنسب الجعفرية وهو أبو موسى بن جعفر. وكان يكنى أبا عبد الله ومات بالمدينة. وأما عبد الله بن محمد فكان يلقب دورقا. مات بالمدينة وله عقب. وأما زيد بن علي بن الحسين، فكان يكني أبا الحسين، قتل بالكوفة. وكانت ميمونة بنت حسين بن زيد بن علي بن الحسين عند المهدي، وكان حسين بن زيد أعمى.وكان لزيد ابن يقال له عيسى، مات بالكوفة. وأما علي بن علي بن الحسين فكان يلقب الأفطس وله عقب. حدثني بكر بن الهيثم، حدثني علي بن عبد الله المديني عن سفيان بن عيينة، عن ابراهيم بن ميسرة، عن طاوس عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في الخروج فقلت: والله لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك. فقال: والله لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي هذه الحرمة غدا. حدثني يوسف بن موسى، ثنا حكام، أنبأ عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قال: قال علي وهو بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيكم يحمل قويهم ضعيفهم؟. قالوا: نفعل ونفعل. فحرّك رأسه ثم قال: توردون ثم تعردون (¬١)، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم. قالوا: وكان الحسين بن علي منكرا لصلح الحسن معاوية فلما وقع ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي والمسيب بن نجبة الفزاري، وسليمان بن صرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثهم، فسلموا عليه فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلم فقال: إن أمر الله كان قدرا مقدورا، إن أمر الله كان مفعولا. وذكر كراهته لذلك الصلح وقال: كنت طيّب النفس بالموت دونه ولكن أخي عزّهم علي وناشدني فأطعته وكأنما يحزّ أنفي بالمواسي ويشرّح قلبي بالمدى، وقد قال الله ﷿: ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا﴾﴿شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (¬١). وقال: ﴿وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (¬٢). فقال له جندب: والله ما بنا إلاّ أن تضاموا وتنتقصوا، فأمّا نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون مودّتنا بكل ما قدروا عليه، ولكن حاشا لله أن نؤازر الظالمين ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدو. وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إن هذا الكلام الذي كلمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلمك به كلنا. فقال: رحمكم الله صدقتم وبررتم. وعرض له سليمان بن صرد وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح فقال: هذا ما لا يكون ولا يصلح. قالوا: فمتى أنت سائر؟ قال: غدا إن شاء الله. فلما سار خرجوا معه، فلما جاوزوا دير هند نظر الحسين إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري، وهو ابن أم دينار: فما عن قلى فارقت دار معاشر … هم المانعون باحتى وذماري ولكنه ما حمّ لا بدّ واقع … نظار ترقّب ما يحمّ نظار قالوا: ولما بايع الحسن معاوية ومضى، تلاقت الشيعة بإظهار الحسرة والندم على ترك القتال والإذعان بالبيعة، فخرجت إليه جماعة منهم فخطؤوه في الصلح وعرضوا له بنقض ذلك، فأباه وأجابهم بخلاف ما أرادوه عليه، ثم إنهم أتوا الحسين فعرضوا عليه ما قالوا للحسن وأخبروه بما ردّ عليهم فقال: قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها فانتظروا مادام هذا الرجلحيا فإن يهلك نظرنا ونظرتم، فانصرفوا عنه فلم يكن شيء أحب إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية؛ وهم يأخذون أعطيتهم ويغزون مغازيهم. قالوا: وشخص محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني إلى الحسن وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولا فقال له سفيان كما قال له بالعراق: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: إجلس لله أبوك. والله لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلا الذي قضي. ثم أتيا الحسين فقال: ليكن كل أمري منكم حلسا من أحلاس بيته مادام هذا الرجل حيا، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا ف ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (¬١). قالوا: وكان حجر بن عدي أول من ذمّ الحسن على الصلح، وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، وأعطينا الدّنيّة ورضينا بالخسيسة وطلب القوم أمرا، وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين. فقال له: يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت. وأتى الحسين فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العز بالذل، وقبلتم القليل بترك الكثير، أطعني اليوم واعصني سائر الدهر، دع رأي الحسن واجمع شيعتك، ثم ادع قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال، وأخرجأنا في الخيل فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، فإنهم الآن غارون .. فقال: إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيل. قالوا: فلما توفى الحسن بن علي اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وأم جعدة أم هانئ بن أبي طالب في دار سليمان بن صرد، فكتبوا إلى الحسين كتابا بالتعزية وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك. وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبهم لقدومه وتطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم بما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه. فكتب إليهم: إني لأرجو أن يكون رأي أخي ﵀ في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا، فالصقّوا بالأرض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى واحترسوا من الأظناء مادام ابن هند حيا، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله. وكان رجال من أهل العراق ولثمان (¬١) أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظمونه ويذكرون فضله ويدعونه إلى أنفسهم ويقولون: إنّا لك عضد ويد ليتخذوا الوسيلة إليه وهم لا يشكّون في أن معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحدا.فلما كثر اختلاف الناس إليه، أتى عمرو بن عثمان بن عفان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسين، و والله إني لأرى أن لكم منه يوما عصيبا. فكتب مروان ذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: بأن اترك حسينا ما تركك ولم يظهر عداوته ويبدي صفحته، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء الله والسّلام. وكتب معاوية إلى الحسين: أما بعد فقد أنهيت إلى عنك أمور إن كانت حقا فإني لم أكن أظنها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلا فأنت أسعد الناس بمجانبتها وبحظ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك، فإني متى أنكرتك تنكرني، ومتى تكدني أكدك، فاتق الله يا حسين في شقّ عصا الأمة، وأن تردهم في فتنة. فكتب إليه الحسين كتابا غليظا يعدّ عليه فيه ما فعل في أمر زياد وفي قتل حجر، ويقول له: إنك قد فتنت بكيد الصالحين مذ خلفت: فكدني ما بدا لك. وكان آخر نص الكتاب: والسّلام على من اتبع الهدى. فكان معاوية يشكو ما كتب به الحسين إليه إلى الناس، فقيل له: اكتب إليه كتابا تعيبه وأباه فيه، فقال: ما عسيت فيه أن أقول في أبيه إلا أن أكذب. ومثلي لا يعيب أحدا بالباطل، وما عسيت أن أقول في حسين ولست أراه للعيب موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه فأتوعده وأتهدده، ثم رأيت ألا أجيبه. ولم يقطع معاوية عن الحسين شيئا كان يصله ويبره به، وكان يبعثإليه في كل سنة ألف ألف درهم وعروض وهدايا من كل ضرب، فلما توفي معاوية ﵀ للنصف من رجب سنة ستين وولي يزيد بن معاوية الأمر بعده كتب يزيد إلى عامله الوليد بن عتبه بن أبي سفيان في أخذ البيعة على الحسين وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فدافع الحسين بالبيعة، ثم شخص إلى مكة فلقيه عبد الله بن مطيع العدوي من قريش فقال له: جعلت فداك أين تريد؟ قال: أما الآن فأريد مكة وأما بعد أن آتى مكة فإني أستخير الله، فقال: خار الله لك يا بن بنت رسول الله وجعلني فداك، فإذا أتيت مكة فاتق الله ولا تأت الكوفة فإنها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك وطعن أخوك، وأنا أرى أن تأتي الحرم فتلزمه فإنك سيد العرب، ولن يعدل أهل الحجاز بك أحدا و والله لئن هلكت لنسترقّنّ بعدك. ويقال إنه كان لقيه على ماء في طريقه حين توجه إلى الكوفة من مكة، فقال له: إني أرى لك أن ترجع إلى الحرم فتلزمه، ولا تأتي الكوفة. ولما نزل الحسين مكة جعل أهلها يختلفون إليه. ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بمكة قد لزم جانب الكعبة يصلي ويطوف، ويأتي الحسين وهو أثقل الناس عليه. وحدثت عن أبي محنف عن عبد الملك بن نوفل عن مساحق عن أبي سعيد المقبري قال: رأيت حسينا يمشي بين رجلين حين دخل مسجد رسول الله ﷺ وهو يقول: لا ذعرت السوام في وضح الصبح مغيرا … ولا دعيت يزيدا يوم أعطى مخافة الموت ضيما والمنايا ترصدنني أن أحيدافعلمت أنه لا يلبث إلاّ قليلا حتى يخرج، فما لبث أن خرج نحو مكة ثم خرج منها إلى العراق. وقال العتبي: حجب الوليد بن عتبة أهل العراق عن الحسين فقال الحسين: يا ظالما لنفسه، عاصيا لربه، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك؟ فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلا تخطرها فتخطر بك، ولو علمت ما يكون بعدنا لأحببتنا كما أبغضتنا. وبلغ الشيعة من أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين من البيعة ليزيد، فكتبوا إليه كتابا صدّروه: «من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبه، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظهر - وبعضهم يقول مطهّر - وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيها، وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين أغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود، وليس علينا إمام فاقدم علينا لعل الله يجمعنا بك على الحق، واعلم أن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجمع معه جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا إقبالك الينا أخرجناه فالحقناه بالشام. والسّلام». وكان معاوية ولى النعمان الكوفة بعد عبد الرحمن بن أم الحكم، وكان النعمان عثمانيا مجاهرا ببغض عليّ، سيء القول فيه، وبعثوا بالكتاب مععبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال التيمي فقدما بالكتاب على الحسين لعشر ليال خلون من شهر رمضان بمكة، ثم سرحوا بعد ذلك بيومين قيس بن مسهر بن خليد الصيداوي من بني أسد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدر الأرحبي وعمارة بن عبد السلولي، فحملوا معهم نحوا من خمسين صحيفة، الصحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة، وكتبوا معهما: «أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس منتظرون لا إمام لهم غيرك، فالعجل، ثم العجل، ثم العجل، والسّلام». قالوا: وكتب إليه أشراف أهل الكوفة شبث بن ربعي اليربوعي، ومحمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وعزرة بن قيس الأحمسي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي: «أما بعد فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم علينا فإنما تقدم على جند لك مجند، والسّلام». فتلاحقت الرسل كلها واجتمعت عنده فأجابهم على آخر كتبهم وأعلمهم أن قد قدم مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليعرف طاعتهم وأمرهم، ويكتب إليه بحالهم ورأيهم، ودعا مسلما فوجهه مع قيس بن مسهر وعمارة بن عبد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن ذي الكدر، فكتب إليه مسلم من الطريق: «إني توجهت مع دليلين من أهل المدينة فضلاّ عن الطريق واشتد عليهما العطش حتى ماتا، وصرنا إلى الماء فلم ننج الا بحشاشة أنفسنا، وقد تطيرت من وجهي هذا، فإن رأيت أن تعفيني منه وتبعث غيري فافعل».فكتب إليه الحسين: «أما بعد فقد خشيت أن يكون الذي حملك على الكتاب إلي بالاستعفاء من وجهك الجبن، فامض لما أمرتك به». فمضى لوجهه، وكان من حين مقتله ما قد ذكرناه في خبر ولد عقيل بن أبي طالب، وكان مخرج مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، ويقال يوم الأربعاء لتسع خلون من ذي الحجة سنة ستين، يوم عرفة بعد خروج الحسين من مكة مقبلا إلى الكوفة بيوم. وكان الحسين خرج من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، ثم خرج منها يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة يوم التروية وهو اليوم الذي خرج فيه مسلم بالكوفة، وقد يقال إنه خرج بالكوفة يوم الأربعاء وهو يوم عرفة. وحدثني بعض قريش أن يزيد كتب إلى ابن زياد: بلغني مسير حسين إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعوذ عبدا كما يعتبد العبيد.