Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

أمر صفين

أمر صفين

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 3 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
1
Strong identity entries
0
Chronology hints
2
Attribute hints
2
Relation hints
0
Assessment hints
1
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 3 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

1 exact linked passages1 legacy full passages1 assessment hints0 assessment snippets

ابن خلدون - تاريخ ابن خلدون

full-text

— · 1 entry

  • legacy full passagepage 1422, entry [454]17,542 chars
    أمر صفين لما رجع عليّ بعد وقعة الجمل إلى الكوفة مجمعا على قصد الشام، بعث إلى جرير بن عبد الله البجلي بهمدان وإلى الأشعث بن قيس بآذربيجان وهما من عمّال عثمان بأن يأخذا له البيعة ويحضرا عنده، فلما حضرا بعث جرير إلى معاوية يعلمه ببيعته ونكث طلحة والزبير وحزبهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلم…
    ▸ expand full passage (17,542 chars)
    أمر صفين لما رجع عليّ بعد وقعة الجمل إلى الكوفة مجمعا على قصد الشام، بعث إلى جرير بن عبد الله البجلي بهمدان وإلى الأشعث بن قيس بآذربيجان وهما من عمّال عثمان بأن يأخذا له البيعة ويحضرا عنده، فلما حضرا بعث جرير إلى معاوية يعلمه ببيعته ونكث طلحة والزبير وحزبهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلمّا قدم عليه طاوله في الجواب وحمل أهل الشام ليرى جرير قيامهم في دم عثمان واتهامهم عليّا به، وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان ملوّثا بالدم كما قدّمناه وبأصابع زوجته نائلة، وضع معاوية القميص على المنبر والأصابع من فوقه، فمكث الناس يبكون مدّة وأقسموا ألّا يمسهم ماء إلّا لجنابة ولا يناموا على فراش حتى يثأروا لعثمان ومن حال دون ذلك قتلوه. فرجع جرير بذلك إلى عليّ وعذله الأشتر في بعثجرير وأنّه طال مقامه حتى تمكن أهل الشام من رأيهم [١] ، فغضب لذلك جرير ولحق بقرقيسياء واستقدمه معاوية فقدم عليه. وقيل أن شرحبيل بن السمط الكندي أشار على معاوية بردّ جرير لأجل منافسة كانت بينهما منذ أيام عمر، وذلك أن شرحبيل كان عمر بن الخطاب بعثه إلى سعد بالعراق ليكون معه فقرّبه سعد وقدّمه ونافسه له أشعث بن قيس، فأوصى جريرا عند وفادته على عمر أن ينال من شرحبيل عنده، ففعل فبعث عمر شرحبيل إلى الشام فكان يحقد ذلك على جرير، فلما جاء الى معاوية أغراه شرحبيل به وحمله على الطلب بدم عثمان. ثم خرج عليّ وعسكر بالنخيلة واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري وقدم عليه عبد الله بن عبّاس في أهل البصرة، وتجهّز معاوية وأغراه عمرو بقلّة عسكر عليّ واضطغان أهل البصرة له بمن قتل منهم، وعبّى معاوية أهل الشام وعقد لعمرو ولا بنيه وغلامه وردان الألوية. وبعث عليّ في مقدمته زياد بن النضر الحارثي في ثمانية آلاف وشريح بن هانئ في أربعة آلاف، وسار من النخيلة إلى المدائن واستنفر من كان بها من المقاتلة وبعث منها معقل بن قيس في ثلاثة آلاف يسير من الموصل ويوافيه بالرّقة. وولّي عليّ على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار بن أبي عبيد، وسار فلما وصل إلى الرّقة نصب له جسر فعبر وجاء زياد وشريح من ورائه، وكانا سمعا بمسير معاوية وخشيا أن يلقاهما معاوية وبينهما وبين عليّ البحر ورجعا إلى هيت وعبر الفرات، ولحقا بعلي فقدّمهما امامه، فلما أتيا إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام فطاولاه وبعثا إلى عليّ فسرح الأشتر وأمره أن يجعلهم على مجنبتيه، وقال: لا تقاتلهم حتى آتيك. وكتب إلى شريح وزياد بطاعته فقدم عليهما وكف عن القتال سائر يومه حتى حمل عليهم أبو الأعور بالعشيّ فاقتتلوا ساعة وافترقوا، ثم خرج من الغداة وخرج إليه من أصحاب الأشتر هاشم بن عتبة المرقال واقتتلوا عامة يومهم. وبعث الأشتر سنان بن مالك النخعيّ إلي أبي الأعور السلميّ يدعوه إلى البراز فأبي وحجز بينهم الليل، ووافاهم من الغد عليّ وعساكره، فتقدم الأشتر وانتهى إلى معاوية ولحق به عليّ. وكان معاوية قد ملك شريعة الفرات فشكى الناس إلى عليّ العطش فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية: «بأنّا سرنا ونحن عازمون على الكفّ عنكم حتى نعذر إليكم فسابقنا جندكم بالقتال ونحن رأيناالكفّ حتى ندعوك ونحتج عليك وقد منعتم الماء والناس غير منتهين فابعث إلى أصحابك يخلّون عن الماء للورد حتى ننظر بيننا وبينكم وان أردت القتال حتى يشرب الغالب فعلنا» . فأشار عمرو بن العاص بتخلية الماء لهم، وأشار ابن أبي سرح والوليد بن عقبة بمنعهم الماء، وعرضا بشتم فتشاتم معهم صعصعة ورجع، وأوعز إلى أبي الأعور بمنعهم الماء وجاء الأشعث بن قيس إلى الماء فقاتلهم عليه ثم أمر معاوية أبا الأعور يزيد بن أبي أسد القسري جدّ خالد بن عبد الله ثم بعمرو بن العاص بعده، وأمر عليّ الأشعث بشبث بن ربعي ثم بالأشتر وعليهم أصحاب عليّ وملكوا الماء عليهم، وأرادوا منعهم منه فنهاهم عليّ عن ذلك. وأقام يومين ثم بعث إلى معاوية أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمدانيّ وشبث بن ربعي التميمي، يدعونه إلى الطاعة وذلك أوّل ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فدخلوا عليه وتكلّم بشير بن عمرو بعد حمدا للَّه والثناء عليه والموعظة الحسنة وناشده الله أن لا يفرّق الجماعة ولا يسفيك الدماء، فقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبك. فقال بشير: ليس مثلك أحق بالأمر بالسابقة والقرابة. قال: فما رأيك؟ قال: تجيبه إلى ما دعا إليه من الحق، قال معاوية: ونترك دم عثمان لا والله لا أفعله أبدا! ثم قال شبث بن ربعي: يا معاوية إنما طلبت دم عثمان تستميل به هؤلاء السفهاء العظام الى طاعتك، ولقد علمنا أنك أبطات على عثمان بالنصر لطلب هذه المنزلة فاتق الله ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله. فأجابه معاوية وأبدع في سبّه وقال: انصرفوا فليس بيني وبينكم إلّا السيف. فقال له شبث: أقسم باللَّه لنعجلها [١] لك. ورجعوا إلى عليّ بالخبر. وأقاموا يقتتلون أيام ذي الحجة كلها عسكر من هؤلاء وعسكر من هؤلاء، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام حذرا من الاستئصال والهلاك. ثم جاء المحرم فذهبوا إلى الموادعة حتى ينقضي طمعا في الصلح، وبعث إلى معاوية عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة [٢] ، فتكلم عدي بعد الحمد والثناء ودعا إلى الدخول في طاعة عليّ ليجمع الله به الكلمة فلم يبق غيرك ومن معك واحذر يا معاوية أن يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل. فقال معاوية:كأنك جئت مهدّدا لا مصلحا هيهات يا عدي أنا ابن حرب والله ما يقعقع لي بالشنان وأنّك من قتلة عثمان وأرجو أن يقتلك الله به. فقال له يزيد بن قيس: إنما أتيناك رسلا ولا ندع مع ذلك النصح والسعي في الالفة والجماعة وذكر من فضل عليّ واستحقاقه للأمر بتقواه وزهده. فقال معاوية بعد الحمد والثناء: أمّا الجماعة التي تدعون إليها فهي معنا وأمّا طاعة صاحبكم فلا نراها لأنه قتل خليفتنا وآوى أهل ثأرنا ونحن مع ذلك نجيبكم إلى الطاعة والجماعة إذا دفع إلينا قتلة عثمان. فقال شبث بن ربعي: أيسرّك يا معاوية أن تقتل عمّارا؟ قال: نعم بمولاه. قال شبث: حتى تضيق الأرض والفضاء عليك. فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق. وافترقوا عن معاوية ثم خلا بزياد بن خصفة وشكى إليه من عليّ وسأله النصر منه بعشيرته وأن يولّيه أحد المصرين، فأبى وقال: إني على بيّنة من ربي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقام عنه فقال معاوية لعمرو: كأنّ قلوبهم قلب رجل واحد. ثم بعث معاوية إلى عليّ حبيب بن مسلمة وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه، فتكلّم حبيب بعد الحمد للَّه والثناء فقال: إنّ عثمان كان خليفة مهديّا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره فاستثقلتم حياته واستبطأتم موته فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن كنت لم تقتله ثم اعتزل أمر الناس فيولّوا من أجمعوا عليه. فقال عليّ: ما أنت وهذا الأمر؟ فاسكت فلست بأهل له، فقال والله لتراني بحيث تكره، فقال: وما أنت لا أبقى الله عليك ان أبقيت اذهب فصوّب وصعد، ثم تكلّم بعد الحمد للَّه والثناء وهداية الناس بمحمد ﵌ وخلافة الشيخين وحسن سيرتهما، وقد وجدنا عليهما أن تولّيا ونحن أقرب منهما إلى رسول الله ﵌ لكن سمحنا لهما [١] بذلك، وولي عثمان فعاب الناس عليه وقتلوه، ثم بايعوني مخافة الفرقة فأجبتهم، ونكث عليّ رجلان وخالف صاحبكم الّذي ليس له مثل سابقتي، والعجب من انقيادكم له دون بيت نبيّكم ولا ينبغي لكم ذلك، وأنا أدعوكم إلى الكتاب والسنّة ومعالم الدين وإماتة الباطل وإحياء الحق» فقالوا: نشهد أن عثمان قتل مظلوما، فقال: لا أقول مظلوما ولا ظالما. قالوا: فمن لم يقل ذلك فنحن منه برآء وانصرفوا. فقرأ عليّ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ٢٧: ٨٠ الآية ثم، قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في ضلالهم أجدّ منكم في حقّكم.ثم تنازع عدي بن حاتم في راية طيِّئ وعامر بن قيس الحزمري [١] وكان رهطه أكثر من رهط عدي، فقال عبد الله بن خليفة البولاني: ما فينا أفضل من عدي ولا من أبيه حاتم ولم يكن في الإسلام أفضل من عدي وهو الوافد إلى رسول الله ﷺ ورأس طيِّئ في النخيلة والقادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند وتستر، وسأل عليّ قومهم فوافقوه على ذلك فقضى بها لعديّ. ولما انسلخ المحرّم نادى عليّ في الناس بالقتال وعبّى الكتائب وقال: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثّلوا ولا تأخذوا مالا ولا تهيّجوا امرأة وإن شتمتكم فإنّهنّ ضعاف الأنفس والقوى، ثم حرّضهم ودعا لهم وجعل الأشتر على خيل الكوفة وسهل بن حنيف على خيل البصرة وقيس بن سعد على رجالة البصرة وعمّار بن ياسر على رجّالة الكوفة وهاشم بن عتبة معه الراية ومسعر بن فدكي على القرّاء، وعبّى معاوية كتائبه فجعل على الميمنة ذا الكلاع الحميري وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة، وعلى المقدّمة أبا الأعور وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص وعلى رجّالتها مسلم بن عقبة المرّي. وعلى الناس كلهم الضحّاك بن قيس. وتبايع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم في خمسة صفوف فاقتتلوا عامة يومهم، وفي اليوم الثاني هاشم بن عتبة وأبو الأعور السلميّ، وفي اليوم الثالث عمّار بن ياسر وعمرو بن العاص فاقتتلوا أشدّ قتال وحمل عمّار فأزال عمرا عن موضعه، وفي اليوم الرابع محمد بن الحنفيّة وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وتداعيا إلى البراز فرد عليّ ابنه وتراجعوا، وفي اليوم الخامس عبد الله بن عبّاس والوليد بن عقبة فاقتتلا كذلك، ثم عاد في اليوم السادس الأشتر وحبيب فاقتتلا قتالا شديدا وانصرفا. وخطب عليّ الناس عشيّة يومه [٢] وأمرهم بمناهضة القوم بأجمعهم وأن يطيلوا ليلتهم القيام، ويكثروا التلاوة ويدعو الله بالنصر والصبر، ويرموا [٣] غدا في لقائهم بالجدّ والحزم. فبات الناس يصلحون ليلتهم سلاحهم، وعبّى عليّ الناس ليلته إلى الصباح، وزحف وسأل عن القبائل من أهل الشام وعرف مواقفهم وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، ومن ليس منهم أحد بالشام يصرفهم إلى من ليس منهم أحدبالعراق مثل بجيلة صرفهم الى لخم. وخرج معاوية في أهل الشام فاقتتلوا يوم الأربعاء قتالا شديدا عامة يومهم ثم انصرفوا، وغلس عليّ يوم الخميس بالزحف وعلى ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء وعلى ميسرته عبد الله بن عبّاس والقرّاء مع عمّار وقيس بن سعد وعبد الله بن يزيد والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليّ في القلب بين أهل الكوفة والبصرة ومعه أهل البصرة والكوفة ومعه أهل المدينة من الأنصار وخزاعة وكنانة. ورفع معاوية قبة عظيمة وألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق [١] وزحف ابن بديل في الميمنة فقاتلهم إلى الظهر وهو يحرّض أصحابه. ثم كشف خيلهم واضطرهم إلى قبة معاوية، وجاء الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية فبعثهم إلى حبيب فحمل بهم على ميمنة أهل العراق فانجفل الناس عن ابن بديل إلا ثلاثمائة أو مائتين من القرّاء وانتهت الهزيمة إلى عليّ، وأمدّه عليّ بسهل بن حنيف في أهل المدينة فاستقبلهم جموع عظيمة لأهل الشام فمنعتهم، ثم انكشفت مضر من الميسرة وثبتت ربيعة وجاء عليّ يمشي نحوهم فاعترضه أحمر مولى أبي سفيان فحال دونه كيسان مولاه فقتله أحمر، فتناول عليّ أحمر من درعه فجذبه وضرب به الأرض وكسر منكبيه وعضديه، ثم دنا من ربيعة فصبّرهم وثبّت أقدامهم وتنادوا بينهم إن أصيب بينكم أمير المؤمنين افتضحتم في العرب، وكان الأشتر مرّ به راكضا نحو الميمنة واستقبل الناس منهزمين فأبلغهم مقالة عليّ: أين فراركم من الموت الّذي لا تعجزوه [٢] إلى الحياة التي لا تبقى لكم، ثم نادى أنا الأشتر فرجع إليه بعضهم فنادى مذحجا وحرّضهم فأجابوه، وقصد القوم واستقبله شباب من همذان ثمانمائة أو نحوها وكان قد هلك منهم في ذلك اليوم أحد عشر رئيسا وأصيب منهم ثمانون ومائة وزحف الأشتر نحو الميمنة، وتراجع الناس واشتدّ القتال حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية عند الاصفرار وانتهى إلى ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القرّاء قد لصقوا بالأرض، فانكشفوا عنهم أهل الشام وأبصروا إخوانهم وسألوا عن عليّ فقيل لهم هو في الميسرة يقاتل، فقال ابن بديل استقدموا بنا ونهاه الأشتر فأبى ومضى نحو معاوية وحوله أمثال الجبال تقتل كل من دنا منه حتى وصلالى معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به فقتل وقتل من أصحابه ناس ورجع آخرون مجرّمين [١] وأهل الشام في اتباعهم، فبعث الأشتر من نفس عنهم حتى وصلوا إليه وزحف الأشتر في همذان وطوائف من الناس فأزال أهل الشام عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل أخرى فصرع منهم أربعة صفوف حتى دعا معاوية بفرسه فركبه، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمّار فقاتلوا، وتقدّم عقبة بن حديد النميري مستميتا ومعه إخوته وقاتلوا حتى قتلوا، وتقدّم شمر بن ذي الجوشن مبارزا فضرب أدهم بن محرز الباهليّ وجهه بالسيف وحمل هو على أدهم فقتله، وحمل قيس بن المكشوح [٢] ومعه راية بجيلة فقاتل حتى أخذها آخر كذلك. ولما رأى عليّ أهل ميمنة أصحابه قد عادوا إلى مواقفهم وكشفوا العدوّ قبالتهم أقبل إليهم وعذلهم بعض الشيء عن مفرّهم وأثنى على وجوههم، وقاتل الناس قتالا شديدا وتبارز الشجعان من كل جانب وأقبلت قبائل طيِّئ والنخع وخرجت حمير من ميمنة أهل الشام، وتقدّم ذو الكلاع ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقصد ربيعة في ميسرة أهل العراق وعليهم ابن عبّاس وحملوا عليهم حملة شديدة فثبت ربيعة وأهل الحفاظ منهم وانهزم الضعفاء والفشلة، ثم رجعوا ولحقت بهم عبد القيس وحملوا على حمير فقتل ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر وأخذ سيف ذي الكلاع وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه من قاتله. ثم خرج عمّار بن ياسر وقال اللَّهمّ اني لا أعمل اليوم عملا أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ثم نادى من سعى في رضوان ربّه فلا يرجع إلى مال ولا ولد فأتاه عصابة فقال: «اقصدوا بنا هؤلاء الذين يطلبون بدم عثمان يخادعون بذلك عمّا في نفوسهم من الباطل» ، ثم مضى فلا يمرّ بواد من صفّين الا اتبعه من هناك من الصحابة. ثم جاء الى هاشم بن عتبة وكان صاحب الراية فأنهضه حتى دنا من عمرو بن العاص وقال: يا عمرو بعت دينك بمصر؟ تبّا لك فقال: إنما أطلب دم عثمان، فقال: أشهد أنك لا تطلب وجه الله في كلام كثير من أمثال ذلك وأنّ رسول الله ﷺ قال في عمّار تقتله الفئة الباغية.ولما قتل عمّار حمل عليّ وحمل معه ربيعة ومضر وهمذان حملة منكرة فلم يبق لأهل الشام صف إلّا انتقض حتى بلغوا معاوية فناداه عليّ: علام يقتل الناس بيننا هلمّ أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال له عمرو: أنصفك. فقال له معاوية: لكنك ما أنصفت. وأسر يومئذ جماعة من أصحاب عليّ فترك سبيلهم، وكذلك فعل عليّ، ومرّ عليّ بكتيبة من الشام قد ثبتوا فبعث إليهم محمد ابن الحنفية فازالهم عن مواقفهم، وصرح عبد الله بن كعب المرادي فمرّ به الأسود بن قيس فأوصاه بتقوى الله والقتال مع عليّ، وقال أبلغه عني السلام، وقال له قاتل على [١] المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره فإنه العالي. ثم اقتتل الناس إلى الصباح وهي ليلة الجمعة وتسمّي ليلة الهرير، وعليّ يسير بين الصفوف ويحرّض كل كتيبة على التقدّم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة وابن عبّاس في الميسرة والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة. ثم ركب الأشتر ودعا الناس إلى الحملة على أهل الشام فحمل حتى انتهى إلى عسكرهم وقتل صاحب رايتهم، وأمدّه عليّ بالرجال، فلما رأى عمرو شدّة أهل العراق وخاف على أصحابه الهلاك، قال لمعاوية: مر الناس يرفعون المصاحف على الرماح ويقولون كتاب الله بيننا وبينكم فإن قبلوا ذلك ارتفع عنّا القتال وإن أبى بعضهم وجدنا في افتراقهم راحة. ففعلوا ذلك، فقال الناس: نجيب إلى كتاب الله فقال لهم عليّ: «يا عباد الله امضوا على حقكم وقتال عدوّكم فإنّ معاوية وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحّاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلّا مكيدة وخديعة» . فقالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فلا نقبل، فقال: إنما قتلناهم ليدينوا بكتاب الله فإنّهم نبذوه. فقال له مسعر بن فدك التميميّ وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ أجب الى كتاب الله وإلّا دفعنا برمتك إلى القوم. أو فعلنا بك ما فعلنا بابن عفّان. فقال: إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر وكفّه عن القتال، فبعث إليه يزيد بن هانئ بذلك فأبى، وقال:، قد رجوت أن يفتحالله لي فلما جاء يزيد بذلك ارتج الموقف باللغط، وقالوا لعليّ: ما نراك إلا أمرته بقتال فابعث إليه فليأتك وإلّا اعتزلناك، فقال عليّ: ويحك يا يزيد قل له أقبل إليّ فان الفتنة قد رفعت، فقال: ألرفع المصاحف؟ فقال: نعم قال: لقد ظننت أن ذلك يوقع فرقة كيف ندع هؤلاء وننصرف والفتح قد وقع، فقال يزيد: تحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلّم إلى عدوّه أو يقتل، ثم أقبل إليهم الأشتر وأطال عتبهم، وقال امهلوني فواقا فقد أحسست بالفتح، فأبوا فعذلهم وأطال في عذلهم، فقالوا دعنا يا أشتر قاتلناهم الله، فقال: بل خدعتم فانخدعتم. ثم كثرت الملاحاة بينهم وتشاتموا فصاح بهم عليّ فكفّوا، فقال له الأشعث بن قيس: إنّ الناس قد رضوا بما دعوا إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية وسألته ما يريد. قال: افعل. فأتاه وسأله: لأيّ شيء رفعتم المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه تبعثون رجلا ترضونه، ونحن آخر ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه. ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال الأشعث هذا الحق ورجع إلى عليّ والناس وأخبرهم، فقال الناس رضينا وقبلنا، ورضي أهل الشام عمرا، وقال الأشعث وأولئك القرّاء الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى، فقال عليّ لا أرضاه فقال الأشعث ويزيد بن الحصين [١] ومسعر بن فدك: لا نرضي إلّا به. قال فإنه ليس ثقة قد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى أمّنته بعد شهر، قالوا لا نريد إلّا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، قال فالأشتر، قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ قال: فاصنعوا ما بدا لكم. فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل القتال، فقيل إنّ الناس قد اصطلحوا، فحمد الله، قيل وقد جعلوك حكما فاسترجع، وجاء أبو موسى إلى العسكر وطلب الأحنف بن قيس من عليّ أن يجعله مع أبي موسى، فأبى الناس من ذلك وحضر عمرو بن العاص عند عليّ لتكتب القضية بحضوره، فكتبوا بعد البسملة هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين، فقال: عمرو ليس هو بأميرنا، فقال له الأحنف: لا تمحها فاني أتطير بمحوها فمكث مليّا، ثم قال الأشعث: امحها. فقال عليّ: الله أكبر وذكر قصة الحديبيّة وفيها أنّك ستدعى إلى مثلها فتجيبها، فقال عمرو: وسبحان الله نشبه بالكفار ونحن مؤمنون. فقال عليّ: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليّا وللمؤمنين عدّوا، فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينكمجلس بعد اليوم، فقال عليّ: أرجو أن يظهر الله مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ على أهل الكوفة ومن معهم ومعاوية على أهل الشام ومن معهم أنّا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره وأنّ كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات مما وجد الحكمان في كتاب الله. وهما أبو موسى عبد الله ابن قيس وعمرو بن العاص وما لم يجدا في كتب الله فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة وأخذ الحكمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على الّذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يورداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا، وأجلّاء القضاء إلى رمضان وإن أحبّا أن يؤخّرا ذلك أخّراه وأنّ مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام» . وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشام وضعوا خطوطهم في الصحيفة، وأبى الأشتر أن يكتب اسمه فيها وحاوره الأشعث في ذلك فأساء الردّ عليه وتهدّده. وكتب الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين. واتفقوا على أن يوافي عليّ موضع الحكمين بدومة الجندل وبأذرح في شهر رمضان، ثم جاء بعض الناس إلى عليّ يحضّه على قتال القوم فقال: لا يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الإقرار. ثم رجع الناس عن صفّين ورجع علي، وخالفت الحروريّة وأنكروا تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الّذي جاءوا فيه حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة، ومرّ عليّ بقبر خباب بن الأرت توفي بعد خروجه فوقف واسترحم له، ثم دخل الكوفة فسمع رجة البكاء في الدور فقال يبكين على القتلى فترحم لهم، ولم يزل يذكر الله حتى دخل القصر فلم تدخل الخوارج معه وأتوا حرورا فنزلوا بها في اثني عشر ألفا، وقدّموا شبث بن عمر التميمي أمير القتال وعبيد الله بن الكوّاء اليشكري أمير الصلاة، قالوا البيعة للَّه ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر شورى بعد الفتح. فقالوا للناس بايعتم عليّا إنّكم أولياء من والى وأعداء من عادى، وبايع أهل الشام معاوية على ما أحب وكرهوا فلستم جميعا من الحق في شيء، فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بايعناه إلا على الكتاب والسنّة لكن لما خالفتموه تعيّنتم للضلال وتعيّنا للحق. ثم بعث عليّ عبد الله بن عبّاس إليهم قوال لا تراجعهم حتى آتيك فلم يصبر عنمكالمتهم، وقال: ما نقمتم من

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 955, entry [209]27,879 chars
    أمر صفين قالوا: كان جرير بن عبد الله البجلي بهمذان، فلما قدم علي ﵇ الكوفة عزله عنها ووجهه إلى معاوية يدعوه إلى طاعته، وأن يسلم له الأمر، ويدخل معه فيما دخل فيه أهل الحرمين والمصرين وغيرهم، فأتى جرير معاوية، ودعاه إلى ما أمره عليّ بدعائه إليه، فانتظر معاوية قدوم شرحبيل بن السمط الكندي عليه فقال له جر…
    ▸ expand full passage (27,879 chars)
    أمر صفين قالوا: كان جرير بن عبد الله البجلي بهمذان، فلما قدم علي ﵇ الكوفة عزله عنها ووجهه إلى معاوية يدعوه إلى طاعته، وأن يسلم له الأمر، ويدخل معه فيما دخل فيه أهل الحرمين والمصرين وغيرهم، فأتى جرير معاوية، ودعاه إلى ما أمره عليّ بدعائه إليه، فانتظر معاوية قدوم شرحبيل بن السمط الكندي عليه فقال له جرير: إني قد رأيتك توقفت بين الحق والباطل وقوف رجل ينتظر رأي غيره. وقدم شرحبيل فقال له معاوية: هذا جرير يدعونا إلى بيعة عليّ. فقام شرحبيل فقال: أنت عامل أمير المؤمنين عثمان، وابن عمّه وأولى الناس بالطلب بدمه وقتل من قتله. ولم ير جرير عند معاوية انقيادا. له ولا مقاربة لذلك، فانصرف يائسا منه. فلما قدم جرير على علي رضي الله تعالى عنهما أسمعه مالك بن الحارث - الأشتر - وقال: أنا أعرف غدراتك وغشّك، وأن عثمان اشترى منك دينك بولاية همدان فخرج جرير فلحق بقرقيسيا (¬١)، ولحق به قوم من قومه منقسر، ولم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلا، وشهدها من أحمس سبعمائة وأتى علي، دار جرير فشعّث منها وحرق مجلسه حتى قال له أبو زرعة بن عمرو بن جرير أصلحك الله إن في الدار أنصباء لغير جرير. فكف. وقام أبو مسلم الخولاني - واسمه عبد الرحمن (¬١). ويقال: عبد الله بن مشكم - إلى معاوية فقال له: على ما تقاتل عليا وليس لك مثل سابقته وقرابته وهجرته؟ فقال معاوية: ما أقاتله وأنا ادعي في الإسلام مثل الذي ذكرت أنه له ولكن ليدفع إلينا قتلة عثمان فنقتلهم به، فإن فعل فلا قتال بيننا وبينه، فقد تعلمون أن عثمان قتل مسلما محرما. قال: فاكتب إليه كتابا تسأله فيه أن يسلم قتلة عثمان، فكتب إليه فيما ذكر الكلبي عن أبي مخنف، عن أبي روق الهمداني: ﷽ من معاوية بن أبي سفيان، إلى علي بن أبي طالب. أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، ثم اجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم، فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، وكان أنصحهم لله ورسوله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما عثمان، فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء، في كل ذلك تقاد كما يقاد الجملالمخشوش (¬١)، ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمتك، وكان أحقهم أن لا تفعل به ذلك لقرابته وفضله، فقطعت رحمه وقبّحت حسنه، وأظهرت له العداوة، وبطنت له بالغشّ، وألبت الناس عليه حتى ضربت آباط الإبل إليه من كلّ وجه، وقيدت الخيل من كل أفق، وشهر عليه السلاح في حرم رسول الله ﷺ فقتل معك في المحلة وأنت تسمع الهائعة (¬٢)، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل، ولعمري يا بن أبي طالب لو قمت في حقه مقاما تنهى الناس فيه عنه، وتقبح لهم ما انتهكوا منه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة له والبغي عليه. وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنينا إيواؤك قتلته فهم عضدك ويدك وأنصارك، وقد بلغني أنك تتنصّل من دم عثمان، وتتبرأ منه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس بيننا وبينك إلا السيف، و والذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله والسّلام. فدفع الكتاب إلى أبي مسلم الخولاني وأمره أن يسير به إلى علي، فصار به إلى الكوفة فأوصله إلى علي واجتمع الناس في المسجد، وقرئ عليهم فقالوا: كلنا قتلة عثمان وكلنا كان منكرا لعمله، ولم يجبه عليّ إلى ما أراد، فجعل أبو مسلم يقول: الآن طاب الضراب. وكتب إليه في جواب كتابه:﷽ من عبد الله علي أمير المؤمنين؛ إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإنّ أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمدا وما أكرمه الله به من الهدى والوحي، فالحمد لله الذي صدق له الوعد، ومكّن له في البلاد، وأظهره على الدين كله، وقمع به أهل العداوة والشنآن من قومه الذين كذبوه وشنّعوا له وظاهروا عليه وعلى إخراج أصحابه، وقلبّوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم له كارهون، فكان أشد الناس عليه الأدنى فالأدنى من قومه إلا قليلا ممن عصم الله. وذكرت ان الله جلّ ثناؤه وتباركت اسماؤه اختار له من المؤمنين أعوانا أيده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدم (¬١) فضائلهم في الإسلام، فكان افضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده، ولعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لرزء جليل وذكرت ان ابن عفان كان في الفضل ثالثا، فإن يكن عثمان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف الحسنات ويجزي بها، وان يكن مسيئا فسيلقى ربا غفورا رحيما لا يتعاظمه ذنب أن يغفره؛ وإني لأرجو إذا اعطى الله المؤمنين على قدر اعمالهم أن يكون قسمنا أوفر قسم أهل بيت من المسلمين. إن الله بعث محمدا ﷺ فدعا إلى الإيمان بالله والتوحيد له، فكنا أهل البيت أول من آمن وأناب، فمكثنا وما يعبد الله في ربع سكن من أرباعي العرب أحد غيرنا فبغانا قومنا الغوائل وهمّوا بنا الهموم، والحقوا بناالوشائظ (¬١)، واضطرونا إلى شعب ضيق، وضعوا علينا فيه المراصد، ومنعونا من الطعام والماء العذب، وكتبوا بينهم كتابا أن لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يبايعونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا أو ندفع إليهم نبينا فيقتلوه أو يمثلوا به، وعزم الله لنا على منعه والذب عنه، وسائر من أسلم من قريش أخلياء مما نحن فيه منهم من حليف ممنوع وذي عشيرة لا تبغيه كما بغانا قومنا، فهم من التلف بمكان نجوة وأمن، فمكثنا بذلك ما شاء الله، ثم أذن الله لرسوله في الهجرة وأمره بقتال المشركين، فكان إذا حضر البأس ودعيت نزال قدّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد وجعفر يوم مؤتة، وتعرض من لو شئت ان اسميه سميته لمثل ما تعرضوا له من الشهادة، لكن آجالهم حضرت ومنيّته أخرت. وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي لهم، فأما الحسد فمعاذ الله ان أكون أسررته أو أعلنته، وأما الإبطاء فما أعتذر إلى الناس منه، ولقد أتاني أبوك حين قبض رسول الله ﷺ وبايع الناس أبا بكر، فقال: أنت أحق الناس بهذا الأمر فأبسط يدك أبايعك. قد علمت ذلك من قول أبيك، فكنت الذي أبيت ذلك مخافة الفرقة؛ لقرب عهد الناس بالكفر والجاهلية، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك، وإلا تفعل فسيغني الله عنك. وذكرت عثمان وتأليبي الناس عليه، فإنّ عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما قد علمت وأنا من ذلك بمعزل إلا أن تتجنىّ فتجنّ ما بدالك.وذكرت قتلته - بزعمك - وسألتني دفعهم إليك وما أعرف له قاتلا بعينه، وقد ضربت الأمر أنفه وعينيه فلم أره يسعني دفع من قبلي ممن اتهمته وأظننته إليك، ولئن لم تنزع عن غيك وشقائك؛ لتعرفنّ الذين تزعم أنهم قتلوه طالبين لا يكلفونك طلبهم في سهل ولا جبل والسّلام: وأنفذ عليّ الكتاب إلى معاوية مع أبي مسلم الخولاني. وقد قال بعض الرواة: إن أبا هريرة الدوسي كان مع أبي مسلم. وحدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم: عن عبد الوارث (¬١) بن محرّر؛ قال: بلغني أن عمرو بن العاص لما عزله عثمان بن عفان عن مصر؛ قال له: أبا عبد الله أعلمت أن اللقاح بمصر درت بعدك ألبانها؟ فقال: لأنكم أعجفتم أولادها. فكان كلاما غليظا. فلما تكلم الناس في أمره أتاه فقال: لقد ركبت بالناس النهابير (¬٢)، فأخلص التوبة وراجع الحق. فقال له: وأنت أيضا يا بن النويبغة تؤلب عليّ، لأني عزلتك عن مصر، لا تريني طلعتك، فخرج إلى فلسطين فنزل ضيعة له بها يقال لها: عجلان (¬٣)، وبها له قصر، فكان يحرض الناس على عثمان حتى الرعاة، فلما بلغه أنه محصور قال: العير يضرط والمكواة في النار. ثم بلغه قتله فقال: أنا أبو عبد الله؛ إني إذا حككت قرحة أدميتها - أو قال: نكأتها - ثم دعا ابنيه عبد الله ومحمدا فقال: ما تريان؟ فقال لهعبد الله: قد سلم دينك وعرضك إلى اليوم؛ فاقعد بمكانك وقال له محمد بن عمرو: أخملت نفسك وأمتّ ذكرك فانهض مع الناس في أمرهم هذا ولا ترض بالدنية في العرب. فدعا وردان مولاه فأمره بإعداد ما يحتاج إليه وشخص إلى معاوية فكان معه لا يشركه في أمره، فقال له: إني قصدت إليك وأنا اعرف موضع الحق لتجعل لي في أمرك هذا حظّا إذا بلغت إرادتك، ولأن تشركني في الرأي والتدبير. فقال له: نعم ونعمة عين، قد جعلت لك ولاية مصر. فلما خرج من عند معاوية قال لابنيه: قد جعل لي ولاية مصر. فقال له: محمد ابنه: وما مصر في سلطان العرب. فقال: لا أشبع الله بطن من لم تشبعه مصر. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا بشير بن عقبة أبو عقيل: عن الحسن قال: لما كان من أمر علي ومعاوية ما كان؛ دعا معاوية عمرو بن العاص إلى قتال عليّ فقال: لا والله لا أظاهرك على قتاله حتى تطعمني مصر؛ فأبى عليه فخرج مغضبا. ثم إن معاوية ندم وقال: رجل طلب إليّ في شيء على هذه الحال فرددته؟ فأجابه إلى ما سأل. وحدثنا خلف بن سالم، وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، عن جويرية بن اسماء: عن عبد الوهاب الزبيري عن أشياخه قالوا: لما وقعت الفتنة لم يكن أحد من قريش أعفى فيها من عمرو بن العاص أتى مكة فأقام بها، فلم يزل كافا حتى كانت وقعة الجمل، فقال لابنيه: إني قد ألفيت نفسي بين جزاري مكة وما مثلي رضي بهذه المنزلة فإلى من تريان أن أصير؟ فقال له عبد الله:صر إلى علي. فقال: إن عليا يقول: أنت رجل من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم ومعاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره،!! قالوا: فأت معاوية. فأتاه فما خير له. المدائني، عن سلمة بن محارب: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين، بخبر طلحة والزبير، وأن جرير بن عبد الله قد أتاه يطلب بيعته لعلي. فقدم عليه. المدائني، عن عيسى بن يزيد الكناني أن عليا لما بعث جرير بن عبد الله إلى معاوية ليأخذ له البيعة عليه، قدم عليه وهو جالس والناس عنده فأعطاه كتاب علي فقرأه ثم قام جرير فقال: يا أهل الشام إن من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، قد كانت بالبصرة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للإسلام بعدها فاتقوا الله وروئوا في علي ومعاوية وانظروا أين معاوية من عليّ، وأين أهل الشام من المهاجرين والأنصار؛ ثم انظروا لأنفسكم فلا يكون أحد أنظر لها منها. ثم سكت وسكت معاوية فلم ينطق وقال: أبلعني ريقي يا جرير. فأمسك فكتب من ليلته إلى عمرو بن العاص - وهو على ليال منه، في المصير اليه - وصرف جريرا بغير إرادته - وكان كتابه إلى عمرو: «أما بعد: فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير؛ ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان في جماعة من أهل البصرة ممن رفض عليا وأمره، وقدم عليّ جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني، فاقدم عليّ على بركة الله وتوفيقه». فلما أتاه الكتاب دعا ابنيه عبد الله ومحمدا فاستشارهما، فقال له عبد الله: أيها الشيخ إن رسول الله ﷺ قبض وهو عنك راض ومات أبو بكروعمر، وهما عنك راضيان، فإياك أن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها من معاوية، فتكبّ كبّا في النار. ثم قال لمحمد: ما ترى؟ فقال: بادر هذا الأمر تكن فيه رأسا قبل أن تكون ذنبا. فروّى في ذلك: رأيت ابن هند سائلي أن أزوره … وتلك التي فيها انثياب البواثق أتاه جرير من علي بخطة … أمرّت عليه العيش مع كل ذائق فو الله ما أدري إلى أيّ جانب … أميل ومهما قادني فهو سائقي أأخدعه والخدع فيه دناءة … أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق وقد قال عبد الله قولا تعلقت … به النفس إن لم تعتلقني علائقي وخالفه فيه أخوه محمد … وإني لصلب العود عند الحقائق فلما سمع عبد الله بن عمرو هذا الشعر، قال: بال الشيخ على عقبيه وباع دينه، فلما أصبح عمرو دعا مولاه وردان فقال: ارحل بنا يا وردان فرحل، ثم قال: حط، فحط ففعل ذلك مرارا، فقال له وردان: أنا أخبرك بما في نفسك، اعترضت الدنيا والآخرة في قلبك فلست تدرى أيّتهما تختار، قال: لله درّك ما أخطأت، فما الرأي؟ قال: تقيم في منزلك فإن ظهر أهل الدين عشت في دينهم وإن ظهر أهل الدينا لم يستغن عنك، فقال عمرو: ارحل يا وردان على عزم وأنشأ يقول: يا قاتل الله وردانا وفطنته … أبدى لعمرك ما في النفس وردان ثم قدم على معاوية فذاكره أمره، فقال: أما عليّ فلا تسوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء، وإن له في الحرب لحظّا ما هو لأحد من قريش. قال: صدقت، وإنما نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه دم عثمان. فقالعمرو: وإنّ أحق الناس أن لا يذكر عثمان لأنا وأنت، أما أنا فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين، وأما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه، فقال معاوية: دع ذا وهات فبايعني. قال: لا لعمرو الله لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك فقال معاوية: سل قال: مصر تطعمني إيّاها. فغضب مروان بن الحكم وقال: مالي لا أستشار؟ فقال معاوية: اسكت فما يستشار إلا لك. فقام عمرو مغضبا فقال له معاوية: يا أبا عبد الله أقسمت عليك أن تبيت الليلة عندنا. وكره أن يخرج فيفسد عليه الناس، فبات عنده وقال: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل … به منك دنيا فانظرن كيف تصنع فإن تعطني مصرا فأربح صفقة … أخذت بها شيخا يضرّ وينفّع وما الدين والدنيا سواء وإنني … لآخذ ما تعطي ورأسي مقنّع ولكنني أعطيك هذا وإنني … لأخدع نفسي والمخادع يخدع فلما أصبح معاوية دخل عليه عتبة بن أبي سفيان فقال له: يا معاوية ما تصنع؟ أما ترضى أن تشتري من عمرو دينه بمصر. فأعطاه إياها وكتب له كتابا: لا ينقض شرط طاعة. فمحا عمرو ذلك وقال: اكتب: لا تنقض طاعة شرطا. فقال له عتبة بن أبي سفيان: أيّها المانع سيفا لم يهّز … إنّما ملت إلى خزّ وقزّ إنما أنت خروف واقف … بين ضرعين وصوف لم يجزّ أعط عمرا إن عمرا باذل … دينه اليوم لدنيا لم تحز أعطه مصرا وزده مثلها … إنما مصر لمن عزّ فبزّ إنّ مصرا لعلي أو لنا … يغلب اليوم عليها من عجزوقال معاوية فيما جاء به جرير بن عبد الله: تطاول ليلي واعترتني وساوسي … لآت أتى بالترّهات البسابس أتانا جرير من علي بحمقة … وتلك التي فيها اجتداع المعاطس يكاتبني والسيف بيني وبينه … ولست لأثواب الذليل بلابس وقد منحتني الشام أفضل طاعة … تواصى بها أشياخها في المجالس وإني لأرجو خير ما نال طالب … وما أنا من ملك العراق بيائس وكان هشام بن عمار يقول: هذا حديث مصنوع، الشعر أتانا من ناحية العراق. وقال الهيثم بن عدي لما كتب معاوية إلى عليّ يطلب قتلة عثمان، كتب الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى معاوية - والوليد بالرّقة-: معاوي إنّ الشام شامك فاعتصم … بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليه بالقنابل والقنا … ولا تك ذا عجز ولا تلف وانيا فإن كتابا يا بن حرب كتبته … على طمع يجني عليك الدواهيا سألت عليا فيه ما لا تناله … ولو نلته لم يبق إلا لياليا وإن عليا ناظر ما تريغه … فأوقد له حربا تشيب النواصيا وكتب الوليد بن عقبة إلى معاوية يحرضه على قتال علي وأهل العراق: ألا أبلغ معاوية بن حرب … فإنك من أخي ثقة مليم يمنّيك الخلافة كل ركب … لأنقاض العراق بهم رسيم فإنّك والكتاب إلى عليّ … كحالية وقد حلم الأديم طويت الدهر كالسدم المعنىّ … تهدّر في دمشق وما تريم لك الخيرات فابعثنا عليهم … فخير الطالب التّرة الغشوموقومك بالمدينة قد أصيبوا … فهم صرعى كأنهم الهشيم هم جدعوا الأنوف فأوعبوها … ولم يتقوا فقد بلغ الصميم فلو كنت العقيل وكان حيا … لشمّر لا ألفّ ولا سؤوم وكتب إليه معاوية ببيت أوس بن حجر التميمي: ومستعجم لا ترعوي من إيابنا … ولو زبنته الحرب لم يترمرم وقال النجاشي الحارثي: معاوي قد كنت رخو الخناق … فسعرت حربا تضيق الخناقا فإن يكن الشام قد أصفقت … عليك ابن حرب فإن العراقا أجابت عليا إلى دعوة … تعزّ الهدى وتذل النفاقا قالوا: وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ بعثت بقميص عثمان إلى معاوية، فأخذه أبو مسلم الخولاني من معاوية؛ فكان يطوف به في الشام في الأجناد، ويحرّض الناس على قتلة عثمان. وكان كعب بن عجرة الأنصاري أيضا ممن بالغ في الحث على الطلب بدم عثمان. وحدثني العمري، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش وعوانة قالا: قال علي: لأصبحنّ العاصي بن العاصي … تسعين ألفا عاقدي النواصي مستحقبين حلق الدلاص … آساد غيل حين لا مناص مجنّبين الخيل بالقلاص (¬١) … فبلغ عمرا ذلك؛ فقال مجيبا له:خوفتني بلابسي الدلاص … والقائدي الخيل مع القلاص أهون بقوم في الوغى نكاص … لو قد رأوها تنفض النواصي لقال كلّ أرني خلاصي وقال معاوية - حين بلغه جد علي في النهوض نحوه وهو في طريق صفين: لا تحسبّني يا عليّ غافلا … لأوردن الكوفة القنابلا والمشرفي والقنا الذوابلا … من عامنا هذا وعاما قابلا فقال علي: أصبحت عني يا بن هند غافلا … اني لرام منكم الكواهلا بالحق والحق يزيل الباطلا … هذا لك العام وعاما قابلا (¬١) قالوا: ولما أجمع أمير المؤمنين على المسير إلى معاوية؛ كتب إلى عمّاله على النواحي في القدوم عليه؛ فاجتمعوا عنده، واستخلف عبد الله بن عباس أبا الأسود الديلي على صلاة البصرة، وزيادا على الخراج، ثم قدم الكوفة وجعل عليّ يخطب الناس ويحضّهم على محاربة معاوية وأهل الشام، فقام رجل من فزارة يقال له أربد بن ربيعة، فقال: يا عليّ أتريد أن تغزو بنا أهل الشام فنقتلهم كما قتلنا إخواننا من أهل البصرة؟ هذا والله ما لا يكون، فوثب إليه الأشتر، وعنق من الناس فخرج هاربا فلحقوه بمكان كانت الدواب تباع فيه، فوطئوه وضربوه حتى مات، فقال أبو علاقة التيمي - تيم ربيعة: معاذ إلهي أن تكون منيتي … كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره قرّاؤنا بنعالهم … إذا رفعت عنه يد وقعت يدوفي رواية محمد بن إسحاق بن يسار: أن عليا كتب إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وحقن دماء المسلمين. وبعث بكتابه مع ضمرة بن يزيد، وعمرو بن زرارة اللخمي فقال: إن دفع إليّ قتلة ابن عمي وأقرّني على عملي بايعته، وإلا فاني لا أترك قتلة ابن عمي وأكون سوقة، هذا ما لا يكون ولا أقار عليه. وقال أبو مخنف وغيره: قام علي خطيبا فأمر الناس بالمسير إلى الشام، فقال له: يزيد بن قيس الأرحبيّ: إن الناس على جهاز وهيئة وأهبة وعدّة، وأكثرهم أهل القوة؛ وليست لهم علة، فمر مناديك فليناد في النّاس أن يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة. وقال عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي: إنّ أخا الحرب غير السؤوم ولا النؤوم، ولا الذي إذا أمكنته الفرص املى واستشار فيها، ولا من أخّر عمل اليوم إلى غد. ويقال: إن الذي قال هذا القول يزيد بن قيس الأرحبي. وتكلم زياد بن النضر الحارثي فصدق هذا القول. وتكلم الناس بعد، فدعا علي الحارث الأعور - وهو الحارث بن عبد الله الهمداني - فأمره أن ينادي في الناس أن يغدوا إلى معسكرهم بالنخيلة - وهو على ميلين من الكوفة - ففعل، وعسكر عليّ والناس معه. وكان عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قتل أبوه؛ إتّهم الهرمزان، ورجلا من أهل الحيرة - نصرانيا كان سعد بن أبي وقاص أقدمه المدينة معه فكان يعلم ولده [و] الناس الكتاب والحساب يقال له: جفينة - بالموالاة لأبي لؤلؤة، فقتلهما وقتل ابنة أبي لؤلؤة، فوقع بينه وبين عثمان في ذلك كلام حتى تناصياثم بويع عليّ فقال: لأقيدنّ منه من قتل ظلما. فهرب إلى الكوفة، فلما قدمها عليّ نزل الموضع الذي يعرف بكويفة ابن عمر - وإليه ينسب،- ودسّ من طلب له من عليّ الأمان؛ فلم يؤمنه وقال: لئن ظفرت به فلا بدّ لي من أن أقيد منه وأقتله بمن قتل، فأتاه الأشتر - وكان أحد من طلب له الأمان - فأعلمه بما قال علي، فهرب إلى معاوية. وكان مع عبد الله بن عباس - حين قدم من البصرة - خالد بن المعمر الذهلي ثم السدوسي على بني بكر بن وائل، وعمرو بن مرحوم العبدي ثم العصري على عبد القيس، وصبرة بن شيمان الأزدي على الأزد. وقيل: إنه لم يحضر من أزد البصرة إلا عبد الرحمن بن عبيد، وأقل من عشرة نفر، وشريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية، والأحنف بن قيس على بني تميم وضبّة والرّباب. وقد كان الأحنف وشريك قدما الكوفة مع عليّ، فردهما إلى البصرة ليستنفرا هؤلاء الذين ساروا معهما إلى الكوفة. ويقال: إنهما شيّعاه فردّهما قبل أن يبلغا الكوفة ليستنفرا الناس إليه ففعلا، ثم أشخصهما ابن عباس معه. وقدّم عليّ أمامه زياد بن النضر، وشريح بن هانئ الحارثيين، ثم اتبعهما. وخلّف على الكوفة أبا مسعود عقبة الأنصاري. وولىّ المدائن أخا عدي بن حاتم الطائي لأمه، واسمه لأم بن زياد بن غطيف بن سعد بن الحشرج الطائي. ووجّه معقل بن قيس الرياحي في ثلاث آلاف لتسكين الناسوأمانهم، وأمره أن يأخذ على الموصل ونصيبين ورأس العين، حتى يصير إلى الرقة؛ ففعل ذلك. وسار علي حتى عبر الصراة (¬١)؛ ثم أتى المدائن ثم الأنبار، وعلى طلائعه سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، وقصد قصد الرّقّة، وأخذ على شاطئ الفرات من الجانب الجزري. وكان الأشعث بن قيس بآذربيجان، فلما قدم علي الكوفة، عزله وأمر بمحاسبته فغضب وكاتب معاوية، فبعث إليه من طريقه قبل أن ينفذ من الكوفة حجر بن عدي الكندي؛ وأمره أن يوافيه به بصفين؛ فوافاه بها وقد صار علي إليها أو قبل ذلك. وقوم يقولون: إن عثمان ولّى الأشعث آذربيجان فأقرّه عليّ عليها يسيرا وولاه حلوان ونواحيها، فكتب إليه في القدوم؛ فقدم الكوفة من حلوان؛ فحاسبه على مالها ومال آذربيجان، فغضب وكاتب معاوية، والله أعلم. قالوا: وكتب عليّ من طريقه إلى معاوية ومن قبله كتابا يدعوهم فيه إلى كتاب الله وسنة نبيّه ﷺ وحقن دماء الأمة فكتب إليه معاوية: ليس بيني وبين قيس عتاب … غير طعن الكلى وضرب الرقاب فقال عليّ: قاتلت الناكثين، وهؤلاء القاسطون وسأقاتل المارقين. ووافى عليّ الرّقة وبها جماعة ممن هرب إليها من الكوفة من العثمانية الذين أهواؤهم مع معاوية، مثل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وسماك بن مخرمة بن حمين الأسدي الذي مدحه الأخطل فقال:إن سماكا بنى مجدا لأسرته … حتى الممات وفعل الخير يبتدر (¬١) والمحتمل بن سماعة بن حصين بن دينار الجعفي، وشمر بن الحارث بن البراء الجعفي والقشعم بن عمرو بن نذير بن البراء الجعفي وسلمان بن ثمامة بن شراحيل الجعفي وغيرهم، فأمر أهل الرقة أن يتخذوا له جسرا يعبر عليه؛ فأبوا، فسار يريد جسر منبج للعبور عليه، وأقام مالك بن الحارث الأشتر النخعي بعده فقال: أقسم بالله يا أهل الرقة لئن لم تتخذوا لأمير المؤمنين جسرا عند مدينتكم حتى يعبر عليه، لأجردنّ فيكم السيف. فعقدوا الجسر، وبعث الأشتر إلى عليّ فردّه من دون المنزل، فعبرت الأثقال والرجال، وأمر علي الأشتر أن يقف في ثلاثة آلاف حتى لا يبقى من الناس أحد إلا عبر، ثم عبر أمير المؤمنين علي والأشتر آخر الناس. ودعا عليّ بزياد بن النضر، وشريح بن هانئ فأمضاهما أمامه على هيئتهما، وكانا قد أخذا على طريق هيت، ثم عبرا منها ولحقاه بقرقيسيا وسارا معه إلا أنهما يقدمان عسكره، وجعل الأشتر أميرا عليهما، فلقيهم أبو الأعور السّلمي وهو على مقدمة معاوية - واسم أبي الأعور: عمرو بن سفيان بن سعيد بن قانف بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالغ - فحاربوه ساعة عند المساء ثم انصرفوا. ونزل معاوية ومن معه على الفرات على شريعة سبقوا إليها لم يكن هناك شريعة غيرها، وقال: لا تسقوا أصحاب علي الماء كما منعوه أمير المؤمنين عثمان. وقال الهيثم بن عدّي: لما نزل معاوية صفين قال بعض الشعراء:أيمنعنا القوم ماء الفرات … وفينا السيوف وفينا الجحف وفينا علي له سورة … إذا خوّفوه الردى لم يخف ونحن الذين غداة الزبير … وطلحة خضنا غمار التلف فما بالنا أمس أسد العرين … وما بالنا اليوم فينا الضعف وكان الوليد بن عقبة قد صار إلى معاوية؛ فكان أشد الناس في ذلك. وقوم يقولون: إن الوليد كان معتزلا بالرّقة، والثبت انه صار إلى صفين (¬١). قالوا فقاتل أصحاب علي ومعاوية على الماء أشد قتال حتى غلبوا على الشريعة، وجعل عبد الله بن أحمر يقول: خلّوا لنا عن الفرات الجاري … وأيقنوا بجحفل جرّار بكل قرم مستميت شار … مطاعن برمحه كرار وأقبل أمير المؤمنين عليّ فكان نزوله صفين لليال بقين من ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين، فغلب وأصحابه على الماء، فأمر رضي الله تعالى عنه أصحابه أن لا يمنعوا أصحاب معاوية الماء، فجعل السّقاة يزدحمون عليه. ويقال: إن معاوية - رضي الله تعالى عنه - لمّا رأى شدة قتالهم على تلك الشريعة أرسل إلى أصحابه أن خلّوا عن الماء ليشربوا وتشربوا. وحدثنا أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثني ابن جعدبة: حدثني صالح بن كيسان قال: لما بلغ معاوية وأهل الشام قتل الزبير، وطلحة؛ وظهور عليّ على أهل البصرة؛ دعا معاوية أهل الشام إلى القتال على الشورى والطلب بدم عثمان؛ فبايعوه على ذلك أميرا غير خليفة، فخرج علىرأس سنة أو أكثر من مقتل عثمان، وخرج عليّ حتى التقوا بصفين. وحدثني أبو مسعود الكوفي، عن عوانة بن الحكم عن أبيه قال: كتب عليّ إلى عمّاله في القدوم عليه واستخلاف من يثقون به، وكتب إلى سهل بن حنيف في القدوم وولّى مكانه قثم بن العباس بن عبد المطلب إلى ما كان يلي من مكة. وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بالمدينة، قد قدم من مصر؛ وفي قلبه على عليّ شيء لعزله إيّاه عنها، فأقام بالمدينة متخلفا عنه. وكان مروان والأسود بن أبي البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى بن قصي - صاحبي معاوية - بالمدينة، والمكاتبين له، والمثبطين عن عليّ، فلقيا قيسا بماكره، وتوعّداه بالقتل، فلما أراد سهل بن حنيف الشخوص إلى عليّ خاف قيس أن يبقى بعده فيقتلاه أو ينالاه بمكروه في نفسه، فشخص مع سهل إلى عليّ فكتب معاوية إلى مروان والأسود، يلومهما ويقول: لو أمددتما عليا بعشرة آلاف فارس ما كان ذلك بأغيظ لي من إمداد كما إياه بقيس بن سعد؛ وهو في رأيه وقوة مكيدته على ما تعلمان. وكان قيس جوادا حازما ذا مكيدة. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن ابن جعدبة: عن صالح بن كيسان قال: عزل عليّ قيس بن سعد؛ عن مصر، فلحق بالمدينة؛ وبها مروان والأسود بن أبي البختري، فبلغه عنهما أمر خافه وخشي أن يأخذاه فيقتلاه أو يحبساه، فركب راحلته وأتى عليا، فكتب معاوية إلى مروان والأسود، يعنفهما ويقول: أمددتما عليا بقيس ورأيه ومكيدته، واللهلو أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيسا إليه، والله لقد كان قيس يداري لعليّ أمورا يقصر رأي عليّ عنها. قال: فشهد قيس معه صفين ثم ولاه أذربيجان. وقال أبو مخنف وعوانة وغيرهما: مكث عليّ ومعاوية في عسكريهما يومين، لا يرسل أحدهما إلى صاحبه، ثم إن عليا دعا سعيد بن قيس الهمداني، وبشير بن عمرو بن محصن أبا عمرة الأنصاري من بني النجار وشبث بن ربعي الرياحي من بني تميم، وعدي بن حاتم الطائي، ويزيد بن قيس وزياد بن خصفة فقال: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله وكتابه وإلى الجماعة والطاعة، ففعلوا فقال: وأنا أدعو صاحبكم إلى أن يسلم من قبله من قتلة عثمان إليّ لأقتلهم به، ثم يعتزل الأمر حتى يكون شورى. قالوا: فتقاتل القوم باقي ذي الحجة، فكان هذا يخرج وجوه أصحابه ويخرج ذاك وجوه أصحابه نوائب فيقتتلون. ثم إن عليا ومعاوية تراسلا في المحرم - وهما متوادعان - فقال حابس بن سعد الطائي من أهل الشام: كأنك بالتذابح بعد سبع … بقين من المحرم أو ثمان تكون دماؤنا طلقا حلالا … لأهل الكوفة الحمر السمّان وكان قول معاوية قولا واحدا لا ينثني عنه، فبعث إليه عليّ: لا أبقى الله عليك إن أبقيت؛ ولا أرعى عليك إن رعيت. فلما أهلّ هلال صفر سنة سبع وثلاثين، أمر عليّ فنودي في أهل الشام بالإعذار إليهم، وحرّض الناس وأوصاهم أن يغضوا الأبصار ويخفضوا الأصوات، ويقلوا الكلام، ويوطّنوا أنفسهم على المجالدة والمنازلة ويستشعروا الصبر.وجعل على ميمنته عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وعلى ميسرته محمد بن علي بن أبي طالب، وعلى خيل الكوفة مالك بن الحارث الأشتر، وعلى رجالتهم عمار بن ياسر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد بن عبادة، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص - وهو المرقال - وكان أعور أصيبت عينه يوم اليرموك بالشام. وكان شمر بن ذي الجوشن في كتيبة فيما يقول بعضهم. وكان مسعر بن فدكي على القراء. وقال الكلبي: كانت راية علي يوم صفين مع عمرو بن الحارث بن عبد يغوث بن قشر الهمداني. وبعث عليّ إلى معاوية: أن أخرج إليّ أبارزك. فلم يفعل. وكان القتال في أول يوم - وهو يوم الأربعاء في صفر - بين حبيب بن مسلمة الفهري والأشتر؛ فانصرفا على انتصاف. ثم كان القتال في اليوم الثاني بين هاشم بن عتبة المرقال وأبي الأعور السلمي. وفي الثالث بين عمرو بن العاص وعمار بن ياسر. وفي الرابع بين محمد بن عليّ بن أبي طالب، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، فنادى أهل الشام: معنا الطيب بن الطيب ابن عمر بن الخطاب. فرد أصحاب عليّ عليهم: معكم الخبيث بن الطيب. وكان القتال في اليوم الخامس بين عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة بن أبي معيط، فجعل الوليد يسبّ بني عبد المطلب ويقول: قطعتم الأرحام وطلبتم ما لم تدركوه.ومن قال: إن الوليد اعتزل القتال قال: كان القتال في اليوم الخامس بين عبد الله بن عباس، وملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي، وهو من طيء الشام وفيه يقول الشاعر: ليبك على ملحان ضيف مدقّع … وأرملة تزجي مع الليل أرملا وفي اليوم السادس بين سعد بن قيس أو قيس بن سعد، وبين ابن ذي الكلاع. وفي اليوم السابع بين الأشتر أيضا وحبيب بن مسلمة. فلما كان اليوم الثامن عبّأ علي الناس على ما كان رتبهم عليه، وعبّأ معاوية أهل الشام واقتتلوا قتالا شديدا، وجعل علي يقول لكل قبيلة من أهل الكوفة: اكفوني قبيلتكم من أهل الشام. ثم غدوا يوم الخميس فاقتتلوا أبرح قتال وانتهت الهزيمة إلى علي فقاتل مع الحسن والحسين، وقتل زياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وانهزمت ميمنة علي ثم ثابوا فأهمّت أهل الشام أنفسهم وكثر القتال والجراح فيهم وركب معاوية فرسه وجعل ينشد شعر ابن أطنابة الأنصاري - وهو عمرو بن عامر الخزرجي، وأمه الأطنابة بنت شهاب من بلقين-: وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي فكان معاوية يقول بعد ذلك: ركبت فرسي ومن شأني الهرب حتى ذكرت شعر ابن الأطنابة: أبت لي عفّتي وأبى حيائي … وإقدامي على البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي او تستريحيفأمسكني عن الهرب. وقتل حابس بن سعد الطائي من أهل الشام، قتله الحمارس من أهل الكوفة فشد عليه زيد بن عدي بن حاتم فقتله ولحق بمعاوية؛ ثم رجع بعد إلى الكوفة؛ فخرج في جماعة يصيب الطريق فقتلته خيل للمغيرة بن شعبة؛ وهو عامل معاوية على الكوفة. وقال بعضهم: قتل مع الخوارج بالنهروان. وقال شقيق بن ثور السدوسي: يا معشر ربيعة لا عذر لكم إن قتل علي ومنكم رجل حي. فتمثل علي قول رجل منهم يوم الجمل: لمن راية سوداء يخفق ظلهّا … إذا قيل: قدمّها حضين تقدما المدائني، عن عيسى بن يزيد، قال: لما قامت الحرب بين علي ومعاوية بصفين فتحاربوا أياما قال معاوية لعمرو بن العاص في بعض أيامهم: إن رأس الناس مع علي عبد الله بن عباس، فلو القيت إليه كتابا تعطفه به، فإنه إن قال قولا لم يخرج منه علي وقد أكلتنا هذه الحرب. فقال عمرو: إن ابن عباس أريب لا يخدع ولو طمعت فيه لطمعت في علي. قال: صدقت إنه لأريب ولكن اكتب إليه على ذلك. فكتب إليه: من عمرو بن العاص إلى عبد الله بن العباس. أما بعد: فإن الذي نحن وأنتم فيه، ليس بأول أمر قاده البلاء، وساقه سفه العاقبة، وأنت رأس هذا الأمر بعد علي، فانظر فيما بقي بغير ما مضي، فو الله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حيلة، واعلم أن الشام لا يملك إلا بهلاك العراق، وأن العراق لا يملك إلا بهلاك الشام، فما خيرنابعد إسراعنا فيكم وما خيركم بعد إسراعكم فينا، ولست أقول: ليت الحرب عادت ولكن أقول: ليتها لم تكن، وإن فينا من يكره اللقاء كما أن فيكم من يكرهه، وإنما هو أمير مطاع، أو مأمور مطيع، أو مشاور مأمون وهو أنت، فأما السفيه فليس بأهل أن يعدّ من ثقات أهل الشورى ولا خواص أهل النجوى. وكتب في آخر كتابه: طال البلاء فما يرجى له آس … بعد الإله سوى رفق ابن عباس قولا له قول مسرور بحظوته … لا تنس حظك إن التارك الناسي كل لصاحبه قرن يعادله … أسد تلاقي أسودا بين أخياس انظر فدى لك نفسي قبل قاصمة … للظهر ليس لها راق ولا آسي أهل العراق وأهل الشام لن يجدوا … طعم الحياة لحرب ذات أنفاس والسلم فيه بقاء ليس يجهله … إلا الجهول وما النوكى كأكياس فاصدع بأمرك أمر القوم إنهم … خشاش طير رأت صقرا بحسحاس فلما قرأ ابن عباس الكتاب والشعر أقرأهما عليا، فقال علي: قاتل الله ابن العاص ما أغره بك، يا بن عباس أجبه، وليردّ عليه شعره فضل بن عباس بن أبي لهب. فكتب إليه عبد الله بن عباس: أما بعد: فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء منك، إنه مال بك إلى معاوية الهوى وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت للناس في عشواء طخياء (¬١) طمعا في هذا الملك، فلما لم تر شيئا أعظمت الدماء إعظام أهل الدين، وأظهرت فيها زهادة أهل الورع، ولا تريد بذلك إلا تهييب الحرب وكسر أهل العراق، فإن كنت أردت الله بذلك، فدع مصر وارجع إلىبيتك، فإن هذه حرب ليس معاوية فيها كعليّ، بدأها عليّ بالحق وانتهى فيها إلى العذر، وابتدأها معاوية بالبغي فانتهى منها إلى السرف، وليس أهل الشام فيها كأهل العراق، بايع عليا أهل العراق وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست وأنا فيها سواء أردت الله، وأردت مصر، فإن ترد شرا لا يفتنا، وإن ترد خيرا لا تسبقنا. ثم دعا الفضل بن العباس بن عتبة فقال: يا بن عم أجب عمرو بن العاص. فقال: يا عمرو حسبك من خدع ووسواس … فاذهب فما لك في ترك الهدى آس إلاّ بوادر يطعن في نحوركم … ووشك ضرب يفزّي (¬١) جلدة الراس هذا لكم عندنا في كل معركة … حتى تطيعوا عليا وابن عباس أمّا علي فإنّ الله فضّله … فضلا له شرف عال علي الناس لا بارك الله في مصر فقد جلبت … شرا وحظك منها حسوة الحاسي فلما قرأ معاوية الكتاب قال: ما كان أغنانا عن هذا. وكان هشام بن عمرو الدمشقي يقول: هذا الحديث مما صنعه ابن دابكم (¬٢) هذا. وقال الهيثم بن عدي الطائي: قاتل عبد الله بن بديل بن ورقاء يوم صفين فقتل وهو يقول: لم يبق إلا الصبر والتّوكل … وطعنة وضربة بالمنصلفقتل فقال معاوية هذا والله كما قال الشاعر: أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها … وإن شمرت يوما به الحرب شمرا وقال هشام بن الكلبي عن أبيه: وفد زمل بن عمرو بن العتر العذري على النبي ﷺ فعقد له لواءا فشهد به صفين مع معاوية، وهو أحد شهوده على القضية.
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 955, entry [209]342 chars
    م يبق إلا لياليا وإن عليا ناظر ما تريغه … فأوقد له حربا تشيب النواصيا وكتب الوليد بن عقبة إلى معاوية يحرضه على قتال علي وأهل العراق: ألا أبلغ معاوية بن حرب … فإنك من أخي ثقة مليم يمنّيك الخلافة كل ركب … لأنقاض العراق بهم رسيم فإنّك والكتاب إلى عليّ … كحالية وقد حلم الأديم طويت الدهر كالسدم المعنىّ … تهدّر في دمشق وما تريم لك الخيرات فابعثنا