البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
Narrator profile
وقعة الجمل
Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.
No hadiths transmitted by this narrator in our data.
شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت بشار
—
مجير الدين العليمي - التاريخ المعتبر في أنباء من غبر
—
البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
—
شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت تدمري
—
محمد سهيل طقوش - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية
—
Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.
View JSONEvery item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.
— · 1 entry
— · 2 entries
وقعة الجمل لما قتل عثمان صبرا، سقط في أيدي أصحاب النبي ﷺ وبايعوا عليا، ثم إن طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأم المؤمنين عائشة، ومن تبعهم رأوا أنهم لا يخلصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان، إلا أن يقوموا في الطلب بدمه، والأخذ بثأره من قتلته، فساروا من المدينة بغير مشورة من أمير المؤمن…▸ expand full passage (8,163 chars)وقعة الجمل لما قتل عثمان صبرا، سقط في أيدي أصحاب النبي ﷺ وبايعوا عليا، ثم إن طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأم المؤمنين عائشة، ومن تبعهم رأوا أنهم لا يخلصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان، إلا أن يقوموا في الطلب بدمه، والأخذ بثأره من قتلته، فساروا من المدينة بغير مشورة من أمير المؤمنين علي، وطلبوا البصرة. قال خليفة (¬١): قدم طلحة، والزبير، وعائشة البصرة، وبها عثمان بن حنيف الأنصاري واليا لعلي، فخاف وخرج عنها، ثم سار علي من المدينة، بعد أن استعمل عليها سهل بن حنيف أخا عثمان، وبعث ابنه الحسن، وعمار بن ياسر إلى الكوفة بين يديه يستنفران الناس، ثم إنه وصل إلى البصرة. وكان قد خرج منها قبل قدومه إليها حكيم بن جبلة العبدي في سبعمائة، وهو أحد الرؤوس الذين خرجوا على عثمان كما سلف، فالتقى هو وجيش طلحة والزبير، فقتل الله حكيما في طائفة من قومه، وقتل مقدم جيش الآخرين أيضا مجاشع بن مسعود السلمي. ثم اصطلحت الفئتان، وكفوا عن القتال، على أن يكون لعثمان بن حنيف دار الإمارة والصلاة، وأن ينزل طلحة والزبير حيث شاءا من البصرة، حتى يقدم علي ﵁. وقال عمار لأهل الكوفة: أما والله إني لأعلم أنها - يعني عائشة - زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر أتتبعونه أو إياها (¬٢).قال سعد بن إبراهيم الزهري (¬١): حدثني رجل من أسلم قال: كنا مع علي أربعة آلاف من أهل المدينة. وقال سعيد بن جبير (¬٢): كان مع علي يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان. رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد. وقال المطلب بن زياد، عن السدي: شهد مع علي يوم الجمل مائة وثلاثون بدريا وسبعمائة من أصحاب النبي ﷺ، وقتل بينهما ثلاثون ألفا، لم تكن مقتلة أعظم منها. وكان الشعبي يبالغ ويقول: لم يشهدها إلا علي، وعمار، وطلحة، والزبير من الصحابة. وقال سلمة بن كهيل (¬٣): فخرج من الكوفة ستة آلاف، فقدموا على علي بذي قار، فسار في نحو عشرة آلاف، حتى أتى البصرة (¬٤). وقال أبو عبيدة: كان على خيل علي يوم الجمل عمار، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق، وعلى الميمنة علباء بن الهيثم السدوسي، ويقال: عبد الله بن جعفر، ويقال: الحسن بن علي، وعلى الميسرة الحسين بن علي، وعلى المقدمة عبد الله بن عباس، ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفية، وكان لواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، وعلى الميمنة عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى الميسرة مروان بن الحكم. وكانت الوقعة يوم الجمعة، خارج البصرة، عند قصر عبيد الله بن زياد. قال الليث بن سعد وغيره: كانت وقعة الجمل في جمادى الأولى. وقال أبو اليقظان (¬٥): خرج يومئذ كعب بن سور الأزدي في عنقهالمصحف، ومعه ترس، فأخذ بخطام جمل عائشة، فجاءه سهم غرب فقتله. قال محمد بن سعد (¬١): وكان كعب قد طين عليه بيتا، وجعل فيه كوة يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالا للفتنة، فقيل لعائشة: إن خرج معك لم يتخلف من الأزد أحد، فركبت إليه فنادته وكلمته فلم يجبها، فقالت: ألست أمك؟ ولي عليك حق، فكلمها، فقالت: إنما أريد أن أصلح بين الناس. فذلك حين خرج ونشر المصحف، ومشى بين الصفين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم فقتله. وقال حصين بن عبد الرحمن: قام كعب بن سور فنشر مصحفا بين الفريقين، ونشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتى قتل (¬٢). وقال غيره: اصطف الفريقان، وليس لطلحة ولا لعلي رأسي الفريقين قصد في القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامى أوباش الطائفتين بالنبل، وشبت نار الحرب، وثارت النفوس، وبقي طلحة يقول: أيها الناس أنصتوا، والفتنة تغلي، فقال: أف فراش النار، وذئاب طمع، وقال: اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى، إنا داهنا في أمر عثمان، كنا أمس يدا على من سوانا، وأصبحنا اليوم جبلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني في أمر عثمان ما لا أرى كفارته، إلا بسفك دمي، وبطلب دمه. فروى قتادة، عن الجارود بن أبي سبرة الهذلي قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة يوم الجمل، فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فرمى طلحة بسهم فقتله (¬٣). وقال قيس بن أبي حازم: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم، فوقع في ركبته، فما زال يسح (¬٤) حتى مات. وفي بعضطرقه: رماه بسهم، وقال: هذا ممن أعان على عثمان (¬١). وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمه، أن مروان رمى طلحة، والتفت إلى أبان بن عثمان وقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك (¬٢). وروى زيد بن أبي أنيسة، عن رجل، أن عليا قال: بشروا قاتل طلحة بالنار (¬٣). وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرجنا مع علي إلى الجمل في ستمائة رجل، فسلكنا على طريق الربذة، فقام إليه ابنه الحسن، فبكى بين يديه وقال: ائذن لي فأتكلم، فقال: تكلم، ودع عنك أن تحن حنين الجارية، قال: لقد كنت أشرت عليك بالمقام، وأنا أشيره عليك الآن، إن للعرب جولة، ولو قد رجعت إليها عوازب أحلامها، لضربوا إليك آباط الإبل، حتى يستخرجوك، ولو كنت في مثل جحر الضب. فقال علي: أتراني لا أبا لك كنت منتظرا كما ينتظر الضبع اللدم (¬٤). وروي نحوه من وجهين آخرين. روح بن عبادة، قال: حدثنا أبو نعامة العدوي، قال: حدثنا حميد بن هلال، عن حجير بن الربيع، أن عمران بن حصين أرسله إلى بني عدي أن ائتهم فأتاهم، فقال: يقرأ عليكم السلام ويقول: إني لكم ناصح، ويحلف بالله لأن يكون عبدا مجدعا يرعى في رأس جبل حتى يموت أحب إليه من أن يرمي في واحد من الفريقين بسهم، فأمسكوا فداكم أبي وأمي. فقالوا: دعنا منك، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ. فغزوا يوم الجمل، فقتل خلق حول عائشة يومئذ سبعون كلهم قد جمعوا القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر. روى الواقدي عن رجاله، قال: كان يعلى بن منية التميمي حليف بنينوفل بن عبد مناف عاملا لعثمان على الجند، فوافى الموسم عام قتل عثمان. وعن ابن أبي مليكة، قال: جاء يعلى بن أمية إلى عائشة وهي في الحج فقال: قد قتل خليفتك الذي كنت تحرضين عليه. قالت: برئت إلى الله من قاتله. وعن الواقدي، عن الوليد بن عبد الله، قال: قال يعلى بن أمية: أيها الناس من خرج يطلب بدم عثمان فعلي جهازه. وعن علي بن أبي سارة، قال: قدم يعلى بأربعمائة ألف فأنفقها في جهازهم إلى البصرة. وعن غيره، قال: حمل يعلى بن أمية عائشة على جمله عسكر، وقال: هذه عشرة آلاف دينار من غر مالي أقوي بها من طلب بدم عثمان. فبلغ عليا، فقال: من أين له؟ سرق اليمن ثم جاء! والله لئن قدرت عليه لآخذن ما أقر به. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عم له قال: لما كان يوم الجمل نادى علي في الناس: لا ترموا أحدا بسهم، وكلموا القوم، فإن هذا مقام من فلح فيه، فلح يوم القيامة، قال: فتوافينا حتى أتانا حر الحديد، ثم إن القوم نادوا بأجمعهم: يا لثارات عثمان، قال: وابن الحنفية أمامنا رتوة (¬١) معه اللواء، فمد علي يديه وقال: اللهم أكب قتلة عثمان على وجوههم، ثم إن الزبير قال لأساورة معه: ارموهم ولا تبلغوا، وكأنه إنما أراد أن ينشب القتال. فلما نظر أصحابنا إلى النشاب لم ينتظروا أن يقع إلى الأرض، وحملوا عليهم فهزمهم الله. ورمى مروان طلحة بسهم فشك ساقه بجنب فرسه. وعن أبي جرو المازني قال: شهدت عليا والزبير حين تواقفا، فقال له علي: يا زبير أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك تقاتلني وأنت ظالم لي؟ قال: نعم ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف.وقال الحسن البصري، عن قيس بن عباد قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن، ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني لم أر أن الأمر يبلغ هذا. وقال ابن سعد (¬١): إن محمد بن طلحة تقدم فأخذ بخطام الجمل، فحمل عليه رجل، فقال محمد: أذكركم (حم) فطعنه فقتله، ثم قال في محمد: وأشعث قوام بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه … فخر صريعا لليدين وللفم يذكرني (حم) والرمح شاجر … فهلا تلا (حم) قبل التقدم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يندم فسار علي ليلته في القتلى، معه النيران، فمر بمحمد بن طلحة قتيلا، فقال: يا حسن محمد السجاد ورب الكعبة، ثم قال: أبوه صرعه هذا المصرع، ولولا بره بأبيه ما خرج. فقال الحسن: ما كان أغناك عن هذا! فقال: ما لي وما لك يا حسن. وقال شريك، عن الأسود بن قيس: حدثني من رأى الزبير يوم الجمل، وناداه علي: يا أبا عبد الله، فأقبل حتى التقت أعناق دوابهما، فقال: أنشدك بالله، أتذكر يوم كنت أناجيك، فأتانا الرسول ﷺ فقال: تناجيه فوالله ليقاتلنك وهو لك ظالم (¬٢). قال: فلم يعد أن سمع الحديث، فضرب وجه دابته وانصرف. وقال هلال بن خباب، فيما رواه عنه أبو شهاب الحناط، وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال يوم الجمل للزبير: يا ابن صفية، هذه عائشة تملك طلحة، فأنت على ماذا تقاتل قريبك عليا؟ فرجع الزبير، فلقيه ابن جرموز فقتله.وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي، وهم في المصاف، فقال له ابنه عبد الله: جبنا جبنا، فقال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، فحلفت أن لا أقاتله، ثم قال: ترك الأمور التي أخشى عواقبها … في الله أحسن في الدنيا وفي الدين وكيع، عن عصام بن قدامة - وهو ثقة - عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حواليها قتلى كثيرون، وتنجو بعدما كادت (¬١). وقيل: إن أول قتيل كان يومئذ مسلم الجهني، أمره علي فحمل مصحفا، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله، فقتل. وقطعت يومئذ سبعون يدا من بني ضبة بالسيوف، صار كلما أخذ رجل بخطام الجمل الذي لعائشة، قطعت يده، فيقوم آخر مكانه ويرتجز، إلى أن صرخ صارخ اعقروا الجمل، فعقره رجل مختلف في اسمه، وبقي الجمل والهودج الذي عليه، كأنه قنفذ من النبل، وكان الهودج ملبسا بالدروع، وداخله أم المؤمنين، وهي تشجع الذين حول الجمل: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم إنها ﵂ ندمت وندم علي ﵁ لأجل ما وقع.وقعة الجمل لما قتل عثمان صبرا، سقط في أيدي أصحاب النبي ﷺ وبايعوا عليا، ثم إن طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأم المؤمنين عائشة، ومن تبعهم رأوا أنهم لا يخلصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان، إلا أن يقوموا في الطلب بدمه، والأخذ بثأره من قتلته، فساروا من المدينة بغير مشورة من أمير المؤمن…▸ expand full passage (8,163 chars)وقعة الجمل لما قتل عثمان صبرا، سقط في أيدي أصحاب النبي ﷺ وبايعوا عليا، ثم إن طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأم المؤمنين عائشة، ومن تبعهم رأوا أنهم لا يخلصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان، إلا أن يقوموا في الطلب بدمه، والأخذ بثأره من قتلته، فساروا من المدينة بغير مشورة من أمير المؤمنين علي، وطلبوا البصرة. قال خليفة (¬١): قدم طلحة، والزبير، وعائشة البصرة، وبها عثمان بن حنيف الأنصاري واليا لعلي، فخاف وخرج عنها، ثم سار علي من المدينة، بعد أن استعمل عليها سهل بن حنيف أخا عثمان، وبعث ابنه الحسن، وعمار بن ياسر إلى الكوفة بين يديه يستنفران الناس، ثم إنه وصل إلى البصرة. وكان قد خرج منها قبل قدومه إليها حكيم بن جبلة العبدي في سبعمائة، وهو أحد الرؤوس الذين خرجوا على عثمان كما سلف، فالتقى هو وجيش طلحة والزبير، فقتل الله حكيما في طائفة من قومه، وقتل مقدم جيش الآخرين أيضا مجاشع بن مسعود السلمي. ثم اصطلحت الفئتان، وكفوا عن القتال، على أن يكون لعثمان بن حنيف دار الإمارة والصلاة، وأن ينزل طلحة والزبير حيث شاءا من البصرة، حتى يقدم علي ﵁. وقال عمار لأهل الكوفة: أما والله إني لأعلم أنها - يعني عائشة - زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر أتتبعونه أو إياها (¬٢).قال سعد بن إبراهيم الزهري (¬١): حدثني رجل من أسلم قال: كنا مع علي أربعة آلاف من أهل المدينة. وقال سعيد بن جبير (¬٢): كان مع علي يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان. رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد. وقال المطلب بن زياد، عن السدي: شهد مع علي يوم الجمل مائة وثلاثون بدريا وسبعمائة من أصحاب النبي ﷺ، وقتل بينهما ثلاثون ألفا، لم تكن مقتلة أعظم منها. وكان الشعبي يبالغ ويقول: لم يشهدها إلا علي، وعمار، وطلحة، والزبير من الصحابة. وقال سلمة بن كهيل (¬٣): فخرج من الكوفة ستة آلاف، فقدموا على علي بذي قار، فسار في نحو عشرة آلاف، حتى أتى البصرة (¬٤). وقال أبو عبيدة: كان على خيل علي يوم الجمل عمار، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق، وعلى الميمنة علباء بن الهيثم السدوسي، ويقال: عبد الله بن جعفر، ويقال: الحسن بن علي، وعلى الميسرة الحسين بن علي، وعلى المقدمة عبد الله بن عباس، ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفية، وكان لواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، وعلى الميمنة عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى الميسرة مروان بن الحكم. وكانت الوقعة يوم الجمعة، خارج البصرة، عند قصر عبيد الله بن زياد. قال الليث بن سعد وغيره: كانت وقعة الجمل في جمادى الأولى. وقال أبو اليقظان (¬٥): خرج يومئذ كعب بن سور الأزدي في عنقهالمصحف، ومعه ترس، فأخذ بخطام جمل عائشة، فجاءه سهم غرب فقتله. قال محمد بن سعد (¬١): وكان كعب قد طين عليه بيتا، وجعل فيه كوة يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالا للفتنة، فقيل لعائشة: إن خرج معك لم يتخلف من الأزد أحد، فركبت إليه فنادته وكلمته فلم يجبها، فقالت: ألست أمك؟ ولي عليك حق، فكلمها، فقالت: إنما أريد أن أصلح بين الناس. فذلك حين خرج ونشر المصحف، ومشى بين الصفين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم فقتله. وقال حصين بن عبد الرحمن: قام كعب بن سور فنشر مصحفا بين الفريقين، ونشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتى قتل (¬٢). وقال غيره: اصطف الفريقان، وليس لطلحة ولا لعلي رأسي الفريقين قصد في القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامى أوباش الطائفتين بالنبل، وشبت نار الحرب، وثارت النفوس، وبقي طلحة يقول: أيها الناس أنصتوا، والفتنة تغلي، فقال: أف فراش النار، وذئاب طمع، وقال: اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى، إنا داهنا في أمر عثمان، كنا أمس يدا على من سوانا، وأصبحنا اليوم جبلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني في أمر عثمان ما لا أرى كفارته، إلا بسفك دمي، وبطلب دمه. فروى قتادة، عن الجارود بن أبي سبرة الهذلي قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة يوم الجمل، فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فرمى طلحة بسهم فقتله (¬٣). وقال قيس بن أبي حازم: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم، فوقع في ركبته، فما زال يسح (¬٤) حتى مات. وفي بعضطرقه: رماه بسهم، وقال: هذا ممن أعان على عثمان (¬١). وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمه، أن مروان رمى طلحة، والتفت إلى أبان بن عثمان وقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك (¬٢). وروى زيد بن أبي أنيسة، عن رجل، أن عليا قال: بشروا قاتل طلحة بالنار (¬٣). وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرجنا مع علي إلى الجمل في ستمائة رجل، فسلكنا على طريق الربذة، فقام إليه ابنه الحسن، فبكى بين يديه وقال: ائذن لي فأتكلم، فقال: تكلم، ودع عنك أن تحن حنين الجارية، قال: لقد كنت أشرت عليك بالمقام، وأنا أشيره عليك الآن، إن للعرب جولة، ولو قد رجعت إليها عوازب أحلامها، لضربوا إليك آباط الإبل، حتى يستخرجوك، ولو كنت في مثل جحر الضب. فقال علي: أتراني لا أبا لك كنت منتظرا كما ينتظر الضبع اللدم (¬٤). وروي نحوه من وجهين آخرين. روح بن عبادة، قال: حدثنا أبو نعامة العدوي، قال: حدثنا حميد بن هلال، عن حجير بن الربيع، أن عمران بن حصين أرسله إلى بني عدي أن ائتهم فأتاهم، فقال: يقرأ عليكم السلام ويقول: إني لكم ناصح، ويحلف بالله لأن يكون عبدا مجدعا يرعى في رأس جبل حتى يموت أحب إليه من أن يرمي في واحد من الفريقين بسهم، فأمسكوا فداكم أبي وأمي. فقالوا: دعنا منك، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ. فغزوا يوم الجمل، فقتل خلق حول عائشة يومئذ سبعون كلهم قد جمعوا القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر. روى الواقدي عن رجاله، قال: كان يعلى بن منية التميمي حليف بنينوفل بن عبد مناف عاملا لعثمان على الجند، فوافى الموسم عام قتل عثمان. وعن ابن أبي مليكة، قال: جاء يعلى بن أمية إلى عائشة وهي في الحج فقال: قد قتل خليفتك الذي كنت تحرضين عليه. قالت: برئت إلى الله من قاتله. وعن الواقدي، عن الوليد بن عبد الله، قال: قال يعلى بن أمية: أيها الناس من خرج يطلب بدم عثمان فعلي جهازه. وعن علي بن أبي سارة، قال: قدم يعلى بأربعمائة ألف فأنفقها في جهازهم إلى البصرة. وعن غيره، قال: حمل يعلى بن أمية عائشة على جمله عسكر، وقال: هذه عشرة آلاف دينار من غر مالي أقوي بها من طلب بدم عثمان. فبلغ عليا، فقال: من أين له؟ سرق اليمن ثم جاء! والله لئن قدرت عليه لآخذن ما أقر به. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عم له قال: لما كان يوم الجمل نادى علي في الناس: لا ترموا أحدا بسهم، وكلموا القوم، فإن هذا مقام من فلح فيه، فلح يوم القيامة، قال: فتوافينا حتى أتانا حر الحديد، ثم إن القوم نادوا بأجمعهم: يا لثارات عثمان، قال: وابن الحنفية أمامنا رتوة (¬١) معه اللواء، فمد علي يديه وقال: اللهم أكب قتلة عثمان على وجوههم، ثم إن الزبير قال لأساورة معه: ارموهم ولا تبلغوا، وكأنه إنما أراد أن ينشب القتال. فلما نظر أصحابنا إلى النشاب لم ينتظروا أن يقع إلى الأرض، وحملوا عليهم فهزمهم الله. ورمى مروان طلحة بسهم فشك ساقه بجنب فرسه. وعن أبي جرو المازني قال: شهدت عليا والزبير حين تواقفا، فقال له علي: يا زبير أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك تقاتلني وأنت ظالم لي؟ قال: نعم ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف.وقال الحسن البصري، عن قيس بن عباد قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن، ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني لم أر أن الأمر يبلغ هذا. وقال ابن سعد (¬١): إن محمد بن طلحة تقدم فأخذ بخطام الجمل، فحمل عليه رجل، فقال محمد: أذكركم (حم) فطعنه فقتله، ثم قال في محمد: وأشعث قوام بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه … فخر صريعا لليدين وللفم يذكرني (حم) والرمح شاجر … فهلا تلا (حم) قبل التقدم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يندم فسار علي ليلته في القتلى، معه النيران، فمر بمحمد بن طلحة قتيلا، فقال: يا حسن محمد السجاد ورب الكعبة، ثم قال: أبوه صرعه هذا المصرع، ولولا بره بأبيه ما خرج. فقال الحسن: ما كان أغناك عن هذا! فقال: ما لي وما لك يا حسن. وقال شريك، عن الأسود بن قيس: حدثني من رأى الزبير يوم الجمل، وناداه علي: يا أبا عبد الله، فأقبل حتى التقت أعناق دوابهما، فقال: أنشدك بالله، أتذكر يوم كنت أناجيك، فأتانا الرسول ﷺ فقال: تناجيه فوالله ليقاتلنك وهو لك ظالم (¬٢). قال: فلم يعد أن سمع الحديث، فضرب وجه دابته وانصرف. وقال هلال بن خباب، فيما رواه عنه أبو شهاب الحناط، وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال يوم الجمل للزبير: يا ابن صفية، هذه عائشة تملك طلحة، فأنت على ماذا تقاتل قريبك عليا؟ فرجع الزبير، فلقيه ابن جرموز فقتله.وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي، وهم في المصاف، فقال له ابنه عبد الله: جبنا جبنا، فقال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، فحلفت أن لا أقاتله، ثم قال: ترك الأمور التي أخشى عواقبها … في الله أحسن في الدنيا وفي الدين وكيع، عن عصام بن قدامة - وهو ثقة - عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حواليها قتلى كثيرون، وتنجو بعدما كادت (¬١). وقيل: إن أول قتيل كان يومئذ مسلم الجهني، أمره علي فحمل مصحفا، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله، فقتل. وقطعت يومئذ سبعون يدا من بني ضبة بالسيوف، صار كلما أخذ رجل بخطام الجمل الذي لعائشة، قطعت يده، فيقوم آخر مكانه ويرتجز، إلى أن صرخ صارخ اعقروا الجمل، فعقره رجل مختلف في اسمه، وبقي الجمل والهودج الذي عليه، كأنه قنفذ من النبل، وكان الهودج ملبسا بالدروع، وداخله أم المؤمنين، وهي تشجع الذين حول الجمل: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم إنها ﵂ ندمت وندم علي ﵁ لأجل ما وقع.— · 1 entry
وَقعَة الجَمل لمّا قُتِلَ عثمان صبرًا، سُقِط في أيدي أصحاب النّبيّ ﷺ وبايعوا عليًّا، ثمّ إنّ طلحة بن عُبَيْد الله [١] ، والزُّبَيْر بن العوام، وأمّ المؤمنين عائشة، ومَن تبِعَهُم رأوا أنّهم لَا يخلِّصهم ممّا وقعوا فيه من تَوَانِيهم في نُصْرة عثمان، إلّا أن يقوموا في الطَّلب بدمه، والأخْذ بثأره من قَت…▸ expand full passage (8,523 chars)وَقعَة الجَمل لمّا قُتِلَ عثمان صبرًا، سُقِط في أيدي أصحاب النّبيّ ﷺ وبايعوا عليًّا، ثمّ إنّ طلحة بن عُبَيْد الله [١] ، والزُّبَيْر بن العوام، وأمّ المؤمنين عائشة، ومَن تبِعَهُم رأوا أنّهم لَا يخلِّصهم ممّا وقعوا فيه من تَوَانِيهم في نُصْرة عثمان، إلّا أن يقوموا في الطَّلب بدمه، والأخْذ بثأره من قَتَلَته، فساروا من المدينة بغير مشورةٍ من أمير المؤمنين عليّ، وطلبوا البصرة. قَالَ خليفة [٢] : قدِم طلْحة، والزُّبَيْر، وعائشة البصرة، وبها عثمان بن حُنَيْف الأنصاريّ وَالِيًا لعليّ، فخاف وخرج منها، ثمّ سار عليّ من المدينة، بعد أن استعمل عليها سهل بن حُنَيْف أخا عثمان، وبعث ابنه الحسن، وعمّار بن ياسر إلى الكوفة بين يديه يستنفران النّاس، ثمّ إنّه وصل إلى البصرة، وكان قد خرج منها قبل قدومه إليها حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدِيّ في سبعمائة، وهو أحد الرءوس الذين خرجوا على عثمان كما سلف، فالتقى هو وجيش طلْحة والزُّبَيْر، فقتل الله حُكَيْمًا في طائفة من قومه، وقتل مقدّمجيش الآخرين أيضًا مُجَاشع بن مسعود السُّلَميّ [١] . ثمّ اصطلحت الفئتان، وكفُّوا عن القتال، على أن يكون لعثمان بن حُنَيْف دار الإمارة والصّلاة، وأن ينزل طلحة والزّبير حيث شاءا من البصْرة، حتّى يقدم عليّ ﵁. وَقَالَ عمّار لأهل الكوفة: أما واللَّهِ إنّي لأعلم أنّها- يعني عائشة- زَوْجَة نبيكم في الدُّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم بها لينظُر أَتَّتبِعُونه أو إيّاها [٢] . قَالَ سعد بن إبراهيم الزُّهْريّ: حدّثني رجلٌ من أسلم قَالَ: كنّا مع عليّ أربعة آلاف من أهل المدينة [٣] . وَقَالَ سعيد بن جُبَيْر: كان مع عليّ يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة [٤] ممّن شهِدَ بَيْعَةَ الرَّضْوان. رواه جعفر بن أبي المُغْيرة عن سعيد. وَقَالَ المطّلب بن زياد، عن السُّدِّيّ: شهِدَ مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدريا وسبعمائة مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وقُتِلَ بينهما ثلاثون ألفًا، لم تكن مقتله أعظم منها. وكان الشعبي يبالغ ويقول: لم يشهدها إلّا عليّ، وعمار، وطلحة، والزُّبَيْر من الصحابة. وَقَالَ سَلَمة بن كُهَيْلٍ: فخرج من الكوفة ستّة آلاف، فقدموا على عليّبذي قار، فسار في نحو عشرة آلافٍ، حتّى أتى البصرة [١] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدة: كان على خيل عليّ يوم الجمل عمّار، وعلى الرَّجَّالَةِ محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وعلى الميمنة عِلْباء بن الهيثم السَّدُوسيّ، ويقال: عبد الله بن جعفر، ويقال: الحَسَن بن عليّ، وعلى الميسرة الحسين بن عليّ وعلى المقدّمة عبد الله بن عباس، ودفع اللّواء إلى ابنه محمد بن الحنفيّة [٢] وكان لواء طلحة والزُّبَيْر مع عبد الله بن حُكَيْم بن حزام [٣] ، وعلى الخيل طلحة، وعلى الرَّجَّالَةِ عبد الله بن الزُّبَيْر، وعلى الميمنة عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، وعلى الميسرة مروان بن الحكم [٤] . وكانت الوقعة يوم الجمعة، خارج البصرة، عند قصر عُبَيْد الله بن زياد [٥] . قَالَ اللَّيث بن سعد وغيره: كانت وقعة الجمل في جُمَادى الأولى. وَقَالَ أَبُو اليَقْظان: خرج يومئذ كعب بن سُور الأزديّ في عُنُقه المُصْحَف، ومعه تِرْس، فأخذ بخطام جمل عائشة، فجاءه سهم غرب فقتله [٦] . [قَالَ محمد بن سعد [٧] : وكان كعب قد طيّن عليه بيتًا، وجعل فيه كُوَّةً يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالًا للفتنة، فقيل لعائشة: إنْ خرج معك لم يتخلف من الأزد أحدٌ، فركِبْتَ إليه فنادته وكلَّمَتْهُ فلَم يُجبْها، فقالت:ألست أمّك؟ ولي عليك حقّ، فكلَّمَهَا، فَقَالَتْ: إنّما أريد أنْ أصْلِحَ بين النّاس. فذلك حين خرج ونشر المُصْحف، ومشى بين الصَّفَّين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم فقتله] [١] . وَقَالَ حصين بن عبد الرحمن: قام كعب بن سور فنشر مصحا بين الفريقين، ونشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتّى قُتلَ [٢] . وَقَالَ غيره: اصطفّ الفريقان، وليس لطلحة ولا لعليّ رأسي الفريقين قصد في القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامى أوباش الطائفتين بالنَّبْل، وشبّت نارُ الحرب، وثارت النفوس، وبقي طلحة يَقُولُ: (أيها الّناس أنْصِتُوا) ، والفتنة تغلي، فَقَالَ: أُفّ فَرَاش النار، وذِئاب طمع، وَقَالَ: اللَّهمّ خذ لعثمان منّي اليوم حتّى ترضى، إنّا داهَنّا في أمر عثمان، كنّا أمس يدًا على من سوانا، وأصبحنا اليوم جَبَلَيْن من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان منّي في أمر عثمان ما لا أرى كفارته، إلّا بسفْك دمي، وبطلَب دمِه [٣] . فروى قَتَادة، عن الجارود بن أبي سَبْرَة الهُذَليّ قَالَ: نظر مروان بن الحَكَم إلى طلحة يوم الجمل، فَقَالَ: لَا أطلب ثأري بعد اليوم، فرَمى طلحة بسهم فقتله [٤] . وَقَالَ قيس بن أبي حازم: رأيت مَروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذٍ بسهمٍ، فوقع في رُكبته، فما زال يسحّ حتّى مات [٥] . وفي بعضطُرُقه: رماه بسهمٍ، وَقَالَ: هذا ممّن أعان على عثمان. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمه، أنّ مروان رمى طلحة، والتفت إلى أبان بن عثمان وَقَالَ: قد كفيناك بعض قَتَلَة أبيك [١] . وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ رَجُلٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: بَشِّرُوا قاتل طلحة بالنّار [٢] . وعن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: خرجنا مع عليّ إلى الجمل في ستمائة رجل، فسلكنا على طريق الرَّبَذَة، فقام إليه الحسن، فبكى بين يديه وَقَالَ: ائْذنْ لي فأتكلّم، فَقَالَ: تكلّم، ودعْ عنك أنْ تحن حنين الجارية، قَالَ: لقد كنت أشرتُ عليك بالمقام، وأنا أشير عليك الآن: إنّ للعرب جوْلة، ولو قد رجعَتْ إليها غواربُ أحلامها، لضربوا إليك آباط الإبل، حتّى يستخرجوك، ولو كنت في مثل حُجْر الضَّبّ [٣] . فَقَالَ عليّ: أتراني لا أبا لك كنتُ منتظرًا كما تنتظر الضَّبُعُ اللَّدْمَ [٤] . وَرُوِيَ نحوه من وجهين آخرين [٥] . وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمّ له قال: لمّا كان يوم الجمل نادى عليّ في النّاس: لَا ترموا أحدًا بسهم، وكلِّموا القوم، فإنّ هذا مقام من فَلَجَ فيه فُلِج [٦] يوم القيامة، قَالَ: فتوافقنا حتّى أتانا حَرُّ الحديد، ثمّ إنّالقوم نادوا بأجمعهم: (يا لثارات عثمان) ، قَالَ: وابن الحَنَفِيَّةِ أمامنا رتوة [١] معه اللّواء، فمدّ عليٌّ يديه وَقَالَ: اللَّهمّ أكِبَّ قتله عثمان على وُجُوههم، ثمّ إن الزُّبَيْر قَالَ لأساوِرَة معه: ارموهم ولا تبلغوا، وكأنّه إنّما أراد أن ينشب القتال. فلمّا نظر أصحابنا إلى النّشّاب لم ينتظروا أن يقع إلى الأرض، وحملوا عليهم فهزمهم الله. ورمى مروان طلحة بسهْمٍ فشكّ ساقه بجَنْب فَرَسه. وعن أبي جرو [٢] المازِنّي قَالَ: شهِدْت عليًّا والزُّبَيْر حين تواقفا، فَقَالَ له عليّ: يا زُبير أنْشُدُك الله أسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنّك تقاتلُني وأنت ظالم لي» ؟ قَالَ: نعم ولم أَذْكُرُه إلّا في موقفي هذا، ثمّ انصرف [٣] . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ: يَا حَسَنُ، لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، قَالَ: يَا بُنَيَّ لَمْ أَرَ أَنَّ الأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا. [وَقَالَ ابن سعد [٤] : إنّ محمد بن طلحة [٥] تقدّم فأخذ بخطام الجمل [٦] ، فحمل عليه رجل، فقال محمد: أذكركم (حم) فطعنه فقتله، ثُمَّ قَالَ في محمد: وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بآيات ربِّهِ ... قليلِ الَأذَى فيما ترى العينُ مسلمِ هتكتُ له بالرّمح جيبَ قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفميُذَكّرني [١] (حم) وَالرُّمْحُ شاجرٌ [٢] ... فهلّا تلا (حم) قبل التَّقدُّمِ على غير شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعًا ... عليًّا ومَن لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يندَمِ فسار عليّ ليلته في الْقَتْلَى، معه النيران، فمر بمحمد بن طلحة قتيلًا، فَقَالَ، يا حسن (محمّد السّجّاد وربّ الكعبة) ، ثمّ قَالَ: أبوه صَرَعَه هذا المصرع، ولولا برِّه بأبيه مَا خَرَج. فَقَالَ الحسن: ما كان أغناك عن هذا، فقال: ما لي وما لك يا حسن [٣]] [٤] . وَقَالَ شَرِيكٌ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وناداه عليّ يأبا عَبْدِ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى الْتَقَتْ أَعْنَاقُ دَوَابِّهِمَا، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّه، أَتَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أُنَاجِيكَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تناجيه فو الله لَيُقَاتِلَنَّكَ وَهُوَ لَكَ ظَالِمٌ» . قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، فَضَرَبَ وَجْهَ دَابَّتَهُ وَانْصَرَفَ [٥] . وَقَالَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ [٦] ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ لِلزُّبَيْرِ: يَا بْنَ صَفِيَّةَ، هَذِهِ عَائِشَةُ تملِكُ طَلْحَةَ، فَأَنْتَ عَلَى مَاذَا تُقَاتِلُ قَرِيبَكَ عَلِيًّا؟ فَرَجَعَ الزّبير،فَلَقِيَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ فَقَتَلَهُ [١] . وَقَالَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: انصرف الزُّبَيْر يوم الجمل عن عليّ، وهم في المصافّ، فَقَالَ له ابنه عبد الله: جُبْنًا جُبْنًا، فَقَالَ: قد علم النّاس أنّي لست بجبانٍ، ولكن ذكَّرني عليّ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فحلفت أن لَا أقاتله، ثمّ قَالَ: تَرْكُ الأمورِ التي أخشي عواقِبَها ... في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّين [٢] [وَكِيعٌ، عَنْ عِصَامِ بْنِ قُدَامَةَ- وَهُوَ ثِقَةٌ- عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الجمل الأديب، يُقْتَلُ حَوَالَيْهَا قَتْلَى كَثِيرُونَ، وَتَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ» [٣]] . وقيل: إنّ أوّل قتيلٍ كان يومئذٍ مسلم الجُهَنيّ، أمره عليّ فحمل مُصْحفًا، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله، فقُتِلَ. وَقُطِعَتْ يومئذ سبعون يدًا من بني ضبّة [٤] بالسيوف، صار كلَّما أخذ رجل بخطام الجمل الَّذِي لعائشة، قطِعَتْ يدُه، فيقوم آخرُ مكانه وَيَرْتَجِزُ، إلى أن صرخ صارخ اعقُروا الجمل، فعقره رجلٌ مُخْتَلَفٌ في اسمه، وبقي الجمل والهودج الَّذِي عليه، كأنّه قُنْفُذٌ من النَّبْلِ، وكان الهودج مُلَبَّسًا بالدُّروع، وداخله أمّ المؤمنين، وهي تشجّع الذين حول الجمل: (مَا شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) [٥] . ثمّ إنّها ندِمَتْ، وَنَدِمَ عليّ لأجل ما وقع.— · 2 entries
وقعة الجمل: واجتمع إلى (١) عليٍّ من أهل الكوفة جمعٌ، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمعٌ، وسار بعضهم إلى بعض، بمكان يقال له: الخريبة، في النصف من جمادى الآخرة، ووقع القتال، وعائشة راكبةٌ الجمل المسمى: عسكر، في هودج، وقد صار مثل القنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير. ورمى مروان…▸ expand full passage (1,619 chars)وقعة الجمل: واجتمع إلى (١) عليٍّ من أهل الكوفة جمعٌ، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمعٌ، وسار بعضهم إلى بعض، بمكان يقال له: الخريبة، في النصف من جمادى الآخرة، ووقع القتال، وعائشة راكبةٌ الجمل المسمى: عسكر، في هودج، وقد صار مثل القنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير. ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بسهم، فقتله، وكلاهما كانا مع عائشة. وقيل: إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه؛ لأنه نسبه إلى أنه أعان على قتل عثمان. وانهزم الزبير طالبًا المدينة، وقطعت على خطام الجمل أيدٍ كثيرة، وقتل - أيضًا - من الفريقين خلق كثير، ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل، فسقط، فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل، فأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة، أنزلها في دار عبد الله بن خلف. وطاف عليٌّ على القتلى من أصحاب الجمل، وصلَّى عليهم،ودفنهم، ولما رأى طلحةَ قتيلًا، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنتُ أكره أن أرى قريشًا صرعى. ثم قُتل الزبير، وأتى قاتلُه برأسه إلى علي، فقال علي: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "بَشِّرُوا قاتِلَ الزُّبيرِ بِالنَّارِ" (١). ثم أمر علي عائشةَ بالرجوع إلى المدينة، وأن تقرَّ في بيتها، فسارت في مستهل رجب، وشيَّعها الناس، وجهَّزها عليٌّ بما احتاجت إليه، وسَيَّر معها أولادَه مسيرة يوم، وتوجَّهت إلى مكة، وأقامت للحج تلك السنة، ثم رجحت إلى المدينة. وقيل: كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف. وسار علي إلى الكوفة، ونزلها، وانتظم له الأمرُ بالعراق، ومصر، واليمن، والحرمين، وخراسان، ولم يبق خارجًا عنه إلا الشام، وفيه معاوية، وأهلُ الشام مطيعون له، فأرسل إليهم جرير بن عبد الله البجلي؛ ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، وسار جرير إلى معاوية، فماطله، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، فقدم عمرو على معاوية، واتفقا على قتال علي.*وقعة الجمل: واجتمع إلى (١) عليٍّ من أهل الكوفة جمعٌ، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمعٌ، وسار بعضهم إلى بعض، بمكان يقال له: الخريبة، في النصف من جمادى الآخرة، ووقع القتال، وعائشة راكبةٌ الجمل المسمى: عسكر، في هودج، وقد صار مثل القنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير. ورمى مروان…▸ expand full passage (1,619 chars)وقعة الجمل: واجتمع إلى (١) عليٍّ من أهل الكوفة جمعٌ، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمعٌ، وسار بعضهم إلى بعض، بمكان يقال له: الخريبة، في النصف من جمادى الآخرة، ووقع القتال، وعائشة راكبةٌ الجمل المسمى: عسكر، في هودج، وقد صار مثل القنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير. ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بسهم، فقتله، وكلاهما كانا مع عائشة. وقيل: إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه؛ لأنه نسبه إلى أنه أعان على قتل عثمان. وانهزم الزبير طالبًا المدينة، وقطعت على خطام الجمل أيدٍ كثيرة، وقتل - أيضًا - من الفريقين خلق كثير، ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل، فسقط، فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل، فأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة، أنزلها في دار عبد الله بن خلف. وطاف عليٌّ على القتلى من أصحاب الجمل، وصلَّى عليهم،ودفنهم، ولما رأى طلحةَ قتيلًا، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنتُ أكره أن أرى قريشًا صرعى. ثم قُتل الزبير، وأتى قاتلُه برأسه إلى علي، فقال علي: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "بَشِّرُوا قاتِلَ الزُّبيرِ بِالنَّارِ" (١). ثم أمر علي عائشةَ بالرجوع إلى المدينة، وأن تقرَّ في بيتها، فسارت في مستهل رجب، وشيَّعها الناس، وجهَّزها عليٌّ بما احتاجت إليه، وسَيَّر معها أولادَه مسيرة يوم، وتوجَّهت إلى مكة، وأقامت للحج تلك السنة، ثم رجحت إلى المدينة. وقيل: كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف. وسار علي إلى الكوفة، ونزلها، وانتظم له الأمرُ بالعراق، ومصر، واليمن، والحرمين، وخراسان، ولم يبق خارجًا عنه إلا الشام، وفيه معاوية، وأهلُ الشام مطيعون له، فأرسل إليهم جرير بن عبد الله البجلي؛ ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، وسار جرير إلى معاوية، فماطله، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، فقدم عمرو على معاوية، واتفقا على قتال علي.*— · 1 entry
وقعة الجمل: مرحلة المفاوضات: بذل الطرفان جهودًا حثيثة لتجنب الصدام، مع أنهما كانا قد استعدا لمواجهة عسكرية محتملة، والواقع أن جهود السلم والحرب سارت بخطين متوازيين، مع أن أيا من الطرفين لم يتحدث عن الحرب، بل عن الإصلاح على الرغم من اختلاف وجهات النظر بشأن الأسلوب الذي يؤدي إلى ذلك، فمن وجهة نظر علي،…▸ expand full passage (9,746 chars)وقعة الجمل: مرحلة المفاوضات: بذل الطرفان جهودًا حثيثة لتجنب الصدام، مع أنهما كانا قد استعدا لمواجهة عسكرية محتملة، والواقع أن جهود السلم والحرب سارت بخطين متوازيين، مع أن أيا من الطرفين لم يتحدث عن الحرب، بل عن الإصلاح على الرغم من اختلاف وجهات النظر بشأن الأسلوب الذي يؤدي إلى ذلك، فمن وجهة نظر علي، يقتصر الإصلاح، على إعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة بناء وحدة المسلمين، والتوقف عن تلك المطاردة، والاعتراف بشرعية خلافته، وقد لا يتردد عن ضرب خصومه إذا اعتقد أنهم على ضلالة، في حين كان الإصلاح في نظر عائشة، وحليفيها يمر من خلال تنفيذ العقاب بقتلة عثمان إحياء لشرع الله، ويبدو أنه لم يكن من الوارد أن توافق عائشة على بيعة علي، ولا أن يوافق علي على تسليم القتلة الموجودين في جيشه، وهكذا فإن الطريقة التي طرحت فيها قضية الخلاف كانت عائقًا دون الوصول إلى سلام بين الجانبين، ومع ذلك فقد جرت مفاوضات بينهما بواسطة القعقاع بن عمرو التميمي الذي أرسله علي بمهمة سلمية إلى البصرة١، وقد أبدى كل من طلحة، والزبير ليونة إزاء مهمة القعقاع، والواقع أن جوًا من الترقب والحذر، وأن خشية أمام أول مواجهة عسكرية بين الإخوة، كانا سائدين، إذ لم يكن أي من الجانبين مسرورًاوهو يستعد لمحاربة الجانب الآخر، وأن ما يرويه سيف عن اتفاق جاهز للانعقاد على حساب القتلة، وأن هؤلاء أفشلوه من خلال مؤامرة دبرها، وأوصى بها ابن سبأ، إنما هو بعيد الاحتمال١، وتصور روايات المصادر طلحة، والزبير وهما يتراجعان أمام المجابهة على أمل إيجاد حل ينقذ كل شيء، فخندقا في منطقة الزابوقة في البصرة، وهما يرددان "خرجنا للصلح"٢، ويعلنان رفضهما الاحتكام للسلاح "إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم يكن قبل اليوم، فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سنة، إنما هو حدث"، وأضافا: "أمير بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس"، "نحن نرجو الصلح إن أجابوا إليه وتموا، وإلا فإن آخر الدواء الكي"٣. رحب علي بالصلح الذي قبله طلحة والزبير، وأعلن عن تصميمه على إعادة الوحدة إلى المجتمع الإسلامي، وحذر من مخاطر القتال بين المسلمين، "بان لنا ولهم أن الإصلاح الكف عن هذا الأمر، فإن بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم"٤، وقد دفعه ذلك إلى الارتحال حتى نزل بجوارهم٥. ومن الواضح أن هذا كله ناتج عن إرادة واعية، ورؤية مستنيرة وورع وتقوى من كلا الجانبين. أحداث الوقعة: أثارت محاولات التفاهم والإصلاح غضب قيادات القوى التي شاركت في أحداث المدينة ومقتل عثمان، وعلى رأسها علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة العبسي وشريح بن أوفى بن ضبيعة، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وخالد بن ملجم من مصر، كان معهم في البصرة، وأبدى هؤلاء تخوفهم من إحلال الصلح بين المعسكرين، وتداولوا في أنجع السبل لإفشال ذلك، فاقترح الأشتر التخلص من علي وقتله، في حين أشار علباء إلى ضرورة التخلي عنه ليواجه معسكر التحالف دون مساندتهم، ودعاهم إلى الاعتزال حتى يظهر من يستحق دعمهم، وأبدى عدي استعداده لاحترام ما يقررونه، وأصر سالم على قتال القوم دفاعًا عن أنفسهم، وتقرر في النهاية دفع المعسكريين للاشتباك، وذلك بالاندساس بينهم وإثارة القتال٦. وكان الطرفان المتخاصمان قد عسكرا في الخزينة، إحدى ضواحي البصرة، فانسل هؤلاء النفر دون أن يشعر بهم أحد، وأثاروا القتال بينهما، واشتبك الجميعدون وعي منهم لما خطط لهم، وخرج من معسكر علي رجل يرفع نسخة من القرآن، في خطوة تعد آخر تذكير رمزي بالوحدة، فقتل١، وتكتسب هذه الدعوة التي صدرت عن علي لتحكيم القرآن في هذا الصراع، أهمية بالغة تلقي بظلالها اللاحقة على الفتنة، وبخاصة أثناء معركة صفين٢. وواجهت القبائل المختلفة بعضها بعضًا في رحى معركة ضاربة، مضر البصرة واجهت مضر الكوفة، وربيعة البصرة واجهت ربيعة الكوفة، ويمن البصرة واجهت يمن الكوفة٣، ووجدت القبائل نفسها في أتون معركة تدفع ثمنها من أرواح أبنائها. ويبدو أن البصريين لم يتحملوا صدمة القتال، فتراجعوا، وجرح طلحة في ركبته بسهم رماه به مروان بن الحكم، فانسحب من ميدان المعركة ليموت في مكان ما من البصرة٤، وشعر الزبير بالخذلان، فانسحب هو أيضًا وأراد الفرار، لكنه طورد وقتل في ظروف غامضة، وفي رواية أنه جرى اغتياله على يد عمرو بن جرموز التميمي في منطقة وادي السباع على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة٥، وانتهت على هذا الشكل الجولة الأولى من المعركة قرابة الظهر٦، لتبدأ الجولة الثانية والأكثر ضراوة، فقد أعاد البصريون تنظيم صفوفهم، وكروا على الكوفيين، وتركز القتال حول جمل عائشة الجالسة في هودج مدرع بالحديد، وقد أضحى هدف الكوفيين. وكان ثمة عزيمة من الجانبين، فارتدى القتال رداء بالغ الحدة بحيث اضطرا إلى تغيير نظام صفوفهما، فانضم الجناحان إلى القلب، وكونا كتلة ضخمة، وأضحى هناك كتلتان كبيرتان تتواجهان حول الجمل الذي تكاثرت التضحيات حوله، وتدخلت عائشة، في تلك اللحظة، وهي تحض أهل الكوفة على وقف القتال "البقية البقية"٧، وهو نداء ضد الإبادة، ودعتهم "أبنائي" وذكرتهم بأنها أمهم، وهذا دليل على أن المعركة بدأت تميل لغير صالحها، وعندما رأت أنهم عازمون على ضربها، دعت أهل البصرة لكي يلعنوا قتلة عثمان٨، ثم راحت تشجع بصوتها الجهوريالمدافعين عن الجمل حتى حملت الوقعة اسم وقعة الجمل. وعندما تحول القتال إلى مجزرة حقيقة، أمر علي على أحد رجاله بعقر الدابة، فهوت على الأرض، ومن اللافت أن يتوقف القتال فور وقوع الجمل أرضًا وأعطي البصريون الأمان١، والواقع أن الوقعة لم تتوقف لتوقف المقاتلين بل؛ لأن الرمز قد هوى، وكأن القتال لم يكن دائرًا لقتل عائشة ذاتها أو دافعًا عنها، بل؛ لأن الجمل الذي كان يحملها هي وما تمثل من قداسة وقضية٢، وعندما أصيب الجمل توقف كل شيء، وطرح الهودج أرضًا وسط أعداد هائلة من القتلى في عدادهم مشاهير من الكوفة، والبصرة وأشراف قرشيون، مما أدى إلى ضرب الجبهة القرشية التي شكلت توازنًا سياسيًا بين العرب، والمسلمين في ذلك الوقت٣، كما تعرض الأزديون والضبيون لمجزرة حقيقية، وكانوا من أشد المدافعين عن الجمل٤، وجرت المعركة في "١٠ جمادى الثانية ٣٦هـ/ ٤ كانون الأول ٦٥٦م". ذيول الوقعة: سيطر علي على البصرة بعد انتهاء الوقعة، وبايعه البصريون طائعين بعد أن عفا عنهم، فكانت كل قبيلة تبايع وهي ترفع رايتها٥، ويبدو أنهم اعتقدوا بأنهم أدوا واجبهم تجاه دم عثمان، وفي سبيل الدفاع عن عائشة أم المؤمنين، وأنه أضحى من واجبهم الآن العودة إلى النظام، وقد ساعدهم سلوك على تجاههم. وسامح علي كل الذين رفعوا السلاح في وجهه، وأظهر رغبة عميقة وصادقة في تضميد الجراح، وفي إعادة تجميع جسم الأمة الجريح، فحرص على عدم معاملتهم بمثل ما عاملوه به، ولهذا فقد أمر قواته بعدم مطاردة أي مدبر، وأن لا يجهزوا على جريح، ولا يدخلوا الدور، وأعلن أنه من أغلق بابه، فهو آمن، وندب الناس إلى موتاهم فخرجوا إليهم ودفنوهم، وطاف معهم في القتلى، وتألم لمقتلهم، وأقام الصلاة المزدوجة على الموتى من البصريين، وعلى الموتى من الكوفيين، وكذلك على القتلى من المكيين والمدنيين، ولم يرم أعداءه بالكفر، سيقول دائمًا إنهم مسلمون، وإن الله حرم سلبهم واسترقاقهم وإذلالهم، والنيل من شرفهم ومنزلتهم٦، وأقام في معسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة٦، وترحم على الزبير، وبشر قاتلهبالنار١، ودعا الله أن يجمعه بطلحة يوم القيامة في الجنة٢، ثم اجتمع بعائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، حيث نقلت بعد انتهاء الوقعة، وجرى بينهما حوار هادئ هو أقرب إلى الاستعتاب، فذكرها بأنها قد نهيت عن المسير إلى هذا المصير، فطلبت منه أن يصفح عنها، وأثنت عليه بسبب موقفه المتسامح معها ومع أنصارها، وعدت خلافها معه على أنه قدر مقدر أساسه مجرد استعتاب هدفت منه العمل على إعادة وحدة المسلمين بعد مقتل عثمان، إلا أن هذا الخلاف تطور رغمًا عنها حتى وصل إلى المواجهة المسلحة، ونفت أن يكون الصراع المسلح في وقعة الجمل هو تصفية خلافات قديمة بينهما، وتمنت لو استطاعت تجنبه، واتهمت طلحة والزبير بإخراجها من بيتها، وأبدت ندمها على خروجها من منزلها٣، ثم سيرها إلى المدينة يوم السبت لغرة رجب في جماعة من نساء أهل البصرة المعروفات لمؤانستها في الطريق، وجعل في صحبتها أخاها محمد بن أبي بكر، كما أرسل معها بنيه لحراستها حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا، وشيعها عدة أميال، وقد أعلنت يوم انطلاقها أنه ليس بينها وبين علي فيما كان إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وأضافت: "إنه عندي على معتبتي لمن الأخيار"، فأجابها علي: "صدقت والله وبرت، وإنه ما كان بينهما إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة"٤، واعتزلت السياسة بقية حياتها، وكرست نفسها للعبادة. هل لنا أن نصدر حكمًا ونحدد المسئولية في وقعة الجمل، حيث التقى المسلمون بسيوفهم فيها ضد بعضهم البعض؟ فقد التزم رجال الدين بالصمت، وآثروا العافية، وابتعد أهل السنة عن إبداء رأي صريح لاعتقادهم بأن الصحابة جميعًا ناجون، وليس لهم الحق في أن يحكموا على أحد الفريقين بالمسئولية أو الخطأ، وألقى الشيعة المسئولية الكاملة على عائشة وطلحة، والزبير ولكنهم لم يفندوا الأسباب التي استندوا إليها في حكمهم، وغالى الخوراج في حكمهم، فكفروا طلحة والزبير وأتباعهما، والمعروف أنه ليس لمؤمن أن يكفر مؤمنًا، ولا يحكم عليه بالكفر، وخطأ المعتزلة أحد الفريقين لدرجة تصل به إلى الفسق، ولكنهم لم يحددوا الفريق الذي تقع عليه المسئولية٥.وتباينت أحكام المؤرخين وفقًا لتعاطفهم مع هذا الفريق أو ذاك، فألقى بعضهم المسئولية على عائشة مبررين حكمهم في ذلك بأنها عارضت عثمان عندما اتضح لها أن سياسته لا ترضي عامة المسلمين، وعندما آلت الخلافة إلى علي، انقلبت عليه بما حملته في نفسها بسبب موقفه السلبي منها في حادثة الإفك، وقوله للنبي: "تزوج غيرها، فالنساء كثير"، وعدم دفاعه عنها، وحمل البعض الآخر طلحة والزبير المسئولية؛ لأنهما دفعًا الناس دفعًا إلى أتون هذا الحرب، وهما اللذان حرضًا عائشة على الخروج إلى البصرة، ولولا تحريضهما لما خرجت، ورأى فريق ثالث أن الزبير هو المسئول المباشر عن هذه الحرب، وقد استتر وراء الثلاثة الكبار ليحقق طموحه في اعتلاء منصب الخلافة، فاستغل خالته عائشة، ودفعها لخوض هذه الحرب ضد علي حتى تخلو له الساحة السياسية. والواضح أن قتلة عثمان يتحملون المسئولية المباشرة عن اندلاع هذه الحرب التي انخرطت فيها كافة الأطراف، عن وعي أو بدون وعي، كما أن قريشًا تتحمل مسئولية أدبية بفعل أنها انصرفت عن علي، فتركهم وذهب إلى الكوفة محاولًا أن يجد في قبائل اليمن المستقرة فيها السند البديل١، وأدت عصبية العشيرة دورًا في إذكاء روح الصراع، وقد انتعشت مجددًا في عهد عثمان من واقع ارتكاز هذا الخليفة عليها، "واستفزت عصبيات القبائل في الأمصار حين واجهت هذه طريقتها بمثلها في الاحتجاج أولًا، ثم في التطرف الذي هيأ الأجواء لقتله بصورة مألوفة من قبل هذه القبائل، وإذا كان بمقدور على ضبط هذه العصبية مرة أخرى قبل وقعة الجمل، فإنه أضحى عاجزا عن ذلك بعدها، لا سيما وأن خصومه لم يترددوا عن استخدامها كورقة أساسية لتعزيز موقعهم، واستقطاب الأنصار٢، وتصبح الصورة أكثر وضوحًا في هذا السياق حين نتوقف عند أسماء القتلى الذين سقطوا في وقعة الجمل، وقد بلغ عددهم نحو عشرة آلاف، مصنفين على أساس انتماءاتهم القبلية، نصفهم من أتباع علي، ونصفهم من أنصار عائشة، من الأزد ألفان ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مصر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمائة من بكر بن وائل ... وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب، ومن لم يقرأ القرآن٣.الفصل الرابع عشر: أوضاع المسلمين العامة في ظل خلافة علي بن أبي طالب