أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي
full-text— · 6 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 347, entry [558]46,922 chars
٤٩٦ - مهنا بن يحيى الشامي السلمى، أبو عبد الله. حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن ربيعة، ومكى بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وإمامنا أحمد، وبشر، فى آخرين. روى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابورى، وعبد الله بن إمامنا أحمد، وسهل التسترى فى آخرين. قرأت فى كتاب أبى بكر الخلال وقد ذكر مهنا - فق…
▸ expand full passage (46,922 chars)٤٩٦ - مهنا بن يحيى الشامي السلمى، أبو عبد الله. حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن ربيعة، ومكى بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وإمامنا أحمد، وبشر، فى آخرين. روى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابورى، وعبد الله بن إمامنا أحمد، وسهل التسترى فى آخرين. قرأت فى كتاب أبى بكر الخلال وقد ذكر مهنا - فقال: من كبار أصحاب أبى عبد الله. روى عن أبى عبد الله من المسائل ما فخر به. وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة. ورحل معه إلى عبد الرزاق. وصحبه إلى أن مات. ومسائله أكثر من أن تحد من كثرتها. وكتب عنه عبد الله بن أحمد مسائل كثيرة بضعة عشر جزءا، مسائل جيادا عن أبيه. لم تكن عند عبد الله عنأبيه، ولا عند غيره. وكان عبد الله يرفع قدره، ويذكره كثيرا. وحدث عنه بأشياء كثيرة عن أبيه وغيره وأخبرنى عمر بن إبراهيم، أبو بكر، قال سمعت مربّعا قال: رأيت أحمد ابن حنبل يكرم مهنا الشامى وقرئ على عبد الله بن أحمد - وأنا أسمع - أن أباه قال: مهنا كان معنا تلك السنة - يعنى عند عبد الرزاق - وكنت أرى مهنا يسأل أبى حتى يضجره ويكرر عليه جدا، حتى ربما قام وضجر. وكنت أشبهه بابن جريج، حين كان يسأل عطاء قال عبد الله: قال مهنا: لزمت أبا عبد الله ثلاثا وأربعين سنة. واتفقنا عند عبد الرزاق. ورأيته بمكة عند سفيان بن عيينة سنة ثمان وتسعين قال عبد الله: سمعت مهنا يقول: صحبت أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم والأدب، واكتسبت به مالا. قال قلت: كيف اكتسبت به مالا؟ قال: فقال: ولى أبو موسى الأنصارى على الصدقات. فكتب العلماء، فمضوا وأخذوا. قال: وجاء إلى أبى عبد الله، فعرض عليه فى القول. فخرج منه. فلما كان بعد ذلك ضقت، فجئت إلى أبى عبد الله، فقلت له: اكتب لى إلى أبى موسى فى الغارمين. فلم يفعل، وقال: لو بقى الإنسان على كذا وكذا - لشئ يذكره - ما كان ينبغى له أن يفعل هذا. قال: فسكت عنه مدة. قال: ثم عاودته الكلام. فسكت عنى. قال: فسكت عنه مدة، قال ثم عاوته الكلام. فقال: لن أفعل ولا أفعل. قال فلما قال: لا أفعل، علمت أنه لا يفعل. فسكت عنه مدة. ثم أتيته، فقلت: يا أبا عبد الله لى عليك حقوق: حق الجوار، وحق الصحبة. وجعلت أذكر له حقوقى عليه. وقد قلت «لا أفعل» فأكتب عن لسانك كتابا؟ قال: فقال لى: افعل، أنت أعلم. قال: فكتبت عن لسانه. فلما جئت بالكتاب إلى أبى موسى أنكره وقال: أحمد لا يكتب فى مثل هذا. فهذا خطه؟ قال: فحدثته بالقصة،فقلت: إن شئت قبلت، وإن شئت وجهت إليه وسألته. قال: واختبرنى، وكتب لى إلى البصرة بأربعة آلاف، قال: وأحسب قال: كتب لى مرة أخرى قال: فاشتريت وبعت. قال عبد الله: وكان ينسى - قال: فاكتسبت نحوا من ثلاثين ألفا. أخبرنى بركة الدلال أخبرنا إبراهيم عن عبد العزيز حدثنا محمد بن على حدثنا مهنا قال: سألت أحمد عن معاوية بن أبى سفيان؟ فقال: له صحبة. فقلت: ومن أين هو؟ قال: مكى، قطن الشام حدثنا مهنا قال: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية؟ فقال: هو الذى فعل بالمدينة ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا تذكر عنه الحديث، ولا ينبغى لأحد أن يكتب عنه حديثا. قلت: ومن كان معه بالمدينة حين فعل ما فعل؟ قال: أهل الشام. قلت: وأهل مصر؟ قال: لا. إنما كان أهل مصر فى أمر عثمان أنبأنا محمد عن الدارقطنى حدثنا أحمد بن محمد بن أبى شيبة حدثنا مهنا بن يحيى حدثنا زيد بن أبى الزرقاء عن سفيان عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومكم هذا، فى شهركم هذا، إلى يوم القيامة، ألا فمن تركها استخفافا بها أو تهاونا بها، فلا جمع الله له شمله. ولا بارك له. ألا، ولا صلاة له، ألا، ولا يؤمّن فاجر برّا» قال الدارقطنى: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن على بن زيد بن جدعان. تفرد به زيد بن أبى الزرقاء وتفرد به مهنا بن يحيى. سئل الدارقطنى عن مهنا بن يحيى؟ فقال: ثقة نبيل قال مهنا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبا كثيرة من كتب الرازى، وترك عليه دينا. فقلت له. فأى شئ يصنع بالكتب؟ قال: تدفنوسألت أحمد عن الرجل يحفظ الشئ ويكون فى الكتاب شئ: أيهما أحب إليك؟ قال: الكتاب وسألت أحمد عن الرجل يجد فى كتابه الشئ، فيقول له الناس خلاف ما فى كتابه؟ قال: يقول: فى كتابى كذا وكذا، ويقول الناس: كذا وسألت أحمد عن هشيم؟ فقال: ثقة، إذ لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم. قلت لأبى عبد الله: سمعت عبد الرزاق يقول: قال بعض أصحابنا لسفيان الثورى: يا أبا عبد الله، حدثنا كما سمعت. قال: والله ما إليه سبيل. وما هو إلا المعافى. فقال أحمد: هو ذاك وسألت أحمد عن الاقعاء فى الصلاة، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: أليس يروى عن العبادلة: أنهم كانوا يفعلون ذلك؟ قلت: ومن العبادلة؟ قال: عبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص قلت لأحمد: وابن مسعود؟ قال: ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة. أخبرنا المبارك - قراءة - أخبرنا إبراهيم أخبرنا أبو عمر أخبرنا طيب أخبرنا أحمد القطان الهيتى حدثنا سهل التسترى قال: قرأ علينا مهنا بن يحيى الشامى: هذا كتاب فى الصلاة، وعظم خطرها، وما يلزم الناس من تمامها وأحكامها يحتاج إليه أهل الإسلام، لما قد شملهم من الاستخفاف بها، والتضييع لها ومسابقة الإمام، فيها كتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إلى قوم صلّى معهم بعض الصلوات. أى قوم، إنّي صليت معكم. فرأيت من أهل مسجدكم من سبق الإمام فى الركوع والسجود، والرفع والخفض. وليس لمن سبق الإمام صلاة. بذلك جاءت الأحاديث عن النبى ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم. جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «أما يخاف الذى يرفع رأسه قبلالإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار (¬١)» وفى رواية «صورة كلب (¬٢)» وذلك لإساءته صلاته. لأنه لا صلاة له. ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخف عليه العقاب: أن يحول الله رأسه رأس حمار. وجاء عنه ﷺ أنه قال «الإمام يركع قبلكم، ويسجد قبلكم، ويرفع قبلكم (¬٣)» وجاء عن البراء بن عازب قال «كنا خلف النبى ﷺ. فكان إذا انحط من قيامه للسجود: لا يحنى أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يلبثون خلفه قياما حتى ينحط النبى ﷺ ويكبر، ويضع جبهته على الأرض، وهم قيام، ثم يتبعونه (¬٤)» وجاء الحديث عن أصحاب النبى ﷺ أنهم قالوا «لقد كان رسول الله ﷺ يستوى قائما. وإنا لسجود بعد» وجاء الحديث عن ابن مسعود «أنه نظر إلى من سبق الإمام. فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت» والذى لم يصل وحده، ولم يقتد بإمامه: فذلك لا صلاة له. وجاء الحديث عن ابن عمر «أنه نظر إلى من سبق الإمام. فقال له: لا صليت وحدك، ولا صليت مع الإمام. ثم ضربه، وأمره أن يعيد الصلاة (¬٥)» ولو كانت صلاة عند عبد الله بن عمر ما أوجب عليه الإعادة. وجاء عن حطّان بن عبد الله الرقاشى أنه قال «صلّى بنا أبو موسى الأشعرى صلاة. فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرّت بالبر والزكاة؟ فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم، انصرف. فقال: أيكم القائل هذا الكلمات؟ فأرمّ القوم (¬٦). ثم سألهم فأرموا.فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: قلت: والله ما قلتها. ولقد خفت أن تبكعنى (¬١) بها. فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير. فقال أبو موسى الأشعرى: أما تعلمون كيف تقولون فى صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وما تقول فيها. قال رسول الله ﷺ: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم. ثم ليؤمكم أحدكم. فإذا كبر الإمام فكبروا. وإذا قرأ فأنصتوا. وإذا قال (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾) فقولوا: آمين يجبكم الله. وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا. فإن الإمام يركع قبلكم. ويرفع قبلكم. فقال رسول الله ﷺ: فتلك بتلك. وإذا رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فارفعوا رءوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم. وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا. وإذا رفع رأسه فكبر، فارفعوا رءوسكم وكبروا - قال رسول الله ﷺ: فتلك بتلك - وإذا كان فى القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله والصلوات والطيبات حتى تفرغوا من التشهد». قول النبى ﷺ «إذا كبر فكبروا» معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبر، ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده. والناس يغلطون فى هذه الأحاديث ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها. فساعة يأخذ الإمام فى التكبير يأخذون معه فى التكبير وهذا خطأ. لا ينبغى لهم أن يأخذوا فى التكبير حتى يكبر الإمام. ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته. وهكذا قال النبى ﷺ «إذا كبر الإمام فكبروا» والإمام لا يكون مكبرا حتى يقول «الله أكبر» لأن الإمام لو قال «الله» ثم سكت: لم يكن مكبرا، حتى يقول «الله أكبر» فيكبر الناس بعد قوله «الله أكبر» وأخذهم فى التكبير مع الإمام خطاء: وترك لقول النبىﷺ. لأنك لو قلت: إذا صلّى فلان فكلمه، معناه: أن تنتظره حتى إذا صلّى وفرغ من صلاته كلمه. وليس معناه: أن تكلمه وهو يصلى. فكذلك معنى قول النبى ﷺ «إذا كبر الإمام فكبروا» وربما طول الإمام فى التكبير، إذا لم يكن له فقه. والذى يكبر معه: ربما جزم التكبير، ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام. فقد صار هذا مكبرا قبل الإمام. ومن كبر قبل الإمام: فليست له صلاة. لأنه دخل فى الصلاة قبل الإمام، وكبر قبل الإمام فلا صلاة له وقول النبي ﷺ «إذا كبر وركع، فكبروا واركعوا» معناه: أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع، وينقطع صوته وهم قيام، ثم يتبعونه وقول النبى ﷺ «فإذا رفع رأسه وقال سمع الله لمن حمده فارفعوا رءوسكم، وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» معناه: أن ينتظروا الإمام ويثبتوا ركعا، حتى يرفع الإمام رأسه، ويقول «سمع الله لمن حمده» وينقطع صوته، وهم ركع، ثم يتبعونه، فيرفعون رءوسهم ويقولون «اللهم ربنا لك الحمد». وقوله «إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا» معناه: أن يكونوا قياما حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض، وهم قيام. ثم يتبعونه. وكذلك جاء عن البراء بن عازب. وهذا كله موافق لقول النبى ﷺ «الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم» وقول النبى ﷺ «وإذا رفع رأسه وكبر، فارفعوا رءوسكم وكبروا» معناه: أن يثبتوا سجودا حتى يرفع رأسه فيكبر وينقطع الإمام صوته وهم سجود اتبعوه، فرفعوا رءوسهم. وقول النبى ﷺ «فتلك بتلك» يعنى انتظاركم إياه قياما حتى يكبر ويرفع وأنتم قيام، ثم تتبعونه. وانتظاركم إياه ركوعا حتى يرفع رأسه، ويقول «سمع الله لمن حمده» وأنتم ركوع. فإذا قال «سمع الله لمن حمده»وانقطع صوته، وأنتم ركوع: اتبعتموه، فرفعتم رءوسكم، وقلتم «اللهم ربنا لك الحمد» وقوله «فتلك بتلك» فى كل رفع وخفض وهذا تمام الصلاة. فأعقلوه وأبصروه، وأحكموه. واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة لسبقهم الإمام بالركوع والسجود، والرفع والخفض. وقد جاء الحديث قال «يأتى على الناس زمان يصلون ولا يصلون» وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان. لو صليت فى مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبى ﷺ، وعن أصحابه رحمة الله عليهم. فاتقوا الله، وانظروا فى صلاتكم وصلاة من يصلى معكم. واعلموا أن لو أن رجلا أحسن الصلاة، فأتمها وأحكمها، ثم نظر إلى من أساء فى صلاته وضيعها، وسبق الإمام فيها فسكت عنه، ولم يعلمه فى إساءته فى صلاته ومسابقته الإمام فيها، ولم ينهه عن ذلك، ولم ينصحه: شاركه فى وزرها وعارها. فالمحسن فى صلاته: شريك المسئ فى إساءته، إذا لم ينهه ولم ينصحه. وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال «الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها. وإذا ظهرت فلم تغيّر ضرت العامة (¬١)» لتركهم ما لزمهم، وما وجب عليهم من التغيير والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة. وجاء عن النبى ﷺ أنه قال «ويل للعالم من الجاهل، حيث لا يعلمه (¬٢)» فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم لازم، وفريضة، وليس بتطوع: ما كان له الويل فى السكوت عنه. وفى ترك تعليمه. والله تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع إنما يؤاخذ من ترك الفرائض. فتعليم الجاهل فريضة. فلذلك كان له الويل فى السكوت عنه وترك تعليمه فاتقوا الله تعالى فى أموركم عامة، وفى صلاتكم خاصة. واتقوا الله فى تعليمالجاهل. فإن تعليمه فريضة واجب لازم. والتارك لذلك: مخطئ آثم وأمروا أهل مسجدكم بإحكام الصلاة وإتمامها، وأن لا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام، وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه. واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة. وذلك الواجب على الناس واللازم لهم. كذلك جاء عن النبى ﷺ وعن أصحابه رحمة الله عليهم ومن العجب: أن يكون الرجل فى منزله، فيسمع الأذان، فيقوم فزعا يتهيأ، ويخرج من منزله يريد الصلاة، ولا يريد غيرها ثم لعله يخرج فى الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط فى الطين، ويخوض الماء وتبتل ثيابه، وإن كان فى ليالى الصيف: فليس يأمن العقارب والهوام فى ظلمة الليل، ولعله مع هذا: أن يكون مريضا ضعيفا. فلا يدع الخروج إلى المسجد. فيتحمل هذا كله إيثارا للصلاة، وحبّا لها، وقصدا إليها. لم يخرجه من منزله غيرها. فإذا دخل مع الإمام فى الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام فى الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعا من الشيطان له، لما يريد من إبطال صلاته، وإحباط عمله. فيخرج من المسجد ولا صلاة له ومن العجب: أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام. وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم. وهم كلهم - إلا ما شاء الله - يسابقونه فى الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعا من الشيطان لهم، واستخفافا بالصلاة منهم، واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام. وقد جاء الحديث قال «لاحظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة (¬١)» فكل مستخفبالصلاة مستهين بها: هو مستخفّ بالإسلام مستهين به. وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة. ورغبتهم فى الإسلام على قدر رغبتهم فى الصلاة. فاعرف نفسك يا عبد الله، واعلم أن حظك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك. واحذر أن تلقى الله ﷿ ولا قدر للاسلام عندك. فإن قدر الإسلام فى قلبك كقدر الصلاة فى قلبك. وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «الصلاة عمود الإسلام (¬١)» ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاس، ولم ينتفع بالطّنب ولا بالأوتاد؟ وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد. فكذلك الصلاة من الإسلام. فانظروا رحمكم الله واعقلوا، وأحكموا الصلاة، واتقوا الله فيها، وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض، والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان. فإن الله ﷿ قد أمركم أن تعاونوا على البر والتقوى. والصلاة: أفضل البر. وجاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة. وآخر ما تفقدون منه: الصلاة. وليصلين أقوام لا خلاق لهم (¬٢)» وجاء الحديث «أن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله: صلاته. فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله. وإن ردت صلاته رد سائر عمله (¬٣)» فصلاتنا آخر ديننا. وهى أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين. فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. فكل شئ يذهب آخره: فقد ذهب جميعه. فتمسكوا رحمكم الله بآخر دينكم.وليعلم المتهاون بصلاته، المستخف بها، المسابق الإمام فيها: أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه. فعظموا الصلاة رحمكم الله. وتمسكوا بها. واتقوا الله فيها خاصة. وفى أموركم عامة. واعلموا أن الله ﷿ قد عظم خطر الصلاة فى القرآن وعظم أمرها وشرّفها وشرف أهلها. وخصها بالذكر من بين الطاعات كلها فى مواضع من القرآن كثيرة. وأوصى بها خاصة فمن ذلك: أن الله تعالى ذكر أعمال البر (¬١) التى أوجب لأهلها الخلود فى الفردوس. فافتتح تلك الأعمال بالصلاة. وختمها بالصلاة. وجعل تلك الأعمال التى جعل لأهلها الخلود فى الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين. قال الله تعالى: (١:٢٣ - ١١ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾) فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مديحه إياهم. ثم وصفهم بالأعمال الطاهرة الزاكية المرضية، إلى قول الله ﷿ (﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾) فأوجب الله ﷿ لأهل هذه الأعمال الشريفة الزاكية المرضية الخلود فى الفردوس. وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين، ثم عاب الله ﷿ الناس كلهم وذمهم، ونسبهم إلى اللؤم والهلع والجزع، والمنع للخير، إلا أهل الصلاة. فإنه استثناهم منهم، فقال الله ﷿ (١٩:٧٠ - ٣٥ ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾) ثم استثنى المصلين منهم، فقال: (﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ. وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾) ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة: إلى قوله: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم، بأن ذكرهم بمحافظتهم على الصلاة. فقال: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ. أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾)فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة فى الجنة. وافتتح ذكر هذه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة. فجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين. ثم ندب الله ﷿ رسوله ﷺ إلى الطاعة كلها جملة وأفرد الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها. والصلاة هى من الطاعة. فقال ﷿ (٤٥:٢٩ ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ. وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾) ففى تلاوة الكتاب: فعل جميع الطاعات، واجتناب جميع المعصية. فخص الصلاة بالذكر. فقال: (﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾) وإلى الصلاة خاصة ندبه الله ﷿، فقال (١٣٢:٢٠ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً. نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾) فأمره أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها. ثم أمر الله تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة على طاعته كلها بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها فقرنها مع الصبر بقوله (١٥٣:٢ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾) فكذلك أمر الله تعالى بنى إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة على جميع الطاعة. ثم أفرد الصلاة من بين الطاعة. فقال (٤٥:٢ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾) ومثل ذلك: ما أخبر الله ﷿ به من حكمه ووصيته خليله إبراهيم ولوطا وإسحاق ويعقوب، فقال (٦٩:٢١ - ٧٣ ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً﴾ - إلى قوله -: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ - إلى قوله -: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾) فذكر الخيرات كلها جملة، وهى جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية. وأفرد الصلاة بالذكر، وأوصاهم بها خاصة. ومثل ذلك: ما ذكر عن إسماعيل فى قوله (٥٥:١٩ ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾) فبدأ بالصلاة. ومثل ذلك عن نجيّه موسى ﵇ فى قوله (٢٠: ٩ - ١٤ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ، لا إِلهَ إِلاّ أَنَا، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾) فأجمل الطاعة واجتناب المعصية فى قوله لموسى ﴿فَاعْبُدْنِي﴾وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة. وقال ﷿ (١٧٠:٧ ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾) والتمسك بالكتاب: يأنى على جميع الطاعة، واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر. فقال: (﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾) وإلى تضييع الصلاة نسب الله ﷿ من أوجب له العذاب قبل المعاصى. فقال: (٥٩:١٩ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ. فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾) فمن اتباع الشهوات: ركوب جميع المعاصى. فنسبهم الله ﷿ إلى جميع المعصية فى تضييع الصلاة. فهذا ما أخبر الله تعالى به من آى القرآن، من تعظيم الصلاة، وتقديمها بين يدى الأعمال كلها، وإفرادها بالذكر من بين جميع الطاعات، والوصية بها دون أعمال البر عامة. فالصلاة: خطرها عظيم، وأمرها جسيم وبالصلاة: أمر الله ﵎ رسوله، أول ما أوحى إليه بالنبوة، قبل كل عمل، وقبل كل فريضة. وبالصلاة: أوصى النبى ﷺ عند خروجه من الدنيا فقال «الله الله فى الصلاة وفيما ملكت أيمانكم (¬١)» فى آخر وصيته إياهم وجاء الحديث «أنها آخر وصية كل نبى لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا» وجاء فى حديث آخر عن النبى ﷺ «أنه كان يجود بنفسه ويقول: الصلاة، الصلاة، الصلاة (¬٢)» فالصلاة: أول فريضة فرضت عليهم، وهى آخر ما أوصى به أمته. وآخر ما يذهب من الإسلام. وهى أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة. وهى عمود الإسلام. وليس بعد ذهابها دين، ولا إسلام. فالله الله فى أموركم عامة، وفى صلاتكم خاصة. فتمسكوا بها، واحذروا تضييعها والاستخفاف بها، ومسابقةالإمام فيها، وخداع الشيطان أحدكم عنها، وإخراجه إياكم منها. فإنها آخر دينكم. ومن ذهب آخر دينه: فقد ذهب دينه كله. فتمسكوا بآخر دينكم. وأمر يا عبد الله الإمام: أن يهتم بصلاته، ويعنى بها ويتمكن، ليتمكنوا، إذا ركع وسجد. فإنى صليت يومئذ. فما استمكنت من ثلاث تسبيحات فى الركوع ولا ثلاث فى السجود. وذلك لعجلته، لم يمكن ولم يستمكن. وعجل. فأعلمه أن الإمام إذا أحسن الصلاة كان له أجر صلاته، ومثل أجر من يصلى خلفه. وإذا أساء كان عليه وزر إساءته، ووزر من يصلى خلفه. وجاء الحديث عن الحسن البصرى أنه قال: «التسبيح التام: سبع، والوسط من ذلك خمس. وأدناه: ثلاث تسبيحات». وأدنى ما يسبح الإمام فى الركوع «سبحان ربى العظيم» ثلاث مرات، وفى السجود «سبحان ربى الأعلى» ثلاث مرات، وإذا سبح فى الركوع والسجود ثلاثا ثلاثا. فينبغى له أن لا يعجل بالتسبيح، ولا يسرع فيه، ولا يبادر، وليكن بتمام من كلامه ولسانه ويمكّن. فإنه إذا عجل بالتسبيح وبادر به لم يدرك من خلفه التسبيح. وصاروا مبادرين إذا بادر، وسابقوه، ففسدت صلاتهم. فكان عليه مثل وزرهم جميعا. وإذا لم يبادر الإمام وتمكن، وأتم صلاته وتسبيحه: أدرك من خلفه ولم يبادروا. فيكون الإمام قد قضى ما عليه. وليس عليه إثم، ولا وزر. وأمره إذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» أن يثبت قائما معتدلا حتى يقول «ربنا ولك الحمد» وهو قائم معتدل، من غير عجلة فى كلامه ولا مبادرة. وإن زاد على ذلك فقال: «ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض» كان أحب إلى. لأنه جاء عن النبى ﷺ «أنه رفع رأسه فقال: ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت. ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد (¬١)»وهذا لا يكاد يطمع فيه اليوم من الناس. وجاء عن أنس قال «كان رسول الله ﷺ إذا فع رأسه من الركوع: يقوم، حتى يقال: قد نسى (¬١)» وما فى هذا مطمع من الناس اليوم. ولكن ينبغى للإمام أن لا يبادر إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يعجل بقوله «ربنا ولك الحمد» وليكن ذلك بتمام من كلامه، وتمكن وتأنّ من غير عجلة ولا مبادرة، حتى يدرك الناس معه. وإذا سجد ورفع رأسه من السجود فليعتدل جالسا، وليثبت بين السجدتين شيئا، بقدر ما يقول: «رب اغفر لى» من غير عجلة، حتى يدركه الناس قبل أن يسجد الثانية. ولا يبادر، فساعة يرفع رأسه من السجدة الأولى: يعود ساجدا، فيبادر الناس لمبادرته، ويقعون فى المسابقة. فتذهب صلاتهم. ويلزم الإمام وزر ذلك وإثمه. فإن الناس إذا علموا أنه يثبت ثبتوا، ولم يبادروا. وقد جاء الحديث «أن كل مصل راع ومسئول عن رعيته (¬٢)» وقد قيل: إن الإمام راع لمن يصلى بهم. فما أولى بالإمام النصيحة لمن يصلى خلفه، وأن ينهاهم عن المسابقة فى الركوع والسجود، وأن لا يركعوا ويسجدوا مع الإمام، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم بعده، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم، إذ كان راعيا لهم. وكان غدا مسئولا عنهم. وما أولى بالإمام أن يحسن صلاته، ويتمها ويحكمها. وتشتد عنايته بها، إذ كان له مثل أجر من يصلى خلفه إذا أحسن. وعليه مثل وزرهم إذا أساء. ومن الحق الواجب على المسلمين: أن يقدموا خيارهم، وأهل الدين والفضل منهم، وأهل العلم بالله تعالى، الذين يخافون الله ﷿ ويراقبونه. وقد جاء الحديث «إذا أمّ بالقوم رجل، وخلفه من هو أفضل منه: لم يزالوا فى سفال (¬٣)»وجاء الحديث «اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم (¬١)» وإنما معناه: الفقهاء والقراء أهل الدين والفضل والعلم بالله، والخوف من الله ﷿، الذين يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم. ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم، إن أساءوا فى صلاتهم. ومعنى القراء: ليس على الحفظ للقرآن. فقد يحفظ القرآن من لا يعمل به. ولا يعبأ بدينه، ولا بإقامة حدود القرآن، وما فرض الله ﷿ عليه فيه. وقد جاء الحديث «إن أحق الناس بهذا القرآن: من كان يعمل به، وإن كان لا يقرأ (¬٢)» فالإمامة بالناس، المقدم بين أيديهم فى الصلاة بهم على الفضل: فليس للناس أن يقدموا بين أيديهم إلا أعلمهم بالله، وأخوفهم له. ذلك واجب عليهم، ولازم لهم. فتزكو صلاتهم. وإن تركوا ذلك لم يزالوا فى سفال وإدبار، وانتقاص من دينهم، وبعد من الله ومن رضوانه ومن جنته. فرحم الله قوما عنوا بصلاتهم، وعنوا بدينهم. فقدموا خيارهم، واتبعوا فى ذلك سنة نبيهم ﷺ، وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم ﷿ وأمر يا عبد الله الإمام أن لا يكبر - أول ما يقوم مقامه للصلاة - حتى يلتفت يمينا وشمالا. فإن رأى الصف معوجا والمناكب مختلفة: أمرهم أن يسووا صفوفهم وأن يحاذوا مناكبهم. فان رأى بين كل رجلين فرجة: أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض، حتى تتماسّ مناكبهم واعلم أن اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب: ينقص من الصلاة. وأن الفرجة التى تكون بين كل رجلين: تنقص من الصلاة. فاحذروا ذلك. وقد جاء عن النبى ﷺ أنه قال «رصوا الصفوف. وحاذوا المناكب، وسدّواالخلل، لا يقوم بينكم مثل الحذف - يعنى أولاد الغنم الصغار - من الشياطين (¬١)» وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ «أنه كان إذا قام مقامه للصلاة: لم يكبر حتى يلتفت يمينا وشمالا. فيأمرهم بتسوية مناكبهم، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم (¬٢)» وقد جاء عنه ﷺ «أنه التفت يوما. فرأى رجلا قد خرج صدره من الصف. فقال: لتسوّنّ مناكبكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم (¬٣)» فتسوية الصفوف، ودنو الرجال بعضهم من بعض: من تمام الصلاة. وترك ذلك: نقص فى الصلاة. وجاء الحديث عن عمر «أنه كان يقوم مقام الإمام، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف، فيخبره: أنهم قد استووا، فيكبر (¬٤)» وجاء عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. وروى «أن بلالا كان يسوى الصفوف، ويضرب عراقيبهم بالدّرة، حتى يستووا» قال بعض العلماء: وقد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد النبى ﷺ عند إقامته، قبل أن يدخل فى الصلاة. لأن الحديث عن بلال جاء: «أنه لم يؤذن لأحد بعد النبى ﷺ إلا يوما واحدا» إذ أتى مرجعه من الشام (¬٥). ولم يكن للناس عهد بأذانه حينا، فطلب إليه أبو بكر وأصحابرسول الله ﷺ. فأذن. فلما سمع أهل المدينة صوت بلال ذكروا النبى ﷺ، بعد طول عهدهم بأذان بلال وصوته: جدد ذلك فى قلوبهم أمر النبى ﷺ، وشوقهم أذانه إليه، حتى قال بعضهم: بعث النبى ﷺ، شوقا منهم إلى رؤيته، ولما هيجهم بلال عليه بأذانه وصوته. فرقوا عند ذلك وبكوا، واشتد بكاؤهم عليه ﷺ، حتى خرج العواتق من بيوتهن شوقا إلى النبى ﷺ، حين سمعن صوت بلال وأذانه، وذكر النبى ﷺ. ولما قال بلال «أشهد أن محمدا رسول الله» امتنع بلال من الأذان فلم يقدر عليه. وقال بعضهم: سقط مغشيا عليه، حبا للنبى ﷺ وشوقا إليه. فرحم الله بلالا والمهاجرين والأنصار، وجعلنا وإياكم من التابعين لهم بإحسان. فاتقوا الله يا معشر المسلمين، وأحكموا صلاتكم، والزموا فيها سنة نبيكم وأصحابه ﷺ وعليهم أجمعين. فإن ذلك هو الواجب عليكم، واللازم لكم. وقد وعد الله تعالى من اتبعهم رضوانه، والخلود فى جنته. قال الله ﷿ (١٠٠:٩ ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾) فاتباع المهاجرين والأنصار واجب على الناس إلى يوم القيامة. وجاء عن النبى ﷺ «أنه كان له سكتتان: سكتة عند افتتاح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة (¬١)» وكان النبى ﷺ يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع، حتى يتنفس. وأكثر الأئمة على خلاف ذلك فأمره يا عبد الله، إذا فرغ من القراءة: أن يثبت قائما، وأن يسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوعوخصلة، قد غلب عليها الناس فى صلاتهم، إلا من شاء الله، من غير علة: وقد يفعلها شبابهم وأهل القوة والجلد منهم: ينحط أحدهم من قيامه للسجود، ويضع يديه على الأرض قبل ركبتيه. وإذا نهض من سجوده، أو بعد ما يفرغ من التشهد: يرفع ركبتيه من الأرض قبل يديه. وهذا خطأ، وخلاف ما جاء عن الفقهاء. وإنما ينبغى له، إذا انحط من قيامه للسجود: أن يضع ركبتيه على الأرض، ثم يديه، ثم جبهته. وإذا نهض: رفع رأسه، ثم يديه، ثم ركبتيه. بذلك جاء الأثر عن النبى ﷺ (¬١). فأمروا بذلك، وانهوا عنه من رأيتم يفعل خلاف ذلك، وأمروه أن ينهض - إذا نهض - على صدور قدميه، ولا يقدم إحدى رجليه. فإن ذلك مكروه. وقد جاء عن عبد الله بن عباس وغيره: أن تقديم إحدى الرجلين إذا نهض: يقطع الصلاة. ويستحب للمصلى: أن يكون بصره إلى موضع سجوده. ولا يرفع بصره إلى السماء. ولا يلتفت. فاحذروا الالتفات، فانه مكروه. وقد قيل: يقطع الصلاة. وإذا سجد يضع أصابع يديه حتى يحاذى بهما أذنيه وهو ساجد، ويضم أصابعه، ويوجهها نحو القبلة. ويبدى مرفقيه وساعديه. ولا يلزقهما بجنبيه. جاء الحديث عن النبى ﷺ «أنه كان إذا سجد لو مرت بهمة تحت ذراعيه لنفذت (¬٢)» وذلك لشدة مبالغته فى رفع مرفقيه وضبيعه. وجاء عن أصحاب النبى ﷺ أنهم قالوا «كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى بين ضبعيه (¬٣)» فأحسنوا السجود - رحمنا الله وإياكم - ولا تضيعوا شيئا. فقدجاء فى الحديث «إن العبد يسجد على سبعة أعضاء (¬١)» فأى عضو منها ضيعه لم يزل ذلك العضو يلعنه. وينبغى له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوى ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكّسه، فقد جاء عن النبى ﷺ «أنه كان إذا ركع لو كان قدح من ماء على ظهره ما تحرك من موضعه (¬٢)» وذلك لاستواء ظهره، ومبالغته فى ركوعه ﷺ فأحسنوا صلاتكم رحمكم الله. وأتموا ركوعها وسجودها وحدودها. فإنه جاء الحديث «إن العبد إذا صلّى فأحسن الصلاة صعدت ولها نور. فإذا انتهت إلى أبواب السماء: فتحت لها أبواب السماء، وتشفع لصاحبها، وتقول: حفظك الله كما حفظتنى. وإذا أساء فى صلاته، فلم يتم ركوعها وسجودها وحدودها: صعدت ولها ظلمة. فتقول: ضيعك الله كما ضيعتنى. فإذا انتهت إلى أبواب السماء غلقت أبواب السماء دونها، ثم لفّت كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها (¬٣)» وينبغى للرجل إذا جلس للتشهد: أن يفترش رجله اليسرى، فيجلس عليها، وينصب رجله اليمنى، ويوجه أصابعه نحو القبلة. ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويوجه أصابعها نحو القبلة. ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويشير بإصبعه التى تلى الإبهام، ويحلق الإبهام والوسطى، ويعقد الباقين. فإذا صلّى إلى سترة فليدن منها، فإن ذلك مستحب. ولا يمر أحد عليها. فإن ذلك يكره.جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «من صلّى إلى سترة فليدن منها. فإن الشيطان يمر بينه وبينها (¬١)» ومما يتهاون به الناس فى أمر صلاتهم: تركهم المار بين يدى المصلى. وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال ادرأ المار. فان أبى فادرأه. فان أبى فالطمه. فإنما هو شيطان (¬٢)» فلو كان للمار بين يدى المصلى رخصة لما أمر النبى ﷺ بلطمه. وإنما ذلك لعظم المعصية من المار بين يدى المصلى، والمعصية من المصلى إذا لم يدرأه. وجاء الحديث قال «لو يعلم أحدكم ما عليه فى ممرّه بين يدى أخيه فى صلاته لانتظر أربعين خريفا (¬٣)» وجاء الحديث «أن أبا سعيد الخدرى كان يصلى. فأراد ابن أخى مروان بن الحكم أن يمر بين يديه. فمنعه أبو سعيد، فذهب ابن أخى مروان إلى مروان - وهو يومئذ والى المدينة - فشكى إليه ما صنع أبو سعيد. وجاء أبو سعيد بعد ذلك. فدخل. فقال له مروان: ما يذكر ابن أخى: أنك لطمته، وكان منك إليه؟ فقال أبو سعيد: أمرنا رسول الله ﷺ أن ندرأ المار. فإن أبى درأناه. فإن أبى لطمناه. فإنما هو شيطان. وإنما لطمت شيطانا (¬٤)» ويستحب للرجل إذا خرج لصلاة الغداة: أن يصلى الركعتين فى منزله، ثم يخرج. ويستحب له ذكر الله فيما بين الركعتين وبين صلاة الغداة. ومن الجفاء: الكلام بينهما، إلا كلاما واجبا لازما: من تعليم الجاهل، ونصيحته، وأمره ونهيه. فإن ذلك واجب لازم. والواجب اللازم: أعظم أجرا من ذكر الله تطوعا والتطوع لا يقبل حتى يؤدى الواجب اللازم. وقد جاء الحديث «لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى الفريضة» ويستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد: أن يقبل بخوف ووجل، وخشوعوخضوع، وأن يكون عليه السكينة والوقار، فما أدرك صلّى، وما فاته قضى، بذلك جاء الأثر عن النبى ﷺ (¬١)، وأنه «كان يأمر بإثقال الخطى - يعنى قرب الخطى - إلى المسجد (¬٢)» ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى: أن يسرع شيئا، ما لم يكن عجلة تقبح. جاء الحديث عن أصحاب النبى ﷺ «أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى، وطمعوا فى إدراكها». فاعلموا رحمكم الله: أن العبد إذا خرج من منزله يريد المسجد: إنما يأتى الله الجبار الواحد القهار، العزيز الغفار، وإن كان لا يغيب عن الله حيث كان، ولا يعزب عنه ﵎ مثقال حبة من خردل، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فى الأرضين السبع، ولا فى السماوات السبع، ولا فى البحار السبعة. ولا فى الجبال الصّمّ الصّلاب الشوامخ البواذخ. وإنما يأتى بيتا من بيوت الله، ويريد الله، ويتوجه إلى الله تعالى، وإلى بيت من البيوت التى (٣٦:٢٤، ٣٧ ﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾) فإذا خرج أحدكم من منزله فليحدث لنفسه تفكرا وأدبا، غير ما كان عليه، وغير ما كان فيه من حالات الدنيا وأشغالها، وليخرج بسكينة ووقار. فإن النبى ﷺ أمر بذلك. وليخرج برغبة ورهبة، وبخوف ووجل، وخضوع وتواضع لله ﷿. فإنه كلما تواضع لله ﷿، وخشع وخضع، وذل لله تعالى: كان أزكى لصلاته، وأحرى لقبولها، وأشرف للعبد، وأقرب له من الله، وإذا تكبر قصمه الله، ورد عمله. وليس يقبل من المتكبر عملا جاء الحديث عن إبراهيم خليل الله ﷿ «أنه أحيا ليلة. فلما أصبح،أعجب بقيام ليلته. فقال: نعم الرب رب إبراهيم، ونعم العبد إبراهيم. فلما كان من الغد: لم يجد أحدا يأكل معه - وكان يحب أن يأكل معه غيره - فأخرج طعامه إلى الطريق ليمر به مار، فيأكل معه. فنزل ملكان من السماء، فأقبلا نحوه. فدعاهما إبراهيم إلى الغداء. فأجاباه. فقال لهما: تقدما بنا إلى هذه الروضة. فإن فيها عينا، وفيها ماء. فنتغدى عندها. فتقدموا إلى الروضة. فإذا العين قد غارت. وليس فيها ماء. فاشتد ذلك على إبراهيم ﵇، واستحيى مما قال، إذ رأى غير ما قال، فقالا له: يا إبراهيم، أدع ربك، واسأله: أن يعيد الماء فى العين، فدعا الله ﷿. فلم ير شيئا. فاشتد ذلك عليه. فقال لهما: ادعوا الله أنتما. فدعا أحدهما، فرجع وإذا هو بالماء فى العين، ثم دعا الآخر، فأقبلت العين. فأخبراه: أنهما ملكان، وأن إعجابه بقيام ليلته رد دعاءه عليه، ولم يستجب له» فاحذروا - رحمكم الله تعالى - من الكبر. فليس يقبل مع الكبر عمل، وتواضعوا بصلاتكم. فإذا قام أحدكم فى صلاته بين يدى الله ﷿، فليعرف الله ﷿ فى قلبه بكثرة نعمه عليه، وإحسانه إليه، فإن الله ﷿ قد أوقره نعما. وأنه أوقر نفسه ذنوبا، فليبالغ فى الخشوع والخضوع لله ﷿. وقد جاء الحديث «إن الله أوحى إلى عيسى ابن مريم: إذا قمت بين يدى فقم مقام الحقير الذليل، الذامّ لنفسه، فإنها أولى بالذم. فإذا دعوتنى فادعنى وأعضاؤك تلتفض» وجاء الحديث «أن الله أوحى إلى موسى نحو هذا» فما أحقك يا أخى وأولاك بالذم لنفسك، إذا قمت بين يدى الله ﷿ وجاء الحديث عن محمد بن سيرين: أنه كان إذا قام فى الصلاة ذهب دم وجهه حوفا من الله ﷿، وفرقا منه. وجاء عن مسلم (¬١). أنه كان إذا دخلفى الصلاة لم يسمع حسّا من صوت ولا غيره، تشاغلا بالصلاة وخوفا من الله ﷿ وجاء عن عامر العنبرى - الذى كان يقال له عامر بن عبد قيس (¬١) - فى حديث هذا بعضه - أنه قال: «لأن تختلف الخناجر بين كتفىّ أحب إلى من أن أتفكر فى شئ من أمر الدنيا وأنا فى الصلاة» وجاء عن سعيد بن معاذ أنه قال: ما صليت صلاة قط. فحدثت نفسى فيها بشئ من أمر الدنيا حتى أنصرف. وجاء عن أبى الدرداء أنه قال فى حديث - هذا بعضه -: «وتعفير وجهى لربى ﷿ فى التراب: فإنه مبلغ العبادة من الله تعالى» فلا يتقيّن أحدكم التراب، ولا يكرهن السجود عليه؛ فلا بد لأحدكم منه. ولا يتقى أحدكم المبالغة، فإنه إنما يطلب بذلك فكاك رقبته وخلاصها من النار التى لا تقوم لها الجبال الصم الشوامخ البواذخ، التى جعلت للأرض أوتادا، ولا تقوم لها السموات السبع الطباق الشداد، التى جعلت سقفا محفوظا. ولا تقوم لها الأرض التى جعلت للخلق دارا. ولا تقوم لها البحار السبع، التى لا يدرك قعرها، ولا يعرف قدرها: إلا الذى خلقها؛ فكيف بأبداننا الضعيفة، وعظامنا الدقيقة، وجلودنا الرقيقة؟ نستجير بالله من النار. نستجير بالله من النار، نستجير بالله من النار. فان استطاع أحدكم - رحمكم الله - إذا قام فى صلاته: أن يكون كأنه ينظر إلى الله ﷿؛ فانه إن لم يكن يراه فان الله يراه. فقد جاء فى الحديث عن النبى ﷺ أنه «أوصى رجلا، فقال له فى وصيته: اتق الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فهو يراك (¬٢)» فهذه وصية النبى ﷺ للعبد فىجميع حالاته. فكيف بالعبد فى صلاته، إذا قام بين يدى الله ﷿ فى موضع خاص، ومقام خاص، يريد الله ويستقبله بوجهه، ليس موضعه ومقامه وحاله فى صلاته كغير ذلك من حالاته؟ جاء الحديث «إن العبد إذ افتتح الصلاة استقبله الله ﷿ بوجهه. فلا يصرفه عنه، حتى يكون هو الذى ينصرف، أو يلتفت يمينا وشمالا (¬١)» وجاء الحديث قال «إن العبد ما دام فى صلاته فله ثلاث خصال: البرّ يتناثر عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملائكة يحفّون به من لدن قدميه إلى عنان السماء، ومناد ينادى: لو يعلم العبد من يناجى: ما انفتل (¬٢)» فرحم الله من أقبل على صلاته خاشعا خاضعا، ذليلا لله ﷿، خائفا داعيا راغبا، وجلا مشفقا راجيا. وجعل أكبر همّه فى صلاته لربه تعالى، ومناجاته إياه، وانتصابه قائما وقاعدا، وراكعا وساجدا، وفرّغ لذلك قلبه وثمرة فؤاده. واجتهد فى أداء فرائضه. فإنه لا يدرى: هل يصلى صلاة بعد التى هو فيها، أو يعاجل قبل ذلك؟. فقام بين يدى ربه ﷿ محزونا مشفقا، يرجو قبولها، ويخاف ردها. فإن قبلها سعد. وإن ردها شقى. فما أعظم خطرك يا أخى فى هذه الصلاة، وفى غيرها من عملك، وما أولاك بالهم والحزن، والخوف والوجل فيها، وفيما سواها مما افترض الله عليك. إنك لا تدرى: هل يقبل منك صلاة قط، أم لا؟ ولا تدرى: هل يقبل منك حسنة قط، أم لا؟ وهل غفر لك سيئة قط، أم لا؟ ثم أنت - مع هذا - تضحك وتغفل، وينفعك العيش. وقد جاءك اليقين: أنك وارد النار. ولم يأتك اليقين أنك صادر عنها. فمن أحقّ بطول البكاء وطول الحزن منك، حتى يتقبل اللهمنك؟ ثم - مع هذا - لا تدرى، لعلك لا تصبح إذا أمسيت، ولا تمسى إذا أصبحت، فمبشّر بالجنة، أو مبشّر بالنار. وإنما ذكّرتك يا أخى لهذا الخطر العظيم إنك لمحقوق أن لا تفرح بأهل ولا مال ولا ولد، وإن العجب كل العجب من طول غفلتك، وطول سهوك ولهوك عن هذا الأمر العظيم، وأنت تساق سوقا عنيفا فى كل يوم وليلة، وفى كل ساعة وطرفة عين. فتوقّع يا أخى أجلك. ولا تغفل عن الخطر العظيم الذى قد أظلّك. فإنك لا بد ذائق الموت ولاقيه، ولعله ينزل بساحتك فى صباحك أو مسائك، أشد ما تكون عليها إقبالا، وكأنك قد أخرجت من ملكك كله، فإما إلى الجنة وإما إلى النار. انقطعت الصفات، وقصرت الحكايات عن بلوغ صفتهما ومعرفة قدرهما. والإحاطة بغاية خبرهما. أما سمعت يا أخى قول العبد الصالح: عجبت للنار كيف نام هاربها؟ وعجبت للجنة كيف نام طالبها؟ فو الله لئن كنت خارجا من الطلب والهرب، لقد هلكت وعظم شقاؤك، وطال حزنك وبكاؤك غدا، مع الأشقياء المعذبين. وإن كنت تزعم أنك هارب طالب، فاغد فى ذلك على قدر ما أنت عليه من عظم الخطر. ولا تغرنك الأمانى. واعلموا - رحمكم الله - أن الإسلام فى إدبار وانتقاص، واضمحلال ودروس، جاء فى الحديث «ترذلون فى كل يوم. وقد يسرع بخياركم» وجاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «بدأ الإسلام غريبا. وسيعود غريبا كما بدأ (¬١)» وجاء عنه ﷺ أنه قال «خير أمتى: القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. والآخر شر إلى يوم القيامة (¬٢)» وجاء عنه ﷺ أنه قال لأصحابه «أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير منأبنائهم، وأبناء أبنائكم خير من أبنائهم، والآخر شر إلى يوم القيامة» وجاء عنه ﷺ «يأتى زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه (¬١)» وجاء عنه ﷺ «أن رجلا قال: كيف نهلك، ونحن نقرأ القرآن، ونقرؤه أبناءنا، وأبناؤنا يقرءونه أبناءهم؟ قال: ثكلتك أمك، أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والانجيل؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: فما أغنى ذلك عنهم؟ قال: لا شئ يا رسول الله (¬٢)» وقد أصبح الناس فى نقص عظيم شديد من دينهم عامة، ومن صلاتهم خاصة. فأصبح الناس فى صلاتهم ثلاثة أصناف: صنفان لا صلاة لهم أحدهما: الخوارج والروافض والمشبهة، وأهل البدع يحقرون الصلاة فى الجماعات، ولا يشهدونها مع المسلمين فى مساجدهم، بشهادتهم علينا بالكفر، وبالخروج من الإسلام والصنف الثانى: من أصحاب اللهو واللعب، والعكوف على هذه المجالس الرديئة على الأشربة والأعمال السيئة. والصنف الثالث: هم أهل الجماعة، الذين لا يدعون حضور الصلاة عند النداء بها، ومشاهدتها مع المسلمين فى مساجدهم. فهؤلاء خير الأصناف الثلاثة. وهؤلاء - مع خيرهم وفضلهم على غيرهم - قد ضيعوها. ورفضوها، إلا ما شاء الله، لمسابقتهم الإمام فى الركوع والسجود، والخفض والرفع، أو مع فعله، وإنما ينبغى لهم: أن يكونوا بعد الإمام فى جميع حالاتهم. ولقد أخبرنا من صلّى فى المسجد الحرام أيام الموسم قال: رأيت خلقا كثيرا فيه يسابقون الإمام. وأهل الموسم من كل أفق: من خراسان، وأفريقية، وأرمينية، وغيرها من البلاد. إلا ما شاء الله. وقد رأيناتصديق ذلك. ترى الخراسانى: يقدم من خراسان حاجا. يسبق الإمام إذا صلّى معه، وترى الشامى كذلك، والإفريقي، والحجازى، وغيرهم كذلك. قد غلبت عليهم المسابقة. وأعجب من ذلك: أقوام يسبقون إلى الفضل، ويبكرون إلى الجمعة، طلبا للفضل فى التبكير، ومنافسة فيه، فربما صلّى أحدهم الفجر بالمسجد الجامع، حرصا على الفضل، وطلبا له. فلا يزال مصليا، وراكعا وساجدا، وقائما وقاعدا، وتاليا للقرآن، وداعيا لله ﷿، وراغبا وراهبا، وهذه حاله إلى العصر، ويدعو إلى المغرب. وهو مع هذا كله: يسابق الإمام، خدعا من الشيطان لهم، واستيلاء، يخدعهم عن الفريضة الواجبة عليهم، اللازمة لهم، فيركعون ويسجدون معه، ويرفعون ويخفضون معه، جهلا منهم، وخدعا من الشيطان لهم، فهم يتقربون بالنوافل التى ليست بواجبة عليهم. ثم يضيعون الفرائض الواجبة عليهم. وقد جاء الحديث «لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى الفريضة» وإنما يطلب الفضل فى التبكير إلى الجمعة: غير المضيع للأصل. لأنه قد يستغنى بالأصل عن الفضل، ولا يستغنى بالفضل عن الأصل. فمن ضيع الأصل فقد ضيع الفضل، ومن ضيع الفضل وتمسك بالأصل وأحكمه كفى به، واستغنى عن الفضل. وإنما مثلك فى طلب الفضل، وتضييعك الأصل: كمثل تاجر اتجر. فجعل ينظر فى الربح ويحسبه، ويفرح به قبل أن يرفع (¬١) رأس المال. فلم يزل كذلك يفرح بالربح ويغفل عن النظر فى رأس المال، فلما نظر إلى رأس ماله رآه قد ذهب، وذهب الربح، فلم يبق رأس مال ولا ربح فرحم الله رجلا رأى أخاه يسبق الإمام، فيركع أو يسجد معه، أو يصلى وحده فيسئ فى صلاته: فينصحه ويأمره وينهاه. ولا يسكت عنه. فإن نصيحته واجبة عليه. لازمة له. وسكوته عنه إثم ووزر. فإن الشيطان يريد أن تسكتواعن الكلام بما أمركم الله، وأن تدعوا التعاون على البر والتقوى، الذى أوصاكم الله به. والنصيحة التى عليكم من بعضكم لبعض، لتكونوا مأثومين مأزورين، ولا تكونوا مأجورين، ويضمحل الدين ويذهب، وأن لا تحيوا سنة، ولا تميتوا بدعة. فأطيعوا الله فيما أمركم به: من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا تطيعوا الشيطان. فإن الشيطان لكم عدو مضل مبين؛ بذلك أخبركم الله ﷿. فقال (٦:٣٥ ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾) وقال تعالى (٢٧:٧ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾) واعلموا أنما جاء هذا النقص فى الصلاة: من المنسوبين إلى الفضل، المبكرين إلى الجمعات (¬١) ممن بالمشرق والمغرب من أهل الإسلام، لسكوت أهل العلم والفقه والبصر عنهم. وتركهم ما لزمهم من النصيحة والتعليم والأدب، والأمر والنهى، والإنكار والتغيير. فجرى أهل الجهالة على المسابقة للامام. وجرى معهم كثير ممن ينسب إلى العلم والفقه، والبصر والفضل، استخفافا منهم بالصلاة. والعجب كل العجب من اقتداء أهل العلم بأهل الجهالة، ولمجراهم معهم فى المسابقة للامام والسجود والرفع والخفض، وفعلهم معهم، وتركهم ما حمّلوا وسمعوا من الفقهاء والعلماء. وإنما الحق الواجب على العلماء: أن يعلموا الجاهل وينصحوه، ويأخذوا على يده، فهم فيما تركوا آثمون، عصاة خائنون، لجريانهم معهم فى ذلك. وفى كثير من مساويهم، من الغش والنميمة، ومحقرة الفقراء والمستضعفين، وغير ذلك من المعاصى مما يكثر تعداده. وجاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه» فتعليم الجاهل واجب على العالم، لازم له. لأنه لا يكون الويل للعالم من تطوع تركه، لأن الله لا يؤاخذ على ترك التطوع. إنما يؤاخذ على ترك الفرائض. وجاء الحديث عن النبى ﷺأنه قال «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه. فان لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان (¬١)» والمضيع لصلاته، الذى يسابق الإمام فيها، ويركع ويسجد معه، أو لا يتم ركوعه ولا سجوده، إذا صلّى وحده: فقد أتى منكرا. لأنه سارق. وقد جاء الحديث عن النبى ﷺ أنه قال «شر الناس سرقة: الذى يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها، ولا سجودها (¬٢)» فسارق الصلاة: قد وجب الإنكار عليه ممن رآه، والنصيحة له. أرأيت: لو أن سارقا سرق درهما، ألم يكن ذلك منكرا يجب الإنكار عليه ممن رآه؟ فسارق الصلاة: أعظم سرقة من سارق الدرهم. وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «من رأى من يسئ فى صلاته فلم ينهه: شاركه فى وزرها وعارها» وجاء فى الحديث عن بلال بن سعد أنه قال «الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، فإذا ظهرت فلم تغير: ضرت العامة (¬٣)» وإنما تضر العامة: لتركهم ما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذى ظهرت منه الخطيئة. فلو أن عبدا صلّى حيث لا يراه الناس، فضيع صلاته، ولم يتم الركوع ولا السجود: كان وزر ذلك عليه خاصة. وإذا فعل ذلك حيث يراه الناس، فلم ينكروه ولم يغيروه: كان وزر ذلك عليه وعليهم. فاتقوا الله عباد الله فى أموركم عامة، وفى صلاتكم خاصة. وأحكموها فى أنفسكم. وانصحوا فيها إخوانكم. فإنها آخر دينكم. فتمسكوا بآخر دينكم. ومما أوصاكم به ربكم من بين الطاعات التى افترضها الله عامة، وتمسكوا بما عهد إليكم نبيكم ﷺ خاصة، من بين عهوده إليكم فيما افترض عليكم ربكمعامة. وجاء الحديث عن النبى ﷺ «أنه كان آخر وصيته لأمته، وآخر عهده إليهم، عند خروجه من الدنيا: أن اتقوا الله فى الصلاة، وفيما ملكت أيمانكم (¬١)». وجاء الحديث «أنها آخر وصية كل نبى لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا» وهى آخر ما يذهب من الإسلام. ليس بعد ذهابها إسلام ولا دين، وهى أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهى عمود الإسلام، وإذا سقط: سقط العمود الفسطاط، فلا ينتفع بالطّنب والأوتاد، وكذلك الصلاة: إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام. وقد خصها الله بالذكر من بين الطاعات كلها، ونسب أهلها إلى الفضل. وأمر بالاستعانة بها، وبالصبر على جميع الطاعات، واجتناب جميع المعصية. فأمروا رحمكم الله بالصلاة فى المساجد من تخلف عنها، وعاتبوهم إذا تخلفوا عنها. وأنكروا عليهم بأيديكم؛ فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم. واعلموا أنه لا يسعكم السكوت عنهم، لأن التخلف عن الصلاة من عظيم المعصية. فقد جاء عن النبى ﷺ أنه قال «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم أخالف إلى قوم فى منازلهم لا يشهدون الصلاة فى جماعة، فأحرقها عليهم (¬٢)» فتهددهم النبى ﷺ بحرق منازلهم. فلولا أن تخلفهم عن الصلاة معصية كبيرة عظيمة: لما تهددهم النبى ﷺ بحرق منازلهم. وجاء الحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد (¬٣)» وجار المسجد: الذى بينه وبين المسجد أربعون دارا (¬٤).[فالصلاة أول فريضة فرضت على النبى ﷺ، وهى آخر ما أوصى به أمته عند خروجه من الدنيا. وهى آخر ما يذهب من الإسلام، ليس بعد ذهابها إسلام ولا دين. جاء الحديث قال: «من سمع المؤذن فلم يجبه. فلا صلاة له، إلا من عذر (¬١)» وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه فقد رجلا فى الصلاة. فأتى منزله. فصوت به. فخرج الرجل. فقال: ما حبسك عن الصلاة؟ قال: علّة يا أمير المؤمنين، ولولا أنى سمعت صوتك ما خرجت، أو قال: ما استطعت أن أخرج، فقال عمر: لقد تركت دعوة من هو أوجب عليك إجابة منى: منادى الله إلى الصلاة» وجاء عن عمر «أنه فقد أقواما فى الصلاة. فقال: ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة. فيتخلف لتخلفهم آخرون؟ ليحضرنّ المسجد، أو لأبعثن إليهم من يجأ فى رقابهم (¬٢)، ثم يقول: احضروا الصلاة، احضروا الصلاة» وجاء الحديث عن عبد الله بن أم مكتوم: أنه قال «يا رسول الله، إنّي شيخ ضرير البصر، ضعيف البدن، شاسع الدار، بينى وبين المسجد نخل وواد، فهل لى من رخصة إن صليت فى منزلى؟ فقال له النبى ﷺ: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب (¬٣)» ولم يرخص رسول الله ﷺ لرجل ضرير البصر، ضعيف البدن، شاسع الدار، بينه وبين المسجد نخل وواد: فى التخلف عن الصلاة. فلو كان لأحد عذر فى التخلف: لرخص رسول الله ﷺ لشيخ ضعيف البدن، ضرير البصر، شاسع الدار، بينه وبين المسجد نخل وواد.فأنكروا على المتخلفين عن الصلاة، فإن ذنوبهم فى تخلفهم عظيمة. وأنتم شركاؤهم فى عظيم تلك الذنوب، إن تركتم نصيحتهم والإنكار عليهم. وأنتم تقدرون على ذلك. وجاء عن أبى الدرداء عن ابن مسعود «إن الله ﵎ سنّ لكل نبى سنة. وسنّ لنبيكم، فمن سنة نبيكم: هذه الصلوات الخمس فى جماعة. وقد علمت: أن لكل رجل منكم مسجدا فى بيته، ولو صليتم فى بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (¬١)» فاتقوا الله وأمروا بالصلاة فى جماعة من تخلف، وإن لم تفعلوا تكونوا آثمين، ومن أوزارهم غير سالمين. لوجوب النصيحة لإخوانكم عليكم، ولوجوب إنكار المنكر عليكم بأيديكم. فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم. وقد جاء الحديث «يجئ الرجل يوم القيامة متعلقا بجاره، فيقول: يا رب هذا خاننى، فيقول: يا رب، وعزتك، ما خنته فى أهل ولا مال، فيقول: صدق يا رب، ولكنه رآنى على معصية فلم ينهنى عنها (¬٢)» والمتخلف عن الصلاة عظيم المعصية. فاحذر تعلقه بك غدا؛ وخصومته إياك بين يدى الجبار. ولا تدع نصيحته اليوم، إن شتمك وآذاك وعاداك، فإن معاداته لك اليوم أهون من تعلقه بك غدا، وخصومته إياك بين يدى الجبار، ودحضه حجتك فى ذلك المقام العظيم. فاحتمل الشتمة اليوم لله، وفى الله. لعلك تفوز غدا مع النبيين والتابعين لهم فى الدينفإن رأيتم اليوم من يصلى تطوعا، ولا يقيم صلبه بين الركوع والسجود: فقد وجب عليكم أمره ونهيه ونصيحته، فإن لم تفعلوا كنتم شركاءه فى الإساءة والوزر والإثم والتضييع. واعلموا أن مما جهل الناس: أن أحدهم يصلى متطوعا، ولا يتم الركوع ولا السجود، ولا يقيم صلبه. لأنه تطوع، فيظن أن ذلك يجزيه، وليس يجزيه ذلك عن التطوع. لأنه من دخل فى التطوع فقد صار واجبا عليه لازما له. يجب عليه إتمامه وإحكامه، كما أن الرجل لو أحرم بحجة تطوعا: وجب عليه قضاؤها، وإن أصاب فيها صيدا: وجبت عليه الكفارة، وكما أن الرجل لو صام يوما تطوعا، ثم أفطر عند العصر: وجب عليه قضاء هذا اليوم، وكما أن الرجل لو تصدق بدرهم على فقير، ثم أخذه منه: وجب عليه رد ذلك الدرهم على الفقير. فكل تطوع دخل فيه لزمه، ووجب عليه أداؤه تامّا محكما، لأنه حين دخل فيه فقد أوجبه على نفسه، ولو لم يدخل فيه لم يكن عليه شئ. فإذا رأيتم من يصلى تطوعا أو فريضة فآمروه بتمام ذلك وإحكامه، إن لا تفعلوه تكونوا آثمين. عصمنا الله وإياكم. وقد قال بعض أهل الجهل: ليس على من سبق الإمام ساهيا شئ، تأويلا منهم للحديث الذى جاء «ليس على من خلف الإمام سهو» وقد جاء الحديث بذلك، ولكنهم أخطئوا معناه وتأويله. إنما معناه: من قام ساهيا فيما ينبغى له أن يجلس فيه أو جلس ساهيا فيما ينبغى له أن يقوم فيه، أو سها فلم يدر: كم صلّى؟ ثلاثا، أو أربعا، أو ترك بعض التكبيرات ساهيا. فليس عليه سهو، وليس ذلك فيمن سبق الإمام. لم يجئ عن النبى ﷺ ولا عن المهاجرين والأنصار بيان لمن سبق الإمام ساهيا أو غير ساه، وقول النبى ﷺ: «أما يخاف الذى يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» لم يقل: إلا أن يكون ساهيا، ولم يأمره بسجدتى السهو. وقول ابن مسعود «لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت» لم يقل إلا: أن تكون ساهيا،ولم يأمره بسجدتى السهو، وقول ابن عمر «لا صليت وحدك، ولا صليت مع الإمام» لم يقل إلا: أن تكون ساهيا، ولم يأمره بسجدتى السهو، ولكن ضربه وأمره بالإعادة. وقول سلمان «الذى يرفع رأسه قبل الإمام ويخفض قبله: ناصيته بيد الشيطان، يخفضه ويرفعه» ولم يقل: إلا أن يكون ساهيا. ولم يأمره بسجدتى السهو. وقد سها النبى ﷺ. وسها عمر. وسها أصحاب رسول الله ﷺ، فمنهم من سها وترك القراءة فى الركعتين الأوليين؛ ثم قرأ فى الأخريين، ومنهم من سها. فقام فيما ينبغى له أن يجلس فيه. وجلس فيما ينبغى أن يقوم فيه، ففى هذا كله وفيما أشبهه: سجدتا السهو. بذلك جاءت الأحاديث عن النبى ﷺ وعن أصحابه ﵃، وذلك هو السنة. فأما سبق الإمام: فإنما جاء عنهم «أنه لا صلاة له» على ما فسرت لك من قولهم «من سبق الإمام فلا صلاة له» ساهيا كان أو غير ساه. وليس للسهو ههنا موضع يعذر فيه صاحبه. وكيف يجوز السهو ههنا؟ وهو إذا رأى الإمام قد هوى من قيامه بادره فسجد قبله، أو ينظر إلى الإمام ساجدا بعد، وهو قد رفع رأسه، أو ينظر إليه يريد أن يسجد فيبادر السجود قبله؛ أو ساعة يفرغ الإمام من القراءة: يبادر فيركع قبله من قبل أن يكبر الامام فيركع. وإنما ينبغى فى هذا كله: أن ينتظر حتى يركع، أو يسجد، أو يرفع، أو يخفض، وينقطع تكبيره فى ذلك كله، ثم يتبعه بعد فعل الإمام، وبعد انقطاع تكبيره. ليس للسهو ههنا موضع يعذر به صاحبه، ولم يعذره النبى ﷺ ولا أصحابه ﵃، ولا أمروه بسجدتى السهو، ولكن أمروه بالاعادة، وخوفه النبى ﷺ «أن يحول الله رأسه رأس حمار» وإنما ذلك لاستخفافه بالصلاة واستهانته بها، وصغر خطرها فى قلبه. فليحذر جاهل أن يعذر نفسه فيما لا عذر له فيه، فيحمل وزر نفسه ووزر من يفتنه بحجة مدحوضة، لم يحتج بها أحد من الأبرار.فاعتنوا عباد الله بصلاتكم. فإنها آخر دينكم، وليحذر امرؤ أن يظن أنه قد صلّى وهو لم يصل. فإنه جاء الحديث «أن الرجل يصلى ستين سنة وماله صلاة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يتم الركوع ولا يتم السجود. ويتم السجود ولا يتم الركوع» وجاء الحديث عن حذيفة «أنه رأى رجلا يصلى ولا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال حذيفة: منذكم تصلى هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة: قال حذيفة: ما صليت. ولو مت: لمت على غير الفطرة» وجاء الحديث عن عبد الله بن مسعود «أنه بينما يحدث أصحابه. إذ قطع حديثه. فقالوا له: مالك يا أبا عبد الرحمن، قطعت حديثك؟ قال: إنّي أرى عجبا! أرى رجلين، أما أحدهما: فلا ينظر الله إليه. وأما الآخر: فلا يقبل الله صلاته، قالوا: من هما؟ فقال: أما الذى لا ينظر الله إليه: فذلك الذى يمشى يختال فى مشيته، وأما الذى لا يقبل الله صلاته: فذلك الذى يصلى ولا يتم ركوعه ولا سجوده» وجاء الحديث «أن رجلا دخل المسجد، فصلى. ثم جلس إلى النبى ﷺ. فقال له النبى ﷺ: صليت يا فلان؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: ما صليت، قم فأعدها. فأعادها. ثم جلس إلى النبى ﷺ، فقال: صليت يا فلان؟ قال: نعم، يا رسول الله. قال: ما صليت. قم فأعدها، فأعادها. فلما كانت الثالثة، أو الرابعة: علمه رسول الله ﷺ كيف يصلى. فصلى كما علمه النبى ﷺ (¬١)» فرحم الله امرءا احتسب الأجر والثواب. فبث هذا الكتاب فى أقطار الأرض. فإن أهل الإسلام محتاجون إليه لما قد شملهم من الاستخفاف بصلاتهم والاستهانة بها. والله أعلم بالصواب (¬٢)]. وقال مهنا: قلت لأحمد بن حنبل: ما أفضل الأعمال؟ قال: طلب العلم.قال: لمن صحت نيته. قلت: وأى شئ تصحيح النية؟ قال: ينوى، يتواضع فيه، وينفى عنه الجهل.
- reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 347, entry [558]343 chars
جر برّا» قال الدارقطنى: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن على بن زيد بن جدعان. تفرد به زيد بن أبى الزرقاء وتفرد به مهنا بن يحيى. سئل الدارقطنى عن مهنا بن يحيى؟ فقال: ثقة نبيل قال مهنا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبا كثيرة من كتب الرازى، وترك عليه دينا. فقلت له. فأى شئ يصنع بالكتب؟ قال: تدفنوسألت أحمد عن الرجل يحفظ الشئ ويكون فى الكتاب شئ
- reviewable assessment hintmudallisneeds reviewmedium confidencepage 347, entry [558]343 chars
ما أحب إليك؟ قال: الكتاب وسألت أحمد عن الرجل يجد فى كتابه الشئ، فيقول له الناس خلاف ما فى كتابه؟ قال: يقول: فى كتابى كذا وكذا، ويقول الناس: كذا وسألت أحمد عن هشيم؟ فقال: ثقة، إذ لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم. قلت لأبى عبد الله: سمعت عبد الرزاق يقول: قال بعض أصحابنا لسفيان الثورى: يا أبا عبد الله، حدثنا كما سمعت. قال: والله ما إ
- reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 347, entry [558]344 chars
شهد». قول النبى ﷺ «إذا كبر فكبروا» معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبر، ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده. والناس يغلطون فى هذه الأحاديث ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها. فساعة يأخذ الإمام فى التكبير يأخذون معه فى التكبير وهذا خطأ. لا ينبغى لهم أن يأخذوا فى التكبير حتى يكبر الإمام. ويفرغ من تكبيره، وي
- reviewable assessment hintmudallisneeds reviewmedium confidencepage 347, entry [558]345 chars
ت أحمد عن الرجل يجد فى كتابه الشئ، فيقول له الناس خلاف ما فى كتابه؟ قال: يقول: فى كتابى كذا وكذا، ويقول الناس: كذا وسألت أحمد عن هشيم؟ فقال: ثقة، إذ لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم. قلت لأبى عبد الله: سمعت عبد الرزاق يقول: قال بعض أصحابنا لسفيان الثورى: يا أبا عبد الله، حدثنا كما سمعت. قال: والله ما إليه سبيل. وما هو إلا المعافى. ف
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 347, entry [558]344 chars
له يخرج فى الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط فى الطين، ويخوض الماء وتبتل ثيابه، وإن كان فى ليالى الصيف: فليس يأمن العقارب والهوام فى ظلمة الليل، ولعله مع هذا: أن يكون مريضا ضعيفا. فلا يدع الخروج إلى المسجد. فيتحمل هذا كله إيثارا للصلاة، وحبّا لها، وقصدا إليها. لم يخرجه من منزله غيرها. فإذا دخل مع الإمام فى الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام فى ا