legacy full passagepage 326, entry [472]4,356 chars
عزة الميلاء كانت عزة مولاة للأنصار ومسكنها المدينة وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء بالحجاز وماتت قبل جميلة، وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهن جسما، وسميت الميلاء لتمايلها في مشيتها، وكانت ممن أحسن ضربا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغني أغاني الصبا…
▸ expand full passage (4,356 chars)▾ collapse
عزة الميلاء كانت عزة مولاة للأنصار ومسكنها المدينة وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء بالحجاز وماتت قبل جميلة، وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهن جسما، وسميت الميلاء لتمايلها في مشيتها، وكانت ممن أحسن ضربا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغني أغاني الصبا من الدائم مثل سيرين وزرنب وخولة والرباب وسلمى ورائقة وكانت رائقة أستاذتها، فلما قدم نشيط وسائب خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية، فلقنت عزة عنهما نغما وألفت عليه ألحانا عجيبة فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء وحرض نساءهم ورجالهم عليه، وكان مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزة قالوا: لله درهاما كان أحسن غناءها وأرق صوتها وأنجى حلقها وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي وأجمل وجهها وأظرف لسانها وأقرب مجلسها وأكرم خلقها وأسخى نفسها وأحسن مساعدتها. وقال طويس: يصف عزة: هي سيدة من غنى من النساء مع جمال بارع، وخلق فاضل، وإسلام لا يشوبه دنس. تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له. فناهيك ما كان أنبلها وأنبل مجلسها. ثم قال: كانت إذا جلست جلوسا عاما فكأن الطير على رؤوس أهل مجلسها من تكلم أو تحرك نقر رأسه. وقال ابن إسلام: فما ظنك بمن يقول فيه طويس هذا القول ومن ذا الذي سلم من لسان طويس. وقال معبد: إنه أتى عزة وهي عند جميلة وقد أسنت وهي تغني على معزفة في شعر ابن الأطنابة: عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المروق ريا قال: فما سمع السامعون قد بشيء أحسن من ذلك. قال معبد: هذا غناؤها وقد أسنت فكيف بها وهي شابة وقال صالح بن حسان الأنصاري كانت عزة مولاة لنا وكانت عفيفة جميلة وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنيهم وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره فشق ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها، فلما أفاق قالت له: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب قال: إنس سمعت والله ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي، وكان حسان بن ثابت معجبا بعزة الميلاء وكان يقدمها على سائر قيان المدينة، وكان يزيد بن ثابت ختن ابنته فأولم فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامة أهل المدينة وحضر حسان بن ثابت وقد كف يومئذ وأقبلت الميلاء وهي يومئذ شابة فوضع في حجرها مزهر، فضربت به ثم تغنت فكانت أول ما ابتدأت به شعر حسان قوله: فلا زال قبر بين بصرى وجلق ... عليه من الوسمي جود ووابل وحسان يبكي وابنه يومئ إليها أن تزيد فإذا زادت بكى حسان وقال خارجة بن زيد: فلما طال جلوس حسان ثقل علينا مجلسه فأومأ ابنه إلى عزة فغنت: أنظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البقاء من أحد فبكى حسان حتى سدر ثم قال: هذا عمل الفاسق - يعني ابنه - أما لقد كرهتم مجالستي فقيح الله مجلسكم سائر اليوم وقام فانصرف. وقال عبد الله بن أبي مليكة كان رجل من أهل المدينة ناسك من أهل العلم والفقه وكان يغشى عبد الله بن جعفر فسمع جارية مغنية لبعض النخاسين تغني: باتت سعاد وأمسى حبلها انقعا. فشغف بها وهام وترك ما كان عليه حتى مشى إليه عطاء وطاووس فلاماه فكان جوابه لهما أن تمثل بقول الشاعر: يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا وبلغ عبد الله بن جعفر خبره فبعث إلى النخاسين فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال لها: ممن أخذته؟ قالت: من عزة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبره فأعلمه إياه وصدقه عنه فقال له: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية قال: نعم، فدعا بعزة وقال لها: غنيه إياه فغنته، فصعق الرجل وخر مغشيا عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه الماء الماء فنضح على وجهه، فلماأفاق قال له أكل هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفي عليك أكثر. قال: أفتحب أن تسمعه منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبها فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها قال: أفتعرفها إن رأيتها. قال: أو أعرف غيرها. فأمر بها فأخرجت وقال: خذها فهي لك والله ما نظرت إليها قط إلا عن عرض، فقبل الرجل يديه ورجليه وقال له: أنمت عيني وأحيت نفسي وتركتني أعيش بين قومي ورددت إلي عقلي فقال: ما أرضى أن أعطيكما هكذا يا غلام احمل معها ثمنها لكي لا تهتم به ويهتم بها فأخذها وانصرف شاكرا. وكان ابن أبي عتيق معجبا بعزة الميلاء فأتى يوما عند عبد الله بن جعفر فقال له: بأبي أنت وأمي هل لك في عزة فقد اشتقت إليها قال: لا أنا اليوم مشغول. فقال: بأبي أنت وأمي إنها لا تنشط إلا بحضورك فأقسمت عليك إلا ساعدتني وتركت شغلك ففعل فأتياها ورسول الأمير على بابها يقول لها دعي الغناء فقد ضج أهل المدينة منك وقالوا: فتنت رجالهم ونساءهم فقال له ابن جعفر: ارجع إلى صاحبك فقل له عني أقسم عليك إلا ناديت في المدينة أيما رجل أو امرأة فتنت بسبب عزة إلا كشف نسفه بذلك لتعرفه ويظهر لنا ولك أمره فنادى الرسول بذلك فما أظهر أحد نفسه، ودخل ابن جعفر إليها وابن أبي عتيق معه فقال لها: لا يهولنك ما سمعت فغنينا، فغنتهما: إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل فاهتز ابن أبي عتيق طربا فقال ابن جعفر: ما أراني أدرك ركابك بعد أن سمعت هذا الصوت من عزة، وبقيت عزة في عز وإقبال ونعمة وافرة حتى ماتت مأسوفا عليها من كل من سمع صوتها ورأى جمالها.