السخاوي - التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط العلمية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 134, entry [346]4,727 chars
٢٧٢ - أحمد بن محمد بن روزبة بن محمود بن ابراهيم بن أحمد، الصفي أبو العباس ابن الشمس أبي الأيادي ابن الجمال أبي الثناء، الكازروني الأصل: المدني الشافعي، ولد سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وحفظ القرآن في صغره وجوده، ونشأ غير مخالط للصبيان، بل يحضر المواعيد، ومجالس الوعظ، ويكثر البكاء والانتحاب بحيث يتعجب …
▸ expand full passage (4,727 chars)٢٧٢ - أحمد بن محمد بن روزبة بن محمود بن ابراهيم بن أحمد، الصفي أبو العباس ابن الشمس أبي الأيادي ابن الجمال أبي الثناء، الكازروني الأصل: المدني الشافعي، ولد سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وحفظ القرآن في صغره وجوده، ونشأ غير مخالط للصبيان، بل يحضر المواعيد، ومجالس الوعظ، ويكثر البكاء والانتحاب بحيث يتعجب من صدور مثل هذا من ابن سبع، ثم صحب البرهان ابراهيم بن رجب السلماني الشافعي، وقرأ عليه جميع الحاوي من نسخة كتبها بخطه الجيد المنسوب، وانتهت قراءته له في شوال من سنة خمسين، سنة كتابته له، وجميع ألفية ابن معطي قراءة حسنة في مجالس، آخرها يوم الجمعة رابع ربيع الثاني من التي بعدها وحفظهما، وأخذ عنه العلم والتصوف، وحصل منهما طرفا جيدا، وكذا حفظ التنبيه، والمنهاج الأصلي، ثم ارتحل لدمشق في آخر اثنتين وخمسين وقطنها سنة ثلاث، ولم يخرج منها لغيرها، إلا لزيارة بيت المقدس، ودأب الاشتغال حتى فاق، وأذن له في الفقه وأصوله، والعربية، وعاد في آخرها لبلده، ولزم الاشتغال والاشغال إلى آخر سنة سبع وخمسين، فرجع إلى دمشق أيضا، وداوم التحصيل، حتى ترقى في العلوم الماضية، وبرع في المعاني والبيان، والكلام، وأذن له في الإفتاء-فضلا عن التدريس-جماعة من شيوخه، كالبهاء بن أبي البقاء السبكي، وعبد الوهاب الأخميمي، والعمادين: الحسباني، وابن كثير، والقاضي الشمس محمد بن قاضي شهبة الشافعيين، وفي النحو، شيخه فيه: أبو العباس أحمد بن محمد العنابي المالكي، ثم رجع إلى بلده آخر سنة ثمان، ولزم الإقراء، حتى انتفع به جماعة، لمزيد شفقته وصبره، وحسن تعبيره، واحتماله لمن يجافيه، وإحسانه لمن يسيء إليه، كل ذلك مع مداومته على العبادة، بحيث لم يتفرغ للتصنيف معها، نعم له تعليق لطيف في الفقه، سماه «منتهى الهمة في تصحيح التتمة» لأبي النعمان بشير بن حامد بن سليمان بن يوسف التبريزي، وشرح مسألة استعمال «الطرف الطاهر» من الحاوي، واستيعاب أقسامها ومفاهيمها، بحسب التيسير، و «توجيه ما منع في مبادئ النظر من تخصيص الروضة بما بينالقبر والمنبر» رد فيه على الريمي مصنفه المسترشد، على أن الروضة هي المسجد و «كفاية العابد» ومسألة في مسمى العموم، وأن العام المخصص حقيقة، وانتخب من صفوة الصفوة -لابن الجوزي نحو أربع كراريس، جمع فيها لبها، وأردفه بنحو كراس من كلام القوم، وسماه «المنتخب» لا يستغني عنه من عنده ذوق، ولديه توق، وأوقاته مشحونة بالعبادة والمطالعة، والإقراء والتلاوة، مع المراقبة والتوجيه، وبذل النصيحة، واتباع الكتاب والسنة، ولا يشتغل بأحد بين العشاءين، ولا بعد الصبح إلى ارتفاع الشمس، وحينئذ يصلي ركعتي الإشراق شكرا للصباح الجديد، وتحية له، ثم ركعتي الكفاية، ثم ركعتي الاستخارة في جميع ما يعرض له، ثم يجلس للإقراء إلى نصف ما بين الصبح والظهر، ويصلي حينئذ الضحى اثنتي عشرة ركعة، ثم يتوجه إلى منزله، فيشتغل بالمطالعة إلى قبيل الظهر، فينام نومة خفيفة جدا، ثم يقوم للصلاة، ويقرأ أيضا بين الظهر والعصر، وبعد العصر ساعة جيدة، كل ذلك بالمسجد، ويكون آخر الناس خروجا منه بعد العشاء، ويديم التهجد، وكان أولا يختم في الجمعة، ثم صار يختم في كل ثلاثة أيام، ويصوم البيض والاثنين والخميس والأحد والأربعاء، القصد صيام داود، كل ذلك، مع التقلل في المأكل والمشرب، بل ومن الدنيا وزهده وتقنعه، وسمع بعضهم يحض آخر على شرب دواء لشهوة الأكل، فتعجب، وقال: إنما المطلوب قلته، فكيف تتداوى لكثرته؟ ومن نظمه: حدا الحادي بنا نحو المقابر … فمالت نحوه جمع العشائر وظلت خوفها رهنا وأمست … إلى يوم التنادي والمعاذر وقامت بعد ذلك مسرعات … إلى درك الجحيم أو الحظائر فيا لك من دواة مفظعات … أيهنأ العيش مع هذي الدوائر؟ وكان يقول-وهو قابض على لحيته-واعجبا لمن يبلغ الثلاثين! كيف يهنأ له العيش؟ يريد نفسه، وكتب بخطه: عقدت مع الله تعالى أن لا أكذب متعمدا، إلا فيما فيه صلاح في الدين، وأن لا أسأل غير الله تعالى شيئا من الدنيا لنفسي، وأن أرضى بحكم الله وأن أحتمل الأذى لأجله، إلا في معصية، وأن أزهد في الدنيا بأن أترك السعي في طلبها، ولا آخذ منها إلا ما يكفيني، وأن لا أطلب بعلمي وعملي غير وجه الله ورضاه، قال: عاهدته على ترك جميع المعاصي الباطنة والظاهرة، ومنه التوفيق لذلك، وبالجملة: فكان فردا في معناه، ولم يترك الحج إلا سنة وفاته، لاشتغاله بالمرض الذي يعجز معه عنه، وكان ابتداء مرضه في العشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين، وتوفي في نصف ليلة الأحد رابع عشر المحرم من التي تليها، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة ودفن بالبقيع تحت قدمي والديه، شمالي قبر سيدنا ابراهيم بن النبي ﷺ، وشهد جنازته جميع أهل المدينة، وتأسفوا بأجمعهم عليه،فرحمه الله وإيانا، وخلفه في التدريس أخوه العز عبد السلام، كما سيأتي، وأفرد له ترجمة في كراسة، ووصفه في أولها: بأخي وسيدي، وشيخي الشيخ الإمام العالم العامل، العلامة المحقق، المتقن المدقق، الحبر المفيد ذو الفضائل الحميدة، والعلوم العديدة، شيخ وقته، وفريد بلده، العابد الناسك، الورع السالك، الخاشع، التقي، المتقي الرباني. وقال ابن فرحون: نال الدرجة العليا في الصلاح والدين، والعلم المتين، قال: وكان لي كالولد البار، تغمده الله برحمته، فما كان أحسن خصاله الحميدة وأخلاقه السعيدة، وآرائه الرشيدة، قلت: وقد رأيت بخطه نسخة «من الدراية في اختصار الرعاية» للشريف بن البارزي، وسمع شيئا من أوله على شيخه: البرهان السلماسي، عن مؤلفه، وكذا كتب رسالة للعماد أبي العباس أحمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن الواسطي في سنة ثلاث وخمسين بالخانكاه الشميساطية من دمشق، وقرأها في يوم الجمعة خامس عشر شعبان على أبي العباس بن حسن ابن محمد عبد الخالق الواسطي، بسماعه لها على الذهبي، بسماعه من المؤلف، وصحح المسمع.