legacy full passagepage 403, entry [192]2,535 chars
خلافة المقتدر بالله هو أبو الفضل، جعفرُ بنُ المعتضد، أُمه أُم ولد. بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومئتين، ولم يل الخلافة أصغرُ منه سنًّا. وكان ربع القامة، أحور العين، وأفضت الخلافة إليه وله ثلاثَ عشرةَ سنة، وشهران إلا أيامًا، فدبر الوزراء والكتاب الأمور، وغلب النساءُ على أم…
▸ expand full passage (2,535 chars)▾ collapse
خلافة المقتدر بالله هو أبو الفضل، جعفرُ بنُ المعتضد، أُمه أُم ولد. بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومئتين، ولم يل الخلافة أصغرُ منه سنًّا. وكان ربع القامة، أحور العين، وأفضت الخلافة إليه وله ثلاثَ عشرةَ سنة، وشهران إلا أيامًا، فدبر الوزراء والكتاب الأمور، وغلب النساءُ على أمره، حتى إن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة، كانت تجلس للمظالم، وتحضُرها القضاة والفقهاء والوزراء. وبطل الحج في أيامه، فلم يحج أحد سنة سبع عشرة وثلاث مئه؛ لدخول سليمان القرمطي صاحبُ البحرين مكة، وأخذ الحجر الأسود، في يوم الاثنين، لسبعٍ خلون من ذي الحجة، وأخذ الحجر يوم الأحد، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وأقام بمكة ثمانية أيام، وقتل مَنْ كان بمكة من الحجاج وغيرهم قتلاً ذريعاً، ورمى القتلى في زمزم، وأخذ الحجر، وعَرَّى الكعبةَ، وخلع بابها، وبقي الحجر الأسود عندهماثنتين وعشرين سنة إلا أشهرًا، ثم رده الله تعالى، ولم يبطل الحج منذ كان الإِسلام غير تلك السنة. ويأتي ذكر ذلك في ترجمة المهدي بالله العلوي. واستوزرَ اثني عشر وزيراً، يولِّي هذا اليوم، ثم يعزله غدًا، إلى أن قتله بعضُ البربر بالسيف، في الحرب بينه وبين مؤنس الخادم، وأخذ رأسه، وخلع ثيابه وسراويله، فمر به رجل من الاكراد، فستر سوءته بحشيش، ثم حفر له ودفنه، وعَفَّى أثره. ولما ولي المقتدر الخلافة، اجتنى من الأموال سبع مئة ألف ألف دينار، وخمسين ألف ألف دينار، خارجًا عما وجده في بيوت الأموال، فأنفق ذلك كله، ومات في أيامه خمسةَ عشرَ ألفَ أمير ومتقدم ومذكور، فكانت والدته تطوي عنه الرزايا والفجائع، وتقول: إظهارها يؤلم قلبه، فأدى ذلك إلى انتشار الفساد في مملكته، وكان الناس قد مَلُّوا أيامه لطولها، حتى إذا تصرمت، تمنوا ساعة منها، فأعوزتهم، وتعاقبتهم الحوادث. وفي أيامه ظهرت الدولة العلوية الفاطمية - كما سيمرُّ بك في ترجمة المهدي بالله أول خلفائهم -. وقُتل المقتدر يوم الأربعاء، لثلاثٍ بقين من شوال، سنة عشرين وثلاث مئة، وعمره ثمانٍ وثلاثون سنة، وشهر وأيام. وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، واحد عشر شهرًا، وأربعة عشر يومًا.وماتت أمه بعده بسبعة أشهر وثمانية أيام، بعد مصادرات ونوازل، ولم يكن لامرأة من الخير ما كان لزبيدةَ ولها بعدَها، وكانت مواظبة على صلاح شأن الحج، وإنفاذ خزانة الطب والأشربة إلى الحرمين، وإصلاح المصانع والحياض، وكان يرتفع لها من ضياعها ألف ألف دينار في كل سنة تتصدق بأكثرها. وكان له من الأولاد: اثنا عشر ولدًا ذكورًا. وكان من وزرائه: أبو الحسن بن الفُرات، وكان كريمًا، ثم عُبيد الله ابن خاقان، وكان جواداً كريماً، ثم عليُّ بن عيسى بن داود بن الجراح، وكان موصوفا بالعلم والدين، خدم الخلفاء سبعين سنة، لم يُزل فيها نعمةَ أحد، ولم يقتل أحدًا، ولم يسعَ في دمه، فبقيت عليه نعمتُه، وعلى ولده، بعد أن شُحِذَت له المُدى، فدفع الله عنه، ولم يهتك قَطُّ لأحدٍ حرمة، فلم يهتك الله له حرمة. وقيل مكتوب على خاتمه: لله صنعٌ خفي في كل أمر تخاف. - رحمه الله تعالى -. * * *