Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

سنة خمس وَسِتِّينَ

سنة خمس وَسِتِّينَ

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

4 books · 11 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
3
Strong identity entries
0
Chronology hints
1
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
4
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

4 books · 11 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

3 exact linked passages4 legacy full passages4 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 5 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 3043, entry [643]44,932 chars
    سنة خمس وستين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) فمن ذَلِكَ مَا كَانَ من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الْحُسَيْن بن علي إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف الأحمري، قَالَ: بعث سُلَيْمَان بن صرد إِلَى وجوه أَصْ…
    ▸ expand full passage (44,932 chars)
    سنة خمس وستين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) فمن ذَلِكَ مَا كَانَ من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الْحُسَيْن بن علي إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف الأحمري، قَالَ: بعث سُلَيْمَان بن صرد إِلَى وجوه أَصْحَابه حين أراد الشخوص وَذَلِكَ فِي سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر، خرج فِي وجوه أَصْحَابه، وَقَدْ كَانَ واعد أَصْحَابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حَتَّى أتى عسكره، فدار فِي الناس ووجوه أَصْحَابه، فلم يعجبه عدة الناس، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، وبعث الوليد بن غصين الكناني فِي خيل، وَقَالَ: اذهبا حَتَّى تدخلا الْكُوفَة فناديا: يَا لثأرات الْحُسَيْن! وابلغا المسجد الأعظم فناديا بِذَلِكَ، فخرجا، وكانا أول خلق اللَّه دعوا: يَا لثأرات الْحُسَيْن! قَالَ: فأقبل حكيم بن منقذ الكندي فِي خيل والوليد بن غصين فِي خيل، حَتَّى مرا ببني كثير، وأن رجلا من بني كثير من الأزد يقال لَهُ عَبْد اللَّهِ بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عَمْرو من بني كثير، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إِلَيْهِ، سمع الصوت: يَا لثأرات الْحُسَيْن! وما هُوَ ممن كَانَ يأتيهم، وَلا استجاب لَهُمْ فوثب إِلَى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فرسه، فَقَالَتْ لَهُ امرأته: ويحك! أجننت! قَالَ: لا وَاللَّهِ، ولكني سمعت داعي اللَّه، فأنا مجيبه، أنا طالب بدم هَذَا الرجل حَتَّى أموت، أو يقضي اللَّه من أمري مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِلَى من تدع بنيك هَذَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ وحده لا شريك لَهُ، اللَّهُمَّ إني أستودعك أهلي وولدى،اللَّهُمَّ احفظني فِيهِمْ، وَكَانَ ابنه ذَلِكَ يدعى عزرة، فبقي حَتَّى قتل بعد مع مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، وخرج حَتَّى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إِلَيْهَا نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تِلَكَ الليلة الخيل بالكوفة، حَتَّى جاءوا المسجد بعد العتمة، وفيه ناس كثير يصلون، فنادوا: يَا لثارات الْحُسَيْن! وفيهم أَبُو عزة القابضي وكرب بن نمران يصلي، فَقَالَ: يَا لثارات الْحُسَيْن! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنخيلة، فخرج حَتَّى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنته الرواع- وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضي، فَقَالَتْ: يَا أبت، مَا لي أراك قَدْ تقلدت سيفك، ولبست سلاحك! فَقَالَ لها: يَا بنية، إن أباك يفر من ذنبه إِلَى ربه، فأخذت تنتحب وتبكي، وجاءه أصهاره وبنو عمه، فودعهم، ثُمَّ خرج فلحق بالقوم، قَالَ: فلم يصبح سُلَيْمَان بن صرد حَتَّى أتاه نحو ممن كَانَ فِي عسكره حين دخله، قَالَ: ثُمَّ دعا بديوانه لينظر فِيهِ إِلَى عدة من بايعه حين أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفا، فَقَالَ: سبحان اللَّه! مَا وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفا. قَالَ أَبُو مخنف: عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِث، عن حميد بن مسلم، قَالَ: قلت لسُلَيْمَان بن صرد: إن المختار وَاللَّهِ يثبط الناس عنك، إني كنت عنده أول ثلاث، فسمعت نفرا من أَصْحَابه يقولون: قَدْ كملنا ألفي رجل، فَقَالَ: وهب أن ذَلِكَ كَانَ، فأقام عنا عشرة آلاف، أما هَؤُلاءِ بمؤمنين! أما يخافون اللَّه! أما يذكرون اللَّه، وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن! فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من أَصْحَابه إِلَى من تخلف عنه يذكرهم اللَّه وما أعطوه من أنفسهم، فخرج إِلَيْهِ نحو من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة إِلَى سُلَيْمَان بن صرد، فَقَالَ: رحمكاللَّه، إنه لا ينفعك الكاره، وَلا يقاتل معك الا من اخرجته النيه، فلا ننتظرن أحدا، واكمش فِي أمرك قَالَ: فإنك وَاللَّهِ لنعما رأيت! فقام سُلَيْمَان بن صرد فِي الناس متوكئا عَلَى قوس لَهُ عربية فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، من كَانَ إنما أخرجته إرادة وجه اللَّه وثواب الآخرة فذلك منا ونحن مِنْهُ، فرحمة اللَّه عَلَيْهِ حيا وميتا، ومن كان انما يريد الدنيا وحرثها فو الله مَا نأتي فيئا نستفيئه، وَلا غنيمة نغنمها، مَا خلا رضوان اللَّه رب العالمين، وما معنا من ذهب وَلا فضة، وَلا خز وَلا حرير وما هي إلا سيوفنا فِي عواتقنا، ورماحنا فِي أكفنا، وزاد قدر البلغة إِلَى لقاء عدونا، فمن كَانَ غير هَذَا ينوي فلا يصحبنا. فقام صخير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المزني، فَقَالَ: آتاك اللَّه رشدك، ولقاك حجتك، وَاللَّهِ الَّذِي لا إله غيره ما لنا خير فِي صحبة من الدُّنْيَا همته ونيته أَيُّهَا النَّاسُ، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا، والطلب بدم من نبينا، ص ليس معنا دينار وَلا درهم، إنما نقدم عَلَى حد السيوف وأطراف الرماح، فتنادى الناس من كل جانب: إنا لا نطلب الدُّنْيَا، وليس لها خرجنا. قَالَ أَبُو مخنف: عن إِسْمَاعِيل بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ، عن السري بن كعب الأَزْدِيّ، قَالَ: أتينا صاحبنا عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل نودعه، قَالَ: فقام فقمنا مَعَهُ، فدخل عَلَى سُلَيْمَان ودخلنا مَعَهُ، وَقَدْ أجمع سُلَيْمَان بالمسير، فأشار عَلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل أن يسير إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فَقَالَ هُوَ ورءوس أَصْحَابه: الرأي مَا أشار بِهِ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل أن نسير إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد قاتل صاحبنا، ومن قبله أتينا، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ وعنده رءوس أَصْحَابه جلوس حوله: إني قَدْ رأيت رأيا إن يكن صوابا فاللهوفق، وأن يكن ليس بصواب فمن قبلي، فإني مَا آلوكم ونفسي نصحا، خطأ كَانَ أم صوابا، إنما خرجنا نطلب بدم الْحُسَيْن، وقتلة الْحُسَيْن كلهم بالكوفة، مِنْهُمْ عُمَر بن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص، ورءوس الأرباع وأشراف القبائل، فانى نذهب هاهنا وندع الأقتال والأوتار! فَقَالَ سُلَيْمَان بن صرد: فماذا ترون؟ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لقد جَاءَ برأي، وان ما ذكر لكما ذكر، والله مَا نلقى من قتلة الْحُسَيْن إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد، وما طلبتنا الا هاهنا بالمصر، فَقَالَ سُلَيْمَان بن صرد: لكن أنا مَا أَرَى ذَلِكَ لكم، إن الَّذِي قتل صاحبكم، وعبا الجنود إِلَيْهِ، وَقَالَ: لا أمان لَهُ عندي دون أن يستسلم فأمضي فِيهِ حكمي هَذَا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة، عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فسيروا إِلَى عدوكم عَلَى اسم اللَّه، فإن يظهركم اللَّه عَلَيْهِ رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة مِنْهُ، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم فِي عافية، فتنظرون إِلَى كل من شرك فِي دم الْحُسَيْن فتقاتلونه وَلا تغشموا، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عِنْدَ اللَّه خير للأبرار والصديقين، إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين وَاللَّهِ لو قاتلتم غدا أهل مصركم مَا عدم رجل أن يرى رجلا قَدْ قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلا لَمْ يَكُنْ يريد قتله، فاستخيروا اللَّه وسيروا فتهيأ الناس للشخوص قَالَ: وبلغ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة خروج ابن صرد وأَصْحَابه، فنظرا فِي أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيعرضا عَلَيْهِم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدة، فإن أبوا إلا الشخوص سألوهم النظرة حَتَّى يعبوا معهم جيشا فيقاتلوا عدوهم بكشف وحد، فبعث عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة سويد بن عَبْدِ الرحمن الى سليمان ابن صرد، فَقَالَ لَهُ: إن عَبْد اللَّهِ وإبراهيم يقولان: إنا نريد أن نجيئكالآن لأمر عسى اللَّه أن يجعل لنا ولك فِيهِ صلاحا، فَقَالَ: قل لهما فليأتيانا، وَقَالَ سُلَيْمَان لرفاعة بن شداد البجلي: قم أنت فأحسن تعبئة الناس، فإن هَذَيْنِ الرجلين قَدْ بعثا بكيت وكيت، فدعا رءوس أَصْحَابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا إلا ساعة حَتَّى جَاءَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ فِي أشراف أهل الْكُوفَة والشرط وكثير من المقاتلة، وإبراهيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة فِي جماعة من أَصْحَابه، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ لكل رجل معروف قَدْ علم أنه قَدْ شرك فِي دم الْحُسَيْن: لا تصحبني إِلَيْهِم مخافة أن ينظروا إِلَيْهِ فيعدوا عَلَيْهِ، وَكَانَ عُمَر بن سَعْد تِلَكَ الأيام الَّتِي كَانَ سُلَيْمَان معسكرا فِيهَا بالنخيلة لا يبيت إلا فِي قصر الإمارة مع عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ مخافة أن يأتيه القوم فِي داره، ويذمروا عليه في بيته وهو فاعل لا يعلم فيقتل وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: يَا عَمْرو بن حريث، إن أنا أبطأت عنك فصل بِالنَّاسِ الظهر. فلما انتهى عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد إِلَى سُلَيْمَان بن صرد دخلا عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، وَلا يغشه، وَأَنْتُمْ إخواننا، وأهل بلدنا، وأحب أهل مصر خلقه اللَّه إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، وَلا تستبدوا علينا برأيكم، وَلا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حَتَّى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قَدْ شارف بلدنا خرجنا إِلَيْهِم بجماعتنا فقاتلناهم وتكلم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بنحو من هَذَا الكلام قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ سُلَيْمَان بن صرد وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لهما: إني قَدْ علمت أنكما قَدْ محضتما فِي النصيحة، واجتهدتما فِي المشورة، فنحن بِاللَّهِ وله، وَقَدْ خرجنا لأمر، ونحن نسأل اللَّه العزيمة عَلَى الرشد والتسديد لأصوبه، وَلا نرانا إلا شاخصين إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ. فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: فأقيموا حَتَّى نعبئ معكم جيشا كثيفا، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحد فقال سُلَيْمَان: تنصرفون، ونرى فِيمَا بيننا، وسيأتيكم إِنْ شَاءَ اللَّهُ رأيقَالَ أَبُو مخنف: عن عبد الجبار- يعني ابن عباس الهمدانى- عن عون ابن أبي جحيفة السوائي، قَالَ: ثُمَّ إن عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد ابن طَلْحَة عرضا عَلَى سُلَيْمَان أن يقيم مَعَهُمَا حَتَّى يلقوا جموع أهل الشام عَلَى أن يخصاه وأَصْحَابه بخراج جوخى خاصة لَهُمْ دون الناس، فَقَالَ لهما سُلَيْمَان: إنا ليس للدنيا خرجنا، وإنما فعلا ذَلِكَ لما قَدْ كَانَ بلغهما من إقبال عُبَيْد اللَّهِ بن زياد نحو العراق وانصرف إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وعبد اللَّه بن يَزِيدَ إِلَى الْكُوفَةِ، وأجمع القوم عَلَى الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل الْبَصْرَة لم يوافوهم لميعادهم وَلا أهل المدائن، فأقبل ناس من أَصْحَابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيسرعون إليكم، لو قَدِ انتهى إِلَيْهِم خبركم وحين مسيركم، وَلا أراهم خلفهم وَلا أقعدهم إلا قلة النفقة وسوء العدة، فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة، وما أسرع القوم فِي آثاركم قَالَ: ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد قام فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّه قَدْ علم مَا تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجارا، وللآخرة تجارا، فأما تاجر الآخرة فساع إِلَيْهَا، متنصب بتطلابها، لا يشتري بِهَا ثمنا، لا يرى إلا قائما وقاعدا، وراكعا وساجدا، لا يطلب ذهبا وَلا فضة، وَلا دنيا وَلا لذة، وأما تاجر الدُّنْيَا فمكب عَلَيْهَا، راتع فِيهَا، لا يبتغي بِهَا بدلا، فعَلَيْكُمْ يرحمكم اللَّه فِي وجهكم هَذَا بطول الصَّلاة فِي جوف الليل، وبذكر اللَّه كثيرا عَلَى كل حال، وتقربوا إِلَى اللَّهِ جل ذكره بكل خير قدرتم عَلَيْهِ، حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه، فان تتوسلوا إِلَى ربكم بشيء هُوَ أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة، فإن الجهاد سنام العمل جعلنا اللَّه وإياكم من العباد الصالحين، المجاهدين الصابرين عَلَى اللأواء! وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فادلجوا. فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين للهجرةقَالَ: فلما خرج سُلَيْمَان وأَصْحَابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم ابن منقذ فنادى فِي الناس: أَلا لا يبيتن رجل مِنْكُمْ دون دير الأعور. فبات الناس بدير الأعور، وتخلف عنه ناس كثير، ثُمَّ سار حَتَّى نزل الأقساس، أقساس مالك عَلَى شاطئ الفرات، فعرض الناس، فسقط مِنْهُمْ نحو من ألف رجل، فَقَالَ ابن صرد: مَا أحب أن من تخلف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم مَا زادوكم إلا خبالا، إن اللَّه ﷿ كره انبعاثهم فثبطهم، وخصكم بفضل ذَلِكَ، فاحمدوا ربكم ثُمَّ خرج من منزله ذلك دلجه، فصبحوا قبر الْحُسَيْن، فأقاموا بِهِ ليلة ويوما يصلون عَلَيْهِ، ويستغفرون لَهُ، قَالَ: فلما انتهى الناس إِلَى قبر الْحُسَيْن صاحوا صيحة واحدة، وبكوا، فما رئي يوم كَانَ أكثر باكيا مِنْهُ. قَالَ أَبُو مخنف: وَقَدْ حدث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن ابن غزية، قَالَ: لما انتهينا إِلَى قبر الْحُسَيْن ع بكى الناس بأجمعهم، وسمعت جل الناس يتمنون أَنَّهُمْ كَانُوا أصيبوا مَعَهُ، فَقَالَ سُلَيْمَان: اللَّهُمَّ ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللَّهُمَّ إنا نشهدك أنا عَلَى دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل، ونزل أَصْحَابه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنَا الأعمش، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قَالَ: لما انتهى سُلَيْمَان بن صرد وأَصْحَابه إِلَى قبر الْحُسَيْن نادوا صيحة واحدة: يَا رب إنا قَدْ خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا مَا مضى منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسينا وأَصْحَابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يَا رب أنا عَلَى مثل مَا قتلوا عَلَيْهِ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قَالَ: فأقاموا عنده يَوْمًا وليلة يصلون عَلَيْهِ ويبكون ويتضرعون، فما انفك الناس من يومهم ذَلِكَ يترحمون عَلَيْهِ وعلىأَصْحَابه، حَتَّى صلوا الغداة من الغد عِنْدَ قبره، وزادهم ذَلِكَ حنقا ثُمَّ ركبوا، فأمر سُلَيْمَان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حَتَّى يأتي قبر الْحُسَيْن فيقوم عَلَيْهِ، فيترحم عليه، ويستغفر له، قال: فو الله لرأيتهم ازدحموا عَلَى قبره أكثر من ازدحام الناس عَلَى الحجر الأسود قَالَ: ووقف سُلَيْمَان عِنْدَ قبره، فكلما دعا لَهُ قوم وترحموا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمُ المسيب بن نجبة وسُلَيْمَان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم اللَّه! فما زال كذلك حَتَّى بقي نحو من ثَلاثِينَ من أَصْحَابه، فأحاط سُلَيْمَان بالقبر هُوَ وأَصْحَابه، فَقَالَ سُلَيْمَان: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الْحُسَيْن، اللَّهُمَّ إذ حرمتناها مَعَهُ فلا تحرمناها فِيهِ بعده وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن وال: أما وَاللَّهِ إني لأظن حسينا وأباه وأخاه افضل أمه محمد ص وسيلة عِنْدَ اللَّه يوم الْقِيَامَة، أفما عجبتم لما ابتليت بِهِ هَذِهِ الأمة مِنْهُمْ! إِنَّهُمْ قتلوا اثنين، وأشفوا بالثالث عَلَى القتل، قَالَ: يقول المسيب بن نجبة: فأنا من قتلتهم ومن كَانَ عَلَى رأيهم بريء، إياهم أعادي وأقاتل قَالَ: فأحسن الرءوس كلهم المنطق، وَكَانَ المثنى بن مخربه صاحب أحد الرءوس والأشراف، فساءني حَيْثُ لم أسمعه تكلم مع القوم بنحو مَا تكلموا به، قال: فو الله مَا لبث إن تكلم بكلمات مَا كن بدون كلام أحد من القوم، فَقَالَ: إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم ص أفضل ممن هُوَ دون نبيهم، وَقَدْ قتلهم قوم نحن لَهُمْ أعداء، ومنهم برآء، وَقَدْ خرجنا من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم، فو الله لو أن القتال فِيهِمْ بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق علينا طلبه حَتَّى نناله، فإن ذَلِكَ هُوَ الغنم، وَهِيَ الشهادة الَّتِي ثوابها الجنة، فقلنا لَهُ: صدقت وأصبت ووفقت. قَالَ: ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد سار من موضع قبر الْحُسَيْن وسرنا مَعَهُ، فأخذنا عَلَى الحصاصة، ثُمَّ عَلَى الأنبار، ثُمَّ عَلَى الصدود، ثُمَّ عَلَى القيارة. قَالَ أَبُو مخنف: عن الْحَارِث بن حصيرة وغيره: أن سُلَيْمَان بعث علىمقدمته كُرَيْب بن يَزِيدَ الحميري. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الحصين بن يَزِيدَ، عن السري بن كعب، قَالَ: خرجنا مع رجال الحي نشيعهم، فلما انتهينا إِلَى قبر الْحُسَيْن وانصرف سُلَيْمَان بن صرد وأَصْحَابه عن القبر، ولزموا الطريق، استقدمهم عبد الله ابن عوف بن الأحمر عَلَى فرس لَهُ مهلوب كميت مربوع، يتأكل تأكلا، وَهُوَ يرتجز ويقول: خرجن يلمعن بنا أرسالا ... عوابسا يحملننا أبطالا نريد أن نلقى بِهِ الأقتالا ... القاسطين الغدر الضلالا وَقَدْ رفضنا الأهل والأموالا ... والخفرات البيض والحجالا نرضي بِهِ ذا النعم المفضالا. قَالَ أَبُو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطَّائِيّ، عن المحل بن خليفة الطَّائِيّ، أن عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ كتب إِلَى سُلَيْمَان بن صرد، أحسبه قَالَ: بعثني بِهِ، فلحقته بالقيارة، واستقدم أَصْحَابه حَتَّى ظن أن قَدْ سبقهم، قَالَ: فوقف وأشار إِلَى النَّاسِ، فوقفوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أقرأهم كتابه، فإذا فِيهِ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عَبْد اللَّه بن يَزِيدَ إِلَى سُلَيْمَان بن صرد ومن مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سلام عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ فإن كتابي هَذَا إليكم كتاب ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغش، وكم من غاش مستنصح محب، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إِلَى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، وينزع وَهُوَ مذموم العقل والفعل. يَا قومنا لا تطمعوا عدوكم فِي أهل بلادكم، فإنكم خيار كلكم، ومتى مَا يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذَلِكَ فيمن وراءكميَا قومنا، «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً» ، يَا قوم، إن أيدينا وأيديكم الْيَوْم واحدة، وإن عدونا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر عَلَى عدونا، ومتى تختلف تهن شوكتنا عَلَى من خالفنا، يَا قومنا لا تستغشوا نصحي، وَلا تخالفوا أمري، وأقبلوا حين يقرأ عَلَيْكُمْ كتابي، أقبل اللَّه بكم إِلَى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام. قَالَ: فلما قرئ الكتاب عَلَى ابن صرد وأَصْحَابه قَالَ لِلنَّاسِ: مَا ترون؟ قَالُوا: ماذا ترى؟ قَدْ أبينا هَذَا عَلَيْكُمْ وعليهم، ونحن فِي مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطنا أنفسنا عَلَى الجهاد، ودنونا من أرض عدونا! مَا هَذَا برأي ثُمَّ نادوه أن أَخْبِرْنَا برأيك، قَالَ: رأيي وَاللَّهِ أنكم لم تكونوا قط أقرب من إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ مِنْكُمْ يومكم هَذَا، الشهادة والفتح، وَلا أَرَى أن تنصرفوا عما جمعكم اللَّه عَلَيْهِ من الحق، وأردتم بِهِ من الفضل، أنا وهؤلاء مختلفون، إن هَؤُلاءِ لو ظهروا دعونا إِلَى الجهاد مع ابن الزُّبَيْر، وَلا أَرَى الجهاد مع ابن الزُّبَيْر إلا ضلالا، وإنا إن نحن ظهرنا رددنا هَذَا الأمر إِلَى أهله، وإن أصبنا فعلى نياتنا، تائبين من ذنوبنا، إن لنا شكلا، وإن لابن الزُّبَيْر شكلا، إنا وإياهم كما قَالَ أخو بني كنانة: أَرَى لَكَ شكلا غير شكلي فأقصري ... عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل قَالَ: فانصرف الناس مَعَهُ حَتَّى نزل هيت، فكتب سُلَيْمَان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ للأمير عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ، من سُلَيْمَان بن صرد ومن مَعَهُ من الْمُؤْمِنِينَ، سلام عَلَيْك، اما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم وَاللَّهِ الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت وَاللَّهِ من نأمنه بالغيب، ونستنصحه فِي المشورة، ونحمده عَلَى كل حال، إنا سمعنا اللَّه ﷿ يقول فِي كتابه: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» - إِلَى قَوْلِهِ: «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» إن القوم قَدِ استبشروا ببيعتهمالَّتِي بايعوا، أَنَّهُمْ قَدْ تابوا من عظيم جرمهم، وَقَدْ توجهوا إِلَى اللَّهِ، وتوكلوا عَلَيْهِ ورضوا بِمَا قضى اللَّه، «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ، والسلام عَلَيْك فلما أتاه هَذَا الكتاب قَالَ: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عَنْهُمْ قتلهم، وايم اللَّه ليقتلن كراما مسلمين، وَلا والذي هُوَ ربهم لا يقتلهم عدوهم حَتَّى تشتد شوكتهم، وتكثر القتلى فِيمَا بينهم. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر، وعبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عبد الرَّحْمَن بن غزية، قَالا: خرجنا من هيت حَتَّى انتهينا إِلَى قرقيسيا، فلما دنونا منها وقف سُلَيْمَان بن صرد فعبانا تعبئة حسنة حَتَّى مررنا بجانب قرقيسيا، فنزلنا قريبا منها، وبها زفر بن الْحَارِث الكلابي قَدْ تحصن بِهَا من القوم، ولم يخرج إِلَيْهِم، فبعث سُلَيْمَان المسيب بن نجبة، فَقَالَ: ائت ابن عمك هَذَا فقل لَهُ: فليخرج إلينا سوقا، فإنا لسنا إِيَّاهُ نريد، إنما صمدنا لهؤلاء المحلين فخرج المسيب بن نجبة حَتَّى انتهى إِلَى باب قرقيسيا، فَقَالَ: افتحوا، ممن تحصنون؟ فَقَالُوا: من أنت؟ قَالَ: أنا المسيب بن نجبة، فأتى الهذيل بن زفر أباه فَقَالَ: هَذَا رجل حسن الهيئة، يستأذن عَلَيْك، وسألناه من هُوَ؟ فَقَالَ: المسيب بن نجبة- قَال: وأنا إذ ذاك لا علم لي بِالنَّاسِ، وَلا أعلم أي الناس هُوَ- فَقَالَ لي أبي: أما تدري أي بني من هَذَا؟ هَذَا فارس مضر الحمراء كلها، وإذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم، وهو بعد رجل ناسك له دين، ائذن له فأذنت له، فأجلسه أبي إلى جانبه، وساءله والطفه في المسألة، فقال المسيب ابن نجبه: ممن تتحصن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا عَلَى هَؤُلاءِ القوم الظلمة المحلين، فأخرج لنا سوقا، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يَوْمًا أو بعض يوم، فَقَالَ لَهُ زفر بن الْحَارِث: إنا لم نغلق أبواب هَذِهِ الْمَدِينَة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا! إنا وَاللَّهِ مَا بنا عجز عن الناس مَا لم تدهمنا حيلة، وما نحب أنا بلينا بقتالكم، وَقَدْ بلغنا عنكمصلاح، وسيرة حسنة جميلة. ثُمَّ دعا ابنه فأمره أن يضع لَهُمْ سوقا، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فَقَالَ لَهُ المسيب: أما المال فلا حاجة لي فِيهِ، وَاللَّهِ مَا لَهُ خرجنا، وَلا إِيَّاهُ طلبنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إِلَيْهِ إن ظلع فرسي، أو غمز تحتي فخرج بِهِ حَتَّى أتى أَصْحَابه وأخرجت لَهُمُ السوق، فتسوقوا، وبعث زفر بن الْحَارِث إِلَى المسيب بن نجبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جزورا، وبعث إِلَى سُلَيْمَان بن صرد مثل ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمي لَهُ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل وعبد اللَّه بن وال ورفاعة بن شداد، وسمي لَهُ أمراء الأرباع. فبعث إِلَى هَؤُلاءِ الرءوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عيرا عظيمة وشعيرا كثيرا، فَقَالَ غلمان زفر: هَذِهِ عير فاجتزروا منها مَا أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا مِنْهُ مَا أردتم، وهذا دقيق فتزودوا مِنْهُ مَا أطقتم، فظل القوم يومهم ذَلِكَ مخصبين لم يحتاجوا الى شراء شيء من هذه الاسواق الَّتِي وضعت، وَقَدْ كفوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن يشتري الرجل ثوبا أو سوطا ثُمَّ ارتحلوا من الغد، وبعث إِلَيْهِم زفر: إني خارج إليكم فمشيعكم، فأتاهم وَقَدْ خرجوا على تعبئة حسنة، فسايرهم، فَقَالَ زفر لسُلَيْمَان: إنه قَدْ بعث خمسة أمراء قَدْ فصلوا من الرقة فِيهِمُ الحصين بن نمير السكوني، وشُرَحْبِيل بن ذي كلاع، وأدهم بن محرز الباهلي وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عَبْدِ اللَّهِ الخثعمي، وَقَدْ جاءوكم فِي مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحد حديد، وايم اللَّه لقل مَا رأيت رجالا هم أحسن هيئة وَلا عدة، وَلا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك، ولكنه قَدْ بلغني أنه قَدْ أقبلت إليكم عدة لا تحصى، فَقَالَ ابن صرد: عَلَى اللَّه توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون، ثُمَّ قَالَ زفر: فهل لكم فِي أمر أعرضه عَلَيْكُمْ، لعل اللَّه أن يجعل لنا ولكم فِيهِ خيرا؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحدا وأيدينا واحدة، وإن شئتم نزلتم عَلَى باب مدينتنا، وخرجنا فعسكرنا إِلَى جانبكم، فإذا جاءنا هَذَا العدوقاتلناهم جميعا فَقَالَ سُلَيْمَان لزفر: قَدْ أرادنا أهل مصرنا عَلَى مثل مَا أردتنا عَلَيْهِ، وذكروا مثل الَّذِي ذكرت، وكتبوا إلينا بِهِ بعد ما فصلنا، فلم يوافقنا ذَلِكَ، فلسنا فاعلين، فَقَالَ زفر: فانظروا مَا أشير بِهِ عَلَيْكُمْ فاقبلوه، وخذوا بِهِ، فإني للقوم عدو، وأحب أن يجعل اللَّه عَلَيْهِم الدائرة، وأنا لكم واد، أحب أن يحوطكم اللَّه بالعافية، إن القوم قَدْ فصلوا من الرقة، فبادروهم إِلَى عين الوردة، فاجعلوا الْمَدِينَة فِي ظهوركم، ويكون الرستاق والماء والماد فِي أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم لَهُ آمنون، وَاللَّهِ لو أن خيولي كرجالي لأمددتكم، اطووا المنازل الساعة إِلَى عين الوردة، فإن القوم يسيرون سير العساكر، وَأَنْتُمْ عَلَى خيول، وَاللَّهِ لقل مَا رأيت جماعة خيل قط أكرم منها، تأهبوا لها من يومكم هَذَا فإني أرجو أن تسبقوهم إِلَيْهَا، وإن بدرتموهم إِلَى عين الوردة فلا تقاتلوهم فِي فضاء ترامونهم وتطاعنونهم، فأنهم أكثر مِنْكُمْ فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لَهُمْ ترامونهم وتطاعنونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لَهُمْ لم يلبثوكم أن يصرعوكم، وَلا تصفوا لَهُمْ حين تلقونهم، فإني لا ارى معكم رجاله، ولا أراكم كلكم إلا فرسانا، والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان، فالفرسان تحمي رجالها، والرجال تحمي فرسانها، وَأَنْتُمْ ليس لكم رجال تحمي فرسانكم، فالقوهم فِي الكتائب والمقانب، ثُمَّ بثوها مَا بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل كتيبة كتيبة إِلَى جانبها فإن حمل عَلَى إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال، ومتى مَا شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى مَا شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم فِي صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة، ثُمَّ وقف فودعهم، وسأل اللَّه أن يصحبهم وينصرهم فأثنى الناس عَلَيْهِ، ودعوا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان بن صرد: نعم المنزول بِهِ أنت! أكرمت النزول، وأحسنت الضيافة، ونصحت في المشورة ثم ان القوم وجدوا فِي المسير، فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة، قَالَ: فمررنا بالمدن حَتَّىبلغنا ساعا ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر، ثُمَّ أقبل حَتَّى انتهى إِلَى عين الوردة فنزل فِي غربيها، وسبق القوم إِلَيْهَا، فعسكروا، وأقام بِهَا خمسا لا يبرح، واستراحوا واطمأنوا، وأراحوا خيلهم. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِث، عن عَبْد اللَّهِ بن غزية، قَالَ: أقبل أهل الشام فِي عساكرهم حَتَّى كَانُوا من عين الوردة عَلَى مسيرة يوم وليلة، قَالَ عَبْد اللَّهِ بن غزية: فقام فينا سُلَيْمَان فَحَمِدَ اللَّهَ فأطال، وأثنى عَلَيْهِ فأطنب، ثُمَّ ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء اللَّه ونعمه، وذكر الدنيا فزهد فيها، وذكر الآخرة فرغب فِيهَا، فذكر من هَذَا مَا لم أحصه، ولم أقدر عَلَى حفظه، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فقد أتاكم اللَّه بعدوكم الَّذِي دابتم فِي المسير إِلَيْهِ آناء الليل والنهار، تريدون فِيمَا تظهرون التوبة النصوح، ولقاء اللَّه معذرين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم فِي دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلا يولينهم امرؤ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ: لا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم، إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة اللَّه عَلَيْهِم، فإن هَذِهِ كَانَتْ سيرة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بن أبي طالب فِي أهل هَذِهِ الدعوة ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَان: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل، فان قتل عبد الله ابن سَعْد فأمير الناس عَبْد اللَّهِ بن وال، فإن قتل عَبْد اللَّهِ بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد، رحم اللَّه امرأ صدق مَا عاهد اللَّه عَلَيْهِ! ثُمَّ بعث المسيب ابن نجبه في أربعمائة فارس، ثُمَّ قَالَ: سر حَتَّى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فِيهِمُ الغارة، فإذا رأيت مَا تحبه وإلا انصرفت إلي فِي أَصْحَابك، وإياك أن تنزل أو تدع أحدا من أَصْحَابك أن ينزل، أو يستقبل آخر ذَلِكَ، حَتَّى لا تجد مِنْهُ بداقال ابو مخنف: فحدثني أبي عن حميد بن مسلم أنه قَالَ: اشهد انى في خيل المسيب بن نجبة تِلَكَ، إذ أقبلنا نسير آخر يومنا كله وليلتنا، حَتَّى إذا كَانَ فِي آخر السحر نزلنا فعلقنا عَلَى دوابنا مخاليها، ثُمَّ هومنا تهويمة بمقدار تكون مقدار قضمها ثُمَّ ركبناها، حَتَّى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا، ثُمَّ ركب فركبنا فبعث أبا الجويرية العبدي بن الأحمر فِي مائة من أَصْحَابه، وعبد اللَّه بن عوف بن الأحمر فِي مائة وعشرين، وحنش بن رَبِيعَة أبا المعتمر الكناني فِي مثلها، وبقي هُوَ فِي مائة، ثُمَّ قَالَ: انظروا أول من تلقون فأتوني بِهِ، فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرة وَهُوَ يقول: يَا مال لا تعجل إِلَى صحبي ... واسرح فإنك آمن السرب قَالَ: يقول عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر: يَا حميد بن مسلم، أبشر بشرى ورب الكعبة، فَقَالَ لَهُ ابن عوف بن الأحمر: ممن أنت يَا أعرابي؟ قَالَ: أنا من بني تغلب، قَالَ: غلبتم ورب الكعبة إِنْ شَاءَ اللَّهُ فانتهى إلينا المسيب بن نجبة، فأخبرناه بِالَّذِي سمعنا من الأعرابي وأتيناه به، فقال المسيب ابن نجبة أما لقد سررت بقولك: أبشر، وبقولك: يَا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بِمَا يسركم، وإنما سركم أن تحمدوا أمركم، وأن تسلموا من عدوكم، وإن هَذَا الفأل لهو الفأل الْحَسَن، وَقَدْ كَانَ رَسُول الله ص يعجبه الفأل ثُمَّ قَالَ المسيب بن نجبة للأعرابي: كم بيننا وبين أدنى هَؤُلاءِ القوم منا؟ قَالَ: أدنى عسكر من عساكرهم مِنْكَ عسكر ابن ذي الكلاع، وَكَانَ بينه وبين الحصين اختلاف، ادعى الحصين أنه عَلَى جماعة الناس، وَقَالَ ابن ذي الكلاع: مَا كنت لتولى علي، وَقَدْ تكاتبا إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع مِنْكُمْ عَلَى رأس ميل، قال: فتركنا الرجل، فخرجنا نحوهم مسرعين، فو الله مَا شعروا حَتَّى أشرفنا عَلَيْهِم وهم غارون، فحملنا في جانب عسكرهم فو الله مَا قاتلوا كثير قتال حَتَّى انهزموا، فأصبنا مِنْهُمْ رجالا، وجرحنا فِيهِمْفأكثرنا الجراح، وأصبنا لَهُمْ دواب، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا، فأخذنا مِنْهُ مَا خف علينا، فصاح المسيب فينا: الرجعة، إنكم قَدْ نصرتم، وغنمتم وَسَلَّمَتم، فانصرفوا، فانصرفنا حَتَّى أتينا سُلَيْمَان. قَالَ: فأتى الخبر عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعا حَتَّى نزل فِي اثني عشر ألفا، فخرجنا إِلَيْهِم يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى، فجعل سُلَيْمَان بن صرد عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل عَلَى ميمنته، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، ووقف هُوَ فِي القلب، وجاء حصين بن نمير وَقَدْ عبأ لنا جنده، فجعل عَلَى ميمنته جبلة بن عَبْدِ اللَّهِ، وعلى ميسرته رَبِيعَة بن المخارق الغنوي ثُمَّ زحفوا إلينا، فلما دنوا دعونا إِلَى الجماعة عَلَى عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان وإلى الدخول فِي طاعته، ودعوناهم إِلَى أن يدفعوا إلينا عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، وأن يخلعوا عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان، وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزُّبَيْر، ثُمَّ نرد هَذَا الأمر إِلَى أهل بيت نبينا الَّذِينَ آتانا اللَّه من قبلهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا. قَالَ حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا عَلَى ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا عَلَى ميمنتهم، وحمل سُلَيْمَان فِي القلب عَلَى جماعتهم، فهزمناهم حَتَّى اضطررناهم إِلَى عسكرهم، فما زال الظفر لنا عَلَيْهِم حَتَّى حجز الليل بيننا وبينهم، ثم انصرفنا عنهم وقد حجزناهم فِي عسكرهم، فلما كَانَ الغد صبحهم ابن ذي الكلاع فِي ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد الله ابن زياد، وبعث إِلَيْهِ يشتمه، ويقع فِيهِ، ويقول: إنما عملت عمل الأغمار، تضيع عسكرك ومسالحك! سر إِلَى الحصين بن نمير حَتَّى توافيه وَهُوَ عَلَى الناس، فجاءه، فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصَّلاة حَتَّى أمسينا فتحاجزنا، وَقَدْ وَاللَّهِ أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فِيهِمْ، قَالَ: وَكَانَ فينا قُصّاص ثلاثة: رفاعة بن شداد البجلي، وصحير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المري، وأبو الجويرية العبدي، فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنه، لا يبرحها، وجرح أَبُو الجويرية الْيَوْم الثاني فِي أول النهار، فلزم الرحال، وَكَانَ صحير ليلته كلها يدورفينا ويقول: أبشروا عباد اللَّه بكرامة اللَّه ورضوانه، فحق وَاللَّهِ لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدُّنْيَا وأذاها إلا فراق هَذِهِ النفس الأمارة بالسوء أن يكون بفراقها سخيا، وبلقاء ربه مسرورا، فمكثنا كذلك حَتَّى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلي فِي نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا الْيَوْم الثالث يوم الجمعة قتالا شديدا إِلَى ارتفاع الضحى ثُمَّ إن أهل الشام كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب، ورأى سُلَيْمَان بن صرد مَا لقي أَصْحَابه، فنزل فنادى: عباد اللَّه، من أراد البكور إِلَى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي، ثُمَّ كسر جفن سيفه، ونزل مَعَهُ ناس كثير، فكسروا جفون سيوفهم، ومشوا مَعَهُ، وانزوت خيلهم حَتَّى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حَتَّى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف، وَقَدْ كسروا الجفون، فحمل الفرسان عَلَى الخيل وَلا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فِيهِمْ فأكثروا الجراح فلما رَأَى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سُلَيْمَان بن صرد ﵀، رماه يَزِيد بن الحصين بسهم فوقع، ثُمَّ وثب ثُمَّ وقع، قَالَ: فلما قتل سُلَيْمَان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة، وَقَالَ لسُلَيْمَان بن صرد: رحمك اللَّه يَا أخي! فقد صدقت ووفيت بِمَا عَلَيْك، وبقي مَا علينا، ثُمَّ أخذ الراية فشد بِهَا، فقاتل ساعة ثُمَّ رجع، ثُمَّ شد بِهَا فقاتل ثُمَّ رجع، ففعل ذَلِكَ مرارا يشد ثُمَّ يرجع، ثُمَّ قتل ﵀. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنَا فروة بن لقيط، عن مولى للمسيب بن نجبة الفزاري، قَالَ: لقيته بالمدائن وَهُوَ مع شبيب بن يَزِيدَ الخارجي، فجرى الحديث حَتَّى ذكرنا أهل عين الوردة. قَالَ هِشَام عن أبي مخنف، قَالَ: حَدَّثَنَا هَذَا الشيخ، عن المسيب بن نجبة، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رأيت أشجع مِنْهُ إنسانا قط، وَلا من العصابة الَّتِي كَانَ فِيهِمْ، وَلَقَدْ رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالا شديدا، مَا ظننت أنرجلا واحدا يقدر أن يبلى مثل مَا أبلى، وَلا ينكأ فِي عدوه مثل مَا نكأ، لقد قتل رجالا، قَالَ: وسمعته يقول قبل أن يقتل وَهُوَ يقاتلهم: قَدْ علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب أني غداة الروع والتغالب ... أشجع من ذي لبد مواثب قطاع أقران مخوف الجانب. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أبي وخالي، عن حميد بن مسلم وعبد اللَّه بن غزية قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف، قَالَ: لما قتل المسيب بن نجبة أخذ الراية عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل، ثُمَّ قَالَ ﵀: أخوي مِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وأقبل بمن كَانَ مَعَهُ من الأزد، فحفوا برايته، فو الله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عَبْد اللَّهِ بن الخضل الطَّائِيّ، وكثير بن عَمْرو المزني، وسعر بن أبي سعر الحنفي، كَانُوا خرجوا مع سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ فِي سبعين ومائة من أهل المدائن، فسرحهم يوم خرج فِي آثارنا عَلَى خيول مقلمة مقدحة، فَقَالَ لَهُمُ: اطووا المنازل حَتَّى تلحقوا بإخواننا فتبشروهم بخروجنا إِلَيْهِم لتشتد بِذَلِكَ ظهورهم، وتخبروهم بمجيء أهل الْبَصْرَة أَيْضًا، كَانَ المثنى بن مخربه العبدى اقبل في ثلاثمائة من أهل الْبَصْرَة، فَجَاءَ حَتَّى نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حُذَيْفَة من المدائن لخمس ليال، وَكَانَ خروجه مِنَ الْبَصْرَةِ قبل ذَلِكَ قَدْ بلغ سعد بن حُذَيْفَة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتهوا إلينا قَالُوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل الْبَصْرَة، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل: ذَلِكَ لو جاءونا ونحن أحياء، قَالَ: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارع إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القوم وَقَالُوا: وَقَدْ بلغ مِنْكُمْ مَا نرى! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! قَالَ: فنظروا واللهإِلَى مَا ساء أعينهم، فَقَالَ لَهُمْ عَبْد اللَّهِ بن نفيل: إنا لهذا خرجنا، ثُمَّ اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعة حَتَّى قتل المزني، وطعن الحنفي فوقع بين القتلى، ثُمَّ ارتث بعد ذَلِكَ فنجا، وطعن الطَّائِيّ فجزم أنفه، فقاتل قتالا شديدا، وَكَانَ فارسا شاعرا، فأخذ يقول: قَدْ علمت ذات القوام الرود ... أن لست بالواني وَلا الرعديد يَوْمًا وَلا بالفرق الحيود. قَالَ: فحمل علينا رَبِيعَة بن المخارق حملة منكرة، فاقتتلنا قتالا شديدا. ثُمَّ إنه اختلف هُوَ وعبد اللَّه بن سَعْدِ بْنِ نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شَيْئًا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إِلَى الأرض، ثُمَّ قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي رَبِيعَة بن المخارق عَلَى عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ، فطعنه فِي ثغرة نحره، فقتله، ويحمل عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر عَلَى رَبِيعَة بن المخارق، فطعنه فصرعه فلم يصب مقتلا، فقام فكر عَلَيْهِ الثانية، فطعنه أَصْحَاب رَبِيعَة فصرعوه، ثُمَّ إن أَصْحَابه استنقذوه وَقَالَ خَالِد بن سَعْدِ بْنِ نفيل: أروني قاتل أخي، فأريناه ابن أخي رَبِيعَة بن المخارق، فحمل عَلَيْهِ فقنعه بالسيف واعتنقه الآخر فخر إِلَى الأرض، فحمل أَصْحَابه وحملنا، وكانوا أكثر منا فاستنقذوا صاحبهم، وقتلوا صاحبنا، وبقيت الراية ليس عندها أحد. قَالَ: فنادينا عَبْد اللَّهِ بن وال بعد قتلهم فرساننا، فإذا هُوَ قَدِ استلحم فِي عصابة مَعَهُ إِلَى جانبنا، فحمل عَلَيْهِ رفاعة بن شداد، فكشفهم عنه، ثُمَّ أقبل إِلَى رايته وَقَدْ أمسكها عَبْد الله بن خازم الكثيرى، فَقَالَ لابن وال: أمسك عني رايتك، قَالَ: أمسكها عني رحمك اللَّه، فإني بي مثل حالك فَقَالَ لَهُ: أمسك عني رايتك، فإني أريد أن أجاهد، قَالَ: فإن هَذَا الَّذِي أنت فِيهِ جهاد وأجر، قَالَ: فصحنا: يَا أَبَا عزة، أطع أميرك يرحمك اللَّه! قَالَ: فأمسكها قليلا، ثُمَّ إن ابن وال أخذها مِنْهُ. قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ أَبُو الصلت التيمي الأعور: حَدَّثَنِي شيخ للحيكَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ لنا ابن وال: من أراد الحياة الَّتِي ليس بعدها موت، والراحة الَّتِي ليس بعدها نصب، والسرور الَّذِي ليس بعده حزن، فليتقرب إِلَى ربه بجهاد هَؤُلاءِ المحلين، والرواح إِلَى الجنة رحمكم اللَّه! وَذَلِكَ عِنْدَ العصر، فشد عَلَيْهِم، وشددنا مَعَهُ، فأصبنا وَاللَّهِ مِنْهُمْ رجالا، وكشفناهم طويلا، ثُمَّ إِنَّهُمْ بعد ذَلِكَ تعطفوا علينا من كل جانب، فحازونا حَتَّى بلغوا بنا المكان الَّذِي كنا فِيهِ، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فِيهِ إلا من وجه واحد، وولي قتالنا عِنْدَ المساء أدهم بن محرز الباهلي، فشد علينا فِي خيله ورجاله، فقتل عَبْد اللَّهِ بن وال التيمي. قَالَ أَبُو مخنف، عن فروة بن لقيط، قَالَ: سمعت أدهم بن محرز الباهلي فِي إمارة الحجاج بن يُوسُفَ وَهُوَ يحدث ناسا من أهل الشام، قَالَ: دفعت إِلَى أحد أمراء العراق، رجل مِنْهُمْ يقولون لَهُ عَبْد اللَّهِ بن وال وَهُوَ يقول: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ» ، الآيات الثلاث، قَالَ: فغاظني، فقلت فِي نفسي: هَؤُلاءِ يعدوننا بمنزلة أهل الشرك، يرون أن من قتلنا مِنْهُمْ كَانَ شهيدا. فحملت عَلَيْهِ أضرب يده اليسرى فأطننتها، وتنحيت قريبا، فقلت لَهُ: أما إني أراك وددت أنك فِي أهلك، فَقَالَ: بئسما رأيت! أما وَاللَّهِ مَا أحب أنها يدك الآن إلا أن يكون لي فِيهَا من الأجر مثل مَا فِي يدي، قَالَ: فقلت لَهُ: لم؟ قَالَ: لكيما يجعل اللَّه عَلَيْك وزرها، ويعظم لي أجرها، قَالَ: فغاظني فجمعت خيلي ورجالي، ثُمَّ حملنا عَلَيْهِ وعلى أَصْحَابه، فدفعت إِلَيْهِ فطعنته فقتلته، وإنه لمقبل إلي مَا يزول، فزعموا بعد أنه كَانَ من فقهاء أهل العراق الَّذِينَ كَانُوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد اللَّه بن غزيةقَالَ: لما هلك عَبْد اللَّهِ بن وال نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إِلَى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من بني كنانة يقال لَهُ الْوَلِيد بن غضين: أمسك رايتك، قَالَ: لا أريدها، فقلت لَهُ: إنا لِلَّهِ! مَا لك! فَقَالَ: ارجعوا بنا لعل اللَّه يجمعنا ليوم شر لَهُمْ، فوثب عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر إِلَيْهِ، فَقَالَ: أهلكتنا، وَاللَّهِ لَئِنِ انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حَتَّى نهلك من عِنْدَ آخرنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى، فتقربوا إِلَيْهِم بِهِ فيقتل صبرا، أنشدك اللَّه أن تفعل، هَذِهِ الشمس قَدْ طفلت للمغيب، وهذا الليل قَدْ غشينا، فنقاتلهم عَلَى خيلنا هَذِهِ فإنا الآن ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بِهَا، فكان ذَلِكَ الشأن حَتَّى نصبح ونسير ونحن عَلَى مهل، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه، وتسير العشرة والعشرون معا، ويعرف الناس الوجه الَّذِي يأخذون، فيتبع فِيهِ بعضهم بعضا، ولو كَانَ الَّذِي ذكرت لم تقف أم عَلَى ولدها، ولم يعرف رجل وجهه، وَلا أين يسقط، وَلا أين يذهب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور فَقَالَ لَهُ رفاعة بن شداد: فإنك نعم مَا رأيت، قَالَ: ثُمَّ أقبل رفاعة عَلَى الكناني فَقَالَ لَهُ: أتمسكها أم آخذها مِنْكَ؟ فَقَالَ لَهُ الكناني: إني لا أريد مَا تريد، إني أريد لقاء ربي، واللحاق بإخواني، والخروج من الدُّنْيَا إِلَى الآخرة، وأنت تريد ورق الدُّنْيَا، وتهوى البقاء، وتكره فراق الدنيا، اما والله انى لاحب لك أن ترشد، ثُمَّ دفع إِلَيْهِ الراية، وذهب ليستقدم فَقَالَ لَهُ ابن أحمر: قاتل معنا ساعة رحمك اللَّه وَلا تلق بيدك إِلَى التهلكة، فما زال بِهِ يناشده حَتَّى احتبس عَلَيْهِ، وأخذ أهل الشام يتنادون: إن اللَّه قَدْ أهلكهم، فأقدموا عَلَيْهِم فافرغوا مِنْهُمْ قبل الليل فأخذوا يقدمون عَلَيْهِم، فيقدمون عَلَى شوكة شديدة، ويقاتلون فرسانا شجعانا ليس فِيهِمْ سقط رجل، وليسوا لَهُمْ بمضجرين فيتمكنوا مِنْهُمْ، فقاتلوهم حَتَّى العشاء قتالا شديدا، وقتل الكناني قبل المساء، وخرج عَبْد اللَّهِ بن عزيز الكندي وَمَعَهُ ابنه مُحَمَّد غلام صغير، فَقَالَ: يَا أهل الشام، هل فيكم أحد من كندة؟ فخرج إِلَيْهِ مِنْهُمْ رجال، فَقَالُوا: نعم، نحن هؤلاء،فَقَالَ لَهُمْ: دونكم أخوكم فابعثوا بِهِ إِلَى قومكم بالكوفة، فأنا عَبْد اللَّهِ بن عزيز الكندي، فَقَالُوا لَهُ: أنت ابن عمنا، فإنك آمن، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لا أرغب عن مصارع إخواني الَّذِينَ كَانُوا للبلاد نورا، وللأرض أوتادا، وبمثلهم كَانَ اللَّه يذكر، قَالَ: فأخذ ابنه يبكي فِي أثر أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا بني، لو أن شَيْئًا كَانَ آثر عندي من طاعة ربي إذا لكنت أنت، وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه فِي أثره، وأروا الشاميون لَهُ ولابنه رقة شديدة حَتَّى جزعوا وبكوا، ثُمَّ اعتزل الجانب الَّذِي خرج إِلَيْهِ مِنْهُ قومه، فشد عَلَى صفهم عِنْدَ المساء، فقاتل حَتَّى قتل قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج، قَالَ: حَدَّثَنِي مسلم بن زحر الخولاني، أن كُرَيْب بن زَيْد الحميري مشى إِلَيْهِم عِنْدَ المساء وَمَعَهُ راية بلقاء فِي جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وَقَدْ كَانُوا تحدثوا بِمَا يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لَهُمُ الحميري وجمع إِلَيْهِ رجالا من حمير وهمدان، فَقَالَ: عباد اللَّه! روحوا إِلَى ربكم، وَاللَّهِ مَا فِي شَيْءٍ من الدُّنْيَا خلف من رضاء اللَّه والتوبة إِلَيْهِ، إنه قَدْ بلغني أن طائفة مِنْكُمْ يريدون أن يرجعوا إِلَى مَا خرجوا مِنْهُ إِلَى دنياهم، وإن هم ركنوا إِلَى دنياهم رجعوا الى خطاياهم، فاما انا فو الله لا أولي هَذَا العدو ظهري حَتَّى أرد موارد إخواني، فأجابوه وَقَالُوا: رأينا مثل رأيك ومضى برايته حَتَّى دنا من القوم، فَقَالَ ابن ذي الكلاع: وَاللَّهِ إني لأرى هَذِهِ الراية حميرية أو همدانية، فدنا مِنْهُمْ فسألهم، فأخبروه، فَقَالَ لَهُمْ: إنكم آمنون، فَقَالَ لَهُ صاحبهم: إنا قَدْ كنا آمنين فِي الدُّنْيَا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة، فقاتلوا القوم حتى قتلوا، ومشى صخير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المزني فِي ثَلاثِينَ من مزينة، فَقَالَ لَهُمْ: لا تهابوا الموت فِي اللَّه، فإنه لاقيكم، وَلا ترجعوا إِلَى الدُّنْيَا الَّتِي خرجتم منها إِلَى اللَّهِ فإنها لا تبقى لكم، وَلا تزهدوا فِيمَا رغبتم فِيهِ من ثواب اللَّه فإن مَا عِنْدَ اللَّه خير لكم، ثُمَّ مضوا فقاتلوا حَتَّى قتلوا، فلما أمسى الناس ورجع أهل الشام إِلَى معسكرهم، نظر رفاعة إِلَى كل رجل قَدْ عقر بِهِ، وإلىكل جريح لا يعين عَلَى نفسه، فدفعه إِلَى قومه، ثُمَّ سار بِالنَّاسِ ليلته كلها حَتَّى أصبح بالتنينير فعبر الخابور، وقطع المعابر، ثُمَّ مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قَدْ ذهبوا، فلم يبعث فِي آثارهم أحدا، وسار بِالنَّاسِ فأسرع، وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدي فِي سبعين فارسا يسترون الناس، فإذا مروا برجل قَدْ سقط حمله، أو بمتاع قَدْ سقط قبضه حَتَّى يعرفه، فإن طلب او ابتغى بعث اليه فاعمله، فلم يزالوا كذلك حَتَّى مروا بقرقيسيا من جانب البر، فبعث إِلَيْهِم زفر من الطعام والعلف مثل مَا كَانَ بعث إِلَيْهِم فِي المرة الأولى، وأرسل إِلَيْهِم الأطباء وَقَالَ: أقيموا عندنا مَا أحببتم، فإن لكم الكرامة والمواساة، فأقاموا ثلاثا، ثُمَّ زود كل امرئ مِنْهُمْ مَا أحب من الطعام والعلف، قَالَ: وجاء سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ حَتَّى انتهى إِلَى هيت، فاستقبله الأعراب فأخبروه بِمَا لقي الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخربة العبدي بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حَتَّى جاءهم الخبر: أن رفاعة قَدْ أظلكم، فخرجوا حين دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم عَلَى بعض، وبكى بعضهم إِلَى بعض، وتناعوا إخوانهم فأقاموا بِهَا يَوْمًا وليلة، فانصرف أهل المدائن إِلَى المدائن، وأهل الْبَصْرَة إِلَى الْبَصْرَة، وأقبل أهل الْكُوفَة إِلَى الْكُوفَةِ، فإذا المختار محبوس. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف، عن عبد الرَّحْمَن بن يَزِيدَ بن جابر، عن أدهم بن محرز الباهلي، أنه أتى عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان ببشارة الفتح، قَالَ: فصعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه قَدْ أهلك من رءوس أهل العراق ملقح فتنة، ورأس ضلالة، سُلَيْمَان بن صرد، أَلا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف، أَلا وَقَدْ قتل اللَّه من رءوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عَبْد اللَّهِ بن سَعْد أخا الأزد، وعبد اللَّه بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هَؤُلاءِ أحد عنده دفاع وَلا امتناع. قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف: وحدثت أن المختار مكث نحوا من خمسعشرة ليلة ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابه: عدوا لغازيكم هَذَا أكثر من عشر، ودون الشهر، ثُمَّ يجيئكم نبأ هتر، من طعن نتر، وضرب هبر، وقتل جم، وأمر رجم. فمن لها؟ أنا لها، لا تكذبن، أنا لها. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنَا الحصين بن يَزِيدَ، عن أبان بن الْوَلِيد، قَالَ: كتب المختار وَهُوَ فِي السجن إِلَى رفاعة بن شداد حين قدم من عين الوردة: أَمَّا بَعْدُ، فمرحبا بالعصب الذين اعظم اللَّه لَهُمُ الأجر حين انصرفوا، ورضي انصرافهم حين قفلوا اما ورب البنيه التي بنى مَا خطا خاط مِنْكُمْ خطوة، وَلا رتا رتوة، إلا كَانَ ثواب اللَّه لَهُ أعظم من ملك الدُّنْيَا إن سُلَيْمَان قَدْ قضى مَا عَلَيْهِ، وتوفاه اللَّه فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الَّذِي بِهِ تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا، وأبشروا واستبشروا، أدعوكم إِلَى كتاب الله، وسنه نبيه ص، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين، والسلام. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو زهير العبسي، أن الناس تحدثوا بهذا من أمر المختار، فبلغ ذَلِكَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد، فخرجا فِي الناس حَتَّى أتيا المختار، فأخذاه. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قَالَ: لما تهيأنا للانصراف قام عَبْد اللَّهِ بن غزية ووقف عَلَى القتلى فَقَالَ: يرحمكم اللَّه، فقد صدقتم وصبرتم، وكذبنا وفررنا، قَالَ: فلما سرنا وأصبحنا إذا عَبْد اللَّهِ بن غزية فِي نحو من عشرين قَدْ أرادوا الرجوع إِلَى العدو والاستقتال، فَجَاءَ رفاعة وعبد اللَّه بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فَقَالُوا لَهُمْ: ننشدكم اللَّه أَلا تزيدونا فلولا ونقصانا، فإنا لا نزال بخير مَا كَانَ فينا مثلكم من ذوي النيات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حَتَّى ردوهم غيررجل من مزينة يقال لَهُ عبيدة بن سُفْيَان، رحل مع الناس، حَتَّى إذا غفل عنه انصرف حَتَّى لقي أهل الشام، فشد بسيفه يضاربهم حَتَّى قتل. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الحصين بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ، عن حميد بن مسلم الأَزْدِيّ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ المزني صديقا لي، فلما ذهب لينصرف ناشدته اللَّه، فَقَالَ: أما إنك لم تكن لتسألني شَيْئًا من الدُّنْيَا إلا رأيت لك من الحق علي إيتاءكه، وهذا الَّذِي تسألني أريد اللَّه بِهِ، قَالَ: ففارقني حَتَّى لقي القوم فقتل، قال: فو الله مَا كَانَ شَيْء بأحب إلي من أن ألقى إنسانا يحدثني عنه كيف صنع حين لقي القوم! قَالَ: فلقيت عَبْد الْمَلِكِ بن جزء بن الحدرجان الأَزْدِيّ بمكة، فجرى حديث بيننا، جرى ذكر ذَلِكَ الْيَوْم، فَقَالَ: أعجب مَا رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلا أقبل حَتَّى شد علي بسيفه، فخرجنا نحوه، قَالَ: فانتهى إِلَيْهِ وَقَدْ عقر بِهِ وَهُوَ يقول: إني من اللَّه إِلَى اللَّهِ أفر ... رضوانك اللَّهُمَّ أبدي وأسر قَالَ: فقلنا لَهُ: ممن أنت؟ قَالَ: من بني آدم، قَالَ: فقلنا: ممن؟ قَالَ: لا أحب أن أعرفكم وَلا أن تعرفوني يَا مخربى البيت الحرام، قال: فتزل إِلَيْهِ سُلَيْمَان بن عَمْرو بن محصن الأَزْدِيّ من بني الخيار، قَالَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ من أشد الناس، قَالَ: فكلاهما أثخن صاحبه، قَالَ: وشد الناس عَلَيْهِ من كل جانب، فقتلوه، قال: فو الله مَا رأيت واحدا قط هُوَ أشد مِنْهُ، قَالَ: فلما ذكر لي، وكنت أحب أن أعلم علمه، دمعت عيناي، فَقَالَ: أبينك وبينه قرابة؟ فقلت لَهُ: لا، ذَلِكَ رجل من مضر كَانَ لي ودا وأخا، فَقَالَ لي: لا أرقأ اللَّه دمعك، أتبكي عَلَى رجل من مضر قتل عَلَى ضلالة! قَالَ: قلت: لا، وَاللَّهِ مَا قتل عَلَى ضلالة، ولكنه قتل عَلَى بينة من ربه وهدى، فَقَالَ لي: أدخلك اللَّه مدخله، قلت: آمين، وأدخلك اللَّه مدخل حصين بن نمير، ثُمَّ لا ارقا الله لك عَلَيْهِ دمعا، ثُمَّ قمت وقام. وَكَانَ مما قيل من الشعر فِي ذَلِكَ قول أعشى همدان، وَهِيَ إحدى المكتمات، كن يكتمن فِي ذَلِكَ الزمان:ألم خيال مِنْكَ يَا أم غالب ... فحييت عنا من حبيب مجانب وما زلت لي شجوا وما زلت مقصدا ... لِهَمٍّ عراني من فراقك ناصب فما أنس لا أنس انفتالك فِي الضحى ... إلينا مع البيض الوسام الخراعب تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب مبتلة غراء، رود شبابها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب فلما تغشاها السحاب وحوله ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب فتلك الهوى وَهْيَ الجوى لي والمنى ... فأحبب بِهَا من خلة لم تصاقب وَلا يبعد اللَّه الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب ويزداد مَا أحببته من عتابنا ... لعابا وسقيا للخدين المقارب فإني وإن لم أنسهن لذاكر ... رزيئة مخبات كريم المناصب توسل بالتقوى إِلَى اللَّهِ صادقا ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب وخلى عن الدُّنْيَا فلم يلتبس بِهَا ... وتاب إِلَى اللَّهِ الرفيع المراتب تخلى عن الدُّنْيَا وَقَالَ اطّرحتها ... فلست إِلَيْهَا مَا حييت بآيب وما أنا فِيمَا يكبر الناس فقده ... ويسعى لَهُ الساعون فِيهَا براغب فوجهه نحو الثوية سائرا ... إِلَى ابن زياد فِي الجموع الكباكب بقوم همُ أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجاد سراة مناجب مضوا تاركي رأي ابن طَلْحَة حسبه ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب فساروا وهم من بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائبفلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا ... إِلَيْهِم فحسوهم ببيض قواضب يمانيه تذرى الأكف وتارة ... بخيل عتاق مقربات سلاهب فجاءهمُ جمع من الشام بعده ... جموع كموج البحر من كل جانب فما برحوا حَتَّى أبيدت سراتهم ... فلم ينج مِنْهُمْ ثَمَّ غير عصائب وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب فاضحى الخزاعي الرئيس مجدلا ... كأن لم يقاتل مرة ويحارب وراس بنى شمخ وفارس قومه ... شنوءه والتيمي هادي الكتائب وعمرو بن بشر والوليد وخالد ... وزَيْد بن بكر والحليس بن غالب وضارب من همدان كل مشيع ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب ومن كل قوم قَدْ أصيب زعيمهم ... وذو حسب فِي ذروة المجد ثاقب أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن بأطراف الأسنة صائب وإن سعيدا يوم يدمر عامرا ... لأشجع من ليث بدرنى مواثب فيا خير جيش للعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب فلا يبعدَنْ فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة ... وكل فتى يَوْمًا لإحدى الشواعب وما قتلوا حَتَّى أثاروا عصابة ... محلين ثورا كالليوث الضوارب وقتل سُلَيْمَان بن صرد ومن قتل مَعَهُ بعين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3043, entry [643]342 chars
    سروا جفون سيوفهم، ومشوا مَعَهُ، وانزوت خيلهم حَتَّى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حَتَّى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف، وَقَدْ كسروا الجفون، فحمل الفرسان عَلَى الخيل وَلا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فِيهِمْ فأكثروا الجراح فلما رَأَى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 3043, entry [643]345 chars
    فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه، وتسير العشرة والعشرون معا، ويعرف الناس الوجه الَّذِي يأخذون، فيتبع فِيهِ بعضهم بعضا، ولو كَانَ الَّذِي ذكرت لم تقف أم عَلَى ولدها، ولم يعرف رجل وجهه، وَلا أين يسقط، وَلا أين يذهب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور فَقَالَ لَهُ رفاعة بن شداد: فإنك نعم مَا رأيت، قَالَ: ثُمَّ أقبل رفاعة عَلَى الكناني فَقَالَ ل
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 3043, entry [643]343 chars
    ّبَيْر، ثُمَّ نرد هَذَا الأمر إِلَى أهل بيت نبينا الَّذِينَ آتانا اللَّه من قبلهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا. قَالَ حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا عَلَى ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا عَلَى ميمنتهم، وحمل سُلَيْمَان فِي القلب عَلَى جماعتهم، فهزمناهم حَتَّى اضطررناهم إِلَى عسكرهم، فما زال الظفر لنا عَلَيْهِم حَتَّى حجز الليل بيننا وبينهم
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 3043, entry [643]343 chars
    هِ فطعنته فقتلته، وإنه لمقبل إلي مَا يزول، فزعموا بعد أنه كَانَ من فقهاء أهل العراق الَّذِينَ كَانُوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد اللَّه بن غزيةقَالَ: لما هلك عَبْد اللَّهِ بن وال نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إِلَى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من ب

الربعي، أبو سليمان - تاريخ مولد العلماء ووفياتهم

full-text

— · 1 entry

  • legacy full passagepage 123, entry [60]801 chars
    سنة خمس وَسِتِّينَ فِيهَا قتل سُلَيْمَان بن صردوَالْمُسَيب بن نجبة الْفَزارِيّ خرجا فِي أَرْبَعَة آلَاف يطلبان بِدَم الْحُسَيْن فَوجه إِلَيْهِمَا عبيد الله بن زِيَاد شُرَحْبِيل بن ذِي الكلاع فَالْتَقوا بِعَين الوردة فِي ربيع الآخر فَاقْتَتلُوا فَقتل سُلَيْمَان بن صرد وَالْمُسَيب بن نجبه وفيهَا مَاتَ…
    ▸ expand full passage (801 chars)
    سنة خمس وَسِتِّينَ فِيهَا قتل سُلَيْمَان بن صردوَالْمُسَيب بن نجبة الْفَزارِيّ خرجا فِي أَرْبَعَة آلَاف يطلبان بِدَم الْحُسَيْن فَوجه إِلَيْهِمَا عبيد الله بن زِيَاد شُرَحْبِيل بن ذِي الكلاع فَالْتَقوا بِعَين الوردة فِي ربيع الآخر فَاقْتَتلُوا فَقتل سُلَيْمَان بن صرد وَالْمُسَيب بن نجبه وفيهَا مَاتَ مَرْوَان بن الحكم بِدِمَشْق فِي شهر رَمَضَان وَهُوَ ابْن أَربع وَسِتِّينَ وبويع عبد الْملك بن مَرْوَان بِالشَّام قَالَ عَمْرو والواقدي وَابْن نمير وَفِي هَذِه السّنة مَاتَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنةقَالَ الْمَدَائِنِي وفيهَا مَاتَ الْحَارِث الْأَعْوَر وَفِي هَذِه السّنة قتل أَبُو سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَالْأَعْمَش يَوْمئِذٍ ابْن خمس سِنِين وَقَالَ بَعضهم إِن مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ توفيت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَهِي مَيْمُونَة بنت الْحَارِث

شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت بشار

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 1770, entry [814]10,495 chars
    سنة خمس وستين توفي فيها أسيد بن ظهير الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ومالك بن هبيرة السكوني - وله صحبة - والنعمان بن بشير في أول سنة - وقيل: في آخر سنة أربع - والحارث بن عبد الله الهمداني الأعور.ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أ…
    ▸ expand full passage (10,495 chars)
    سنة خمس وستين توفي فيها أسيد بن ظهير الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ومالك بن هبيرة السكوني - وله صحبة - والنعمان بن بشير في أول سنة - وقيل: في آخر سنة أربع - والحارث بن عبد الله الهمداني الأعور.ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أهل الشام لمروان، فبقي تسعة أشهر ومات، وعهد إلى ابنه عبد الملك. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة الأزدي خراسان أميرا عليها من جهة ابن الزبير، فكلمه أميرها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي في قتال الأزارقة والخوارج، وأشار بذلك الأحنف بن قيس، وأمدوه بالجيوش، فسار وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق، وصابرهم على القتال حتى كسرهم، وقتل منهم أربعة آلاف وثماني مائة. وفيها سار مروان بجيوشه إلى مصر، وقد كان كاتبه كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد قاضي مصر، فحاصر جيشه والي مصر لابن الزبير، فخندق على البلد، وخرج أهل مصر، وهو اليوم الذي يسمونه يوم التراويح، لأن أهل مصر كانوا ينتابون القتال ويستريحون، واستحر القتل في المعافر، فقتل منهم خلق، وقتل يومئذ عبد الله بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد الأشراف، ثم صالحوا مروان، فكتب لهم كتابا بيده، وتفرق الناس، وأخذوا في دفن قتلاهم وفي البكاء، ثم تجهز والي مصر عبد الرحمن بن جحدم وأسرع إلى ابن الزبير، وضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلفوا عن مبايعته، وضرب عنق الأكيدر بن حمام اللخمي سيد لخم وشيخها في هذه الأيام، وكان من قتلة عثمان ﵁، وذلك في نصف جمادى الآخرة يوم مات عبد الله بن عمرو ﵄، وما قدروا يخرجون بجنازة عبد الله، فدفنوه بداره. واستولى مروان على مصر، وأقام بها شهرين، ثم استعمل عليها ابنه عبد العزيز، وترك عنده أخاه بشر بن مروان، وموسى بن نصير وزيرا، وأوصاه بالمبالغة في الإحسان إلى الأكابر، ورجع إلى الشام. وفيها وفد الزهري على مروان، قال عنبسة بن سعيد، عن يونس، عن الزهري: وفدت على مروان وأنا محتلم. قلت: وهذا بعيد، وإنما المعروف وفادته أول شيء على عبد الملك في أواخر إمارته. وفيها وجه مروان حبيش بن دلجة القيني في أربعة آلاف إلى المدينة،وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان، وأبو الحجاج يوسف الثقفي، وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير عمر بن عبيد الله التيمي جيشا من البصرة، فالتقوا هم وحبيش بالربذة في أول رمضان، فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر ذلك الجيش، وهرب من بقي، فتخطفتهم الأعراب، وهرب الحجاج ردف أبيه. وفيها دعا ابن الزيبر محمد ابن الحنفية إلى بيعته فأبى عليه، فحصره في شعب بني هاشم في جماعة من بنيه وشيعته وتوعدهم. وفيها خرج بنو ماحوز بالأهواز وفارس، وتقدم عسكرهم، فاعترضوا أهل المدائن، فقتلوهم أجمع، ثم ساروا إلى أصبهان، وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فقتل ابن ماحوز، وانهزم الخوارج الذين معه، ثم أمروا عليهم قطري بن الفجاءة. وأما نجدة الحروري فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحرورية على ابن الزبير وقاتلوا معه، فلما ذهب أهل الشام اجتمعوا بابن الزبير وسألوه ما يقول في عثمان؟ فقال: تعالوا العشية حتى أجيبكم، ثم هيأ أصحابه بالسلاح، فجاءت الخوارج، فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: قد خشي الرجل غائلتكم، ثم دنا منه فقال: يا هذا، اتق الله وابغض الجائر، وعاد أول من سن الضلالة، وخالف حكم الكتاب، وإن خالفت فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. ثم تكلم خطيب القوم عبيدة بن هلال، فأبلغ. ثم تكلم ابن الزبير، فقال في آخر مقالته: أنا ولي عثمان في الدنيا والآخرة، قالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله، فقال: وبرئ الله منكم يا أعداء الله، فتفرقوا على مثل هذا ورحلوا، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفوان (¬١) السعدي، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وعبد الله وعبيد الله والزبير بنو الماحوز اليربوعي، حتى قدموا البصرة، وانطلق أبو طالوت وأبو فديك عبد الله بن ثور وعطيةاليشكري فوثبوا باليمامة، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي الحروري. ولما رجع مروان إلى دمشق إذا مصعب بن الزبير قد قدم في عسكر من الحجاز يطلب فلسطين، فسرح مروان لحربه عمرو بن سعيد الأشدق فقاتلهم، فانهزم أصحاب مصعب. وورد أن مروان تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله ولي عهده من بعده، ثم بعده عمرو بن سعيد، ثم لم يتم ذلك. وفيها بايع جند خراسان سلم بن زياد بن أبيه بعد موت معاوية بن يزيد، وأحبوه حتى يقال: سموا باسمه تلك السنة أكثر من عشرين ألف مولود، فبايعوه على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة، ثم نكثوا واختلفوا، فخرج سلم وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة، فلقيه بنيسابور عبد الله بن خازم (¬١) السلمي، فقال: من وليت على خراسان؟ فأخبره، قال: ما وجدت في مضر رجلا تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل وأزد عمان؟ وقال: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له، وأعطاه مائة ألف درهم، فأقبل إلى مرو، فبلغ المهلب الخبر فتهيأ، وغلب ابن خازم على مرو، ثم سار إلى سليمان بن مرثد، فاقتتلوا أياما، فقتل سليمان، ثم سار ابن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة، فبلغ عمرا فسار إليه، فالتقوا فقتل عمرو، وهرب أصحابه إلى هراة وبها أوس بن ثعلبة، فاجتمع له خلق كثير وقالوا: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم فتخرج مضر من خراسان كلها، فقال: هذا بغي، وأهل البغي مخذولون، فلم يطيعوه، وسار إليهم ابن خازم، فخندقوا على هراة، فاقتتلوا نحو سنة، وشرع ابن خازم يلين لهم، فقالوا: لا، إلا أن تخرج مضر من خراسان، وإما أن ينزلوا عن كل سلاح ومال، فقال ابن خازم: وجدت إخواننا قطعا للرحم، قال: قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضابا على ربها مذ بعث الله نبيه ﷺ من مضر. ثم كانت بينه وبين أوس بعد الحصار الطويل وقعة هائلة، أثخن فيها أوس بالجراحات، وقتلت ربيعة قتلا ذريعا، وهرب أوس إلى سجستان فمات بها، وقتل من جنده يومئذ من بكر بن وائل ثمانية آلاف، واستخلف ابنخازم ولده على هراة، ورجع إلى مرو. وفيها سار المختار بن أبي عبيد الثقفي في رمضان من مكة، ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزبير على خراج الكوفة، فقدم المختار الكوفة والشيعة قد اجتمعت على سليمان بن صرد، فليس يعدلون به، فجعل المختار يدعوهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، فتقول الشيعة: هذا سليمان شيخنا، فأخذ يقول لهم: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد ابن الحنفية، فصار معه طائفة من الشيعة، ثم قدم على الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي من قبل ابن الزبير، فنبهوه على أمر الشيعة، وأن نيتهم أن يتوثبوا، فخطب الناس، وسب قتلة الحسين، ثم قال: ليبشر هؤلاء القوم وليخرجوا ظاهرين إلى قاتل الحسين عبيد الله بن زياد، فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قتاله ظهير، فقتاله أولى بكم، فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة فنقم عليه هذه المقالة وعابها، فقام إليه المسيب بن نجبة فسبه، وشرعوا يتجهزون للخروج إلى ملتقى عبيد الله بن زياد. وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري؛ وهما من شيعة علي ومن كبار أصحابه، خرجا في ربيع الآخر يطلبون بدم الحسين بظاهر الكوفة في أربعة آلاف، ونادوا: يا لثارات الحسين، وتعبدوا بذلك، ولكن ثبط المختار جماعة وقال: إن سليمان لا يصنع شيئا، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب، وقام سليمان في أصحابه فحض على الجهاد، وقال: من أراد الدنيا فلا يصحبنا، ومن أراد وجه الله والثواب في الآخرة فذلك منا، وقام صخر بن حذيفة المزني فقال: آتاك الله الرشد، أيها الناس، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن بنت نبينا، ليس معنا دينار ولا درهم، إنما نقدم على حد السيوف. وقام عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي في قومه، فدخل على سليمان بن صرد، فقال: إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة؛ عمر بن سعد، وأشراف القبائل، فقالوا: لقد جاء برأي، وما نلقى إن سرنا إلى الشام إلا عبيد الله بن زياد، فقال سليمان: أنا أرى أنه هو الذي قتله، وعبأ الجنود وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، فسيروا إليه، وكان عمرابن سعد في تلك الأيام خائفا، لا يبيت إلا في قصر الإمارة، فخرج عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد فأتيا سليمان بن صرد، فقال: إنكم أحب أهل بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلادنا خرجنا كلنا فقاتلناه، فقال سليمان: قد خرجنا لأمر، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله، قال: فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشا كثيفا، فقال: سأنظر ويأتيك رأيي. ثم سار، وخرج معه كل مستميت، وانقطع عنه بشر كثير، فقال سليمان: ما أحب أن من تخلف عنكم معكم، وأتوا قبر الحسين فبكوا، وأقاموا يوما وليلة يصلون عليه ويستغفرون له، وقال سليمان: يا رب، إنا قد خذلناه، فاغفر لنا وتب علينا. ثم أتاهم كتاب عبد الله بن يزيد من الكوفة ينشدهم الله ويقول: أنتم عدد يسير، وإن جيش الشام خلق، فلم يلووا عليه، ثم قدموا قرقيسياء، فنزلوا بظاهرها وبها زفر بن الحارث الكلابي قد حصنها، فأتى بابها المسيب بن نجبة، فأخبروا به زفر فقال: هذا فارس مضر الحمراء كلها، وهو ناسك دين، فأذن له ولاطفه، فقال: ممن نتحصن، إنا والله ما إياكم نريد، فأخرجوا لنا سوقا، فأمر لهم بسوق، وأمر للمسيب بفرس، وبعث إليهم من عنده بعلف كثير، وبعث إلى وجوه القوم بعشر جزائز عشر جزائر وعلف وطعام، فما احتاجوا إلى شراء شيء من السوق، إلا مثل سوط أو ثوب، وخرج فشيعهم وقال: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة؛ حصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة الخثعمي، وهم عدد كثير، فقال سليمان: على الله توكلنا، قال زفر: فتدخلون مدينتنا، ويكون أمرنا واحدا، ونقاتل معكم، فقال: قد أرادنا أهل بلدنا على ذلك فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء في أيديكم، ولا تقاتلوهم في فضاء، فإنهم أكثر منكم فيحيطون بكم، ولا تراموهم، ولا تصفوا لهم، فإني لا أرى معكم رجالا والقوم ذوو رجال وفرسان، والقوهم كراديس.قال: فعبأ سليمان بن صرد كتائبه، وانتهى إلى عين الوردة، فنزل في غربيها وأقام خمسا، فاستراحوا وأراحوا خيولهم، ثم قال سليمان: إن قتلت فأميركم المسيب، فإن أصيب فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله من صدق ما عاهد الله عليه، ثم جهز المسيب بن نجبة في أربعمائة، فانقضوا على مقدمة القوم وعليها شرحبيل بن ذي الكلاع، وهم غارون، فقاتلوهم فهزموهم، وأخذوا من خيلهم وأمتعتهم وردوا، فبلغ الخبر عبيد الله بن زياد، فجهز إليهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، ثم أردفهم بشرحبيل في ثمانية آلاف، ثم أمدهم من الصباح بأدهم بن محرز في عشرة آلاف، ووقع القتال، ودام الحرب ثلاثة أيام واقتتلوا قتالا لم ير مثله، وقتل من الشاميين خلق كثير، وقتل من التوابين، وكذا كانوا يسمون؛ لأنهم تابوا إلى الله من خذلان الحسين ﵁، فاستشهد أمراؤهم الأربعة، ثم تحيز رفاعة بمن بقي ورد إلى الكوفة، وكان المختار في الحبس، فكتب إلى رفاعة بن شداد: مرحبا بمن عظم الله لهم الأجر فأبشروا، إن سليمان قضى ما عليه، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، وقاتل الجبارين، فأعدوا واستعدوا، وكان قد حبسه الأميران إبراهيم بن محمد بن طلحة وعبد الله بن يزيد الخطمي، فبقي أشهرا، ثم بعث عبد الله بن عمر يشفع فيه إلى الأميرين، فضمنوه جماعة وأخرجوه، وحلفوه فحلف لهما مضمرا للشر، فشرعت الشيعة تختلف إليه وأمره يستفحل. وكانت الكعبة احترقت في العام الماضي من مجمر، علقت النار في الأستار، فأمر ابن الزبير في هذا العام بهدمها إلى الأساس، وأنشأها محكمة، وأدخل من الحجر فيها سعة ستة أذرع، لأجل الحديث الذي حدثته خالته أم المؤمنين عائشة، ثم إنه لما نقضها ووصلوا إلى الأساس، عاينوه آخذا بعضه ببعض كأسنمة البخت، وأن الستة الأذرع من جملة الأساس، فبنوا على ذلك ولله الحمد، وألصقوا داخلها بالأرض، لم يرفعوا داخلها، وعملوا لها بابا آخر في ظهرها، ثم سده الحجاج، فذلك بين للناظرين، ثم قصر تلك الستة الأذرع فأخرجها من البيت، ودك تلكالحجارة في أرض البيت، حتى علا كما هو في زماننا، زاده الله تعظيما (¬١). وغلب في هذه السنة عبد الله بن خازم على خراسان، وغلب معاوية الكلابي على السند، إلى أن قدم الحجاج البحرين، وغلب نجدة الحروري على البحرين وعلى بعض اليمن. وأما عبيد الله بن زياد فإنه بعد وقعة عين الوردة مرض بأرض الجزيرة، فاحتبس بها وبقتال أهلها عن العراق نحوا من سنة، ثم قصد الموصل وعليها عامل المختار كما يأتي.
  • exact linked passagemedium confidencepage 1770, entry [814]10,495 chars
    سنة خمس وستين توفي فيها أسيد بن ظهير الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ومالك بن هبيرة السكوني - وله صحبة - والنعمان بن بشير في أول سنة - وقيل: في آخر سنة أربع - والحارث بن عبد الله الهمداني الأعور.ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أ…
    ▸ expand full passage (10,495 chars)
    سنة خمس وستين توفي فيها أسيد بن ظهير الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ومالك بن هبيرة السكوني - وله صحبة - والنعمان بن بشير في أول سنة - وقيل: في آخر سنة أربع - والحارث بن عبد الله الهمداني الأعور.ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أهل الشام لمروان، فبقي تسعة أشهر ومات، وعهد إلى ابنه عبد الملك. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة الأزدي خراسان أميرا عليها من جهة ابن الزبير، فكلمه أميرها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي في قتال الأزارقة والخوارج، وأشار بذلك الأحنف بن قيس، وأمدوه بالجيوش، فسار وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق، وصابرهم على القتال حتى كسرهم، وقتل منهم أربعة آلاف وثماني مائة. وفيها سار مروان بجيوشه إلى مصر، وقد كان كاتبه كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد قاضي مصر، فحاصر جيشه والي مصر لابن الزبير، فخندق على البلد، وخرج أهل مصر، وهو اليوم الذي يسمونه يوم التراويح، لأن أهل مصر كانوا ينتابون القتال ويستريحون، واستحر القتل في المعافر، فقتل منهم خلق، وقتل يومئذ عبد الله بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد الأشراف، ثم صالحوا مروان، فكتب لهم كتابا بيده، وتفرق الناس، وأخذوا في دفن قتلاهم وفي البكاء، ثم تجهز والي مصر عبد الرحمن بن جحدم وأسرع إلى ابن الزبير، وضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلفوا عن مبايعته، وضرب عنق الأكيدر بن حمام اللخمي سيد لخم وشيخها في هذه الأيام، وكان من قتلة عثمان ﵁، وذلك في نصف جمادى الآخرة يوم مات عبد الله بن عمرو ﵄، وما قدروا يخرجون بجنازة عبد الله، فدفنوه بداره. واستولى مروان على مصر، وأقام بها شهرين، ثم استعمل عليها ابنه عبد العزيز، وترك عنده أخاه بشر بن مروان، وموسى بن نصير وزيرا، وأوصاه بالمبالغة في الإحسان إلى الأكابر، ورجع إلى الشام. وفيها وفد الزهري على مروان، قال عنبسة بن سعيد، عن يونس، عن الزهري: وفدت على مروان وأنا محتلم. قلت: وهذا بعيد، وإنما المعروف وفادته أول شيء على عبد الملك في أواخر إمارته. وفيها وجه مروان حبيش بن دلجة القيني في أربعة آلاف إلى المدينة،وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان، وأبو الحجاج يوسف الثقفي، وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير عمر بن عبيد الله التيمي جيشا من البصرة، فالتقوا هم وحبيش بالربذة في أول رمضان، فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر ذلك الجيش، وهرب من بقي، فتخطفتهم الأعراب، وهرب الحجاج ردف أبيه. وفيها دعا ابن الزيبر محمد ابن الحنفية إلى بيعته فأبى عليه، فحصره في شعب بني هاشم في جماعة من بنيه وشيعته وتوعدهم. وفيها خرج بنو ماحوز بالأهواز وفارس، وتقدم عسكرهم، فاعترضوا أهل المدائن، فقتلوهم أجمع، ثم ساروا إلى أصبهان، وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فقتل ابن ماحوز، وانهزم الخوارج الذين معه، ثم أمروا عليهم قطري بن الفجاءة. وأما نجدة الحروري فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحرورية على ابن الزبير وقاتلوا معه، فلما ذهب أهل الشام اجتمعوا بابن الزبير وسألوه ما يقول في عثمان؟ فقال: تعالوا العشية حتى أجيبكم، ثم هيأ أصحابه بالسلاح، فجاءت الخوارج، فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: قد خشي الرجل غائلتكم، ثم دنا منه فقال: يا هذا، اتق الله وابغض الجائر، وعاد أول من سن الضلالة، وخالف حكم الكتاب، وإن خالفت فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. ثم تكلم خطيب القوم عبيدة بن هلال، فأبلغ. ثم تكلم ابن الزبير، فقال في آخر مقالته: أنا ولي عثمان في الدنيا والآخرة، قالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله، فقال: وبرئ الله منكم يا أعداء الله، فتفرقوا على مثل هذا ورحلوا، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفوان (¬١) السعدي، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وعبد الله وعبيد الله والزبير بنو الماحوز اليربوعي، حتى قدموا البصرة، وانطلق أبو طالوت وأبو فديك عبد الله بن ثور وعطيةاليشكري فوثبوا باليمامة، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي الحروري. ولما رجع مروان إلى دمشق إذا مصعب بن الزبير قد قدم في عسكر من الحجاز يطلب فلسطين، فسرح مروان لحربه عمرو بن سعيد الأشدق فقاتلهم، فانهزم أصحاب مصعب. وورد أن مروان تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله ولي عهده من بعده، ثم بعده عمرو بن سعيد، ثم لم يتم ذلك. وفيها بايع جند خراسان سلم بن زياد بن أبيه بعد موت معاوية بن يزيد، وأحبوه حتى يقال: سموا باسمه تلك السنة أكثر من عشرين ألف مولود، فبايعوه على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة، ثم نكثوا واختلفوا، فخرج سلم وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة، فلقيه بنيسابور عبد الله بن خازم (¬١) السلمي، فقال: من وليت على خراسان؟ فأخبره، قال: ما وجدت في مضر رجلا تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل وأزد عمان؟ وقال: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له، وأعطاه مائة ألف درهم، فأقبل إلى مرو، فبلغ المهلب الخبر فتهيأ، وغلب ابن خازم على مرو، ثم سار إلى سليمان بن مرثد، فاقتتلوا أياما، فقتل سليمان، ثم سار ابن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة، فبلغ عمرا فسار إليه، فالتقوا فقتل عمرو، وهرب أصحابه إلى هراة وبها أوس بن ثعلبة، فاجتمع له خلق كثير وقالوا: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم فتخرج مضر من خراسان كلها، فقال: هذا بغي، وأهل البغي مخذولون، فلم يطيعوه، وسار إليهم ابن خازم، فخندقوا على هراة، فاقتتلوا نحو سنة، وشرع ابن خازم يلين لهم، فقالوا: لا، إلا أن تخرج مضر من خراسان، وإما أن ينزلوا عن كل سلاح ومال، فقال ابن خازم: وجدت إخواننا قطعا للرحم، قال: قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضابا على ربها مذ بعث الله نبيه ﷺ من مضر. ثم كانت بينه وبين أوس بعد الحصار الطويل وقعة هائلة، أثخن فيها أوس بالجراحات، وقتلت ربيعة قتلا ذريعا، وهرب أوس إلى سجستان فمات بها، وقتل من جنده يومئذ من بكر بن وائل ثمانية آلاف، واستخلف ابنخازم ولده على هراة، ورجع إلى مرو. وفيها سار المختار بن أبي عبيد الثقفي في رمضان من مكة، ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزبير على خراج الكوفة، فقدم المختار الكوفة والشيعة قد اجتمعت على سليمان بن صرد، فليس يعدلون به، فجعل المختار يدعوهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، فتقول الشيعة: هذا سليمان شيخنا، فأخذ يقول لهم: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد ابن الحنفية، فصار معه طائفة من الشيعة، ثم قدم على الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي من قبل ابن الزبير، فنبهوه على أمر الشيعة، وأن نيتهم أن يتوثبوا، فخطب الناس، وسب قتلة الحسين، ثم قال: ليبشر هؤلاء القوم وليخرجوا ظاهرين إلى قاتل الحسين عبيد الله بن زياد، فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قتاله ظهير، فقتاله أولى بكم، فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة فنقم عليه هذه المقالة وعابها، فقام إليه المسيب بن نجبة فسبه، وشرعوا يتجهزون للخروج إلى ملتقى عبيد الله بن زياد. وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري؛ وهما من شيعة علي ومن كبار أصحابه، خرجا في ربيع الآخر يطلبون بدم الحسين بظاهر الكوفة في أربعة آلاف، ونادوا: يا لثارات الحسين، وتعبدوا بذلك، ولكن ثبط المختار جماعة وقال: إن سليمان لا يصنع شيئا، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب، وقام سليمان في أصحابه فحض على الجهاد، وقال: من أراد الدنيا فلا يصحبنا، ومن أراد وجه الله والثواب في الآخرة فذلك منا، وقام صخر بن حذيفة المزني فقال: آتاك الله الرشد، أيها الناس، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن بنت نبينا، ليس معنا دينار ولا درهم، إنما نقدم على حد السيوف. وقام عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي في قومه، فدخل على سليمان بن صرد، فقال: إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة؛ عمر بن سعد، وأشراف القبائل، فقالوا: لقد جاء برأي، وما نلقى إن سرنا إلى الشام إلا عبيد الله بن زياد، فقال سليمان: أنا أرى أنه هو الذي قتله، وعبأ الجنود وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، فسيروا إليه، وكان عمرابن سعد في تلك الأيام خائفا، لا يبيت إلا في قصر الإمارة، فخرج عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد فأتيا سليمان بن صرد، فقال: إنكم أحب أهل بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلادنا خرجنا كلنا فقاتلناه، فقال سليمان: قد خرجنا لأمر، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله، قال: فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشا كثيفا، فقال: سأنظر ويأتيك رأيي. ثم سار، وخرج معه كل مستميت، وانقطع عنه بشر كثير، فقال سليمان: ما أحب أن من تخلف عنكم معكم، وأتوا قبر الحسين فبكوا، وأقاموا يوما وليلة يصلون عليه ويستغفرون له، وقال سليمان: يا رب، إنا قد خذلناه، فاغفر لنا وتب علينا. ثم أتاهم كتاب عبد الله بن يزيد من الكوفة ينشدهم الله ويقول: أنتم عدد يسير، وإن جيش الشام خلق، فلم يلووا عليه، ثم قدموا قرقيسياء، فنزلوا بظاهرها وبها زفر بن الحارث الكلابي قد حصنها، فأتى بابها المسيب بن نجبة، فأخبروا به زفر فقال: هذا فارس مضر الحمراء كلها، وهو ناسك دين، فأذن له ولاطفه، فقال: ممن نتحصن، إنا والله ما إياكم نريد، فأخرجوا لنا سوقا، فأمر لهم بسوق، وأمر للمسيب بفرس، وبعث إليهم من عنده بعلف كثير، وبعث إلى وجوه القوم بعشر جزائز عشر جزائر وعلف وطعام، فما احتاجوا إلى شراء شيء من السوق، إلا مثل سوط أو ثوب، وخرج فشيعهم وقال: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة؛ حصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة الخثعمي، وهم عدد كثير، فقال سليمان: على الله توكلنا، قال زفر: فتدخلون مدينتنا، ويكون أمرنا واحدا، ونقاتل معكم، فقال: قد أرادنا أهل بلدنا على ذلك فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء في أيديكم، ولا تقاتلوهم في فضاء، فإنهم أكثر منكم فيحيطون بكم، ولا تراموهم، ولا تصفوا لهم، فإني لا أرى معكم رجالا والقوم ذوو رجال وفرسان، والقوهم كراديس.قال: فعبأ سليمان بن صرد كتائبه، وانتهى إلى عين الوردة، فنزل في غربيها وأقام خمسا، فاستراحوا وأراحوا خيولهم، ثم قال سليمان: إن قتلت فأميركم المسيب، فإن أصيب فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله من صدق ما عاهد الله عليه، ثم جهز المسيب بن نجبة في أربعمائة، فانقضوا على مقدمة القوم وعليها شرحبيل بن ذي الكلاع، وهم غارون، فقاتلوهم فهزموهم، وأخذوا من خيلهم وأمتعتهم وردوا، فبلغ الخبر عبيد الله بن زياد، فجهز إليهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، ثم أردفهم بشرحبيل في ثمانية آلاف، ثم أمدهم من الصباح بأدهم بن محرز في عشرة آلاف، ووقع القتال، ودام الحرب ثلاثة أيام واقتتلوا قتالا لم ير مثله، وقتل من الشاميين خلق كثير، وقتل من التوابين، وكذا كانوا يسمون؛ لأنهم تابوا إلى الله من خذلان الحسين ﵁، فاستشهد أمراؤهم الأربعة، ثم تحيز رفاعة بمن بقي ورد إلى الكوفة، وكان المختار في الحبس، فكتب إلى رفاعة بن شداد: مرحبا بمن عظم الله لهم الأجر فأبشروا، إن سليمان قضى ما عليه، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، وقاتل الجبارين، فأعدوا واستعدوا، وكان قد حبسه الأميران إبراهيم بن محمد بن طلحة وعبد الله بن يزيد الخطمي، فبقي أشهرا، ثم بعث عبد الله بن عمر يشفع فيه إلى الأميرين، فضمنوه جماعة وأخرجوه، وحلفوه فحلف لهما مضمرا للشر، فشرعت الشيعة تختلف إليه وأمره يستفحل. وكانت الكعبة احترقت في العام الماضي من مجمر، علقت النار في الأستار، فأمر ابن الزبير في هذا العام بهدمها إلى الأساس، وأنشأها محكمة، وأدخل من الحجر فيها سعة ستة أذرع، لأجل الحديث الذي حدثته خالته أم المؤمنين عائشة، ثم إنه لما نقضها ووصلوا إلى الأساس، عاينوه آخذا بعضه ببعض كأسنمة البخت، وأن الستة الأذرع من جملة الأساس، فبنوا على ذلك ولله الحمد، وألصقوا داخلها بالأرض، لم يرفعوا داخلها، وعملوا لها بابا آخر في ظهرها، ثم سده الحجاج، فذلك بين للناظرين، ثم قصر تلك الستة الأذرع فأخرجها من البيت، ودك تلكالحجارة في أرض البيت، حتى علا كما هو في زماننا، زاده الله تعظيما (¬١). وغلب في هذه السنة عبد الله بن خازم على خراسان، وغلب معاوية الكلابي على السند، إلى أن قدم الحجاج البحرين، وغلب نجدة الحروري على البحرين وعلى بعض اليمن. وأما عبيد الله بن زياد فإنه بعد وقعة عين الوردة مرض بأرض الجزيرة، فاحتبس بها وبقتال أهلها عن العراق نحوا من سنة، ثم قصد الموصل وعليها عامل المختار كما يأتي.

شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت تدمري

full-text

— · 3 entries

  • legacy full passagepage 2305, entry [651]17,177 chars
    [حَوَادِثُ] سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ تُوُفِّيَ فِيهَا: أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السُّكُونِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَالنُّعْمَانُ بْن…
    ▸ expand full passage (17,177 chars)
    [حَوَادِثُ] سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ تُوُفِّيَ فِيهَا: أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السُّكُونِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَقِيلَ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ الْأَعْوَرُ. وَلَمَّا انْقَضَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ بَايَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ لِمَرْوَانَ، فَبَقِيَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ [١] . وَفِيهَا دَخَلَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَلَّمَهُ أَمِيرُهَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ فِي قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَمَدُّوهُ بِالْجُيُوشِ، فَسَارَ وَحَارَبَ الْأَزَارِقَةَ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَزْرَقِ، وَصَابَرَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى كَسَرَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلاف وثمانمائة [٢] .وَفِيهَا سَارَ مَرْوَانُ بِجُيُوشِهِ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ كَاتِبُهُ كُرَيْبُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَعَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ قَاضِي مِصْرَ، فَحَاصَرَ جَيْشَهُ وَالِي مِصْرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَنْدَقَ عَلَى الْبَلَدِ، وَخَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ يَوْمَ التَّرَاوِيحِ، لِأَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا يَنْتَابُونَ الْقِتَالَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلَ فِي الْمَعَافِرِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ معديكرب الْكَلَاعِيُّ، أَحَدُ الْأَشْرَافِ، ثُمَّ صَالَحُوا مَرْوَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِيَدِهِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَخَذُوا فِي دفن قتلاهم وفي البكاء، ثم تجهّز إلى مِصْرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ، وَأَسْرَعَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَضَرَبَ مَرْوَانُ عُنُقَ ثمانين رَجُلًا تَخَلَّفُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ. وَضَرَبَ عُنُقَ الْأُكَيْدِرِ [١] بْنِ حَمَامٍ اللَّخْمِيِّ سَيِّدِ لَخْمٍ وَشَيْخِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَكَانَ مَنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁، وَذَلِكَ فِي نِصْفِ جُمَادِي الْآخِرَةِ، يَوْمَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄. وَمَا قَدَرُوا يَخْرُجُونَ بِجِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَفَنُوهُ بِدَارِهِ. وَاسْتَوْلَى مَرْوَانُ عَلَى مِصْرَ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَمُوسَى بْنَ نُصَيْرِ وَزِيرًا، وَأَوْصَاهُ بِالْمُبَايَعَةِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَكَابِرِ، وَرَجَعَ إِلَى الشَّامِ [٢] . وَفِيهَا وَفَدَ الزُّهْرِيُّ عَلَى مَرْوَانَ، قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَفَدْتُ عَلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ وِفَادَتَهُ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ في أواخر إمارته [٣] .(وَفِيهَا) وَجَّهَ مَرْوَانُ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ الْقَيْنِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ عقبة، فسار ومعه عبيد الله ابن الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ، وَأَبُو الْحَجَّاجُ يُوسُفُ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُهُ الْحَجَّاجُ وَهُوَ شَابٌّ، فَجَهَّزَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَحُبَيْشٌ بِالرَّبَذَةِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَقُتِلَ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ، فَتَخَطَّفَتْهُمُ الْأَعْرَابُ، وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ رِدْفَ أَبِيهِ [١] . (وَفِيهَا) دَعَا ابْنُ الزبير إلى بيعته محمد بن الحنيفة، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ فِي جَمَاعَةِ مِنْ بَيْتِهِ وَشِيعَتِهِ وَتَوَعَّدَهُمْ [٢] . (وفِيهَا) خَرَجَ بَنُو مَاحُوزٍ بِالْأَهْوَازِ وَفَارِسٍ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُهُمْ، فَاعْتَرَضُوا أَهْلَ الْمَدَائِنِ، فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَعَلَيْهَا عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ، فَقَتَلَ ابْنُ مَاحُوزٍ، وَانْهَزَمَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ قَطَرِيَّ بْنَ الفُجَاءَةِ [٣] . وَأَمَّا نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ فَإِنَّهُ قَدِمَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي جُمُوعِهِ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ أَهْلُ الشَّامِ اجْتَمَعُوا بِابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَأَلُوهُ: مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: تَعَالَوُا الْعَشِيَّةَ حَتَّى أُجِيبَكُمْ، ثُمَّ هَيَّأَ أَصْحَابَهُ بِالسِّلَاحِ، فَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ، فَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ خَشِيَ الرَّجُلُ غَائِلَتَكُمْ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَقَالَ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَابْغَضِ الْجَائِرَ [٤] ، وَعَادِ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الضَّلَالَةَ، وَخَالِفْ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَإِنْ خَالَفْتَ فَأَنْتَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَمْتَعُوا بِخِلَاقِهِمْ، وَأَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدنيا.ثُمَّ تَكَلَّمَ خَطِيبُ الْقَوْمِ عَبِيدَةُ بْنُ هِلَالٍ، فَأَبْلَغَ. ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ فِي آخِرِ مَقَالَتِهِ: أَنَا وَلِيُّ عُثْمَانَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ يَا عَدُوَّ الله، فقال: وبريء اللَّهُ مِنْكُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَتَفَرَّقُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا. وَرَحَلُوا، فَأَقْبَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ [١] السَّعْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ بَيْهَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَابْنُ الْمَاحُوزِ الْيَرْبُوعِيُّ، حَتَّى قَدِمُوا الْبَصْرَةَ، وَانْطَلَقَ أَبُو طَالُوتَ، وَأَبُو فُدَيْكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ، وَعَطِيَّةُ الْيَشْكُرِيُّ، فَوَثَبُوا بِالْيَمَامَةِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ الْحَرُورِيِّ [٢] . وَلَمَّا رَجَعَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ إِذَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ قَدِمَ فِي عَسْكَرٍ مِنَ الْحِجَازِ يَطْلُبُ فِلَسْطِينَ، فَسَرَّحَ مَرْوَانُ لِحَرْبِهِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُصْعَبٍ [٣] . وَوَرَدَ أَنَّ مَرْوَانَ تَزَوَّجَ بِأُمِّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ [٤] . وَفِيهَا بَايَعَ جُنْدُ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَأَحَبُّوهُ حَتَّى يُقَالُ: سَمَّوْا بِاسْمِهِ تِلْكَ السَّنَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، ثُمَّ نَكَثُوا وَاخْتَلَفُوا، فَخَرَجَ سَلْمُ وَتَرَكَ عَلَيْهِمُ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ، فَلَقِيَهُ بِنَيْسَابُورَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ [٥] السُّلَمِيُّ فَقَالَ: مَنْ وَلَّيْتَ عَلَى خُرَاسَانَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي مِصْرَ رَجُلًا تَسْتَعْمِلْهُ حَتَّى فَرَّقْتَ خُرَاسَانَ بين بكر بن وائل وأزدعُمَانَ! وَقَالَ: اكْتُبْ لِي عَهْدًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى مَرْوَ، فَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ الْخَبَرُ، فَتَهَيَّأَ وَغَلَبَ ابْنَ خَازِمٍ عَلَى مَرْوَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى سُلَيْمَان بْنِ مَرْثَدٍ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مرثد وهو بالطالقان [١] في سبعمائة، فبلغ عمرا، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فَقُتِلَ عَمْرٌو، وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى هَرَاةَ، وَبِهَا أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالُوا: نُبَايِعُكَ، عَلَى أَنْ تُشِيرَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ فَيُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ كُلِّهَا، فَقَالَ: هَذَا بَغْيٌ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مَخْذُولُونَ، فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ، فَخَنْدَقُوا عَلَى هَرَاةَ، فَاقْتَتَلُوا نَحْوَ سَنَةٍ، وَشَرَعَ ابْنُ خَازِمٍ يَلِينُ لَهُمْ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِمَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ كُلِّ سِلَاحٍ وَمَالٍ، فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: وَجَدْتُ إِخْوَانَنَا قَطْعًا لِلرَّحِمِ، قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ تَزَلْ غَضَابًا عَلَى رَبِّهَا مُذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ مُضَرَ. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْسٍ بَعْدَ الْحِصَارِ الطَّوِيلِ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، أَثْخَنَ فِيهَا أَوْسٌ بِالْجَرَّاحَاتِ، وَقُتِلَتْ رَبِيعَةُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَهَرَبَ أَوْسٌ إِلَى سِجِسْتَانَ فَمَاتَ بِهَا، وَقُتِلَ مِنْ جُنْدِهِ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنُ خَازِمٍ وَلَدَهُ عَلَى هَرَاةَ، وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ [٢] . (وَفِيهَا) سَارَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ الثَّقَفِيِّ فِي رَمَضَانَ مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى خَرَاجِ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ الْمُخَتْارُ الْكُوفَةَ وَالشِّيعَةُ، قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَى سُلَيْمَان بْنِ صُرَدَ، فَلَيْسَ يَعْدِلُونَ بِهِ، فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، فَتَقُولُ الشِّيعَةُ: هَذَا سُلَيْمَانُ شَيْخُنَا، فَأَخَذَ يَقُولُ لَهْمُ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَصَارَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الشيعة، ثم قدم علىالْكُوفَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ [١] مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَبَّهُوهُ عَلَى أَمْرِ الشِّيعَةِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُمْ أَنْ يَتُوبُوا، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَسَبَّ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَلْيَخْرُجُوا ظَاهِرِينَ إِلَى قَاتِلِ الْحُسَيْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَا لَهُمْ عَلَى قِتَالِهِ ظَهِيرٌ، فَقِتَالُهُ أَوْلَى بِكُمْ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، فَنَقَمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَعَابَهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَسَبَّهُ، وَشَرَعُوا يَتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ إِلَى مُلْتَقَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ الْفَزَارِيُّ- وَهُمَا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَمِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ- خَرَجَا فِي رَبِيعِ الْآخَرَ يَطْلُبُونَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَنَادَوْا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ، وَتَعَبَّدُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ثَبَّطَ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: إِنَّ سُلَيْمَانَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا، إِنَّمَا يُلْقِي بِالنَّاسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَقَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ، فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَلَا يَصَحَبْنَا، وَمَنْ أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ فَذَلِكَ، وَقَامَ صَخْرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: آتَاكَ اللَّهُ الرُّشْدَ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَخْرَجَتْنَا التَّوْبَةُ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَالطَّلَبُ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّنَا لَيْسَ مَعَنَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا نُقْدِمُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ. وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ فِي قَوْمِهِ، فدخل على سليمان ابن صُرَدَ فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، وقتلته كلهم بالكوفة، عمر ابن سَعْدٍ، وَأَشْرَافُ الْقَبَائِلِ، فَقَالُوا: لَقَدْ جَاءَ بِرَأْيٍ، وَمَا نَلْقَى إِنْ سِرْنَا إِلَى الشَّامِ إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنَا أَرَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَعَبَّأَ الْجُنُودَ وَقَالَ: لَا أَمَانَ لَهُ عِنْدِي دُونَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ، فَأَمْضِي فِيهِ حُكْمِي، فَسِيرُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَائِفًا، لَا يَبِيتَ إِلَّا فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَأَتِيَا سُلَيْمَان بْنَ صُرَدَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَحَبُّ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَيْنَا، فَلَا تَفْجَعُونَا بِأَنْفُسِكُمْ، ولا تنقصوا عددنابِخُرُوجِكُمْ، أَقِيمُوا مَعَنَا حَتَّى نَتَهَيَّأَ، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ عَدُوَّنَا قَدْ شَارَفَ بِلَادَنَا خَرَجْنَا كُلُّنَا فَقَاتَلْنَاهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ خَرَجْنَا لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَانَا إِلَّا شَاخِصِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَقِيمُوا حَتَّى نَعُبِّئَ مَعَكُمْ جَيْشًا كَثِيفًا، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ وَيَأْتِيكَ رَأْيِي. ثُمَّ سَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَحَبَّ أَنْ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْكُمْ مَعَكُمْ، وَأَتَوْا قَبْرَ الْحُسَيْنِ فَبَكَوْا، وَقَامُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا رَبِّ إِنَّا قَدْ خَذَلْنَاهُ، فَاغْفِرْ لَنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا. ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِنَ الْكُوفَةِ يَنْشُدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّ جَيْشَ الشَّامِ خَلْقٌ، فَلَمْ يَلْوُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمُوا قَرْقِيسِيَاءَ، فَنَزَلُوا بِظَاهِرِهَا وَبِهَا زُفَرُ [١] بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ قَدْ حصّنها، فأتى بابها المسيّب ابن نَجَبَةَ، فَأَخْبَرُوا بِهِ زُفَرَ [١] فَقَالَ: هَذَا وَفَارِسُ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ نَاسِكُ دِينٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَلَاطَفَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ نَتَحَصَّنُ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ نُرِيدُ، فَأَخْرِجُوا لَنَا سُوقًا، فَأَمَرَ لَهُمْ بِسُوقٍ، وَأَمَرَ لِلْمُسَيَّبِ بِفَرَسٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِهِ بِعَلَفٍ كَثِيرٍ، وَبَعَثَ إِلَى وُجُوهِ الْقَوْمِ بِعَشْرِ جَزَائِرَ وَعَلَفٍ وَطَعَامٍ، فَمَا احْتَاجُوا إِلَى شِرَاءِ شَيْءٍ مِنَ السُّوقِ، إِلَّا مِثْلَ سَوْطٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَخَرَجَ فَشَيَّعَهُمْ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَعَثَ خَمْسَةَ أُمَرَاءَ قَدْ فَصَلُوا مِنَ الرّقّة: حصين بن نمير السّكونيّ، وشرحبيل ابن ذِي الْكَلَاعِ، وَأَدْهَمَ بْنَ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيَّ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْمُخَارِقِ الْغَنَوِيَّ، وَجَبَلَةَ [٢] الْخَثْعَمِيَّ، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، قَالَ زُفَرُ [١] : فَتَدْخُلُونَ مَدِينَتَنَا، وَيَكُونُ أَمْرُنَا وَاحِدًا، وَنُقَاتِلُ مَعَكُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَرَادَنَا أَهْلُ بَلَدِنَا عَلَى ذلك، فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ فِي ظُهُورِكُمْ، وَيَكُونُ الرُّسْتَاقُ والماء فِي أَيْدِيكُمْ، وَلَا تُقَاتِلُوا فِي فَضَاءٍ، فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ، فَيُحِيطُونَ بِكُمْ، وَلَا تراموهم، ولا تصفّوا لهم، فإنّيلَا أَرَى مَعَكُمْ رَجَّالَةً [١] وَالْقَوْمُ ذَوُو رِجَالٍ [٢] وَفُرْسَانٍ، وَالْقَوْمُ كَرَادِيسُ. قَالَ: فَعَبَّأَ سُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ كِنَانَتَهُ، وَانْتَهَى إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَنَزَلَ فِي غَرَبِيَّهَا، وَأَقَامَ خَمْسًا، فَاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِيرُكُمُ الْمُسَيَّبُ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَالٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ صَدَقَ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَهَّزَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فِي أَرْبِعِمِائَةٍ، فَانْقَضُّوا عَلَى مُقَدِّمَةِ الْقَوْمِ، وَعَلَيْهَا شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَهُمُ غَارُّونَ، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا مِنْ خَيْلِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ وَرَدُّوا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ. فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ فِي اثْنَى عَشَرَ أَلْفَا، ثُمَّ رَدَفَهُمْ بِشُرَحْبِيلَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ أَمَدَّهُمْ مِنَ الصَّبَاحِ بِأَدْهَمَ بْنِ مُحْرِزٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ، وَدَامَ الْحَرْبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قِتَالًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الشَّامِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَقُتِلَ مِنَ التَّوَّابِينَ- وَكَذَا كَانُوا يُسَمَّوْنَ، لِأَنَّهُمْ تَابُوا إِلَى اللَّه مِنْ خِذْلَانِ الْحُسَيْنِ ﵁ فَاسْتُشْهِدَ أُمَرَاؤُهُمُ الْأَرْبَعَةُ، لَمْ يُخْبِرْ رِفَاعَةُ بِمَنْ بَقِيَ وَرُدَّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ فِي الْجَيْشِ، فَكَتَبَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَظَّمَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ، فَأَبْشِرُوا إِنَّ سُلَيْمَانَ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكْنُ بِصَاحِبِكُمُ الَّذِي بِه تُنْصَرُونَ، إِنِّي أَنَا الْأَمِيرُ الْمَأْمُونُ، وَقَاتِلُ الْجَبَّارِينَ، فَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ الْأَمِيرَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، فَبَقِيَ أَشْهُرًا، ثُمَّ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَشْفَعُ فِيهِ إِلَى الْأَمِيرَيْنِ، فَضَمِنَهُ جَمَاعَةٌ وَأَخْرَجُوهُ، وَحَلَّفُوهُ فَحَلَفَ لَهُمَا مُضْمِرًا لِلشَّرِّ، فَشَرَعَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ وَأَمْرُهُ يُسْتَفْحَلُ [٣] . وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ احْتَرَقَتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ مجمر، علقت النار فيالْأَسْتَارِ، فَأَمَر ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَذَا الْعَامِ بِهَدْمِهَا إِلَى الْأَسَاسِ، وَأَنْشَأَهَا مُحْكَمَةً، وَأَدْخَلَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا سِعَةَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، لِأَجْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَتْهُ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا نَقَضَهَا وَوَصَلُوا إِلَى الْأَسَاسِ، عَايَنُوهُ آخِذًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَأَنَّ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسَاسِ، فَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ، وللَّه الْحَمْدُ، وَأَلْصَقُوا دَاخِلَهَا بِالْأَرْضِ، لَمْ يَرْفَعُوا دَاخِلَهَا، وَعَمِلُوا لَهَا بَابًا آخَرَ فِي ظَهْرِهَا، ثُمَّ سَدَّهُ الْحَجَّاجُ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ لِلنَّاظِرِينَ، ثُمَّ قَصَّرَ تِلْكَ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَدَكَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ فِي أَرْضِ الْبَيْتِ، حَتَّى عَلَا كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا، زَادَهُ اللَّهُ تَعْظِيمًا [١] . وَغَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَغَلَبَ مُعَاوِيَةُ الْكِلَابِيُّ عَلَى السِّنْدِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَلَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَعَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ وَقْعَةِ عَيْنِ الْوَرْدَةِ مَرِضَ بِأَرْضِ الْجِزِيرَةِ، فَاحْتُبِسَ بِهَا وَبِقِتَالِ أَهْلِهَا عَنِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ قَصَدَ الْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَامِلُ المختار كما يأتي.
  • legacy full passagepage 9909, entry [1991]387 chars
    سنة خمسٍ وستّين تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن مَنْصُورٌ الرّماديّ، وإبراهيم بْن الْحَارِث البغداديّ، وإبراهيم بْن هانئ النَّيْسابوريّ، وسَعْدان بْن نصر، وصالح بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد بْن أيّوب المُخَرّميّ، وعليّ بْن حرب الطائيّ، وأبو حَفْص النَّيسابوريّ الزّاهد عَمْرو بْن سَلْم، ومحمد بْن الحَسَن العسْكريّ من الأثني عشر، ومحمد بن هارون الفلّاس، وهارون بْن سُلَيْمَان الإصبهانيّ.
  • legacy full passagepage 12747, entry [3619]670 chars
    [حوادث] سنة خمس وستين وثلاثمائة فيها كتب ركن الدولة أبو علي بن بُويْه إلى ولده عَضُد الدولة أبي شجاع أنّه قد سنّ وأنّه يؤثر مشاهدته، فاجتمعا، فقسم ركن الدولة الممالك بين أولاده فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان [وأَرّجان] [١] ولمُؤيّد الدولة الرّيّ وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدّيَنَور، وجعل ولده أبا ا…
    ▸ expand full passage (670 chars)
    [حوادث] سنة خمس وستين وثلاثمائة فيها كتب ركن الدولة أبو علي بن بُويْه إلى ولده عَضُد الدولة أبي شجاع أنّه قد سنّ وأنّه يؤثر مشاهدته، فاجتمعا، فقسم ركن الدولة الممالك بين أولاده فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان [وأَرّجان] [١] ولمُؤيّد الدولة الرّيّ وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدّيَنَور، وجعل ولده أبا العبّاس في كنف [٢] عضُد الدولة [٣] . وفي رجب عُمل مجلس الحكم في دار السلطان عزّ الدولة، وجلس ابن معروف، لأنّ عزّ الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو [٤] . وفيها وفي التي تليها كانت الحرب [٥] تَسْتَعِر بين هفتكين وبين جوهر المعزّي بأعمال دمشق، وعدّة الوقائع بينهما اثنتا عشرة وقعة، منها وقعة الشاغور [٦] التي كاد يتلف فيها جوهر، ثم كان بينهما عدّة وقعات بعد ذلك [٧] .