legacy full passagepage 2137, entry [891]18,601 chars
[٨٠٤ - محمَّد جلبي (¬١)] المولى الفاضل المحقِّق، والحبر الكامل المدقِّق، حلَّال المشكلات الدينية، ومدفاع الشبهات اليقينية، جامع الفروع والأصول، حاوي المعقول والمنقول، صدر الأفاضل، بحر الفضائل، شريف الأصل، لطيف الشمائل، زبدة آل الرَّسول، صفوة أولاد البتول، افتخار آل ياسين، السيِّد محيي الدِّين محمَّد…
▸ expand full passage (18,601 chars)▾ collapse
[٨٠٤ - محمَّد جلبي (¬١)] المولى الفاضل المحقِّق، والحبر الكامل المدقِّق، حلَّال المشكلات الدينية، ومدفاع الشبهات اليقينية، جامع الفروع والأصول، حاوي المعقول والمنقول، صدر الأفاضل، بحر الفضائل، شريف الأصل، لطيف الشمائل، زبدة آل الرَّسول، صفوة أولاد البتول، افتخار آل ياسين، السيِّد محيي الدِّين محمَّد بن عبد القادر، والد صدرالموالي والأشراف، سالك مسالك الهدى وطريقة الأسلاف، جامع العلوم، والمبرَّز في المعقول والمفهوم، عارف الأنساب، واقف الأحساب، الفاضل الحسيب، والكامل النسيب، السيِّد محمَّد جلبي، النَّقِيب في الممالك العثمانية. كان ﵀ عالمًا فاضلًا نظارًا، فارسًا في البحث، إذا حضر في محل كان هو المشار إليه، والمعوَّل في المشكلات عليه، وكان يشق الشعر في دقائق الكلام، وله التوسع في التقرير والفصاحة في الجدل والخصام، وكان صاحب العقل الوسيع والإدراك السريع في المعقول والمفهوم، والقدرة على قهر الخصوم. له تعاليم جلية، وإفادات كلية، (وكان ينبه من طالع المرام إلى مقاطع الكلام) (¬١)، وهو الأستاذ على الإطلاق، والمتفق عليه، (المختلف إليه) (¬٢) بلا شقاق. أخذ العلوم عن فضلاء عصره، وعلماء دهره، منهم المولى حسام جلبي بن الطباخ، والمولى الفاضل البارع محيي الدِّين جلبي الفَنَاري، والمولى الفاضل العلامة شمس الدِّين أحمد بن كمال باشا، والمولى الفاضل نور الدِّين القَرَاصُوِي الشهير بصَارِي كِرَز، وبلغ عنده رتبة الفضل والكمال، وفاق على الأفاضل والأمثال، واشتهر بين أعيان الطلبة. فأخذه المولى خير الدِّين معلم السُّلطان سليمان خان الغازي، وهو أول من أخذه من أعيان طلبته الموالي، ثم أخذ المولى مرحبا جلبي الصُّوفْيَوِي والمولى محيي الدِّين محمَّد الكَفَوي وغيرهم، ثم أقرأهم درسًا واحدًا، فشرفهم بشرف ملازمة جلوس سرير السَّلطنة للسُّلطان سليمان خان، وهم كانوا عشرة كاملة.ثم إنَّ المولى خير الدِّين أخذ في الكرة الثانية المولى الفاضل صدر الموالي سنان جلبي، وكان معيد المولى شيخ الإسلام علي الجمالي، والمولى الفاضل بوستان جلبي، وأقرأهم أيضًا وشرفهم بشرف الملازمة، ثم رباهم أحسن تربية عند السُّلطان، فأعطاه السُّلطان مدرسة قاسم باشا، وكانت مشهورة بمدرسة أمير سلطان، وأعطى المولى مرحبا مدرسة جُنْدِبَك، وعين لهما كل يوم خمسة وعشرين درهمًا، وهما كائنان بمدينة بروسا، ثم صار مدرِّسًا بالمدرسة الأفضلية بقسطنطينية، ثم بمدرسة الوزير محمود باشا، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بمصر. وكان في قضائه مرضيَّ السِّيرة، محمود الطريقة، سلك فيها مسلك الأسلاف، وفي أحوال القضاء كان يهتم ويشاور الأشراف، [وكان سيفًا قاطعًا، لكن صرعته لم توجد في الأسياف، وقام بفصل الخصومات بالإنصاف، وتحلَّى بمحامد الأوصاف، وقطع عروق المخايف الواقعة في الأكتاف والأطراف، من مدّ يد الأخلاف والأجلاف. فاشتهر بشهرة عرفها سكان الأخبية وأقطار الأبنية، ووقف عليها أرباب الوبر وأصحاب المدر، وتحدثت بها الرُّكبان في الفلوات، والنُّسوان في الخلوات، والرُّعاة في أكناف الرِّياض، والسقاة على أطراف الحياض] (¬١)، جزاه الله خيرًا عن مساعيه المشكورة وأياديه المذكورة. وكان والي القاهرة في هذا الزَّمان الوزير الجائر سليمان باشا، يقال: إنه كان ممن يذر الآخرة، ويلقيها ويحبُّ العاجلة ويبتغيها، وكان يظلم الرَّعية ويؤذيها، ويصادر أموال النّاس ويفنيها، وإذا تولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها، وكانا في كلِّأسبوع يجتمعان في يومين في الدِّيوان، وكان المولى المزبور قوَّالًا بالحقِّ متصلِّبًا في الدِّين، ويصدع بالحقِّ ويفصل، ولا يخاف سطوة الجبارين، وكان لا (¬١) يلاين ولا يداري ولا يداهن ولا يجاري. فتغيَّر الوزير المزبور على المولى المذكور في بعض الأمور، ثم لم يلبث زمانًا إلا وقد كان الوزير الأعظم وصاحب السُّلطان المعظَّم تقدم بدار السَّلطنة ونقمه، ووشى به إلى السُّلطان المعظم وأرغمه، فعزل عن قضاء مصر بوشيه، ونسبة كذبه عند السُّلطان. ثم قدم المولى المزبور بمدينه قسطنطينية، ووقف السُّلطان على جلالته وصلابته وصداقته وفضيلته، فأعطاه قضاء مدينة أَدْرَنة، وكان المولى الفاضل مرحبا جلبي المذكور آنفًا قاضيًا بمدينة أَدْرَنة، فمات في تلك الأوان، فلم يقبل القضاء المذكور مولانا الأستاذ، فاستعفى، فعفاه السُّلطان، وأعطاه إحدى المدارس الثَّمان، فلم يلبث هناك إلا وقد عزل الوزير سليمان باشا عن الوزارة. وما أحسن ما قال الحريري في المقامة الحادية والعشرين: دعِ الإدلالَ بدولتك، والاغترار بصولتك، فإن الدولة ريح قلب، والقدرة برق خلب، وإن أسعد رعاة من سعدت به رعيته، وأشقاهم في الدارين من ساءت رعايته، فوالله يا إنسان ما يغفل الديان، ولا يهمل الإساءة والإحسان، بل سيوضع لك الميزان، وكما تدين تدان. فأمر بتفتيش ما صدر عنه من التعدي والجنايات والمظالم والمصادرات على النّاس بأموالهم وغير ذلك مما وقعت منه بمصر وعدن، فعين السُّلطان سليمانلتفتيشه بمصر المولى الأستاذ، ولتفتيشه بعدن المولى الفاضل صالح بن القاضي جلال أخا مصطفى باشا التوقيعي، فقبله الأستاذ امتثالًا للأمر، فراح إلى مصر قاضيًا بها، ثم بعد ما تم التفتيش استعفى عن قضاء مصر، فعفي. ثم بعد ما جاء إلى قسطنطينية صار قاضيًا بالعسكر بولاية آناطولي، فلم يمكث فيها برهة إلا وقد عثرت دابته في طريق الديوان، وسقط عنها، فتورم رجلاه، فعطلت حتى كان لا يقدر على القيام [إلا] بالمعاونة والاعتماد، فمضى على ذلك زمانًا. وكان يضطجع في فراشه، ويدخل طلاب المناصب وأرباب المطالب إليه في حالته كذا وهو يستمع الدعاوى، ويوجه المناصب إلى أهلها، ويعرض بالتذكرة على السُّلطان. وكان يقرأ تذكرته على السُّلطان سليمان خان المولى جوي زاده وكان قاضيًا بالعسكر بولاية روم إيلي، ثم بعد مضي ستة أشهر تجهز السُّلطان لأن يسافر إلى مملكة قِزِلْبَاشْ (¬١) الأوباش، فنبه أن (يتهيأ لسفر تياك) (¬٢) المملكة، وكان لا يستطيع النهوض والحركة، فاستعفى وعفي عنه، وعين له كل يوم مئة وخمسين درهمًا، وعين لطلبته كل يوم عشرين درهمًا. وكان له أربعة أبناء أمجاد، أصحاب السداد، وذوي الرشاد، وعيَّن لهم كل يوم مئة درهم، لواحد ثلاثون، ولاثنين خمسون، ولصغيرهم عشرون، وألحق من عبيدهم ثلاثة إلى زمرة خدَّام السَّلطنة الخاقانية، ورعى بهاتيك العنايات السُّلطانية. [ثم اشتغل بالدرس والإفادة والتعليم والتعليق والإحاطة والإجادة، وعيندروسًا من "الهداية" و"التلويح" والتفسير، وكان الفقير من أصحاب درس "الهداية"، ونقرر "ابن الهمام" عليها، وكان المولى الفاضل المرحوم المتوفى قاضيًا بمصر مسمومًا بدر المِلَّة والدِّين محمود السَّرابي من شركاء درسنا، وكان من تلامذته المولى الفاضل فائق الزمان فارس الميدان زكريا القاضي بمدينة بروسا الآن يحضر درسنا، وكان داخلًا في سلك الملازمين في هذا الأوان. ويحضر درسنا أيضًا أكبر أولاده المولى الفائق الشاب الحاذق مصطفى جلبي المرحوم، كان نظَّارًا كاملًا، دقيق النظر، عديم النظير، كثير العلم، واسع التقرير، كامل التحرير، وكان في عنوان شبابه غلب بالعلم على شيوخ عصره، وفاق في الورع والتُّقى ريَّان عمره شبان عصره، لم يتدنس لعرضه رُدْن ولا جيب، ولا حام حول وقاره شين ولا عيب، ساخ في العلوم ورسخ، وحفظ من الفنون عدة نسخ. مات شابًا مدرِّسا بالمدرسة الحجرية ببروسا، في سنة سبع وخمسين وتسعمئة، ولعمري لو عمر لفاق أهل الزَّمان، ولصار وجوده بركة للأكوان، صار موته من نوائب الدَّهر ومصائب الأقران، وتضعضعت به الأركان والكون والمكان، وقد ألمَّ بهم الألم والهم، كما قيل: موت العالِم موت العالَم. ثم كان يحضر درسنا، ونقرأ "تفسير القاضي" البيضاوي، ثم كنا نقرأ من "كتاب الهداية" مع "ابن الهمام" أيضًا أصلحُ الله أولاده الذي يزهى به في حياته، ويحيى به ذكره بعد مماته، وهو المولى الفاضل النَّجيب الأريب، والعالم الكامل النَّقِيب الأديب، محرز الفضائل التي تسمو به إلى المحل الأرفع، ومدخر الفواضل التي توطنه ذروة المجد الأبلغ (¬١)، السيِّد محيي الدِّين محمَّد جلبي، كان نقيب الأشراف بعد ما تقاعد عن قضاء العسكر بأناطولي.وكان يحضر دروسنا أيضًا ختنه وتلميذه المولى الفاضل المحقِّق، والحبر الكامل المدقِّق، صدر الأفاضل، بحر الفواضل، محيي المِلَّة والدِّين، محمَّد جلبي بن شيخ محمَّد جوي زاده، القاضي بالعسكر المنصور بولاية روم إيلي، وكان في هذا الزمان يقرأ على المولى الأستاذ "شرح المفتاح" للسيِّد الشَّريف. وقد وصلت إلى خدمة المولى الأستاذ من خدمة المولى الفاضل عبد الرَّحمن جلبي، وكان وقتئذ قاضيًا بحلب سنة أربع وخمسين وتسعمئة، وكان المولى الأستاذ قاضيًا بالعسكر، ثم تقاعد فقرأت عليه نبذًا من "كتاب الهداية"، مع تتبع حواشيها، ونقل "ابن الهمام" عليها، ثم قرأت من "كتاب التلويح" مع تتبع كتب الأصول، ونقل حواشيه دروسًا غير كثيرة في يوميات يسيرة، ثم من "تفسير القاضي البيضاوي" من سورة الأنعام مدة، ثم من سورة البقرة، ثم قرأت عليه أيضًا من "الهداية". ثم في سنة تسع وخمسين وتسعمئة دخلت في سلك الملازمين، وفي أثناء هاتيك الدروس كنت سمعت منه "حاشية المطالع" للسيِّد الشَّريف، وقد كان يقرأها عليه ولده الأعز الأمجد، المرحوم المغفور، شيخ محمَّد، وكان قبل الدرس يشاورني ويعرض عليّ ما يشتبه عليه في درسه، وكان ذلك بتنبيه أبيه المولى الأستاذ، ثم نحضر الدَّرس ونقرأ عليه. مات هو شابًا في طلب العلم، ولو عمر لكان له شأن كبير في العلم، وله أخ يسمَّى علي جلبي، وكان يقرأ عليَّ "شرح الشمسية" في هذا الأوان، ومات هو أيضًا شابًا، نوَّر الله مرقدهما. ثم في أثناء الملازمة لم يقطع درس "حاشية المطالع"، فلازمته برهة من الزَّمان، ثم صرت مدرِّسًا بمدرسة مولانا علي الكُوْرَاني بمدينة قسطنطينية، ولم أزل في خدمته الشريفة وملازمته المنيفة.وكان ﵀ طَلْقَ الوجه، لطيف المجالسة، دائم البشر، مليح المحاولة، صعب البداهة، طيب النادرة، له وفور فضل، وجودة قريحة، وحدة ذكاء، وغزارة علم، ونهاية فطنة] (¬١)، وكان ذا ثروة عظيمة ومكارم جسيمة، (وكان متورِّعًا (¬٢)، محتاطًا لنفسه في مطعمه ومشربه وملبسه) (¬٣). وكان ذا شيبة عظيمة، تتلألأ أنوار الصلاح والسعادة من محاسنه، (وبر مكارمه، وذا سمة نهيمة تتراءى أزهار الشرف والسعادة من جبينه، وغر (¬٤) مباسمه) (¬٥)، ذو جد (¬٦) سعيد وجهد (¬٧) جهيد، وفضل مزيد، وعيش رغيد، ورأي رشيد، وبحث شديد، كلامه مفيد، وبيانه در نضيد: خصَّه الله بالفضائل طُرًّا … فهو في عصْرِه فريد وحيد طارَ في الأفق صيته وثناه … فمضاهيه في الأنام فقيد بمعاليه فاقَ كلَّ البرايا … وبأخلاقه القلوب يصيد حسنُ الخلق طاهر العِرق شهم … رأيُه في الخُطوب رأيٌ رشيد وله وجه مسفر، وخد مستبشر، وكثيرًا ما كان يصنع الأطعمة النفيسة في أيام العطلة ولياليها، ويدعو بعضًا من الأفاضل، ويجلس في بيته معهم، ومع أبناء الأمجاد،وبعض تلامذته الأفراد، وكنا نحضر بخدمتهم أحيانًا، ثم أنالنا الله تعالى ما نهوى وأولانا، فكنت في ذلك المجلس نحضر دائمًا ونصطحب ونجلس. فيا حسن ذيَّاك الزَّمان، ويا حبَّذا هاتيك المجالس، انخرطت فيه في سلك من فاز من سهامه بالمعلَّى، ودخلت في غمار من حاز قَصَب السَّبْق فيه وجلَّى، مقتبسًا أنوار علوم مولانا، مستتبعًا فوائده آنًا فآنًا، وقد استنار من شمس الآفاق بدره، وتحلى (¬١) بمكارم الأخلاق صدره. وكان من عادته الشريفة أن يحرض مَنْ في مجلسه على المباحثة، وكان لا يسامح أحدًا إذا أخطأ في البحث أو غلط في المكالمة والمحادثة، ويقول لأصحابه وتلامذته: لو سامحتكم لتسامح أكثركم في بحثكم ومكالمتكم، فربما يظهر منكم الخطأ في التقرير ويكثر (¬٢) الخلل في التحرير. [وكان متشرعًا متدرعًا جلباب الجلالة، متعففًا متلففًا بثوب البهاء والمهابة، متصلِّبًا في الدِّين، يضرب به المثل في الصدق والصلابة، ولقد تكمَّل بمكارم الأخلاق، وثناؤه مذكور في بطون الأوراق، واسمه مشهور في ظهور الآفاق، عاش معزَّزًا محترمًا بين الخاص والعام] (¬٣). وكان مرضيًا للأكابر الفخام، والسَّلاطين العظام، راجع إليه السُّلطان سليمان الغازي فيما صدر بين الوزير رستم باشا وبين حيدر باشا من النزاع والخصام، فخط مكتوبًا إليه بالعزِّ، والإكرام، فسئل سرًّا عن الواقعة بينهما، فتتبع فكتب المولى الأستاذ بما عنده من الحق الحقيق بعد أن تتبع، وقال: الحق في جانب حيدر باشا، وصاحب الملك يعطي من يشاء.ثم بعدما وصل جواب المولى الأستاذ إلى السُّلطان أكنَّه، فشاور يوم العرض القاضيين للعسكرين المولى بوستان جلبي والمولى سنان جلبي، فوجد جوابهما موافقًا للجواب الذي كان مكنونًا عنده، فأمرهما أن يكتبا التوقيع إليه؛ ليستمع هذه القضية ويفصل بالحق بينهما. فحين وقف الوزير المزبور على هذه الواقعة تكدَّر على المولى الأستاذ وعلى القاضيين للعسكرين، وشاور فيهما المولى العلامة أبا السعود المفتي، وكان هو في جانب الوزير المزبور، فأوصاه أن يشاركه في استماع هذه الدعوى قاضي مدينة قسطنطينية. وكان قاضيها في هذا الزمان المولى الفاضل محمَّد بن عبد الأول التِّبْرِيْزي الشهير بالمولى أمير كيسو (¬١)، وكان عالمًا فاضلًا عارفًا بالعلوم العقلية والشرعية، وجامعًا بالفنون الأصلية والفرعية، وكانت له معرفة بصناعة الإنشاء، وله منشآت في العربية والفارسية والتركية، وكان أكثر اهتمامه بالمحسِّنات اللفظية، فعرفت فضله في العلوم ورسوخه في الإنشاء من نظري في رسالته التي أنشأها لتزييف حجة الموالي ابن السَّامسوني، المتوفى قاضيًا بمدينة قسطنطينية، فلا علينا أن نذكر بعضًا من رسالته المذكورة، (وهذه الأبيات ذكرها منها) (¬٢): جونكه شدي ناظم أهل جهان … باش تو ناظر بهنر هر زمان مرتبة دابر قدر فضل نه … تاكه شود كه زهنرمه زمه ورنه شود كوردل اهل هنر … كي بهنر ميل كندا ودكروبودقيقة حقيقة الحالدركه ما دامكه اهلك خاطري رعايت اولنه اهليتي زياده اولور زيرا جراغ مادامكه رعايت اولونه زياده فروغ وضيادة اولور وبونكته تحتنه المقلدركه شعر جاهي جاهله ويرمك ايله جهان رونق بولمز، وناف بل خدمته قبول اولمغه قابليتي محقق اولمز: راه رونق أكرتو خواهي بازهركسي رابقدراوبنواز … قابلًا نرانوتر بيت ميكن تاكل معرفت شود كلبن … كردهي خاررا توآب حياته وركني تربيت بآب نبات … عاقبت شاخ خار خار شود همدم تيشه بارنار شود بس عادت أصحاب سعادت اوزه قابللري ترتيب ايله تربيت ايتمك كرك. وسنت ارباب سيادت أوزرينه فاضللري ترغيب ايله تقويت ايتمك كرك. تاهر فردك اول فرائد فوائدكه كان ذاتنده كاين وكامن در. بارز وظاهر اوله وهر شخصك اول عقائق حقائق كه معدن وجودنده موجود ومتحقق در صادر وزاهر اولا بربهندن أعطى الكل إلى الكل مقتضا سنجه هر ذاتده هر وصفك تحققي حقه مراد اولمش دكل وهر شخص هرشي ايجون حقا مراد اولمش دكل: حق بيك كس جمله را لائق نديد … هر كسي را بهر كاري آفريد وكل ميسر لما خلق له موداسنجه هر كشي … هراشي اسليه مز وسهى سهيل اليشني اشليه مز: زهر كس كار هر كس مي نيابد … عمل را علم ودين را فهم يابد وعلى هذا المنوال إلى آخر المقال.كان أبوه قاضي الحنفيَّة بتبريز، وقد رأى المولى جلال الدِّين الدواني وهو صغير، وقد أتى في حياة والده إلى الروم، وكان بين والده وبين المولى الفاضل عبد الرَّحمن بن المؤيد سابقة، فعرضه على السُّلطان بايزيد خان (¬١)، وأعطاه مدرسة، ثم اختار منصب القضاء، وصار قاضيًا بعده من بلاد الروم، ثم أعطاه السُّلطان سليمان خان مدرسة الوزير مصطفى باشا بكَيُوبْزَه (¬٢)، وقد كان خلفًا للمولى العلامة أبي السعود، ثم صار بسلطانية مَغْنِيسَا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بحلب، ثم بدمشق، ثم بقسطنطينة. وكان في هذه الواقعة قاضيًا، فورد الأمر إليهما لأن يستمعا معًا، فاجتمعا امتثالًا لهذا الأمر في جامع السُّلطان محمَّد خان، وكنا مع الخدام وسائر حواشيه نقوم تجاه المجلس، ونضطرب لما ظننا أنّ مرمى غرضهم أن يقع الاختلاف بينهما في الحكم، فيراجع إلى المفتي، فأفتى على طبق المرام، والجامع غاص بالعوام والخواص، إذ قال المولى الأستاذ على رؤوس الملأ والأشهاد: يا مولانا ما رأيك أحسن إلينا، جئت في هذه المسألة بوفاقنا أو بخلافنا، فقال: جئت بوفاق، فترى شيخ الإسلام، قال المولى الأستاذ (¬٣): نحن على خلافها في هذا المقام، ثم قال السُّلطان: إذا قلد رجلين لاستماع قضية وحكم فيها، فاختلف رأيهما، فقضى أحدهما لا يجوز على الأصح، وقال: قوموا أيها المسلمون، والسَّلام عليكم. وقام وراح إلى داره، وتبعناه فرحين مسرورين مستبشرين، فعرض الواقعة على السُّلطان، فأمر أن يكتبا رأيهما مع الدلائل والأسانيد مع رواياتها ودرايتها، فكتباوأرسلا إلى الآراء العالية، ثم أرسل السُّلطان رسالة كل منهما إلى الآخر، وطلب منهما الجواب والبيان، فكتب المولى الأستاذ أجوبة صحيحة، كل منها موجودة (¬١) في الكتب المعتبرة من الفتاوى والواقعات مقرونة إلى: وبه يفتى، وعليه الفتوى، وهو المختار، وهو الأصح، وأرسلها إلى الجناب العالي. وكتب الأمير كيسو أيضًا رسالة، وختمها برباعية فارسية، ضمن في آخرها: ع هر عيب كه سلطان ببندر هنر است، فثقل كلامه على السُّلطان، فقد أركب السُّلطان بموكبه إلى الجامع، فاتفق أن يشكي جماعة كثيرة من (¬٢) مد أيادي القاضيين للعسكرين المذكورين آنفًا، وكان ذلك برخصة الوزير المزبور، فتحدث معه إلى الجامع، وشاور في أمرهما، فحصلت له فرجة (¬٣)، فعرض مكانهما المولى الفاضل عبد الرَّحمن جلبي القاضي بمدينة أَدْرَنة، والمولى الفاضل جعفر جلبي القاضي بدمشق فعزلهما، وعزل أيضًا الأمير كيسو عن قضاء قسطنطينية، وذلك خلاف مراد الوزير. يروى أنّ السُّلطان سليمان خان قال عقيب الأمر بعزل القاضي المزبور: ع هر عيب السُّلطان ببندد هنر است، فأمر بتفتيشه وتفتيش القاضيين للعسكرين، وعين لتفتيشهم سفهاء زمن المدرسين وسفلتهم، وكان الوزير قصد الازدراء بهما وكسر عرضهما، [تفتش الأول المولى شمس الدِّين المشهور بينهم بالقاف المدرِّس بإحدى المدارس الثمان، وتفتش الثاني المولى الشهير بما وتلوز، فألحقهما السُّلطان الأمير كيسو، وعين لتفتيشه المولى علاء الدِّين، المشهور بعلي المجنون المناوي، فظهرتمنهم أثناء التفتيش أقوال وأفعال كانت أفكوهة (¬١) للناظرين، وأعجوبة للسامعين، وقد شاهدنا أكثرها يورث الملال ذكرها] (¬٢). ثم أمر المولى الأستاذ باستماع هذا الأمر وحكمه وفصله بين المتخاصمين المزبورين (¬٣) بموجب رأيه وعلمه على حسب الروايات، وموجب الدرايات التي وجدها في الأصل والمباسيط والفتاوى والواقعات وبعد اللَّتَيَّا والَّتي توجَّه الحق إلى جانب حيدر باشا قضى (¬٤) له، وسوَّد الحجة، وكتب الرق، وأظهر المحجة، وبيَّض وجه الحق. وكان يفتي شيخ الإسلام أبو السعود المفتي على خلافه ويقول: قد أخطأ في هذه المسألة ذاك الشيخ، وكان هو يقول: أحلف بالله أنّ المولى أبا السعود يعرف هذه المسألة كما أعرف، ولكني (¬٥) أقول: إنه أخطأ فيها في الأول بحكم البشرية، فلم يرجع، ولا أقول: إنه جهل أو مال، فاشمأز الوزير من المولى الأستاذ، وتكدر عليه شيخ الإسلام، فاشتدت عداوتهما. ثم حدثت بينه وبين المولى عبد الرَّحمن القاضي بالعسكر المنصور بروم إيلي منافرة، بسب تحدث الوشاة، ووشاية المشاة، فكان حربًا عليه، فلحق بهما في النقمة إليه، فحدثت بين المولى الأستاذ وبين هؤلاء الأضداد مخاصمة دائمة لا تنقطع، ومعاداة قائمة لا تندفع، وحواشي هؤلاء مع كونهم من زمرةالعلماء كانوا يجتمعون حولهم ويستمعون قولهم، فيرمونه بالقبائح، (ويشهدون عليه بالفضائح) (¬١). والحال أنّ اعتقادهم على خلاف مقالتهم، فقالوا بتقبيح ما صنعه، وتفضيح ما جمعه من تحرير الدَّعوى، (وتسطير الحكم) (¬٢)، وغير ما يتعلق بالتقرير والرَّقم في المحضر والصكِّ، (فاتهموا بالأكِّ والحكِّ) (¬٣). ثم عرض المولى عبد الرَّحمن المزبور برأي شيخ الإسلام المفتي والوزير المذكور على السُّلطان سليمان خان المغفور تجاوز عنهم وزاد حسناتهم الملك الغفور قال: إنَّ العلماء زاد الله فضائلهم وأبقاهم إلى يوم النشور قالوا: صك المولى الأمير محمَّد مدخول ورأيه معلول وحكمه غير مقبول، ولو صدر الأمر العالي باستئناف ذلك الأمر الماضي لكان أسوة للمجتهدين ونصرة لعلماء الدِّين. فمال إلى كلامه السُّلطان سليمان (غفر له الإله، فنسي ما قدَّمت يداه) (¬٤)، فإنَّ كلمات المولى المرقوم نفاذة، (وبأدائها نزاكة ولذاذة) (¬٥)، تميل إليها القلوب ويحكم بسماعها الغضوب، فصدر الأمر على طبق المرام، فورد المرسوم إلى شيخ الإسلام، فكان كيت وكيت.فأرسل الوزير المزبور حجة المولى (¬١) الأستاذ التي (¬٢) أعطاها للوزير حيدر باشا بيد وكيله إلى كلِّ واحد من الموالي؛ لأن يكتبوا عليها خطًّا على فسادها، وألجأ كلًّا منهم فرادى، والحجة أن يمضي بخطه على تلك الحجة، (فاضطر بعضهم فأمضى) (¬٣)، وبعضهم قال ما قال، واتَّبع الهوى: وصحت آيه وصحت علامة … أنّه قد دنا قيام القيامة ذهبت عصمة الشيوخ وضاعت … حرمة الفضل واعتبار العمامة فكان النّاس في الإمضاء أصناف، وأكثرهم أخياف، منهم من اعتنف وتعسف، ومنهم من خطف وتزخرف، ومنهم من ساف وتصلف، ومنهم من خاف وتخوف، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام المفتي أبو السعود في نظم هذه الأبيات: نفسي عوت وتجرَّدت عن زيها … وغدت تزيد سفاهة في غيِّها ولربما زبر الأنامل أسطرا … من غير أن ترضى بما في طيِّها قد كلَّ ألسنة الورى عن ذكره … فبأيِّها أشكو إليك بأيِّها ثم غادراه، فنقص من وظيفته ثلاثون درهمًا، وقررها على مئة وعشرين درهمًا، فلم يقبل، ولم يأخذ قط، ثم لم يمكث على هذا حتى عزل الوزير رستم باشا عن الوزارة، فندم على ما فعله، فلا ينفع (¬٤) الندم (إذا زلَّ القدم) (¬٥):بس تجربه كرديم درين دير مكافات … با ال على هر كه در افتاد برا افتاد فمكث الوزير المذكور (¬١) في عزله ثلاث سنين، واستحل منه، فقبل معذرته، وكان عليه على طيب خاطر، ثم بعدما جلس الوزير المزبور (صدر الوزارة أيضًا) (¬٢) عرض على السُّلطان، فأعطى وظيفته بلا نقصان، وحوسب من يوم نقص إلى ذلك الزمان (¬٣)، فبلغ إلى مئة ألف وثمانين ألف درهمًا، وأرسل إليه بالعذر الموفور عن الغدر (¬٤) المزبور. ثم عاش المولى الأستاذ بعد ذلك معزَّزًا محترمًا إلى أن استأثر الله تعالى بروحه في سنة ثلاث وستين وتسعمئة، ودفن عند دار القرَّاء التي بناها في الموضع المعروف من داخل مدينة قسطنطينية، وله عندها حجرات بناها للملازمين والطلبة الموالي المتقاعدين، وعيَّن كلَّ يوم لكلِّ حجرة منها درهمًا واحدًا، وله عندها دار التعليم، وله دار التعليم أيضًا في ناحية قُومْلَه، وهي موضع معروف يجلب منها (¬٥) العنب إلى مدينة قسطنطينية، وإلى الله المشتكى من دهر، همة تفريق الأحبة، ودأبه تبديد نظام الأمور. * * *