ابن منظور - مختصر تاريخ دمشق
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 10511, entry [7067]3,061 chars
شيخ حد في الشراب قال عمر بن عبد العزيز: لأجلدن في الشراب كما فعل جدي عمر بن الخطاب ﵄. ثم أمر صاحب عسسه وضم إليه صاحب خبره، وقال لهما: من وجدتماه سكرانفأتياني به. فطافا ليلتهما حتى انتهيا إلى بعض الأسواق، فإذا هما بشيخ حسن الشيبة، بهي المنظر، عليه ثياب حسنة، متلوث في أثوابه سكران وهو يتغنى: من الطويل…
▸ expand full passage (3,061 chars)شيخ حد في الشراب قال عمر بن عبد العزيز: لأجلدن في الشراب كما فعل جدي عمر بن الخطاب ﵄. ثم أمر صاحب عسسه وضم إليه صاحب خبره، وقال لهما: من وجدتماه سكرانفأتياني به. فطافا ليلتهما حتى انتهيا إلى بعض الأسواق، فإذا هما بشيخ حسن الشيبة، بهي المنظر، عليه ثياب حسنة، متلوث في أثوابه سكران وهو يتغنى: من الطويل سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنت فحركاه بأرجلهما وقالا له: يا شيخ، ما تستحي بهذه الشيبة الحسنة من مثل هذه الحال؟ فقال: ارفقا بي، فإن لي إخواناً أحداث الأسنان شربت عندهم ليلتي هذه، فلما عمل الشراب في أخرجوني، فإن رأيتما أن تعفوا عني فافعلا فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف يا شيخ ولا تعد. فقال: نعم، وأنا تائب، فلما كان في الليلة الثانية وجدا الشيخ على حاله وهو يتغنى: مجزوء الخفيف إنما هيج البلا ... حين عض السفرجلا فرماني وقال لي ... كن بعيني مبتلى ولقد قام لحظه ... لي على القلب بالقلى فحركاه بأرجلهما وقالا له: يا شيخ، أين التوبة منك؟ فقال: ارفقا بي واعلما أن إخواني الذين ذكرتهم لكما البارحة حلفوا لي في يومهم هذا أنه متى عمل الشراب لا يخرجوني، فعمل فيهم وفي فخرجت وهم لا يعلمون، فإن رأيتما أن تزيدا في العفو فافعلا. فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف. فلما طافا في الليلة الثالثة وجداه على حاله يتغنى: من الخفيف ارض عني فطالما قد سخطتا ... أنت ما زلت جافياً مذ عرفتا أنت ما زلت جافياً لا وصولاً ... بل بهذا فدتك نفسي ألفتا ما كذا يفعل الكرام بنو النا ... س بأحبابهم فلم كنت أنتا فحركاه بأرجلهما وقالا: هذه الثالثة ولا عفو. قال: أخطأتما، فإني رويت بسندي إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه. فإن شربها الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب اللهعليه فإن شربها الثالثة لم تقبل صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه فإن شربها الرابعة لم تقبل صلاته أربعين ليلة، ثم تاب لم يتب الله عليه، وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار في النار. قال: فعفو من الثالثة واجب، ومن الرابعة غير واجب. فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف. فلما كان في الليلة الرابعة وجداه على حاله يتغنى: من البسيط قد كنت أبكي وما حنت لهم لإبل ... فما أقول إذا ما حمل الثقل كأنني بك نضو لا حراك به ... تدعى وأنت عن الداعين في شغل فقلبوك بأيديهم هناك وقد ... سارت بأجمالك المهرية الذلل حتى إذا استيأسوا من أن تجيبهم ... غطوا عليك وقالوا قد قضى الرجل هذه الرابعة ولا عفو. قال: لست أسألكما عفواً بعدها، فافعلا ما بدا لكما، فحملاه فأوقفاه بحضرة عمر بن عبد العزيز، وقصا عليه قصته من أولها إلى آخرها، فأمر عمر ﵁ باستنكاهه فوجد منه رائحة، فحبسه حتى أفاق، فلما كان في الغد أقام عليه الحد، فجلده ثمانين جلدة. فلما فرغ قال له عمر: أنصف يا شيخ من نفسك ولا تعد. قال: يا أمير المؤمنين، قد ظلمتني لأنني عبد، وحددتني حد الأحرار. فاغتم عمر. فقال: أخطأت علينا وعلى نفسك، أفلا أخبرتنا أنك عبد فنحدك حد العبيد؟ فلما رأى اهتمام عمر به رد عليه وقال: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، ليكن لي بقية هذا الحد سلفاً عندك، لعلي أرفع إليك مرة أخرى. فضحك عمر حتى استلقى على مسنده، وكان قليل الضحك، وقال لصاحب عسسه وصاحب خبره: إذا رأيتما مثل هذا الشيخ في هيئته وعلمه وفهمه وأدبه فاحملا على أمره الشبهة، فإن رسول الله ﷺ قال: ادرؤوا الحدود بالشبهة.