legacy full passagepage 450, entry [546]1,460 chars
لطيفة الحدانية توفي أبوها وتركها صغيرة فكفلها عمها, وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال, فربيت في بيت عمها حتى بلغت وكان لعمها ولد شاب يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطف والعفة فكانت لطيفة تنظر إليه فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها. فمرضت وهي تكتم أمرها وكانت امرأة عمها …
▸ expand full passage (1,460 chars)▾ collapse
لطيفة الحدانية توفي أبوها وتركها صغيرة فكفلها عمها, وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال, فربيت في بيت عمها حتى بلغت وكان لعمها ولد شاب يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطف والعفة فكانت لطيفة تنظر إليه فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها. فمرضت وهي تكتم أمرها وكانت امرأة عمها فطنة مجربة للأمور, فامتحنتها فوجدتها تغيب عن حسها أحياناً فإذا دخل الغلام أفاقت والتمست تأكل, فأخبرت أباه فقال: يا لها نعمة. ثم زوجه بها فأوقع الله حبها في قلبه فأقاما على أحسن حال مدة وهو يأمرها أن تكون دائماً متزينة مطيبة ويقول لها: لا أحب أن أراك إلا كذا, فلم يزالا على ذلك فضعف الشاب فمات, فوجدت به وجداً شديداً, فكانت بأنواع زينتها كما كانت وتمضي, فتمكث على قبره باكية إلى الغروب. قال الأصمعي: مررت أنا وصاحب لي بالجبانة, فرأيتها على تلك الحالة فقلنا لها: علام ذا الحزن الطويل؟ فأنشأت: فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيانوإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني فعجبا منها ثم انحزنا فجلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشأت: يا صاحب القبر يا من كان يؤنسني ... وكان يكثر في الدنيا موالاتي قد زرت قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات لزمت ما كنت تهوى أن تراه وما ... قد كنت تألفه من كل هيآت فمن رآني رأى عبري مولهة ... مشهورة الزي تبكي بين أموات ثم انصرفت فتبعناها حتى عرفنا مكانها, فلما جئنا إلى الرشيد قال: حدثني بأعجب ما رأيته. فأخبرته بأمر لطيفة فكتب إلى عامله على البصرة أن يمهرها عشرة آلاف درهم, ففعل ووجه بها إليه, وقد أنهكها السقم, فتوفيت بالمدائن. قال الأصمعي: فلم يذكرها الرشيد مرة إلا ذرفت عيناه.