ابن سعد - الطبقات الكبرى - ط العلمية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1921, entry [2016]12,356 chars
١٤٤٨ - محمد بن عمر بن واقد ويكنى أبا عبد الله الواقدي مولى لبني سهم من أسلم. وكان قد تحول من المدينة فنزل بغداد وولي القضاء لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين بعسكر المهدى أربع سنين. وكان عالما بالمغازي والسيرة والفتوح وباختلاف الناس في الحديث والأحكام واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه. وقد فسر ذلك في كتب…
▸ expand full passage (12,356 chars)١٤٤٨ - محمد بن عمر بن واقد ويكنى أبا عبد الله الواقدي مولى لبني سهم من أسلم. وكان قد تحول من المدينة فنزل بغداد وولي القضاء لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين بعسكر المهدى أربع سنين. وكان عالما بالمغازي والسيرة والفتوح وباختلاف الناس في الحديث والأحكام واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه. وقد فسر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدث بها. وحدثني أحمد بن مسبح قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله قال: قال لي الواقدي: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد فورد المدينة فقال ليحيى بن خالد: أرتاد لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد. وكيف كان نزول جبريل ﵇. على النبي ﷺ ومن أي وجه كان يأتيه. وقبور الشهداء. فسأل يحيى بن خالد. فكل دلهعلي. فبعث إلي فأتيته وذلك بعد العصر فقال لي: يا شيخ إن أمير المؤمنين أعزه الله يريد أن تصلي عشاء الآخرة في المسجد وتمضي معنا إلى هذه المشاهد فتوقفنا عليها والموضع الذي يأتي جبريل ﵇. وكن بالقرب. فلما صليت عشاء الآخرة إذا أنا بالشموع قد خرجت وإذا أنا برجلين على حمارين. فقال يحيى: أين الرجل؟ فقلت: ها أنا ذا. فأتيت به إلى دور المسجد فقلت: هذا الموضع الذي كان جبريل يأتيه. فنزلا عن حماريهما فصليا ركعتين ودعوا الله ساعة ثم ركبا وأنا بين أيديهما. فلم أدع موضعا من المواضع ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما عليه. فجعلا يصليان ويجتهدان في الدعاء. فلم نزل كذلك حتى وافينا المسجد وقد طلع الفجر وأذن المؤذن. فلما صارا إلى القصر قال لي يحيى بن خالد: أيها الشيخ لا تبرح. فصليت الغداة في المسجد. وهو على الرحلة إلى مكة. فأذن لي يحيى بن خالد عليه بعد أن أصبحت. فأدنى مجلسي وقال لي: إن أمير المؤمنين أعزه الله لم يزل باكيا. وقد أعجبه ما دللته عليه. وقد أمر لك بعشرة آلاف درهم. فإذا بدرة مبدرة قد دفعت إلي. وقال لي: يا شيخ خذها مبارك لك فيها. ونحن على الرحلة اليوم. ولا عليك أن تلقانا حيث كنا واستقرت بنا الدار إن شاء الله. ورحل أمير المؤمنين وأتيت منزلي ومعي ذلك المال. فقضينا منه دينا كان علينا. وزوجت بعض الولد. واتسعنا. ثم إن الدهر أعضنا فقالت لي أم عبد الله: يا أبا عبد الله ما قعودك وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تصبر إليه حيث استقرت به الدار؟ فرحلت من المدينة وأنا أظن القوم بالعراق. فأتيت العراق فسألت عن خبر أمير المؤمنين فقالوا لي: هو بالرقة. فأردت الانصراف إلى المدينة فنظرت فإذا أنا بالمدينة مختل الحال. فحملت نفسي على أن أصير إلى الرقة. فصرت إلى موضع الكرى فإذا أنا بعده فتيان من الجند يريدون الرقة. فلما رأوني قالوا: أيها الشيخ أين تريد؟ فخبرتهم بخبري وأني أريد الرقة. فنظرنا في كرى الجمالين فإذا هي تضعف علينا. فقالوا: أيها الشيخ هل لك أن تصير إلى السفن فهو أرفق بنا وأيسر علينا من كرى الجمال؟ فقلت لهم: ما أعرف من هذا شيئا والأمر إليكم. فصرنا إلى السفن فاكترينا. فما رأيت أحدا كان أبر بي منهم ولا أشفق ولا أحوط. يتكلفون من خدمتي وطعامي ما يتكلفه الولد من والده. حتى صرنا إلى موضع الجواز بالرقة. وكان الجواز صعبا جدا. فكتبوا إلى قائدهم بعدادهم وأدخلوني في عدادهم. فمكثنا أياما ثم جاءنا الإذن بأسمائنا فجزت مع القوم فصرتإلى موضع في خان نزول. فأقمت معهم أياما وطلبت الإذن على يحيى بن خالد فصعب علي. فأتيت أبا البحتري وهو بي عارف. فلقيته فقال لي: يا أبا عبد الله أخطأت على نفسك وغررت ولكن لست أدع أن أذكرك له. وكنت أغدو إلى بابه وأروح فقلت نفقتي واستحييت من رفقائي وتخرقت ثيابي وأيست من ناحية أبي البختري فلم أخبر رفقائي بشيء. وعدت منصرفا إلى المدينة فمره أنا في سفينة. ومرة أمشي حتى وردت السيلحين. فبينا أنا مستريح في سوقها إذا أنا بقافلة من بغداد. فسألت من هم فأخبروني أنهم من أهل مدينة الرسول ﷺ وأن صاحبهم بكار الزبيري أخرجه أمير المؤمنين ليوليه قضاء المدينة. والزبيري أصدق الناس لي. فقلت أدعه حتى ينزل ويستقر ثم آتيه. فأتيته بعد أن استراح وفرغ من غذائه. فاستأذنت عليه فأذن لي. فدخلت فسلمت عليه فقال لي: يا أبا عبد الله ماذا صنعت في غيبتك؟ فأخبرته بخبري وبخبر أبي البختري. فقال لي: أما علمت أن أبا البختري لا يحب أن يذكرك لأحد ولا ينبه باسمك. فما الرأي؟ فقلت: الرأي أن أصير إلى المدينة. فقال: هذا رأي خطأ. خرجت من المدينة على ما قد علمت. ولكن الرأي أن تصير معي فأنا الذاكر ليحيى أمرك. فركبت مع القوم حتى صرت إلى الرقة. فلما عبرنا الجواز قال لي: تصير معي. فقلت: لا. أصير إلى أصحابي وأنا مبكر عليك غدا لنصير جميعا إلى باب يحيى بن خالد إن شاء الله. فدخلت على أصحابي فكأني وقعت عليهم من السماء. ثم قالوا لي: يا أبا عبد الله ما كان خبرك فقد كنا في غم من أمرك؟ فخبرتهم بخبري. فأشار على القوم بلزوم الزبيري وقالوا: هذا طعامك وشرابك لا تهتم له. فغدوت بالغداة إلى باب الزبيري فخبرت بأنه قد ركب إلى باب يحيى بن خالد. فأتيت باب يحيى بن خالد فقعدت مليا فإذا صاحبي قد خرج فقال لي: يا أبا عبد الله أنسيت أن أذاكره أمرك ولكن قف بالباب حتى أعود إليه. فدخل ثم خرج إلى الحاجب فقال لي: ادخل. فدخلت عليه في حالة خسيسة. وذلك في شهر رمضان وقد بقي من الشهر ثلاثة أيام أو أربعة. فلما رآني يحيى بن خالد في تلك الحال رأيت أثر الغم في وجهه. وسلم علي وقرب مجلسي. وعنده قوم يحادثونه. فجعل يذاكرني الحديث بعد الحديث فانقطعت عن إجابته وجعلت أجيء بالشيء ليس بالموافق لما يسأل. وجعل القوم يجيبون بأحسن الجواب وأنا ساكت. فلما انقضى المجلس وخرج القوم خرجت فإذا خادم ليحيى بن خالد قد خرج فلقيني عند الستر فقال لي: إن الوزيريأمرك أن تفطر عنده العشية. فلما صرت إلى أصحابي خبرتهم بالقضية وقلت: أخاف أن يكون غلط بي. فقال لي بعضهم: هذه رغيفان وقطعة جبن وهذه دابتي تركب والغلام خلفك. فإن أذن لك الحاجب بالدخول دخلت ودفعت ما معك إلى الغلام. وإن تكن الأخرى صرت إلى بعض المساجد فأكلت ما معك وشربت من ماء المسجد. فانصرفت فوصلت إلى باب يحيى بن خالد وقد صلى الناس المغرب. فلما رآني الحاجب قال: يا شيخ أبطأت وقد خرج الرسول في طلبك غير مرة. فدفعت ما كان معي إلى الغلام وأمرته بالمقام. فدخلت فإذا القوم قد توافوا. فسلمت وقعدت. وقدم الوضوء فتوضأنا وأنا أقرب القوم إليه. فأفطرنا وقربت عشاء الآخرة فصلى بنا ثم أخذنا مجالسنا. فجعل يحيى يسألني وأنا منقطع والقوم يجيبون بأشياء هي عندي على خلاف ما يجيبون. فلما ذهب الليل خرج القوم وخرجت خلف بعضهم فإذا غلام قد لحقني فقال: إن الوزير يأمرك أن تصير إليه قابلة قبل الوقت الذي جئت فيه يومك هذا. وناولني كيسا ما أدري ما فيه إلا أنه ملأني سرورا. فخرجت إلى الغلام فركبت ومعي الحاجب حتى صيرني إلى أصحابي. فدخلت عليهم فقلت: اطلبوا لي سراجا. ففضضت الكيس فإذا دنانير. فقالوا لي: ما كان رده عليك؟ فقلت: إن الغلام أمرني أن أوافيه قبل الوقت الذي كان في ليلتي هذه. وعددت الدنانير فإذا خمسمائة دينار. فقال لي بعضهم: على شراء دابتك. وقال آخر: على السرج واللجام وما يصلحه. وقال آخر: على حمامك وخضاب لحيتك وطيبك. وقال آخر: على شراء كسوتك فانظر في أي الزي القوم. فعددت مائة دينار فدفعتها إلى صاحب نفقتهم فحلف القوم بأجمعهم أنهم لا يرزؤوني دينارا ولا درهما. وغدوا بالغداة كل واحد على ما انتدب لي فيه. فما صليت الظهر إلا وأنا من أنبل الناس. وحملت باقي الكيس إلى الزبيري فلما رآني بتلك الحال سر سرورا شديدا. ثم أخبرته الخبر فقال لي: إني شاخص إلى المدينة. فقلت: نعم إني قد خلفت العيال على ما قد علمت. فدفعت إليه مائتي دينار يوصلها إلى العيال. ثم خرجت من عنده فأتيت أصحابي بجميع ما كان معي من الكيس. ثم صليت العصر فتهيأت بأحسن هيئة. ثم حضرت إلى باب يحيى بن خالد. فلما رآني الحاجب قام إلي فأذن لي فدخلت على يحيى فلما رآني في تلك الحال نظرت إلى السرور في وجهه. فجلست في مجلسي ثم ابتدأت في الحديث الذي كان يذاكرني به والجواب فيه. وكان الجواب على غير ماكان يجيب به القوم. فنظرت إلى القوم وتقطيبهم لي. وأقبل يحيى يسائلني عن حديث كذا وحديث كذا فأجيب فيما يسألني. والقوم سكوت ما يتكلم أحد منهم بشيء. فلما حضرت المغرب تقدم يحيى فصلى. ثم أحضر الطعام فتعشينا. ثم صلى بنا يحيى عشاء الآخرة وأخذنا مجالسنا. فلم نزل في مذاكرة. وجعل يحيى يسأل بعض القوم فينقطع. فلما كان وقت الانصراف انصرف القوم وانصرفت معهم فإذا الرسول قد لحقني فقال: إن الوزير يأمرك أن تصير إليه في كل يوم في الوقت الذي جئت فيه يومك هذا. وناولني كيسا. فانصرفت ومعي رسول الحاجب حتى صرت إلى أصحابي وأصبت سراجا عندهم فدفعت الكيس إلى القوم فكانوا به أشد سرورا مني. فلما كان الغد قلت لهم: أعدوا لي منزلا بالقرب منكم واشتروا لي جارية وغلاما خبازا وأثاثا ومتاعا. فلم أصل الظهر إلا وقد أعدوا لي ذلك. وسألتهم أن يكون إفطارهم عندي فأجابوا إلى ذلك بعد صعوبة شديدة. فلم أزل آتي يحيى بن خالد في كل ليلة في الوقت كلما رآني ازداد سرورا. فلم يزل يدفع إلي في كل ليلة خمسمائة دينار حتى كان ليلة العيد فقال لي: يا أبا عبد الله تزين غدا لأمير المؤمنين بأحسن زي من زي القضاة. واعترض له فإنه سيسألني عن خبرك فأخبره. فلما كان صبيحة يوم العيد خرجت في أحسن زي. وخرج الناس. وخرج أمير المؤمنين إلى المصلى. فجعل أمير المؤمنين يلحظني. فلم أزل في الموكب. فلما كان بعد انصرافه صرت إلى باب يحيى بن خالد ولحقنا يحيى بعد دخول أمير المؤمنين منزله فقال لي: يا أبا عبد الله ادخل بنا. فدخلت ودخل القوم فقال لي: يا أبا عبد الله ما زال أمير المؤمنين يسألني عنك فأخبرته بخبر حجتنا وأنك الرجل الذي سايرته تلك الليلة. وأمر لك بثلاثين ألف درهم. وأنا متنجزها لك غدا إن شاء الله. ثم انصرفت يومي ذلك فدخلت من الغد على يحيى بن خالد فقلت: أصلح الله الوزير. حاجة عرضت وقد قضيت على الوزير أعزه الله بقضائها. فقال لي: وما ذلك؟ فقلت: الإذن إلى منزلي. فقد اشتد الشوق إلى العيال والصبيان. فقال لي: لا تفعل. فلم أزل أنازله حتى أذن لي واستخرج لي الثلاثين الألف درهم. وهيئت لي حراقة بجميع ما فيها. وأمر أن يشتري لي من طرائف الشام لأحمله معي إلى المدينة. وأمر وكيله بالعراق أن يكتري لي إلى المدينة لا أكلف نفقة دينار ولا درهم. فصرت إلى أصحابي فأخبرتهم بالخبر وحلفت عليهم أن يأخذوا مني ما أصلهم به. فحلف القوم أنهم لا يرزؤوني دينارا ولادرهما. فو الله ما رأيت مثل أخلاقهم فكيف ألام على حبي ليحيى بن خالد؟ وحدثني أحمد بن مسبح قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله قال: كنت عند الواقدي جالسا إذ ذكر يحيى بن خالد بن برمك. قال فترحم عليه الواقدي فأكثر الترحم. قال فقلنا له: يا أبا عبد الله إنك لتكثر الترحم عليه. قال: وكيف لا أترحم على رجل أخبرك عن حاله؟ كان قد بقي على من شهر شعبان أقل من عشرة أيام وما في المنزل دقيق ولا سويق ولا عرض من عروض الدنيا. فميزت ثلاثة من إخواني في قلبي فقلت أنزل بهم حاجتي. فدخلت على أم عبد الله وهي زوجتي فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله وقد أصبحنا وليس في البيت عرض من عروض الدنيا من طعام أو سويق أو غير ذلك. وقد ورد هذا الشهر؟ فقلت لها: قد ميزت ثلاثة من إخواني أنزل بهم حاجتي. فقالت: مدنيون أو عراقيون؟ قال قلت: بعض مديني وبعض عراقي. فقالت: اعرضهم علي. فقلت لها: فلان. فقالت: رجل حسيب ذو يسار إلا أنه منان لا أرى لك أن تأتيه. فسم الآخر. فسميت الآخر فقلت: فلان. فقالت: رجل حسيب ذو مال إلا أنه بخيل لا أرى لك أن تأتيه. قال فقلت فلان. فقالت: رجل كريم حسيب لا شيء عنده ولا عليك أن تأتيه. قال فأتيته فاستفتحت عليه الباب فأذن لي عليه فدخلت. فرحب وقرب وقال لي: ما جاء بك أبا عبد الله؟ فأخبرته بورود الشهر وضيق الحال. قال ففكر ساعة ثم قال لي: ارفع ثني الوسادة فخذ ذلك الكيس فطهره واستنفقه. فإذا هي دراهم مكحلة. فأخذت الكيس وصرت إلى منزلي فدعوت رجلا كان يتولى شراء حوائجي فقلت: اكتب من الدقيق عشرة أقفزة. ومن الأرز قفيزا. ومن السكر كذا. حتى قص جميع حوائجه. فبينا نحن كذلك إذ سمعت دق الباب فقلت: انظروا من هذا. فقالت الجارية: هذا فلان بن فلان بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت: ائذني له. فقمت له عن مجلسي ورحبت به وقربت وقلت له: يا ابن رسول الله ما جاء بك؟ فقال لي: يا عم أخرجني ورود هذا الشهر وليس عندنا شيء. ففكرت ساعة ثم قلت له: ارفع ثني الوسادة فخذ الكيس بما فيه. فأخذ الكيس. ثم قلت لصاحبي: اخرج. فخرج. فدخلت أم عبد الله فقالت لي: ما صنعت في حاجة الفتى؟ فقلت لها: دفعت إليه الكيس بأسره. فقالت: وفقت وأحسنت. ثم فكرت في صديق لي بقرب المنزل فانتعلت وخرجت إليه فدققت الباب فأذن لي. فدخلت فسلم علي ورحب وقرب ثم قال لي: ما جاء بك أبا عبد الله؟ فخبرته بورودالشهر وضيق الحال. ففكر ساعة ثم قال لي: ارفع ثني الوسادة فخذ الكيس. فخذ نصفه وأعطنا نصفه. فإذا كيسي بعينه. فأخذت خمسمائة درهم ودفعت إليه خمسمائة وصرت إلى منزلي فدعوت الرجل الذي كان يلي شراء حوائجي فقلت له: اكتب خمسة أقفزة دقيق. فكتب لي جميع ما أردت من حوائجي. فبينا أنا كذلك إذا أنا بداق يدق الباب فقلت للخادم: انظري من هذا. فخرجت ثم رجعت إلي فقالت: خادم نبيل. فقلت لها: ائذني له. فنزل فإذا كتاب من يحيى بن خالد يسألني المصير إليه في وقته ذلك. فقلت للرجل: اخرج. ولبست ثيابي وركبت دابتي ثم مضيت مع الخادم فأتيت منزل يحيى بن خالد. ﵀. فدخلت عليه وهو جالس في صحن داره. فلما رآني وسلمت عليه رحب وقرب وقال: يا غلام مرفقة. فقعدت إلى جانبه فقال لي: أبا عبد الله تدري لم دعوتك؟ قلت: لا. فقال: أسهرتني ليلتي هذه فكره في أمرك وورود هذا الشهر وما عندك. فقلت: أصلح الله الوزير! إن قصتي تطول. فقال لي: إن القصة كلما طالت كان أشهى لها. فخبرته بحديث أم عبد الله وحديث إخواني الثلاثة وما كان من ردها لهم. وخبرته بحديث الطالبي وخبر أخي الثاني المواسي له بالكيس. فقال: يا غلام دواة. فكتب رقعة إلى خازنه. فإذا كيس فيه خمسمائة دينار. فقال لي: يا أبا عبد الله استعن بهذا على شهرك. ثم رفع رقعة إلى خازنه فإذا صرة فيها مائتا دينار فقال: هذا لأم عبد الله لجزالتها وحسن عقلها. ثم رفع رقعة أخرى فإذا مائتا دينار فقال: هذا للطالبي. ثم رفع رقعة أخرى فإذا صرة فيها مائتا دينار فقال: هذا للمواسي لك. ثم قال لي: انهض أبا عبد الله في حفظ الله. قال فركبت من فوري فأتيت صاحبي الذي واساني بالكيس فدفعت إليه المائتي دينار وخبرته بخبر يحيى بن خالد. فكاد يموت فرحا. ثم أتيت الطالبي فدفعت إليه الصرة وأخبرته بخبر يحيى بن خالد. فدعا وشكر. ثم دخلت منزلي فدعوت أم عبد الله فدفعت إليها الصرة فدعت وجزت خيرا. فكيف ألام على حب البرامكة. يحيى بن خالد خاصة؟ وتوفي وهو على القضاء في ذي الحجة سنة سبع ومائتين وصلى عليه محمد بن سماعة التميمي وهو يومئذ على القضاء ببغداد في الجانب الغربي. وأوصى محمد بن عمر إلى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين فقبل وصيته وقضى دينه. وكان لمحمد بن عمر يوم مات ثمان وسبعون سنة. قال محمد بن سعد: أخبرني أنه ولد في أول سنة ثلاثين ومائة.