أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1596, entry [900]9,954 chars
٦٧٥ - أَبُو جَعْفَرٍ عبدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى (¬١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنُ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ بنِ العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وأَرْبَعِمَائَة. سَمِعَ الحَدِيْثَ من أَبِي القَاسِم…
▸ expand full passage (9,954 chars)٦٧٥ - أَبُو جَعْفَرٍ عبدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى (¬١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنُ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ بنِ العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وأَرْبَعِمَائَة. سَمِعَ الحَدِيْثَ من أَبِي القَاسِمِ بنِ بِشْرَانَ، وأَبِي الحُسَين الحَرَّانِيِّ، وأَبِى عَلِيِّ بنِ المُذْهِبِ، وأَبِي إِسْحقَ البَرْمَكِيِّ، وَأَبِي طَالبِ بنِ العُشَارِيِّ، والوَالِدِ السَّعِيْدِ. أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ -قِرَاءةً- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِم بنُ بِشْرَانَ -إِمْلَاءً يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِسَبْعٍ خَلَوْنَ من المُحَرَّم سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ زِيَادٍ القَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ بن جَابِرٍ السَّقْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَوَاءٍ، عن هِشَامِ بن حَسَّانَ، عن الجَارُوْدِ، عن عَطِيَّة، عن أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ (¬٢)، قَالَ. قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (¬٣): "مَنْ كَسَا مُسْلِمًا عَلَى عُرْيٍّ، كَسَاهُ اللهُ عَزَّوجَلَّ من خُضْرِ الجَنَّةِ، ومَنْ سَقَاهُ على ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللهُ من الرَّحِيْقِ المَخْتُوْمِ، ومَنْ أَطْعَمَهُ عَلَى جُوْعٍ، أطْعَمَهُ اللهُ من ثِمَارِ الجَنَّةِ". وبَدَأَ يَدْرِسُ الفِقْهَ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةٍ، إِلَى سَنَةِ إحْدَى وخَمْسِيْنَ، يَقْصُدُ إلى مَجْلِسِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، ويُعَلِّقُ الدَّرْسَ، ويُعِيْدُ في الفُرُوْعِ وأُصُوْلِ الفِقْهِ، وبَرَعَ في المَذْهَبِ، ودَرَّسَ، وأَفْتَى في حَيَاةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ (¬١). وكَانَ مُخْتَصَرَ الكَلَامِ، مَلِيْحِ التَّدْرِيْسِ، جَيِّدَ الكَلَامِ في المُنَاظَرَةِ، عَالِمًا بالفَرَائِضِ، وأَحْكَامِ القُرْآن، والأصُوْلِ، صَنَّفَ "رُؤُوْسَ المَسَائِلِ" و"شَرَحَ مِنَ المَذْهَبِ": الطَّهَارَةَ، وبَعْضَ الصَّلَاةِ، وسَلَكَ فيه طَرِيْقَةَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ في "الجَامِعِ الكَبِيْرِ". وَكَانَ يُدَرِّسُ في مَسجِد بَسِكَّة (¬٢) الخِرَقِيِّ، وبِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، يدرس (¬٣) في المَسْجِدِ المَعْرُوفِ بِهِ، مُقَابِلِ دَارِ الخِلَافَةِ. وبَدَأْتُ أَنَا بالتَّعْلِيْقِ عَنْهُ والدَّرْسِ عَلَيْهِ في أَوَّل سَنَةِ خَمْسٍ وستِّيْنَ وأَرْبَعِمَائَة، وصَحِبْتُهُ إلى أَنْ تُوفِّيَ ﵁. وَكَانَ يَحْضُرُ مَعَنَا مَجْلِسَهُ جَمَاعَةٌ من الأَصْحَابِ. وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ مُنْكَرٌ قد ظَهَرَ عَظُمَ عَلَيْهِ ذلك (¬٤) جَدًّا، وعُرِفَ فيهالكَرَاهَةُ الشَّدِيْدَةُ، وَكَانَ شَدِيْدَ القَوْلِ واللِّسَانِ في أَصْحَابِ البِدَعِ، والقَمْعِ لِبَاطِلِهِمْ، ودَحْضِ كَلِمَتِهِمْ وإِبْطَالِهَا (¬١)، ولَمْ تَزَلْ كَلِمَتُهُ عَالِيَةً عَلَيْهِمْ، وأَصْحَابُهُ مُتَظَاهِرِيْنَ على أَهْلِ البِدَعِ، لَا يَرُدُّ يَدَهُمْ عَنْهُمْ أَحَدٌ، وكَانَ حَسَنَ الصِّيَانَةَ، عَفِيْفًا نَزِهًا، وكَانَ أَحَدَ الشُّهُوْدِ المَذْكُوْرِيْنَ، شَهِدَ عندَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَليٍّ عَبْدِ الله الدَّامِغَانِيِّ في يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّانِي (¬٢) منْ شَهْرِ رَبِيْعٍ الأوَّلِ من سَنَةَ ثَلَاثٍ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة، وشَهِدَ بعدَهُ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ، وأَبُو الحَسَنِ المُبَارَكُ بنُ عُمَرَ الخِرَقِيّ (¬٣)، وتَوَلَّى تَزْكِيَتَهُمُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، ولَمْ يَزَلْ يَشْهَدُ سِنْيِنَ كَثَيْرَةً، إلى أَنْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسِنِيْنَ كَثِيْرَةٍ تَوَرُّعًا. ولَمْ يَزَلْ على الطَّرِيْقَةِ الحَسَنَة المَرْضِيَّةِ، سَالِكًا نَهْجَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، والسَّلَفِ الصَّالِحِ الرَّشِيْدِ. ثُمَّ انْتَقَلَ في سَنَةَ ستٍّ وستِّيْنَ إلى بَاب الطَّاقِ، وسَكَنَ في (¬٤) دَرْبَ الدِّيْوَانِ من الرَّصَافَةِ؛ لأجْلِ مَا لَحِقَ نَهْرِ المُعَلَّى مِنَ الغَرَقِ، ودَرَّسَ بِجَامِعَ المَهْدِيِّ، وبالمَسْجِدِ الَّذي على بابِ دَرْب الدِّيْوَانِ، وكُنْتُ أَمْضِي إِلَيْهِ في طَلَبِ العِلْمِ إِلَى هُنَاكَ، أَنَا وجَمَاعَةٍ من الأصْحَابِ، فَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ للنَّظَرِ في كلِّ يومِ اثنَيْنِ، ويَقْصُدُهُ جَمَاعَةٌ من الفُقَهَاءِ المُخَالِفِيْنَ، ويَتَكَلَّمُ فيبَعْضِ الأوْقَاتِ تَارَةً مُذَنِّبًا، وتَارَةً مُسْتَدِلًّا إلىَ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّينَ. فَوَصَلَ إلى مَدِيْنَةِ السَّلَامِ، بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَلَدُ القُشَيْرِيِّ (¬١)، وأَظْهَرَ على الكُرْسِيِّ مَقَالَةَ الأشْعَرِيِّ، ولَمْ تَكُنْ ظَهَرَتْ قَبْلَ ذلِكَ عَلَى رُؤُوْسِ الأشْهَادِ، لِمَا كَانَ يَلْحَقُهُمْ من أَيْدِي أَصْحَابِنَا وقَمْعِهِمْ لَهُمْ، فَعَظُمَ ذلِكَ عَلَيْهِ، وأَنْكَرَهُ غَايَةَ الإنْكَارِ، وعَادَ إلَى نَهْرِ المُعَلِّى مُنْكِرًا لِظُهُوْرِ هَذِهِ البِدْعَةِ، وقَمعِ أَهْلِهَا، فاشتَدَّ أَزْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وقَوِيَتْ كَلِمَتُهُمْ، وأَوْقَعُوا بأهْلِ هَذِهِ البِدْعَةِ دَفَعَاتٍ، وكَانَتْ الغَلَبَةُ لِطَائِفَتِنَا؛ طَائِفَةِ الحَقِّ. فَلَمَّا أَدْحَضَ اللهُ تَعَالَى مَقَالَتَهُمْ، وكَسَرَ شَوْكَتَهُمْ، عَظُمَ ذلِكَ على رُؤُسَائِهِمْ، وأَجْمَعُوا للهَرَبِ والخُرُوْجِ عن بَلَدِنَا إلى خُرَاسَانَ. فَبَلَغَ ذلِكَ وَزِيْرُ الوَقْتِ (¬٢) فَقَالَ: مَا الَّذِيْ حَمَلَكُمْ علَى ذلِكَ؟ فَأَظْهَروا الشَّكَايَةَ مِمَّا قَدْ تَمَّ عَلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُمْ بأَنْ يَكْفِ عَنْهُمْ ذلِكَ، واجْتَمَعُوا ودَبَّرُوا عَلَى حُضُوْرِ (¬٣)شَيْخِنَا الشَّرِيْفِ عِنْدَهُمْ، فأَنْفَذَ إِلَيْهِ وَزِيْرُ الوَقْتِ، فَقَالَ: قَدْ عَرَضَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاوَرَتِكَ فِيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ إلى بَابِ العَامَّةِ عَدَلُوا بِهِ إلى دَارٍ في القُربَةِ (¬١)، قَدْ أُفْرِدَتْ لَهُ، ومُنِعَ مُعْظَمُ الأصْحَابِ مِنَ الدُّخُوْلِ عَلَيْهِ، وكَانُوا (¬٢) قَدْ تَخَرَّصُوا علَيْهِ، ورَفَعُوا إِلَى إِمَامِ الوَقْتِ الكَذِبَ والزُّوْرَ والبُهْتَانَ، في أَشْيَاءَ لَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا ذِكْرَهَا، قَدْ نَزَّهُ الله تَعَالَى مَذْهَبَنَا وَشَيْخَنَا عَنْهَا، ولَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ مُدَّةَ أَشْهُرٍ، وكَانُوا قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلَهَا، ولَمْ يَأْكُلْ لَهُمْ طَعَامًا مُدَّةَ مُقَامِهِ عِنْدَهُمْ، ودَاوَمَ الصِّيَامَ في تِلْكَ الأيَّامِ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ من تِلْكَ الأيَّامِ، فَرَأَيْتَهُ يَقْرأُ في المُصْحَفِ، فَقَالَ لِي: قَالَ اللهُ تَعَالَى (¬٣): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تَدْرِي مَا الصَّبْرُ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: هُوَ الصَّوْمَ، ولَمْ يُفْطِرْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ المَرَضُ نِهَايَتَهُ. وَكَانَ يُكْثِرُ الدَّرْسَ للقُرْآنِ، فَلَمَّا ثَقُلَ مَرَضُهُ، وضَجَّ النَّاسُ مِنْ حَبْسِهِ أُخْرِجَ إِلَى الحَرِيْمِ الطَّاهِرِيِّ (¬٤) بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ، فَمَاتَ هُنَاكَ. وكَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ -في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فيه- قَدْ أَوْصَى بَأَنْ يَغْسِلَهُ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فَحَضَرَ وتَوَلَّى ذلِكَ بِنَفْسِهِ، وعَرَفَ ذلِكَ (¬٥) الإمَامُ القَائِمُ بأَمْرِ الله، فَلَمَّاحَضَرَتِ الإمام (¬١) القَائِمَ بأَمْرِ اللهِ الوَفَاةُ قَالَ: يَغْسِلُنِي الَّذِي غَسَلَ ابنَ الفَرَّاءِ: ابنُ أَبِي مُوْسَى، وعَدَلَ عَنْ جَمِيْع أَهْلِ العِلْمِ والقُضَاءِ والأشْرَافِ، فَفَعَلَ، وكَانَ ذلِكَ في يومِ الخَمِيْس ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَان سَنَةَ سَبْعٍ وسِتِّين وأَرْبَعَمائة، فَصعَدَ بَابَ الغُرْفَةِ وأُدْخِلِ مِنْ هُنَاكَ إلى حُجْرَةِ (¬٢) القَائِمِ بأمرِ اللهِ، وهو مَيِّتٌ مُسَجَّى فِيْهَا، فَغَسَلَهُ وعَاوَنَهُ في غَسْلِهِ -مَنْ صَبِّ مَاءٍ وغَيْرِهِ- عَفِيْفٌ، وصَافِي، وسَلَامَةُ، ومسعود (¬٣). وتَنَزَّهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا هُنَاكَ شَيْئًا، فَقِيْلَ لَهُ: قَدْ وَصَّى (¬٤) لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِأَشْيَاء كَثِيْرَةٍ مِنَ المَالِ والثِّيَابِ، هِيَ حَاضِرَةٌ هُنَاكَ، لَهَا قِيْمَةٌ فَأَبَى أَخْذَهَا، فَقِيْلَ لَهُ: فَقَمِيْصُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ تَتَبَرَّك بِهِ، فَأَخَذَ فُوْطَةَ نَفْسِهِ، فَنَشَّفَ بِهَا الإمَامَ القَائِمَ بَأَمْرِ اللهِ وقَالَ: قَدْ لَحِقَ هَذِهِ الفُوْطَةُ -وَهِيَ مِلْكِي- بَرَكَةُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ ولَمْ يَأْخُذْ القَمِيْصَ. فَقُلْتُ لَهُ، بَعْدَ اجْتِمَاعِيِ مَعَهُ: أَيْنَ سَهْمُنَا مِمَّا كَانَ هُنَاكَ؟ فَقَالَ: أَحْيَيْتُ جَمَالَ (¬٥) شَيْخِنَا وَالِدِكَ الإمَامِ أبِي يَعْلَى، يُقَالُ: هَذَا غُلَامُهُ تَنَزَّهَ عَنْ هَذَا القَدْرِ الكَثِيْرِ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ؟. وَلَوْ ذَهَبَتُ (¬٦) أَشْرَحُ طَرِيْقَتَهُ، وزُهْدَهُ، وَوَرَعَهُ، لَمَااحْتَمَلَهُ هَذَا المَوْضِعُ، وحَالُهُ أَشْهرُ، وأَمْرُهُ أَظْهَرُ مِنْ ذلِكَ، ولَقَدْ بَلَغَ مِنْ قدْرِهِ ومَحَلِّهِ عِنْدَ الإمَامِ المُقْتَدِي بِأَمْرِ الله: أَنَّه لَمَّا فَرَغَ شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ مِنْ غَسْلِ الإمَامِ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ: لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بالمَصِيْرِ إِلَى مَنْزِلِهِ، حَتَّى بَايَعَ النَّاسُ الإمَامَ المُقْتَدِي بَأَمْرِ اللهِ على الإجْمَاعِ، واسْتَدْعَاهُ لِبَيْعَتِهِ مُفْرَدًا مخليًا بِهِ، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ في جُمْلَةِ كَلَامِهِ لَهُ (¬١): إِذَا سَيِّدٌ مِنَا مَضَى، قَامَ سَيِّدٌ … قَؤُوْلٌ بها قَالَ الكِرَامُ فَعُوْلُ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ بالمُضِيِّ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ بَيْعَتِهِ. وانْتَهَى إِليهِ في وَقْتِهِ الرِّحْلَةُ بِطَلَبِ مَذْهَبِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵁ (¬٢) وتُوُفِّيَ ﵀ (¬٣) يَوْمَ الخَمِيْسِ النِّصْف من صفَرَ سَنَةَ سَبْعِيْنَوأَرْبَعِمَائَةَ، وأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ في غَدَاةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وحَضَرَتُ الجِنَازَةَ، وكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ (¬١) الخَلْقِ، وعَظُمَ الحُزْنُ والبُكَاءُ، وكَانَ جَمْعًا لَمْ أَرَ مِثْلَهُ لِجِنَازَةٍ بَعْدَ جِنَازَةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ. وتَقَدَّمَ للصَّلَاةِ عليه أخُوْهُ أَبُو الفَضْلِ (¬٢) بجَامِعِ المَدِيْنَةِ. وحُفِرَ لَهُ بجَنْبِ قَبْرِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، فَدُفِنَ فِيْهِ، وأَخَذَ النَّاسُ من تُرَابِ قَبْرِهِ الشيء (¬٣) الكَثِيْرَ تَبَرُّكًا بِهِ. ولَزِمَ النَّاسُ قَبْرَهُ لَيْلًا ونَهَارًا مُدَّةً طَوِيْلَةً، ويَقْرَأُوْنَ خَتَمَاتٍ ويُكْثِرُوْنَ الدُّعَاءَ، ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّه خُتِمَ عَلَى قَبْرِهِ في مُدَّةِ شُهُوْرٍ أُلُوْفُ خَتَمَاتٍ (¬٤). وكَثُرَتْ المَنَامَاتُ مِنَ الصَّالِحِيْنَ بالرُّوَى الصَّالِحَةِ لَهُ. فَمِنْ جُمْلَةِ مَا رُئِيَ لَهُ في المَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: أَنَّ الرَّائِيْ لَهُ حَكَى: أَنَّه قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: لَمَّا وُضِعَتُ في قَبْرِي، رَأَيْتُ قُبَّةً من دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، وقَائِلٌ يَقُوْلُ: هَذِهِ لَكَ، ادْخُل مِنْ أَيِّ أَبْوَابِهَا شِئْتَ. وَرَآهُإِنْسَانٌ آخرُ في المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: التَقَيْتُ بأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لِيْ: يَا أَبَا جَعْفَر، لَقَدْ جَاهَدْتَ في اللهِ حَقَّ (¬١) جِهَادِهِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ تَعَالَى الرِّضَا. ورَآهُ أَبُو بَكْرٍ المَعْرُوْفِ بـ"ابنِ القَيِّم" في المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: مَاتَ النَّاسُ، وكنتُ آخِرَهُم، أَوْ كَمَا قَالَ