أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1434, entry [846]14,866 chars
٦٢٤ - مُحَمَّد بنُ أَحْمَدَ (¬٢) بن إِسْمَاعِيْلَ بن عَنْبَسِ (¬٣) بن إِسْمَاعِيْلَ،أَبُو الحُسَيْنِ المَعْرُوْفُ بـ "ابن سَمْعُوْنَ". كَانَ وَاحِدَ دهْرِهِ، وفَرْدَ (¬١) عَصْرِهِ، في الكَلامِ على عِلْمِ الخَوَاطِرِ والإشَارَاتِ، دَوَّنَ النَّاسُ حِكَمَهُ، وجَمَعُوا كَلامَهُ. قَرَأَ "مُخْتَصَر أَبِي…
▸ expand full passage (14,866 chars)٦٢٤ - مُحَمَّد بنُ أَحْمَدَ (¬٢) بن إِسْمَاعِيْلَ بن عَنْبَسِ (¬٣) بن إِسْمَاعِيْلَ،أَبُو الحُسَيْنِ المَعْرُوْفُ بـ "ابن سَمْعُوْنَ". كَانَ وَاحِدَ دهْرِهِ، وفَرْدَ (¬١) عَصْرِهِ، في الكَلامِ على عِلْمِ الخَوَاطِرِ والإشَارَاتِ، دَوَّنَ النَّاسُ حِكَمَهُ، وجَمَعُوا كَلامَهُ. قَرَأَ "مُخْتَصَر أَبِي القَاسِمِ الخِرَقِيّ" عليه، وسَمِعَهُ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، أَحَدُهُم: الشَّيخُ الزَّاهِدُ أَبُو الحُسَيْنِ القِزوِيْنيُّ (¬٢): وحَدَّثَ بِهِ القِزْوِيْنيُّ جَمَاعَةٌ، أَحَدُهُمُ: المُبَارَكُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ (¬٣)؛ وحَدَّثَ بِهِ. وسَمِعَ ابنُ سَمْعُوْنَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، ومُحَمَّدِ بن مَخْلَدٍ الدُّوْرِيِّ، وأَبِي مُحَمَّدِ بن صَاعِدٍ، ومُحَمَّدِ بن جَعْفَرٍ المَطِيْريِّ، وابنِ زَبَّانَ (¬٤) الدِّمَشْقِيِّ، في آخرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْه القَاضِي أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبي مُوْسَى، وأَبُو مُحَمَّدٍ الخَلَّالُ، وعبدُ العَزِيْزِ الأزَجِيُّ. وحَدَّثَنَا عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المُقْرئُ - يُعْرَفُ بـ "ابن حُمَّدُوْه" (¬٥) -قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ - إِمْلاءً، يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سَبع وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَة - قَالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بن أَبِي أَحْمَد (¬١) بن أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمَ بنُ سَعِيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُوْدِ بن الرَّبِيْعِ، عَن عُتْبَان بن مَالِكٍ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (¬٢): "حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ مَن قَالَ: لَا إله إلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله ﷿". أَخْبَرَنَا ابنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَقُوْلُ: وُلِدْتُ في سَنَةِ ثَلاثِمَائةَ. قَالَ: وأَخْبَرَنَا البَرْقَانِيُّ، قَالَ: قلْتُ لأبِي الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ: تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الزُّهْدِ في الدُّنْيَا والتَّركِ لَهَا، وتَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ، وتأْكُلُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ، فَكَيْفَ هَذَا؟ فَقَالَ: كُلُّ مَا يُصْلِحُكَ للهِ فَافْعَلْهُ، إِذَا صَلَحَ حَالُكَ مَعَ اللهِ، بِلِبْسِ لَيِّنِ الثَّيَابِ، وأَكْلِ طَيِّبِ الطَّعَام فَلا يَضُرُّكَ. قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الخَلَّالُ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ: مَا اسْمُكَ؟ فَقُلْتُ: حَسَنٌ. فَقَالَ: قَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الاسمَ، فَسَلْهُ أَنْ يُعْطِيَكَ المَعْنَى. قَالَ: وحَدَّثَنَا عَبدُ الوَاحِدِ بن عُمَرَ قَالَ: وسَمِعْتُ ابنَ سَمْعُوْنَيَقولُ: رَأَيْتُ المَعَاصي نَذَالَةً؛ فَتَرَكْتُهَا مُرُوْءَةً؛ فاسْتَحَالَتْ دِيِانَةً. قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ [بن مُحَمَّد] الطَّاهِرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَذْكُرُ أَنَّه خَرَجَ مِنْ مَدِيْنَةِ الرَّسُوْلِ ﷺ قَاصِدًا بيتَ المَقْدِس (¬١)، وَحَمَلَ في صُحْبَتِه تَمْرًا صَيْحَانِيًّا (¬٢)، فَلَمَّا وَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ (¬١) تَرَكَ التَّمْرَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ. ثُمَّ طَالَبَتْهُ نَفْسُهُ بأَكْلِ الرُّطَبِ، فأَقْبَل عَلَيْهَا بالمَلامَةِ، وقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَنَا في هذَا المَوضع رُطَبٌ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الإفْطَارَ عَمَدَ إلى التَّمْرَ ليَأكُلَ مِنْهُ، فَوَجَدَهُ رُطَبًا صَيْحَانِيًّا، فَلَمْ يَأكلْ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ إِليه من غَدٍ عَشِيَّةً، فَوَجَده تَمْرًا عَلى حَالَتِهِ الأوْلَى، فَأَكَلَ مِنْهُ، أَوْ كَمَا قَالَ (¬٣). قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ البَادَا يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الفَتْحٍ القَوَّاسَ يَقُوْلُ: لَحِقَنِي إِضَافَةٌ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ في البَيْتِ غيْرَ قَوْسٍوخُفَّيْنِ كُنْتُ أَلْبَسُهُمَا، فَأصبَحْتُ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى بَيْعِهِمَا، وكَانَ يَوْمَ مَجْلِسِ ابن سَمْعُوْنَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَحْضُرُ المَجْلِسَ، ثُمَّ أَنْصَرِفُ فَأِبيْعُ الخَفَّيْنَ والقَوْسَ، فَحَضَرْتُ المَجْلِسَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الانصِرَافَ، نادَانِي أَبُو الحَسَن: يَا أَبَا الفَتْحِ، لا تَبعِ الخُفَّيْنِ ولا تَبع (¬١) القَوْسَ، فإِنَّ الله سَيَأْتِيْكَ بِرِزْقٍ مِنْ عِنْدِهِ؛ أَوْ كَمَا قَالَ (¬٢). وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَليُّ بنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرِ بن العَلَّافِ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَوْمًا في مَجْلِسِ الوَعْظِ. وهو جالسٌ عَلَى كُرْسِيِّه يَتكَلَّمُ، وكَانَ أَبُو الفَتْحِ القَوَّاسُ جَالِسًا إلى جَنْبِ الكُرْسِيِّ، فَغَشِيَهُ النُّعَاسُ فَنَامَ (¬٣)، فَأَمْسَكَ أَبُو الحُسَيْنِ عَن الكَلامِ سَاعَةً، حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو الفَتْحِ ورَفعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الحُسَيْن: رَأَيْتَ رَسُوْلَ الله ﷺ في نَوْمِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: لِذلِكَ أَمْسَكْتُ عَنِ الكَلامِ، خَوْفًا أَنْ تَنْزَعِجَ وتَنْقَطِعَ عَمَّا كُنْتَ فِيْهِ. أَوْ كَمَا قَالِ. وبِهِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ الوَزِيْرُ قَالَ: حَكَى أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَكَى لِي دُجَى، مَوْلَى الطَّائِعِ لله (¬٤)، قَالَ: أَمَرَنِيالطَّائَعُ أَن أُوَجِّهُ إِلَى ابن سَمْعُوْنَ فَأُحْضِرَهُ إِلَى دَارِ الخِلافَةِ، ورَأَيْتُ الطَّائَعِ عَلَى صِفَةٍ مِنَ الغَضَبِ. وَكَانَ يُتَّقَى فِي تِلْكَ الحَالِ؛ لأنَّه كَانَ ذَا حِدَّةٍ. فَبَعَثْتُ إلى ابن سَمْعُوْنَ، وأَنَا مَشْغُوْلُ القَلْبِ لأجْلِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَعْلَمْتُ الطَّائِعَ حُضُوْرَهُ، فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ، وأَذِنَ لَهُ في الدُّخُوْلِ، فَدَخَلَ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ بالخِلافَةِ، ثُمَّ أَخَذَ في وَعْظِهِ، فَأوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ أَنْ قَالَ: رُوِيَ عَنْ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - وَذَكَرَ عَنْهُ خَبَرًا - وَلَمْ يَزَلْ يَجْرِي في مَيْدَانِ الوَعْظِ حَتَّى بَكَى الطَّائِعُ للهِ، وسُمَعَ شَهْيْقُهُ، وابتَلَّ مِنْدِيْلٌ بينَ يَدَيْهِ بِدُمُوْعِهِ، فَأَمْسَكَ ابنُ سَمْعُوْنَ حِيْنَئِذٍ، ودَفَعَ إِليَّ الطَّائِعُ دَرْجًا فِيْهِ طِيْبٌ وغَيْرِهِ. فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، وانْصَرَفَ وَعُدْتُ إِلَى حَضْرَةِ الطَّائِعِ، فقُلْتُ: يَا مَوْلايَ، رَأَيْتُكَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَى ابن سَمْعُوْنَ، ثُمَّ انْتَقَلْتَ إِلَى تِلْكَ الصِّفَةِ عِنْدَ حُضُوْرِهِ، فَمَا السَّبَبُ؟ فَقَالَ: رُفِعَ إِلِيَّ عَنْهُ أَنَّه يَنْتَقِصُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَيَقَّنُ ذلِكَ، لأُقَابِلَهُ عَلَيْهِ إِنْ صَحَّ ذلِكَ عنْهُ (¬١)، فَلَمَّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيَّ افتَتَحَ كَلامَهُ بِذِكْرِ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ والصَّلاةِ عَلَيْهِ، وأَعَادَ وأَبْدَى في ذلِكَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ مَنْدُوْحَةٌ في الرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وتَرَكُ الابْتِدَاءِ بِهِ، فَعَلِمْتُ أنَّه وُفِّقِ لِمَا تَزُوْلُ بِهِ عَنْهُ الظِّنَّةُ وتَبْرَأُ سَاحَتُهُ،ولَعَلَّهُ كُوْشِفَ بِذلِكَ، أَوْ كَما قَالَ. وقَرَأْتُ بِخَطِّ أَخِي أَبِي القَاسِمِ قَالَ: قَالَ شُكْرٌ العَضُدِيُّ: لَمَّا دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ، وَقَدْ هَلَكَ أَهْلُهَا قَتْلًا، ونَهْبًا وحَرْقًا، وخَوْفًا للفِتَنِ الَّتي اتَصَلَتْ بَيْنَ السُّنَّةِ والشَّيْعَةِ: فَقَالَ: الآفةُ (¬١) القُصَّاصُ (¬٢)، فَنَادَى في البَلَدِ: أَن لا يَقُصَّ أَحَدٌ في جَامعٍ ولا طَرِيْقٍ، فرُفِعَ إليه أَنَّ أَبَا الحُسَيْن بن سَمْعُوْن جَلَسَ على كُرْسِيَّهِ في يومِ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وتَكَلَّمَ على النَّاسِ، فَأَمَرَنِي بَأَنْ أُنفْذَ إِلَيْه مَنْ يُحَصِّلُهُ عِنْدِي فَفَعَلْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ لَهُ هَيْبَةٌ، وعَلَى وَجْهِهِ نُوْرٌ، فَلَمْ أَمْلِكُ أَنْ قُمْتُ إِلَيْهِ، وأَجْلَسْتُهُ إِلَى جَانِبي، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ، وجَلَسَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ، وأَشْفَقْتُ واللهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ مَكْرُوْهٌ عَلَى يَدَيَّ، فَقُلْتُ: أَيُّها الشَّيخُ، إِنَّ هذَا المَلِكَ جَبَّارٌ عَظِيْمٌ، وَمَا كُنْتُ أُوثر (¬٣) لَكَ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ. والانَ فَأَنَا مُوْصِلُكَ إِلَيْهِ، وَكَمَا تَقَع عَيْنُكَ عَلَيْهِ فَقبِّل التُّرَابَ، وتَلَطَّفْ في الجَوَاب إذَا سَألَكَ، واسْتَعِنْ باللهِ، فَعَسَاهُ أَنْ يُخَلَّصَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: الخَلْقُ والأمْرُ (¬٤) للهِ ﷿، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى حُجْرَةٍ في آخرِ الدَّارِ، قَدْ جَلَسَ المَلِكُ فِيْهَا مُنْفَرِدًا، خِيْفَةَ أَنْ يَجْرِيَ مِنْ أَبي الحُسَيْن بَادَرَةً بِكَلامٍ فيه غِلَظٌ، فَتَسِيْرَ بِه الرُّكْبَانُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ بَابِالحُجْرَةِ وَقْفْتُهُ وقُلْتُ لَهُ: إِيَّاكَ أَنْ تَبْرَحَ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى أَعُوْدَ فأُدْخِلَكَ، وإِذَا سَلَّمْتَ فَلْيَكُنْ بخُشُوع وخُضُوع، فَدَخَلْتُ لأسْتَأْذِنَ لَهُ، فالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ وَاقِفٌ إِلَى جَانِبِي، قَدْ حَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ دَارِ بُخْتِيَارٍ، وقَرَأَ: (¬١) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ المَلِكِ، وقَرَأَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (¬٢) وأَخَذَ في وَعْظِهِ فَأَتَى بالعَجَبِ، فَدَمَعَتْ عَيْنُ المَلِكِ، وَمَا رَأَيْتُ ذلِكَ مِنْهُ قَطُّ، وتَرَكَ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَتَرَاجَعَ أَبُو الحُسَيْنِ فَخَرَجَ، ومَضَى إلى حُجْرَتِي، فَقَالَ المَلِكُ: امْضِ إِلَى بَيْتِ المَالِ، وخُذْ ثَلاثَةَ الافِ دِرْهَمٍ، وإِلَى خَزَانَةِ الكِسْوَةِ وخُذْ مِنْهَا عَشَرَةَ أَثْوَابٍ، وادْفَعْ الجَمِيع إِلَيْهِ، فَإِنْ امَتَنَعَ فَقُلْ: فَرِّقْهَا فِي فُقرَاءِ أَصْحَابِكَ، فإِنْ قَبْلَهَا فَجِئْنِي بِرَأْسِهِ، فاشْتَدَّ جَزَعِيْ، وخَشِيْتُ أَنْ يَكُوْنَ هَلاكُهُ عَلَى يَدِي، فَفَعَلْتُ، وجِئْتُهُ بِمَا أَمَرَ، وقُلْتُ لَهُ: قَالَ لَكَ: استَعِنْ بِهذِهِ الدَّرَاهِمَ في نَفَقتِكَ، والْبَسْ هَذِهِ الثِّيَابَ، فَأَبَى، فَقُلْتُ: فَرِّقْهَا فِي أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: أَصْحَاُبهُ إِلَى هَذَا أَفْقَرُ مِنْ أَصْحَابِي، فَعُدْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: الحمدُ لله الَّذي سَلَّمْنَا مِنْهُ، وسَلَّمَهُ مِنَّا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَلْنَذْكُرِ الآنَ شَذْرَةً مِنْ كَلامِهِ: أَلا مُصَفٍّ لإخْلاصِهِ مِنْ شَخْصِيَّتِهِ؟ أَلا مُصَفٍّ (¬٣) لِعِقْدِهِ مِنْ قَصْدِهِ؟أَلا غَيُوْرٌ عَلَى صِيَانَتِهِ مِنْ شَهْوَتِهِ؟ أَلا مُسْتَشْعِرٌ لِمُرَاقَبَتِهِ في خَلْوَتِهِ؟ أَلا لابِسٌ حُلَّةَ ذِلَّتِهِ؟ أَلا فهمٌ عَنْهُ مَا أَرَادَ في مُخَاطَبَتِهِ؟ أَلا تَائِبٌ مِنْ حَوْبَتِهِ؟ أَلا غيورٌ عَلى وُدِّهِ من بذلته؟ أَلا بَاكٍ (¬١) على سَآمَتِهِ، وفَتْرَتِهِ؟ أَلا مُعْتَذِرٌ إِلَى رَبِّهِ من تَقْصِيْرِهِ عن مَوَافَقَتِهِ؟ أَلا هَاربٌ إلى أَمْنِهِ مِنْ مَخَافَتِهِ؟ أَلا بَاكٍ (¬٢) من قَلْبِهِ العَلِيْلِ؟ أَلا نَادِبٌ قبلَ الرَّحِيْلِ؟ أَلا كَاتِمٌ ضُرَّه والغَلِيْلَ؟ أَلا سَاعٍ عَلَى أثرِ الدَّلِيْلِ؟ أَلا بَاكٍ من مَرَضِ الخَلَلِ؟ أَلا فَزِغٌ مِنَ الزَّلَلِ؟ أَلا حَذِرٌ مِنَ المَلَلِ؟ أَلا تَائِبٌ مِنَ الخَطَلِ؟ أَلا مُجْتَهِد في العَمَلِ؟ أَلا مُنْتَظِرٌ لِقُدُوْمِ الأجَلِ؟ أَلا بَاكٍ (¬٣) في الخَلَوَاتِ؟ أَلا هَاجِرٌ للشَّهَوَاتِ؟ أَلا تَارِكٌ للعَادَاتِ؟ أَلا نَاظِرٌ لِمَا هُوَ آتِ. أَلا حَاذِرٌ مِنَ الرَّيْبِ؟ أَلا فَارٌّ مِنَ العَيْبِ؟ أَلا مُسَلِّمٌ للغَيْبِ بِلا عَيْبٍ؟ أَلا مُسْتَذْكِرٌ لِمَا سَتَرَ عَنِ المَلا؟ أَلا ذَاكِرٌ لِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ سَيِّدِهِ مِنَ الهُدَى؟ أَلا حَذِرٌ من (¬٤) تَحَكُّم المَنَايَا في الأعْضَا؟ أَلا رَاثٍ لِجَسَدِهِ مِنَ البلا؟ أَلا آسِفٌ عَلَى مَا فَاتَ من أَوْقَاتِ المُنَى؟ أَلا زَاهِدٌ في الأوْلَى؟ أَلا سَاعٍ في طَلَب الاُخْرَى؟ أَلا غَيُوْرٌ عَلَى الصَّفَا مِنَ الهَوَى؟ أَلا مُنَاجٍ لِرَبِّهِ في حِفْظِ عِقْدِ الوَلا؟ أَلا مُعْتَنِقٌ للتَّقْوَى؟ ألا تَارِكٌ إدِّكَارَ (¬٥) الوَرَى؟ أَلا مُسْتَهْتِرٌ بذِكْرِ رَبِّهِ؟ أَلا طَالِبٌ لِقُرْبِهِ؟ أَلا فَهِم عَنْ رَبِّه حُكْمَ رَبِّهِ؟أَلا نَاظِرٌ في صَحِيْفَتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ (¬١) دَوَاءً لِعِلَّتِهِ؟ أَلا مُعْدٌّ زَادًا لِسَفْرَتِه؟ أَلا طَالِبٌ (٣) فَضْلًا لِمعْرِفَتِهِ؟ أَلا مُتَعَلَّقٌ بِأَذْيَالِ أَئِمَّتِهِ (¬٢)؟ أَلا بَاكٍ عَلَى غُرْبَتِهِ؟ أَلا مُنْفَرِدٌ بِمُعَامَلَتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ سِرَاجًا لظُلْمَتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ أُنْسًا لِوَحْشَتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ ضِيَاءَّ لَحُفْرَتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ أُنْسًا لِوَحْشتِهِ؟ أَلا طَالِبٌ خَلِيْلًا لِوَحْدَتِهِ؟ أَلا عَبْدٌ يَلْبَسُ لِرَبِّه لِبْسَةَ الذَّلِيْلِ؟ أَلا ذاكِرٌ لِنَزْعِهِ حِيْنَ الرَّحِيْلِ؟ أَلا كَاتِمٌ لِضُرِّه والغَلِيْلِ؟ أَلا مُتَذَكِّرٌ خُشُوْنَةَ المِقِيْلِ؟ أَلا بَاكٍ على مُضِيِّ أَيَّامِهِ، وانقِضَاءِ مُدَّتِهِ؟ أَلا مُحْدِثٌ إلى رَبِّه تَوْبَةَّ مَن غَفْلَتِهِ؟ أَلا مُقْتَدٍ بالنَّبِيِّ ﷺ وصَحَابَتِهِ؟ أَلا خَائِفٌ من الدُّخُولِ بينَ صَحَابَةِ النَّبيِّ ﷺ وقَرَابَتِهِ؟ أَلا مُجْمِعٌ عَلَى طَهَارَة ثِيَابِ (¬٣) زَوْجَتِهِ؟ أَلا هَارِبٌ مِنَ المَعَاصِي رَاجِ لِشَفَاعَتِهِ؟ أَلا مُتزِّودٌ من حَيَاتِهِ لِمَنيَّتِهِ؟ وكَلامٌ كثيرٌ، وفيما ذَكَرْنَاهُ فائدةٌ. وَمَاتَ يَوْمَ النِّصْفِ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَة. ودُفِنَ بدَارِهِ (¬٤) بشَارع العَتَّابِيِّيْنَ (¬٥) فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى نُقِلَ في يومِ الخَمِيْسِالحَادِيْ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ستٍّ وعِشْرِيْنَ وأَرْبَعمائة، فدُفِنَ بمَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وقيلَ إِنَّ أَكْفَانَهُ لَم تَكُنْ بَلِيَتْ بَعْدُ. وقَالَ أَبُو الحَسنِ البَرَدَانِيُّ (¬١): لَمَّا حَضَرَتِ ابنَ سَمْعُوْنَ الوَفَاةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أُدْفَنُ ثُم أُنْبَشُ، فَلَمَّا فُرِغَ من غَسْلِه ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهم يَحْمِلُوْنَهُ إلى الجَامِع يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ، فاجتَمَعَ الخَلْقُ في الجَامِعِ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ في بَابِ الشَّامِ، ودَفَنُوْهُ، فَمَضَى الخَبَرُ إلى أَهلِ الجَامِعٍ: أَنَّه قد دُفِنَ، وكَانَ مُتَقَدِّمُهُم: أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْميُّ (¬٢) فَقَالَ: مَنْ دَفنَهُ؟ قُومُوا مَعِي، فَقَامَ والخَلْقُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى الدَّارَ الَّتِي قَدْ دُفِنَ فِيْهَا فَنبَشَهُ، وحَمَلَهُ إِلَى الجَامِعَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّهُ ودَفَنُوْهُ. وكَانَ يحضُرُ مَجْلِسَهُ أَبُو حَامِدٍ الإسْفِرَائْيِنِيُّ، وأَبُو إِسْحَقَ بنُ شَاقِلَّا، وأَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وعَلَّقَ مِنْ كَلامِهِ، وكَانَ يُمْلِي كلَّ يَوْمِ ثُلاثَاءَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الإمْلاءِ: صَعَدَ الكُرْسِيَّ وتَكَلَّمَ. قَالَ العُشَارِيُّ: سَأَلَهُ أَبُو حَامِدٍ الإسْفِرَائِيْنيُّ يَوْمًا أَنْ يُجِيْزَ لَهُ شَيْئا قَدْ فَاتَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَامِدٍ، لَوْ قَنِعْنَا بالإجَازَةِ مَا سَافَرْنَا الأسْفَارَ البَعِيْدَةَ. وقَالَ أَبُو عَليٍّ الغَضَائِرِيُّ: سُئِلَ ابنُ سَمْعُوْنَ عن قَوْلهِ تَعَالَى (¬٣):﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ فَقَالَ: مُشْتَبِهُ الأوْرَاقِ مُخْتَلِفُ المَذَاقِ، هَذَا جَلاءٌ للظَّلام (¬١)، وهَذَا شِفَاءٌ للِّسِقَامِ. وكَانَ يَوْمًا جَالِسًا عَلَى الكُرْسِيِّ يَتَكَلَّمُ فَعَرِقَ فَرُمِيَ إِلَيْهِ بِمَرْوحَةٍ، فَأَخَذَها وأَنْشَأَ يَقُوْلُ شِعْرًا (¬٢): مَا فِيْكِ مِنْ دَفْعِ كَرْبِ … لِهَائِمِ القَلْبِ صَبِّ فَهَبْكِ رَوَّحْتِ جِسْمِي … فَمَنْ يُرَوِّحُ قَلْبِي وقَالَ أَبُو طَالِبِ بن حَمَامَةَ: مَاتَ ابنُ سَمْعُوْنَ يَوْمَ (¬٣) الخَمِيْسِ لأرْبَعَ عَشْرَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ، ودُفِنَ يَوْم (¬٢) الجُمُعَةِ، وغَسَلَهُ أَبُو نَصْرٍ صَاحِبُ ابن مَرْحَبٍ، وأَبُو عَبْدِ الله بنُ حَامِدٍ الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ، وصُلِّيَ عليه بِبَابِ دَارِهِ، صَلَّى عليه الصَّلاةَ الأوَّلة أَخُوهُ الحَسَنُ (¬٤)،ثُمَّ صَلَّى علَيْه أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْمِيُّ. [وادخل إلى دَارِه] (¬١) ودُفِنَ في بَيْتٍ مِنْهَا، ثُمَّ هَاجَ النَّاسُ، وقِيْلَ: لِمَ يُصَلَّى عَلَيْهِ في بابِ دَارِهِ، كَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ البِدَعِ، وهو رَجُلٌ إِمَامٌ؟! فأُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ مَا استَقَرَّ فيه وحُمِلَ إلى الجَامِعِ، وتَبعَ الجَنَازَةَ خَلْقٌ عَظِيْمٌ، وصُلِّيَ عليه في الجَامِعِ، صَلَّى عليه: أَبُو إِسْحَقَ الطَّبَرِيُّ المُقْرئُ المُعَدَّلُ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى دَارِهِ، فَدُفِنَ في ذلِكَ المَوْضِعِ. وَقَالَ القَاضِي الشَّرِيْفُ أَبُو عَلِيِّ بنُ أِبِي مُوْسَى: رَأَيْتَ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ حِيْنَ دُفِنَ وَرَأَيْتُهُ حينَ أُخْرِجَ، وأَكْفَانُهُ كَمَا هِيَ، جُدُدٌ بِحَالَتِهَا مَا تَغَيَّرَتْ، وَكَانَ إِخْرَاجُهُ مِنْ دَارِه الدَّفْعَةُ الثَّانِيَةُ: في سَنَةِ سَبع وعِشْرِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ. ودُفِنَ بِمَقْبَرَةِ (¬٢) أَحْمَدَ. وسَمِعَهُ جَمَاعَةٌ يَقُوْلُ: إِنِّي أَمُوْتُ وأُدْفَنَ، ثُمَّ أُخْرَجُ بَعْدَ دَفْنِي.