أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1265, entry [719]12,730 chars
٥٩٩ - عليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَشَّارِ، (¬٢) أَبُو الحَسَنِ الزَّاهِدُ العَارِفُ، حَدَّثَ عَنأَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، وصَالِحٍ، وعبدِ اللهِ ابنَيْ إمَامِنَا أَحْمَدَ، وغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ أَبُو الحَسَن أَحْمَدُ بنُ مَقْسِمٍ المُقْرِيُّ، وعليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ البَجَلِيُّ، وعليُّ …
▸ expand full passage (12,730 chars)٥٩٩ - عليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَشَّارِ، (¬٢) أَبُو الحَسَنِ الزَّاهِدُ العَارِفُ، حَدَّثَ عَنأَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، وصَالِحٍ، وعبدِ اللهِ ابنَيْ إمَامِنَا أَحْمَدَ، وغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ أَبُو الحَسَن أَحْمَدُ بنُ مَقْسِمٍ المُقْرِيُّ، وعليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ البَجَلِيُّ، وعليُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ ممويه الحلَوَانِيّ المُؤَدِّبُ، وأَبُو عَليٍّ النَّجَّادُ وَغَيْرُهُم. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ المُقْرِيُّ (¬١)، عَن الحَسَنِ بنِ حِمْكَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنِ مِقْسَمٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ يَقُولُ: وكانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا قَالَ: أَعْرِفُ رَجُلًا حَالَهُ كَذَا وكَذَا، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: أَعْرِفُ رَجُلًا مُنْذُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً مَا تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ يَعْتَذِرُ مُنْهَا. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ أَيْضًا يَقُوْلُ: أَعْرِفُ رَجُلًا مُنْذُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً يَشْتَهِيْ أَنْ يَشْتَهِيَ لِيَتْرُكَ مَا يَشْتَهِي، فَمَا يَجِدُ شَيْئًا يَشْتَهِيْ.وأَنْبَأَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الَّليْثِيُّ (¬١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ الصَّابُوْنِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العَدْلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَمَّادٍ الوَرَّاقُ، حَدَّثنا أَبُو الحَسَنِ القَنَّادُ الصُّوْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ العَبْدُ الصَّالِحُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ، ونَحْنُ قُعُوْدٌ عَلَى مَسْجِدِ أَبي، فَقَالَ أَبي: مَا كَانَتْ صَنْعَةُ صَاحِبِ الجَنَازَةِ؟ قَالُوا: كَانَ يَبِيعُ عَلَى الطَّرِيْق، قَالَ: في فَنَائِهِ أَوْ فنَاءِ غَيْرِهِ؟ قَالُوا: في فَنَاءِ غَيْرِهِ. قَالَ: عَزَّ عَلَيَّ، عَزَّ عَلَيَّ، إِنْ كَانَ فِنَاءَ يَتِيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَهَبَتْ أَيَّامُهُ عطلًا، ثُمَّ قَالَ (¬٢): قُمْ نُصَلِّ (¬٣) عَلَيْهِ، عَسَى اللهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ عليه أَرْبَعَ تَكْبِيْرَاتٍ، ثُمَّ حَمَلْنَاهُ إِلَى قَبْرِهِ ودَفَنَّاهُ، ونَامَ أِبي (¬٤) تِلْكَ اللَّيْلَةِ وهو مُغْتَمٌّ بِهِ، فَإِذَا نَحْنُ بامرَأَةٍ من بَعْضِ جِيْرَانِنَا جَاءَتْ إِلَى أَبِي، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَلَا أُبَشِّرُكَ بِشَارَةً؟ فَقَالَ لَهَا: قولي يَا مُبَارَكَةُ، أَنْتِ امْرأَةٌ صَالِحَةٌ، قَالَتْ: نِمْتُ البَارِحَةَ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَ الجَنَازَةِ الَّذِي مَرَرْتَ مَعَهُ، وهوَ يَجْرِي في الجَنَّةِ جَرْيًا وَعَلَيْهِ حُلَّتَانِ خَضْرَوانِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَضْبَانٌ عَلَيَّ وقْتَ خُرُوْجِ رُوْحِيْ، فَصَلَّى عَلَيَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فَغَفَرَ ذُنُوْبِي، ومَتَّعَنِي بالجَنَّةِ (¬٥).وأَنْبَأَنَا عَلِيٌّ المُحَدِّثُ، عن أَبِي عَبْدِ اللهِ (¬١) الفَقِيْهِ أَنَّه قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ البَغْدَادِيَّ يُحِبُّ أَبَا (¬٢) الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ، وأَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيَّ، فَاعلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ. قُلْتُ أَنَا: وَكَانَ قَدْ سَمِعَ جَمِيع "مَسَائِلَ صَالِحٍ" لأبيْهِ أَحْمَدَ من صَالِحٍ، وحَدَّثَ بهَا، فَسَمِعَهَا من ابنِ بَشَّارٍ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو حَفْصِ بنِ بَدْرٍ المَغَازِلِيُّ (¬٣)، وأَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ وَغَيْرُهُم. وكان شُيُوْخُ طَائِفِتَنَا (¬٤) يَقْصُدُوْنَهُ ويُعَظِّمُوْنَهُ أَبُو محمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ، وأَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ، وأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ وأَشْكَالُهُم (¬٥). وكانَ ابنُ بَشَّارٍ يَقُوْلُ في دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على أَبِيْنَا آدَمَ الَّذِيْ خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ، وأَنْحَلْتَهُ صُوْرَتَكَ، وأَسْجَدْتَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ، وَزَوَّجْتَهُ حَوَّاءَ أَمَتَكَ، فَسَبَقَ عَلَيْهِ قَضَاؤكَ وقَدَرُكَ، فأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فأهبَطْتَهُ إِلَى الأرْضِ. وقَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ عن حَدِيْثِ أَمِّ الطُّفَيْلِ (¬٦) وحَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ في الرُّؤْيَةِ؟ فَقَالَ: صَحِيْحَانِ، فَعَارَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَذِهِ الأحَادِيْثُ لَا تُذْكَرُ في مِثْلِ هَذَا الوَقْتِ، فَقَالَ ابنُبَشَّارٍ: فَيدْرُسَ الإسْلَامُ؟ مُنْكِرًا على مَن مَنْعَ السُّؤَالَ عَنِ الخَبَرَيْنِ. وقَرأَتُ بِخَطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ -قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ- قَالَ: رَأَيْتُ في كُتُبِ أَبي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ عن أَبِي بَكْرٍ الخَلَّالِ، أَوْ صَاحِبِهِ: سَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكُفَّارَ يُحَاسَبُوْنَ يَسْتَحِي (¬١) مِنَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُوْلُ هَذِهِ المَقَالَةِ يُعِيْدُ. ومَنْ خَطِّهِ: قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: لَسْتُ أَشْهَدُ لأحَدٍ بالوِلَايَةِ ولا بالبِدَايَةِ (¬٢)، حَتَّى تَجْتَمِعَ فيه أَرْبَعُ خِصَالٍ؛ قَطْعُ كلِّ عَلَاقَةٍ تَقْطَعُ عن السِّباقِ، وتَرْكُ كلِّ لَذَّةٍ فيها حِسَابٌ، والتَّبَرُّمُ بالصَّدِيْقِ والعَدُوِّ، وخِفَّةُ الحَالِ وقِلَّةُ الادِّخَارِ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ -وقَد سُئِلَ مِنْ أَيْنَ المَطْعَمُ-؟ فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ، فقومٌ يَقُوْلُوْنَ: لَهُ هَاوُنٌ في العَطَّارِيْنِ، وكلُّ هَاوُنٍ لي صَدَقَةٌ، وكلُّ عَقَارٍ وَقْفٌ، وقَالَ قَوْمٌ آخرَوْنَ: يَأْكُلُ مِنْ مِغْزَلِ أَخْتِهِ، قَالَ ابنُ بَشَّارٍ: فَعَجِبْتُ مِنْ ذلِكَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (¬٣) ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ولم يَقُلْ: النِّسَاءُ قَوَّامُوْنَ عَلَى الرِّجَالِ، هو لا يُضَيِّعُ الجاثليقَ، وهو كَافِرٌ، يُضَيِّعُنِي أَنَا مِنْ رَغِيْفٍ آكُلُهُ وأَنَا مُسْلِمٌ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ المَجْلِس مَنْ قَالَ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ: إِنَّ لابنِ بَشَّارٍ حَاجةً إلى مَخْلُوْقٍ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَة، فَقَدْ كَذَبَ، أَوْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ: إِنَّ ابنَ بَشَّارٍ سَأَلَ مَخْلُوْقًاحَاجَةً مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَة فَقَدْ كَذَبَ. قَالَ: وسأَلهُ رَجُلٌ عن الأُنْسِ باللهِ ﷿؟ فَقَالَ: لَا يَتَكَلَّمُ في الأُنْسِ إلَّا مَنِ انْقَطعَ عن (¬١) قَلْبِهِ حِسُّ وَساوِس الأُنْسِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا تَرَوْنَ هَذِهِ الجَارِيَةَ الَّتِي يُقَالُ لَها: نَاسِي، وتخْدِمُ (¬٢) بني أخته؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: هِيَ في الدَّارِ مُنْذُ أَرْبَعٍ وعِشْرِيْنَ سَنَةً، أَشُكُّ في الكَلِمَةِ الثَّانِيَة أَنِّي كَلَّمْتُهَا. قَالَ: وكَانَ يَفْتَتِحُ مَجْلِسَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتكلَّمَ بَقَوْلهِ ﷿: (¬٣) ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، ومَا الَّذِي تُريدُ؟ فَقَالَ لَهُ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى المَسْأَلةِ عن ذلِكَ، وأَنَا أَقُولُ ذلِكَ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، فَمَا سأَلنِي أَحَدٌ عَنْهُ؟ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَ يَعْلَمُ أَنِّي مَا أُرِيْدُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ سِوَاهُ. وقَالَ ابنُ عَلِيَّكَ الزَّيَّاتُ: أَضَقْتُ في بعضِ الأوْقَاتِ ضَيْقَةً شَدِيْدَةً، فَجَلَسْتُ في غُرْفَتِي مَغْمُوْمًا مُفَكِّرًا، فَإِذَا الشَّيْخُ يُنَادِيْنِي: يَا عَبْدَ اللهِ، وكانَ مِنْ غُرْفَة ابنِ بَشَّارٍ إلى غُرْفَتِهِ طَرِيْقٌ، قَالَ: فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: تَعَالَ، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْشٍ هَذَا الغَمُّ الشَّدِيْدُ على الدُّنْيَا؟ أَنْتَ مَضِيْقٌ أَنْتَ (¬٤) مَضِيْقٌ على الدُّنْيَا (¬٤)، وليسَ مَعَكَ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُشَيْءٌ يَغْتَمُّ هَذَا الغَمُّ؟ فَقَالَ لِي: خُذْ عَلَيْكَ (¬١) مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. والبَسْ نَعْلِكَ (¬٢)، وامْشِ علَى الشَّطِّ إِلَى أَنْ يَلْقَاكَ رِزْقُكَ فخُذْهُ واذكُرِ اللهَ. قَالَ: فَبَقِيْتُ مُفَكِّرًا في قَوْلِهِ، إِلَّا أَنَّه لم يُمْكِنِّي مُخَالَفَتُهُ، فَخَرَجْتُ أَذْكُرُ اللهَ، ولَزِمْتُ الشَّطَّ إلى أَنْ وَصَلْتُ إلى الجِسْرِ الفَوْقَانِيِّ. فَإِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِيْنيْ: يَا عَبْدَ اللهِ فَأَجَبْتُهُ، فَدَفَعَ إِليَّ أَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا وَوَرقًا، فَقَالَ: انْسَخْ لِي كِتَابًا سَمَّاهُ، وأَجْلَسَنِي في سُمَارِيَّة (¬٣)، ورَجَعْتُ، فَلَمَّا صَعَدْتُ نَادَانِي ابنُ بَشَّارٍ: يَا عَبْد اللهِ، قلتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَخَذْتُ أَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا ومِنَ الوَرَقِ كَذَا وكَذَا، وقَالَ لَكَ: انْسخِ الكِتَابَ الفُلَانِيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ صَبَرْتَ لجَاءَكَ إلى البَابِ. وقَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَمعتُهُ يَوْمًا -وقَدْ قَامَ مِنَ (¬٤) المَجْلِسِ الأوَّلِ إلى المَجْلِسِ الثَّانِي لأهْلِ القُلُوبِ، وقَدْ تَحَرَّكَ سِرُّهُ- فَقَالَ: قُومُوا بِنَا إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ صَبَرَ قَلِيْلًا، ثُمَّ قَالَ: أَوْ إِلَى النَّارِ، أَوْ يَعْفُوَ اللهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ من أَهْلِ المَجْلِسِ: هَبْكَ أَنْتَ - رَضِيَ اللهُ عَنْكَ - مُسْتَوْجِبٌ لِذلِكَ، نَحْنُ أَيْشٍ؟ فَقَالَ: دَعُوا عَنكم هَذَا، كلُّ أَهْلِ مَذْهَبٍ يَجْمَعُ اللهُ مُحْسِنَهُم ومُسِيْئَهُم في دَارٍ وَاحِدَةٍ.وحَضَرْتُ مَجْلِسَهُ في يَوْمِ الأرْبَعَاءِ وجَلَسْتُ في (¬١) أَقْصَى الدَّارِ، وكانَ يَخْتِمُ مَجلِسَهُ يَقُوْلِ: لَا إِله إِلَّا اللهُ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ الآية (¬٢) ويَقُوْلُ: أَسْأَلُكَ بِمَا سَأَلَكَ بِهِ عَبْدُكَ الصَّالِحِ ذُو النُّونِ إِذْ حَبَسْتَهُ في بَطْنِ الحُوْتِ، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ فقُلْتَ -وَقَوْلُكَ الحَقُّ-: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ اللَّهُمَّ فاستَجِبْ [لَنَا كَمَا استَجَبْتَ لَهُ، ونَجِّنَا كَمَا نَجَّيْتَهُ، وخَلِّصْنَا كَمَا خَلَّصْتَهُ بِرَحْمَتِكَ] (¬٣). إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ، ثُمَّ يَقُوْلُ في إِثْرِ ذلِكَ: يَارَبِّ -عَشْرَ مَرَّاتٍ- فَكَان كُلَّمَا قَالَ يَاربِّ قُلْتُ أَنَا في نَفْسِي، يَارَبِّ أَوْسِعْ عَلَيَّ، واصنَعْ لِي، وفَرِّجْ عَنِّي مِرَارًا، فَإِذَا هو قَدْ أَنْصَتَ (¬٤) إِلَى السَّمَاءِ ساعةً، وهو يقولُ: هَا هَا، كالمُسْتَمِعِ مَا يُقَالُ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوِي فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا تَسْتَحِي؟ الجَبَّارُ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ لِتَسْأَلَهُ الجَنَّةَ، فيُعْطِيْكَ فَيُغْنِيْكَ، وأَنْتَ تَسأَلَهُ الدُّنْيَا فَتَقوْلُ: أَوْسِعْ عَلَيَّ، واصنَعْ لِي؟ سَلْهُ وَيْحَكَ الجَنَّةَ لِيُعطِيَكَ فيُغْنِيَكَ، فَبَقِيْتُ كالخَجِلِ، إِذْ لَمْ يَطِّلِعْ عَلَى سِرِّي إلَّا الله (¬٥)، فَسَأَلْتُ اللهَ الجَنَّةَ كَمَا أَمَرَنِي. قَالَ: وكُنْتُ يَوْمًا وَاقِفًا بينَ يَدَيْهِ بَعدَ العَصْرِ، وكانَ يومَ الثُّلَاثَاءِ،وبيَدِي جُزْءٌ من "مَسَائِلِ صَالِح" لأقرأَهُ عَلَيْه، فَنَظَرْتُ إلى وَجْه يُضِيءُ كالقَمَرِ فَقُلْتُ في نَفْسِي: غَدًا المَجْلِسُ، واحْسِبُ أَنَّ أُسْتَاذَنَا قَدْ حَلَقَ رَأَسَهُ، وأُسْخِنَ لَه المَاءُ، فاغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ، فلذلِكَ وَجْهُهُ قَدْ أضَاءَ، فَلمَّا أَسْرَرْتُ ذلِكَ في نَفْسِي، قَالَ: أَيْشٍ هَذَا الأدَبُ؟ وبَادَرَ فَكَشَفَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَحْلِقْ، ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنُو الظَّنَّ، واحْفَظُوا أَسْرَارَكُمْ، فَخَجِلْتُ إِذْ كَاشَفَهُ اللهُ بأَمْرِي (¬١). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ لله (¬٢) عِبَادًا سَمَتْ هِمَهُهُمْ عَلَى هِمَممِ الخَلْقِ، فاستُطْلِعُوا عَلَى مَا في ضَمَائِرِهِمْ (¬٣). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: [إِنَّ الَّذِيْنَ] (¬٤) اتَزَرُوا مآزَرَ الحَذَرَ أَقَامُوا على نُفُوسِهِم سَوْطَ الغَضَبِ، واتَّبَعُوا الكَلَالَ، وحَثُّوا الجدَّ بالارتحَالِ، فعِنْدَ هَؤلَاءِ تُحَطُّ الرِّحَالُ، إلَّا بِقُرْبِ ذِي الجَلَالِ والإكْرَامِ. قَالَ: وحَضَرْتُ مَجْلِسَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وقَدْ جَاءَ رَجُلٌ صَارِخٌمُسْتَغِيْثٌ، فَوُسِّعَ لَهُ، فَدَخَلَ إِليه، وهو صارخٌ، ويَدُهُ على رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَالَكَ؟ فَقَالَ: يَدِي، يُرِيدُوْنَ أَنْ يَقْطَعُوْهَا؛ لأنَّ الآكَلَةَ قد أَكَلَتهَا، قَدْ أَيْأَسُوْنِي الأَطِبَّاءُ الطِّبَّ (¬١)، وقَالُوا لَيْسَ غَيْرَ قَطْعِهَا، فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وقَالَ: إِلهِي إِنَّ عَبِيْدَكَ قَدْ أَيْأَسُوا عَبْدَكَ، فَلَا تُؤْيِّسُهُ أَنْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ، فَتَقَدَّمْ؛ فَقَرَأْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ في المَجْلِسِ الآخَرِ حَضَرَ، ويَدُهُ في عَافِيَةٍ والحَمْدُ لله. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيَّ في مَسْجِدِهِ في دَرْبِ الرَّواشِيْنَ -وَقَدْ ذَكَرَ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَمَا هَيَّأَهُ اللّهُ لَهُ، فَقَالَ البَرْبَهَارِيُّ: إِذَا كَانَ أُوَيْسٌ القَرَنِيُّ يَدْخُلُ في شَفَاعَتِهِ مثلُ رَبِيْعَةَ ومضُرَ، فَكَمْ يَدْخُلُ في شَفَاعَةِ أَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ، قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: صَدَقَ البَرْبَهَارِيُّ؛ لأنَّ أَوْيَسًا كَانَ مِنَ الأَبْدَالِ، وأَبَا الحَسَنِ كَانَ من المُسْتَخْلِفَيْنَ، والمُسْتَخْلَفُ أَجَلُّ مِنَ البَدَلِ، وأَفْضَلَ عِنْدَ الله؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ في الأرْضِ مَقَامُهُ مَقَامَ النَّبِيِّين ﵈؛ لأنَّه يَدْعُو الخَلْقَ إِلَى اللهِ تَعَالَى. فَبَرَكَتُهُ عَائِدةٌ عَلَيْهِ وعَلَى كَافَّةَ الخَلْقِ، وبَرَكَةُ البَدَلِ عائدةٌ عَلَى نَفْسِهِ (¬٢). قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: وسَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: إِنْ كَانَ لابُدَّ منالأكْلِ والنَّوْمِ فَنُم نَوْمَ الوَسْنَانِ، وكُلْ أَكْلَ المُبَرسَمِ (¬١). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَصَا اللهَ أَنْ يَسْتكثِرَ نِقَمَ اللهِ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ -وَذَكَرَ الأوْلِيَاءَ- فَقَالَ: سَقَاهُمْ بِكَأْسِ الوِدَادِ، ونَشَرَ أَعْلَامَهُمْ في البِلَادِ. قَالَ: وقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ الطَّرِيْقُ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ: كَمَا عَصَيْتَ اللهَ سرًّا تُطِيْعُهُ سِرًّا، حَتَّى تَدْخُلَ إلى قَلْبِكَ طَرَائِفُ البِرِّ. ودَخَلَ أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَخِيْ مَعْرُوْفٍ الكَرْخِيِّ على ابنِ بَشَّارٍ، وعليه جُبَّةُ صُوْفٍ فَقَالَ لَهُ ابنُ بَشَّارٍ، يَا أَبَا مُحمَّدٍ، صَوَّفْتَ قَلْبَكَ أَوْ جِسْمَكَ؟ صَوِّفْ قَلْبَكَ والْبَسْ القُوْهِيَّ عَلَى القُوْهِيِّ (¬٢). وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَا أَعِيْبُ عَلَى رَجُلٍ يَحْفَظُ لأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ خَمْسَ مَسَائِلٍ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى بَعْضِ سَوَارِي المَسْجِدَ ويُفْتِي النَّاسَ بِهَا. وتُوفِّيَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ من شَهْرِ رَبِيع الأوَّلَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وثَلاثمائة، ودُفِنَ بالعَقَبَةِ قَرِيْبًا من النَّجْمِيِّ، وقَبْرُهُ الآنَ ظَاهِرٌ يَتَبَرَّكُ النَّاسُ بِزِيَارَتِهِ (¬٣).