أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1193, entry [704]58,651 chars
٥٨٨ - الحَسَنُ بنُ علِيِّ (¬١) بنِ خَلَفٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ في وَقْتِهِ، ومُتَقَدِّمُهَا في الإنكارِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، والمُبَايَنَةِ لَهُمْ باليَدِ واللِّسَانِ، وكانَ لَهُ صِيْتٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وقَدَمٌ عندَ الأصْحَابِ، وكانَ أَحَدَ الأئِمَّةِ العَارِف…
▸ expand full passage (58,651 chars)٥٨٨ - الحَسَنُ بنُ علِيِّ (¬١) بنِ خَلَفٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ في وَقْتِهِ، ومُتَقَدِّمُهَا في الإنكارِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، والمُبَايَنَةِ لَهُمْ باليَدِ واللِّسَانِ، وكانَ لَهُ صِيْتٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وقَدَمٌ عندَ الأصْحَابِ، وكانَ أَحَدَ الأئِمَّةِ العَارِفِيْنَ، والحُفَّاظِ لِلأُصُوْلِ المُتْقِنِيْنَ، والثِّقَاتِ المُؤْمِنِيْنَ. صَحِبَ جَمَاعَةً منْ أَصْحَابِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، مِنْهُمْ المَرُّوْذِيُّ، وصَحِبَ سَهْلًا التُّسْتَرِيَّ، قَالَ البَرْبَهَارِيُّ: سَمِعْتُ سَهْلًا (¬٢) يَقُوْلُ: إِنَّ الله خَلَقَ الدُّنْيَا، وجَعَلَ فِيْهَا جُهَّالًا وعلَمَاءَ، وأَفْضَلُ العِلْمِ مَا عُمِلَ بِهِ، والعِلْمُ كُلُّه حُجَّةٌ،إلَّا مَا عُمِلَ بِهِ، والعَمَلُ (¬١) هَبَاءٌ إلَّا مَا صَحَّ، ومَا صَحَّ فَلَسْتُ أَقْطَعُ بِهِ إلَّا باستِثناءِ مَا شَاءَ اللهُ. قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ القُرَشِيِّ (¬٢)، عَنِ الحَسَنِ الأَهْوَازِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحُمْرَانِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا دَخَلَ الأشْعَرِيُّ إِلَى بَغْدَادَ جَاءَ إِلَى البَرْبَهَارِيِّ، فَجَعَلَ يَقُوْلُ: رَدَدْتُ عَلَى الجُبَّائِيِّ (¬٣)، وعَلَى أَبِي هَاشِمٍ (¬٣)، ونَقَضْتُ عَلَيْهِمْ، وعَلَى اليَهُوْدِ والنَّصَارَى والمَجُوْسِ، وقُلْتُ لَهُمْ، وقَالُوا، وأَكْثَرَ الكَلَام في ذلِكَ، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ البَرْبَهَارِيُّ: مَا أَدْرِي مِمَّا قُلْتَ قَلِيْلًا وَلَا كَثِيْرًا (¬٤)، ولَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الله أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَصَنَّفَ كِتَابَ "الإبَانَةِ" (¬٥) فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، ولَمْ يَظْهَرْ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا. وصَنَّفَ البَرْبَهَارِيُّ مُصَنَّفَاتٍ (¬٦)، مِنْهَا: "شَرْحُ كِتَابِ السُّنَّة"ذَكَرَ فِيْهِ: واحْذَرُ (¬١) صِغَارَ المُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ صِغَارَ البِدَعِ تَعُوْدُ حَتَّى تَصِيْرَ كِبَارًا، وكذلِكَ كلُّ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ في هَذِهِ الأمَّةِ، كَانَ أَوَّلُهَا صَغِيْرًا يُشَبِّهُ الحَقِّ، فاغْتَرَّ بِذلِكَ مَنْ دَخَلَ فِيْهَا، ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِع المَخْرَجَ مِنْهَا، فَعَظُمَتْ وصَارَتْ دِيْنًا يُدَانُ بِهِ، فَخَالَفَ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيْمَ، فَخَرَجَ مِنَ الإسْلَامِ، فانْظُرْ رَحِمَكَ اللهُ كلَّ مَنْ سَمِعْتَ كَلَامَهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ خَاصَّةً، فَلَا تَعْجَلَنَّ، ولَا تَدْخُلَنَّ في شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تَسْأَلَ وتَنْظُرَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ (¬٢) ﷺ، أَوْ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ؟ فَإِنْ أَصَبْتَ فِيِهِ أَثَرًا عَنْهُمْ فَتَمَسَّكْ بِهِ، ولا تُجَاوِزُهُ لِشَيْءٍ، ولَا تَخْتَرْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَتَسْقُطَ في النَّارِ. واعْلَمْ أَنَّ الخُرُوْجَ عَن الطَّرِيْقِ على وَجْهَيْنِ؛ أَمَّا (¬٣) أحَدُهُمَا: فَرَجُلٌ قَدْ زَلَّ عَنِ الطَّرِيْقِ، وهو لا يُرِيْدُ إِلَّا الخَيْرَ، فَهوَ لا يُقْتَدَى بِزَلَلِهِ، فَإِنَّه هَالِكٌ، ورَجُلٌ عَانَدَ الحَقَّ، وخَالَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ المُتَّقِيْنَ، فَهْوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ، شَيْطَانٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، حَقِيْقٌ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ أَنْ يُحَذِّرَ النَّاسَ مِنْهُ، ويُبَيِّنَ لَهُمْ قِصَّتَهُ، لِئَلَّا يَقَعَ في بِدْعَتِهِ أَحَدٌ فَيَهْلَكَ. واعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّهُ لا يَتِمُّ إِسْلَامُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُوْنَ مُتَّبِعًا، مُصَدِّقًا، مُسْلِمًا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّه قَدْ بَقِيَ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الإسْلَامِ لَمْ يَكْفُوْنَاهُأَصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ فَقَدْ كَذَّبَهُمْ، وكَفَى بِهَذَا فُرْقَةً، فَطَعَنَ عَلَيْهِمْ، فَهْوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ مُضِلٌّ، مُحْدِثٌ في الإسْلَامِ مَا لَيْسَ فِيْهِ. واعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّه لَيْسَ في السُّنَّةِ قِيَاسٌ، ولَا تُضْرَبُ لَهَا الأمْثَالُ، ولا تُتَبَّعَ فِيْهَا الأهْوَاءُ، وهُوَ التَّصْدِيْقُ بآثارِ رَسُوْلِ الله ﷺ بِلَا كَيْفَ ولَا شَرْحَ، ولا يُقَالُ: لِمَ؟ ولا: كَيْفَ؟ فالكَلَامُ والخُصُوْمَةُ والجِدَالُ والمِرَاءُ مُحْدَثٌ، يَقْدَحُ الشَّكَّ في القَلْبِ، وإِنْ أَصَابَ صَاحِبُهُ الحَقَّ والسَّنَّةَ. واعْلَمْ أَنَّ الكَلَامَ في الرَّبِّ تَعَالَى مُحْدَثٌ، وَهُوَ بدْعَةٌ وضَلَالَةٌ، ولَا يَتَكَلَّمُ في الرَّبِّ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ﷿ في القُرْآَنِ، ومَا بَيِّنَ رَسُوْلُ الله ﷺ لأصْحَابِهِ، وهو -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَاحِدٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (¬١) رَبُّنَا أَوَّلُ بِلَا مَتَى، وآخِرُ بلَا مُنْتَهَى، يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى، وهو (¬٢) عَلَى عَرْشِهِ اسْتَوَى، وعِلْمُهُ بكلِّ مَكَانٍ، لَا يَخْلُو مِنْ عِلْمِهِ مَكَانٌ، ولَا يَقُوْلُ في صِفَاتِ الرَّبِّ (¬٣): لِمَ؟ ولَا: كَيْفَ؟ إلَّا شَاكٌّ في اللهِ (¬٤) ﵎. والقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ، وتَنْزِيْلُهُ ونُوْرُهُ، ولَيْسَ مَخْلُوقًا؛ لأنَّ القُرْآنِ مِنَ اللهِ، ومَا كَانَ مِنَ اللهِ فَلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ، وهكَذَا قَالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ،والفُقَهَاءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، والمِرَاءُ فِيْهِ كُفْرٌ. والإيْمَانُ بالرُّؤْيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَرَوْنَ اللهَ تَعَالَى (¬١) بِأَعْيُنِ رُءُوْسِهِمْ، وهُوَ يُحَاسِبُهُمْ بِلَا حَاجِبٍ وَلَا تُرْجُمَانٌ. والإيْمَانُ بالمِيْزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُوْزَنُ فيه الخَيْرُ والشَرُّ، لَهُ كَفَّتَانِ، ولَهُ لِسَانٌ. والإيْمَانَ بِعَذَابِ القَبْرِ، ومُنكرٌ ونَكِيْرٌ، والإيْمَانُ بِحَوْضِ رَسُوْلِ الله ﷺ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ، إلَّا صَالِحٌ النَّبِيّ (¬٢) ﵇، فإِنَّ حَوْضَهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ والإيْمَانُ بِشَفَاعَةِ رَسُوْلِ الله ﷺ لِلْمُذْنِبِيْنَ الخَاطِئِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وعَلَى الصِّرَاطِ، ويُخْرِجُهُمْ مِنْ جَوْفِ جَهَنَّمَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَلَهُ شَفَاعَةٌ، وكَذلِكَ الصِّدِّيْقُوْنَ والشُّهَدَاءُ والصَّالِحُوْنَ، وللهِ بَعْدَ ذلِكَ تَفَضُّلٌ كَثيْرٌ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، والخُرُوْجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا أُحْرِقُوا وصَارُوا فَحْمًا. والإيْمَانُ بالصِّرَاطِ علَى جَهَنَّمَ، يَأْخُذُ الصِّرَاطُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ويَجُوْزُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ويَسْقُطُ في جَهَنَّمَ مَنْ شَاءَ اللهُ، ولَهُمْ أَنْوَار عَلَى قَدْرِ إِيْمَانِهِمْ. والإيْمَانُ بالأَنْبِيَاءِ والمَلَائِكَةِ، والإيْمَانُ بالجَنَّةِ والنَّارِ أَنَّهُمَا مَخْلُوْقَتَانِ، الجَنَّةُ في السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وسَقْفُهَا العَرْشُ (¬٣)، والنَّارُ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وهُمَا مَخْلُوْقَتَانِ، قَدْ عَلِمَ اللهُ تَعَالَى عَدَدَ أَهْلِ الجَنَّةِ،ومَنْ يَدْخُلُهَا، وعَدَدَ أَهْلِ النَّارِ، ومَنْ يَدْخُلُهَا، لَا يَفْنَيَانِ أَبَدًا، بَقَاؤُهُمَا (¬١) مَعَ بَقَاءِ اللهِ أَبَدَ الآبِدِيْنَ، ودَهْرَ الدَّاهِرِيْنَ. وآدَمُ ﷺ (¬٢) كَانَ في الجَنَّة البَاقِيَةِ المَخْلُوْقَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا بَعْدَ مَا عَصَى اللهَ ﷿، والإيْمَانُ بالمَسِيْحِ الدَّجَّالِ، والإيْمَانُ بِنُزُوْلِ عِيْسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵉، يَنْزِلُ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، ويَتزوَّجُ ويُصَلِّي خَلْفَ القَائِمِ مِنْ آلِ مُحمَّدٍ ﷺ، ويَمُوْتُ ويَدْفِنُهُ المُسْلِمُوْنَ. والإيْمَانُ بأَنَّ الإيْمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ونيَّةٌ، يَزِيْدُ ويَنْقُصُ، يَزِيْدُ مَا شَاءَ اللهُ، ويَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَفْضَلُ هَذِهِ الأمَّةِ والأمَمِ كُلِّهَا -بَعْدَ الأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ- أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، يَسْمَعُ بِذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا يُنْكِرُهُ، ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ -بَعْدَ هَؤُلَاءِ- طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ (¬٣)، وسَعِيْدٌ، وعَبْدُ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ (¬٤)، وكلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ. ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ -بَعْدَ هَؤُلَاءِ أصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ القَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فيهمالمُهاجِرُوْنَ الأوَّلُوْنَ والأنُصَارُ وهُمْ مَنْ صَلَّى القِبْلَتَيْنِ، ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤلاء -مَنْ صَحِبَ رَسُوْلَ الله ﷺ يوْمًا، أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ، نَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، ونَذْكُرُ فَضْلَهُمْ، ونكفُّ عَن زَلَلِهِمْ، ولَا نَذْكُرُ أَحَدًا مِنْهُمْ إلَّا بالخَيْرِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ (¬١): "إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِيْ فَأَمْسِكُوا" وَقَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ نَطَقَ في أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ بِكَلَمَةٍ، فهو صَاحِبُ هَوًى، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُّوْمِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اِهْتَدَيْتُمْ" (¬٢). والسَّمْعُ والطَّاعَةُ لِلأَئِمَّةِ فِيْمَا يُحِبُّ اللهُ ويَرْضَى، ومَنْ وَلِيَ الخِلَافَةَ بِإِجْمَاعٍ عَلَيْهِ وَرَضَاهم بهِ فَهْوَ أَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ، لَا يَحِلُّ لأحَدٍ أَنْ يَبِيْتَ لَيْلَةً ولَا يَرَى أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامٌ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، والحَجُّ والغَزْوُ مَعَ الإمَامِ مَاضٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ خَلْفَهُمْ جَائِزَةٌ، ويُصَلِّي بَعْدَهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَ كلِّ رَكْعَتينِ، هكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. والخِلَافَةُ في قُرَيْشٍ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ عِيْسَى بنُ مَرْيَمَ ﵇، ومَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، فَهْوَ خَارِجِيٌّ، قَدْ شَقَّ عَصَا المُسْلِمِيْنَ،وخَالَفَ الآثَارَ، ومَيْتَتُهُ مِيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ. ولا (¬١) يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ وَلَا الخُرُوْجُ عَلَيْهِ وإِنْ جَاروا (¬٢)، وذلِكَ قَوْلُ رَسُوْلُ الله ﷺ لأبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ: (¬٣) "اصْبِرْ، وإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبشَيًّا" وقَوْلُهُ للأنْصَارِ: "اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ" ولَيْسَ في السُّنَّةِ قِتَالُ السُّلْطَانِ؛ فَإِنَّ فِيْهِ فَسَادَ الدِّينِ والدُّنْيَا (¬٤). ويَحِلُّ قِتَالُ الخَوَارِجِ إِذَا عَرَضُوا لِلْمُسْلِمِيْنَ في أَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ وأَهْلِيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا فَارَقُوْهُ أَنْ يَطْلُبَهُمْ، ولَا يُجْهِزَ عَلَى (¬٥) جَرِيْحِهِمْ، ولَا يَأْخُذَ فِيْهِمْ (¬٦)، ولَا يَتْبَعَ مُدْبِرَهُمْ، واعْلَمْ أَنْ لَا طَاعَةَ لِبَشَرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ ﷿. مَنْ (¬٧) كَانَ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ فَلَا تَشْهَدْ لَهُ بِعَمَلِ خَيْرٍ ولَا شَرٍّ، فإِنَّكَ لَا تَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، تَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللهِ، وتَخَافُ عَلَيْهِ ذُنُوْبَهُ، لَا تَدْرِي مَا سَبَقَ لَهُ عندَ المَوْتِ من (¬٨) اللهِ مِنَ النَّدَمِ، ومَا أَحْدَثَ اللهُفي ذلِكَ الوَقْتَ إِذَا مَاتَ عَلَى الإسْلَامِ، تَرْجُو لَهُ الرَّحْمَةَ، وتَخَافُ عَلَيْهِ ذُنُوْبَهُ، ومَا مِنْ ذَنْبٍ إلَّا ولِلْعَبْدِ مِنْهُ تَوْبَةٌ. والرَّجْمُ حَقٌّ، والمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ سُنَّةٌ، وتَقْصِيْرُ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ سُنَّةٌ، والصَّوْمُ في السَّفَرِ، مَنْ شَاءَ صَامَ، ومَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، ولَا بَأسَ بالصَّلَاةِ في السَّرَاوِيْلِ. والنِّفَاقُ: أَنْ يُظْهِرَ الإسْلَامَ باللِّسَانِ، ويُخْفِيَ الكُفْرَ بالضَّمِيْرِ واعْلَمْ بأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ إِيْمَانٍ وَإِسْلَامٍ، وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيْهَا مِسْلِمُوْنَ مُؤْمِنُوْنَ (¬١) في أَحْكَامِهِمْ ومَوَارِيْثِهِمْ ذَبَائِحِهِمْ (¬٢)، والصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ، ولَا نَشْهَدُ لأحَدٍ بحَقِيْقَةِ الإيْمَانِ حَتَّى يَأْتِيَ بِجَمِيْعِ شَرَائِعَ الإسْلَامِ، فَإِنْ قَصَّرَ في شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ كانَ نَاقِصَ الإيْمَانِ حَتَّى يَتُوْبَ. واعْلَمْ أَنَّ إِيْمَانَهَ إِلَى الله تَعَالَى تَامُّ الإيْمَانِ، [أَوْ نَاقِصُ الإيْمَانِ] (¬٣)، إلَّا مَا أَظْهَرَ لَكَ مِنْ تَضْيِيْعِ شَرَائِعِ الإسْلَامِ. والصَّلَاةُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةُ سُنَّةٌ، والمَرْجُوْمُ والزَّانِي والزَّانِيَةُ، والَّذِيْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ وغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةُ، والسَّكْرَانِ وغَيْرُهُم (¬٤): الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ سُنَّةٌ. وَلَا يُخْرَجُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ مِنَ الإسْلَامٍ حَتَّى يَرُدَّ آيةً مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿ أَوْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ آثَارِ رَسُوْلِ الله ﷺ، أوْ يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللهِ، أَوْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُخْرِجَهُ مِنَ الإسْلَامِ، فَإِذَا لَمْيَفعَلْ شَيْئًا مِنْ ذلِكَ فَهْوَ مُؤْمِن ومُسْلِمٌ بالاسم لا بالحَقِيْقَةِ. وكلُّ مَا سَمِعْتَ مِنَ الآثَارِ شَيْئًا لَمْ يَبْلُغْهُ عَقْلُكَ، نَحْوَ قَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ: "قُلُوْبُ العِبادِ بينَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ اصَابعِ الرَّحْمَنِ ﷿" وقَوْلِهِ: "إنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ويَنزلُ يَوْمَ عَرَفةَ، ويَنْزِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ" و"أنَّ جَهَنَّمَ لَا تَزَال (¬١) يُطْرَحُ فِيْهَا حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهَا قَدَمُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ" وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ: "إِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إلَيْكَ" وَقَوْلِهِ: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُوْرَتهِ" وقَوْلُ رَسُوْلِ الله ﷺ: "رَأيْتُ رَبِّي في أَحْسَنِ صُوْرَةٍ" وأَشْبَاهُ هَذِهِ الأحَادِيْثِ، فَعَلَيْكَ بالتَّسْلِيْمِ والتَّصْدِيْقِ والتَّفْوِيْضِ والرِّضَا، ولا تُفَسِّرْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ بِهَوَاكَ، فَإِنَّ الإيْمَانَ بِهَذَا واجِبٌ، فَمَنْ فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا بِهَوَاهُ أَوْ (¬٢) رَدَّهُ فَهْوَ جَهْمِيٌّ، ومَنْ زَعَمْ أنَّه يَرَى رَبَّهُ في دَارِ الدُّنْيَا، فَهْوَ كَافِرٌ باللهِ ﷿. والفِكْرَةُ في الله بِدْعَةٌ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولَا تَفَكَّرُوا في الله" فإِنَّ الفِكْرَةَ في الرَبِّ تَقْدَحُ الشَّكَّ في القَلْبِ. واعْلَمْ أَنَّ الهَوَامَّ والسِّبَاعَ والدَّوَابَّ كُلَّهَا مأْمُوْرَةٌ، نَحْوَ الذَّرِّ والذُّبَابِ والنَّمْلِ مَأْمُوْرَةٌ، ولَا يَعْمَلُوْنَ شَيْئًا إلَّا بَإِذْنِ الله تَعَالَى. والإيْمَانُ بأَنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَا (¬٣) كَانَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ، ومَا لَمْ يَكُنْ، ومَا هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ أَحْصَاهُ وعَدُّهُ عَدًّا، ومَنْ قَالَ: إِنَّه لا يَعْلَمُ إلَّا مَا كَانَ ومَا هُوَكَائِنٌ، فَقَدْ كَفَرَ باللهِ العظِيْمِ. ولَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ وشَاهِدَيْ عَدْلِ وصَدَاقٍ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا (¬١). وإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنكحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ولَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، ويَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُهُ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ مُرْتَدٌّ بَعْدَ إِيْمَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيُقْتَلَ بِهِ، وسِوَى ذلِكَ (¬٢) فَدَمُ المُسْلِم عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ أَبَدًا حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ. وكُلُّ شَيْءٍ مِمَّا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ الفَنَاءَ يَفْنَى، إلَّا الجَنَّةَ والنَّارَ، والعَرْشَ والكُرْسِيَّ، والصُّوْرَ، والقَلَمَ، واللَّوْحَ، لَيْسَ يَفْنَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا أَبَدًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ الخَلْقَ عَلَى مَا أَمَاتَهُمْ عَلَيْهِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، ويُحَاسِبُهُمْ بِمَا شَاءَ؛ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ (¬٣)، ويَقُوْلُ لِسَائِرِ الخَلْقِ مِمَّنْ لَمْ يُخْلَقْ لِلْبَقَاءَ: كُوْنُوا تُرَابًا. والإيْمانُ بالقِصَاصِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، وبَيْنَ بَنِي آدَمَ، والسِّبَاعِ، والهَوامِّ، حَتَّى الذَّرَّةَ مِنَ الذَّرَةِ، حَتَّى يَأْخُذَ اللهُ ﷿ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ؛ لأهْلِ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ولأهْلِ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ولأهْلِ الجَنَّةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، ولأهْلِ النَّارِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.وإِخْلَاصُ العَمَلِ للهِ، والرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ، والصَّبْرُ عَلَى حُكْمِ اللهِ، والإيْمَانُ بما قَدَّرَ (¬١) الله كلِّها خَيْرِهَا وشَرِّهَا، وحُلْوِهَا ومُرِّهَا. والإيْمَانُ بِمَا قَالَ اللهُ، قَدْ عِلِمَ اللهُ مَا العِبَادُ عَامِلُوْنَ، وإِلَى مَا هُمْ صَائِرُوْنَ، لَا يَخْرُجُوْنَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، ولَا يَكُوْنُ في الأرَضِيْنَ والسَّمَاوَاتِ إلَّا مَا عَلِمَ اللهُ تَعَالَى، وتَعْلَمُ (¬٢) أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ، وَلَا خَالِقَ مَعَ اللهِ ﷿. والتَّكْبِيْرُ عَلَى الجَنَائِزُ أَرْبَعٌ، وَهْوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، وسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، والحَسَنِ بنِ صَالِحٍ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، والفُقَهَاءِ، وهكَذَا قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ والإيْمَانُ بأَنَّ مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكًا (¬٣) يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى يَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى (¬٤). والإيْمَانُ بِأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ حِيْنَ كَلَّمَ أَهْلَ القَلِيْبِ (¬٥) يَوْمَ بَدْرٍ -أَيْ المُشْرِكِيْنَ- كَانُوا يَسْمَعُوْنَ كَلَامَهُ. والإيْمَانُ بِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَرِضَ آجَرَهُ اللهُ عَلَى مَرَضِهِ، والشَّهِيْدُ يَأْجُرُهُ اللهُ عَلَى شَهَادَتِهِ. والإيْمَانُ بِأَنَ الأطْفَالَ إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ في دَارِ الدُّنْيَا يَألمُوْنَ، وذلِكَ أَنَّ بَكْرَ بنِ أُخْتِ عَبْدِ الوَهَّابِ (¬٦) قَالَ: لَا يَألمُوْنَ، وَكَذَبَ.واعْلَمْ أَنّه لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللهَ، ولَا يُعَذِّبُ اللهُ أَحَدًا إلَّا بِذُنُوْبٍ بَعْدَ الذُّنوب (¬١)، ولَوْ عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ بَرِّهُمْ وفَاجِرُهُمْ -عَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ، لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ للهِ ﷿ إِنَّه ظَلَمَ، وإِنَّمَا يَظْلِمُ مَنْ يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ، واللهُ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، والخَلْقُ خَلْقُهُ، والدَّارُ دَارُهُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (¬٢) ولَا يُقَالُ: لِمَ؟ وكَيْفَ؟ وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ بَيْنَ اللهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ (¬٣). وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَطْعَنُ عَلَى الآثارِ ولَا يَقْبَلُهَا، أَوْ يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِ رَسُوْلَ اللهِ (¬٤) ﷺ فاتَّهِمْهُ عَلَى الإسْلَامِ؛ فإِنَّه رَجُلٌ رَدِيْءُ المَذْهَبِ والقَوْلِ. وإِنَّمَا يَطْعَنُ عَلَى رَسُوْلِ الله ﷺ وعَلَى أَصْحَابِهِ؛ لأنَّا إنَّمَا عَرَفْنَا اللهَ وعَرَفْنَا رَسُوْلَهُ، وعَرَفْنَا القُرآنَ، وعَرَفْنَا الخَيْرَ والشَّرَّ، والدُّنْيَا والآخِرَةَبالآثَارِ، وأَنَّ القُرْآنَ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إلى القُرْآنِ. والكَلَامُ والجَدَلُ والخُصُوْمَةُ في القَدَرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (¬١) عِنْدَ جَمِيْعِ الفِرَقِ؛ لأنَّ القَدَرَ سَرُّ اللهِ، ونَهَى الرَّبُّ جَلَّ اسمُهُ الأنْبِيَاءَ عن الكَلَامِ في القَدَرِ، ونَهَى النَّبيُّ ﷺ عن الخُصُوْمَةِ في القَدَرِ، وكَرِهَهُ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ والتَّابِعُونَ، وكَرِهَهُ العُلَمَاءُ وأَهْلُ الوَرَعِ، ونَهَوا عَنِ الجَدَال في القَدَرِ، فَعَلَيْكَ بالتَّسْلِيْمِ والإقْرَاءَ والإيْمَانِ، واعتقَادِ مَا قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ في جُمْلَةِ الأشْيَاءِ، واسكُتْ عَمَّا سِوَى ذلِكَ. والإيْمَانُ بأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وصَارَ إِلَى العَرْشِ، وسَمِعَ كَلَامَ اللهِ [﷿] (¬٢)، ودَخَلَ الجَنَّةَ، واطَّلَعَ في النَّارِ، ورَأَى المَلَائِكَةَ (¬٣)، وبُشِّرَتْ بِهِ الأنْبِيَاءُ وَرَأَى (¬٤) سُرَادُقَاتِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وجَمِيعَ مَا فِي السَّمَواتِ، وفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ورَجَعَ إِلَى مَكَّةَ لَيْلَتَهُ، وذلكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. واعْلَمْ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهدَاءِ في حَواصِلَ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ، وتَأْوِيْ إِلَى قَنَادِيْلَ تَحْتَ العَرْشِ، وأَرْوَاحُ الفجَّارِ والكُفَّارِ في بِئْرِبَرَهُوْتَ (¬١)، وهي في سِجِّيْن. والإيْمانُ بأَنَّ المَيَّتَ يُقْعَدُ في قَبْرِهِ، وتُرْسَلُ فيه الرُّوْحُ حَتَّى يَسْأَله مُنْكَرٌ ونكيْرٌ عَنِ الإيْمَانِ وشَرَائِعِهِ، ثُمَّ تُسَلُّ رُوْحُهُ بلَا ألمٍ، ويَعْرِفُ المَيِّتُ الزَّائِرَ إِذَا زَارَهُ، ويَتَنَعَّمُ المُؤْمِنُ في القَبْرِ (¬٢) ويُعَذَّبُ الفَاجِرُ كَيْفَ شَاءَ اللهُ. والإيْمَانُ بأَنَّ الله هُوَ الَّذِي كَلَّمَ مُوْسَى بنَ عِمْرَانَ يَوْمَ الطُوْرِ، ومُوْسَى يَسْمَعُ مِنَ اللهِ الكَلَامَ بِصَوْتٍ وَقَعَ في مَسَامِعِهِ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ باللهِ العَظِيْمِ. والعَقْلُ مَوْلُوْدٌ، أُعْطِيَ كلَّ إِنْسَانٍ مِنَ العَقْلِ مَا أَرَادَ اللهُ، يَتَفَاوَتُوْنَ في العَقْلِ مِثْلِ الذَّرَّةِ في السَّمَاوَاتِ، ويُطْلُبُ مِنْ كلِّ إِنْسَانٍ مِنَ العَمَلِ عَلَى قَدْرِ مَا أَعْطَاهُ مِنَ العَقْلِ، ولَيْسَ العَقْلُ باكتِسَابٍ، إِنَّمَا هوَ فَضْلُ اللهِ. واعْلَمْ أَنَّ اللهَ فَضَّلَ العِبَادَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ في الدِّيْنِ والدُّنْيَا، عَدْلًا مِنْهُ، لَا يَقُالُ: جَارَ (¬٣)، ولَا حَابَى، فَمَنْ قَالَ: إنَّ فَضْلَ اللهِ على المُؤْمِنِ والكَافرِ سَوَاءٌ فهْوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، بل (¬٤) فَضَّلَ اللهُ المُؤْمِنَ علىالكَافِرِ، والطَّائِعَ على العَاصِي، والمَعْصُوْمَ على المَخْذُوْلِ، عَدْلٌ (¬١) مِنْهُ، هُوَ فَضْلُهُ يُعْطِيْهِ مَنْ يَشَاءُ، ويَمْنَعُهُ مَنْ يَشَاءُ. ولا يَحِلُّ أَنْ تَكْتُمَ النَّصِيْحَةَ (¬٢) أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِيْنَ -بَرِّهُمْ وفَاجِرِهُم- في أَمْرِ الدِّيْنِ، فَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ غَشَّ المُسْلِمِيْنَ، ومَنْ غَشَّ المُسْلِمِيْنَ فَقَدْ غَشَّ الدِّيْنَ، ومَنْ غَشَّ الدِّيْنَ فَقَدْ خَانَ اللهَ ورَسُوْلَهُ والمُؤْمِنِيْنَ. واللهُ سَمِيْعٌ بَصِيْر عَلِيْمٌ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (¬٣) قَدْ عَلِمَ أَنَّ الخَلْقَ يَعْصُوْنَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، عِلْمُهُ نَافِذٌ فِيْهِمْ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ عِلْمُهُ فِيْهِمْ أَنْ هَدَاهُمْ لِلإسْلَامِ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ كَرَمًا وُجُوْدًا وتَفَضُّلًا، فَلَهُ الحَمْدُ. واعْلَمْ أَنْ البِشَارَةَ عِنْدَ المَوْتِ ثَلَاثُ بِشَارَاتٍ، يُقَالُ: أَبْشِرْ يَا حَبِيْبَ الله بِرَضَى اللهِ والجَنَّةِ، ويُقَالُ: أَبْشِرْ يَا عَبْدَ الله بالجَنَّةِ بَعْدَ الانْتِقَامِ، ويُقَالُ: أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللهِ بِغَضَبِ اللهِ والنَّارِ، هَذَا قَوْلُ ابنُ عَبَّاسٍ. واعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَنْظُرُ إِلِي اللهِ تَعَالَى في الجَنَّةِ الأَضِرَّاءُ، ثُمَّ الرِّجَالُ، ثُمَّ النِّسَاءُ بِأَعْيُنِ رُءُوْسِهِمْ، كَمَا قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "إِنَّكمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَا تُضَامُوْنَ في رُويَتِهِ" والإيْمَانُ بهذَا وَاجِبٌ، وإِنكارُهُ كُفْرٌ. واعْلَمْ أَنَّها لَمْ تَكُنْ زَنْدَقَةٌ وَلَا كُفْرٌ، ولَا شُكُوْكٌ ولَا بِدْعَةٌ، ولَا ضَلَالَةٌ،ولَا حَيْرَةٌ في الدِّيْنِ إلَّا مِنَ الكَلَامِ، وأهْلِ الكَلَامِ، والجَدَلِ والمِرَاءِ، والخُصُوْمَةِ؛ وكَيْفَ يَجْتَرِئُ الرَّجُلُ عَلَى المِرَاءِ والخُصُوْمَةِ والجِدَالِ، واللهُ يَقُوْلُ (¬١): ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَعَلَيْكَ بالتَّسْلِيْمِ والرِّضَى بالآثَارِ [وأَهْلِ الآثَارِ] (¬٢)، والكَفِّ والسُّكُوْتِ والإيْمَانِ بأَنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الخَلْقَ في النَّارِ وفي (¬٣) الأغْلَالِ والأنْكَالِ والسَّلَاسِلِ، والنَّارُ في أَجْوَافِهِمْ وفَوْقَهُمْ وتَحْتَهُمْ، وذلِكَ أَنَّ الجَهْمِيَّةَ -مِنْهُم هِشَامٌ الفُوَطِيُّ- قَالَ: إِنَّمَا يُعَذِّبُ اللهُ عِنْدَ النَّارِ رَدًّا عَلَى اللهِ ورَسُوْلِهِ. واعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ الفَرِيْضَةَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، لَا يُزَادُ فِيْهِنَّ ولَا يُنْقَصُ في مَواقِيْتِهَا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ إلَّا المَغْرِبَ، فَمَنْ قَالَ: أَكْثَرُ مِنْ خَمْسٍ، فَقَدِ ابْتَدَعَ، ومَنْ قَالَ: أَقلُّ مِنْ خَمْسٍ، فَقَدِ ابْتَدَعَ، لَا يَقْبَلِ اللهُ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا لِوَقْتِهَا، إلَّا أَنْ يَكُوْنَ نِسْيَانٌ، فإِنَّه مَعْذُوْرٌ، يأْتِي بِهَا إِذَا ذَكَرَهَا، أوْ يَكُوْنُ مُسَافِرًا، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ إِنْ شَاءَ. والزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ الفِضَّةِ والحُبُوْبِ والدَّوَابِّ عَلَى مَا قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ، فَإِنْ قَسَمَها فَجَائِزٌ، وإنْ دَفَعَهَا إِلَى الإمَامِ فَجَائِزٌ، والله أعْلَمُ. واعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ الإسْلَامِ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُهُ، وأَنَّ مَا قَالَ اللهُ كَمَا قَالَ، ولَا خُلْفَ لِمَا قَالِ، وهو عِنْدَ مَا قَالَ.والإيْمَانُ بالشَّرَائِعِ كُلِّهَا. واعْلَمْ أَنَّ الشِّرَاءَ والبَيْعَ حَلَالٌ إِذَا بِيْعَ في أَسْوَاقِ المُسْلِمِيْنَ عَلَى حُكْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ ظُلْمٌ أَوْ غَدْر، أَوْ خِلَافٌ للقُرْآنِ، أَوْ خِلَافٌ للعِلْمِ. واعْلَمْ أنَّه يَنْبَغِي لِلعَبْدِ أَنْ تَصْحَبَهُ الشَّفَقَةُ أَبَدًا مَا صَحِبَ الدُّنْيَا؛ لأنَّه لَا يَدْرِي عَلَى مَا يَمُوْتُ، وبِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وعَلَى مَا يَلْقَى اللهَ ﷿؟ وإِنْ عَمِلَ كَلَّ عَمَلٍ مِنَ الخَيْرِ، ويَنْبَغِي لِلرَّجُلِ المُسْرِفِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَقْطَعَ رَجَاءَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ويُحْسِنُ ظَنَّهُ باللهِ، ويَخَافُ ذُنُوْبَهُ، فَإِنْ ﵀ فَبِفَضْلٍ، وإِنْ عَذَّبَهُ فَبِذَنْبٍ. والإيْمَانُ بأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا يَكُوْنُ في أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامِةِ. واعْلَمْ أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وسَبْعِيْنَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً"، وَهِيَ الجَمَاعَةُ. قِيْلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَّوْمَ وأَصْحَابِي" هكَذا كَانَ الدِّيْنُ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ (¬١) الجماَعَةُ كُلُّهَا، وهكَذَا في زَمَنِ عُثْمَان، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَان ﵁ جَاءَ الاخْتِلَافُ والبِدَعُ، وصَارَ النَّاسُ فِرَقًا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الحَقِّ عَنْدَ أَوَّل التَّغْييْرِ، وقَالَ بِه، وعَمِلَ بِهِ، ودَعَا إِلَيْهِ، وكَانَ الأمْرُ مُسْتَقِيْمًا حَتَّى كَانَتِ الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ، انْقَلَبَ الزَّمَانُ، وتَغَيَّرَ النَّاسُ جِدًّا، وفَشَتِ البِدَعُ، وكَثُرَ الدُّعَاةُ إِلَى غيْرِ سَبِيْلِ الحَقِّ والجَمَاعَةِ، وَوَقَعَتِ المِحْنَةُ في كلِّ شَيْءٍ لَمْ يَتكلَّمْ بِهِ رَسُوْلُ الله ﷺ، ولَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ،وَدَعَوا إِلَى الفُرْقَةِ، وقَدْ نَهَى اللهُ ﷿ عَنِ الفُرْقَةِ، وكَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وكُلٌّ دَعَا (¬١) إِلَى رَأْيِهِ، وإِلَى تكفِيْرِ مَنْ خَالَفَهُ، فَضَلَّ الجُهَّالُ (¬٢) والرَّعَاعَ، ومَنْ لَا عِلْمَ (¬٣) لَهُ، وأَطْمَعُوا النَّاسَ في شَيْءٍ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا، وخَوَّفُوْهُمْ عِقَابَ الدُّنْيَا، فاتَّبَعَهُمُ الخَلْقُ عَلَى خَوْفٍ في دُنْيَاهُمْ، ورَغْبَةٍ فِي دُنْيَاهُمْ، فَصَارَتِ السُّنَّةُ وأَهْلُ السُّنَّةِ مَكْتُومِيْنَ، وظَهَرَتِ البِدَعُ (¬٤) وفَشَتْ، وكَفَرُوا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُوْنَ مِنْ وُجُوْهٍ شَتَّى، وَوَضَعُوا القِيَاسَ، وحَمَلُوا قُدْرَةَ الرَّبِّ وآيَاتِهِ وأَحْكَامَهُ وأَمْرَهُ ونَهْيَهُ عَلَى عُقُوْلهِمْ وآرَائِهِم؛ فَمَا وَافَقَ عَقُوْلَهُمْ قَبِلُوْهُ، وَمَا خَالَفَ عُقُوْلَهُمْ رَدُّوْهُ، فَصَارَ الإسْلَامُ غرِيْبًا، والسُّنَّة غَرِيْبَةٌ، وأَهْلُ السُّنَّةِ غُرَبَاءُ في جَوْفِ دِيَارِهِمْ. واعْلَمْ أَنَّ المُتْعَةَ -مُتْعَةَ النِّسَاءِ- والاسْتِحْلَالَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَتَعْرِفُ (¬٥) لِبَنِي هَاشِمٍ فَضْلَهُمْ، لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُوْلِ الله ﷺ، واعْرِفْ فَضْلَ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وجَمِيعْ الأفْخَاذِ، واعْرِفْ قَدْرَهُمْ، وحُقُوْقَهُمْ في الإسْلَامِ، ومَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ، [وَتَعْرِفُ للنَّاسِ حُقُوْقَهُم في الإسْلَام] (¬٦)، وتَعْرِفُ فَضْلَ الأنْصَارِ، وَوَصِيَّةَ رَسُوْلِ الله ﷺ فِيْهِمْ، وآلَ الرَّسُوْلِ فَلَاتَسُبُّهُمْ، واعْرِفْ فَضْلَهُمْ وكَرَامَاتِهِمْ مِنْ أَهْلِ المَدِيْنَةِ. واعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ لَمْ يَزَالُوا يَرُدُّوْنَ قَوْلَ الجَهْمِيَّةِ، حَتَّى كَانَ في خِلَافَةِ بَنِي العَبَّاسِ، تَكَلَّمَتِ الرُّوَيْبِضَةِ في أَمْرِ العَامَّةِ، وطَعَنُوا على آثَارِ رَسُوْلِ الله ﷺ، وأخَذُوا بالقِيَاسِ والرَّأْيِ، وكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُمْ، فَدَخَلَ في قَوْلهِمْ الجَاهِلُ والمُغَفَّلُ، والَّذي لَا عِلْمَ لَهُ، حَتَّى كَفَرُوا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُوْنَ، فَهَلَكَتِ الأمَّةُ مِن وُجُوْهٍ، وكَفَرَتْ مِنْ وُجُوْهٍ (¬١)، وَتَفَرَّقَتْ وابْتَدَعَتْ من وُجُوْهٍ إلَّا مَنْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ وأَصْحَابِهِ، ولَمْ يُخَطِّ (¬٢) واحدًا، ولم يُجاوِزْ أَمْرَهُمْ، وَوَسِعَهُ مَا وَسِعَهُمْ، ولَمْ يَرْغَبْ عَنْ طَرِيْقَتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ؛ لأنَّهُم عَلَى الإسْلَامِ الصَّحِيْحِ، والإيْمَانِ الصَّحِيْحِ، فَقَلَّدَهُمْ دِيْنَهُ واسْتَرَاحَ. واعْلَمْ أَنَّ الدِّيْنَ إِنَّمَا هُوَ التَّقْلِيْدُ، والتَّقْلِيْدُ لأصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ. ومَنْ قَالَ: لَفْظُهُ بالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، فَهْوَ جَهْمِيٌّ، ومَنْ سَكَتَ ولَمْ يَقُلْ مَخْلُوْقٌ ولَا غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، فَهْوَ جَهْمِيٌّ، هكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ، وقَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: "إِنَّه مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثيْرًا، فَإِيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمورِ، فإنَّهَا ضَلَالَةٌ، وَعَلَيْكُمْ بِسُنّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ المَهْدِّيِيْنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ".واعْلَمْ أَنَّه إِنَّمَا جَاءَ هَلَاكُ الجَهْمِيَّهُ أَنَّهُم (¬١) فَكَّرُوا في الرَّبِّ ﷿، فأَدْخَلُوا: لَمْ؟ وكَيْفَ؟ وتَرَكُوا لأثَرَ، وَوَضَعُوا القِيَاسَ، وقَاسُوا الدِّيْنَ عَلَى رَأيِهِمْ، فَجَاءُوا بالكُفْرِ عَيَانًا لَا يَخْفَى إِنَّهُمْ كَفَرُوا وكَفَّرُوا الخَلْقَ، واضْطَرَّهُمْ الأمْرُ إِلَى أَنْ قَالُوا بالتَّعْطِيْلِ، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ -مِنْهُم أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ-: الجَهْمِيُّ كَافِرٌ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، حَلَالُ الدَّمِ، لَا يَرِثُ وَلَا يُوْرَثُ؛ لأنَّه قَالَ: لَا جُمْعَةَ، ولَا جَمَاعَةَ، ولَا عِيْدَيْنِ، وقَالُوا: مَنْ لَمْ يَقُلْ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ فَهْوَ كَافِرٌ، واسَتَحَلُّوا السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخَالَفُوا مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، وامتَحَنُوا النَّاسَ بِشيْءٍ لَمْ يَتكلَّمْ فِيْهِ رَسُوْلُ الله ﷺ، ولَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وأَرَادُوا تَعْطِيْلَ المَسَاجِدِ والجَوَامِع. وأَوْهَنُوا الإسْلَامَ، وعَطَّلُوا الجِهَادَ، وعَمِلُوا في الفُرْقَةِ، وخَالَفُوا الآثَارَ، وتَكَلَّمُوا بالمَنْسُوْخِ، واحتَجُّوا بالمُتَشَابِهِ، فَشَكَّكُوا النَّاسَ في أَدْيَانِهِمْ، واخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ وقَالُوا: لَيْسَ [هُنَاكَ] (¬٢) عَذَابُ قَبْرٍ، ولَا حَوْضٌ (¬٣)، وَلَا شَفَاعَةَ، والجَنَّةُ والنَّارُ لَمْ يُخْلَقَا، وأَنْكَرُوا كَثيْرًا مِمَّا قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ، فاسْتَحَلَّ مَنِ استَحَلَّ تَكْفِيْرَهُمْ ودِمَائَهُمْ مِنْ هَذَا الوَجْهِ؛ لأنَّه مَنْ رَدَّ آيةً مِنْ كِتَاب اللهِ فَقَدْ رَدَّ الكِتَابَ كُلَّهُ، ومَنْ رَدَّ حَدِيْثًا عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ، فَقَدْ رَدَّ الأثَرَ كُلَّهُ، وهُوَ كَافرٌ بالله العَظِيْمِ، فَدَامَتْ لَهُمُ المُدَّةُ، وَوَجَدُوا مِنَ السُّلْطَانِ في ذلِكَمَعُوْنَةً، وَوَضَعُوا السَّيْفَ والسَّوْطَ عَلَى ذلِكَ، فَدَرَسَ عَلَمُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ وأَوْهَنُوهُمَا، فَصَارُوا مَكْتُوْمِيْنِ؛ لإظْهَارِ البِدَعِ والكَلَامِ فِيْهَا، ولِكَثرَتِهِمْ، فاتَّخَذُوا المَجَالِسَ، وأَظْهَرُوا آرَاءَهُمْ وَوَضَعُوا فِيْهَا الكُتُبَ، وأَطْغَوْا النَّاسَ، وطَلَبُوا لَهُم الرِّيَاسَةِ، فَكَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيْمَةٌ، لَمْ يَنْجُ إلَّا مَنْ عَصَمَ الله، فأَدْنَى مَا كَانَ يُصِيْبُ الرَّجُلَ في مُجَالَسَتِهِمْ أَنْ يَشُكَّ في دِيْنِهِ، أَوْ يُتَابِعَهُمْ، أَوْ يَرَى رَأَيَهُم عَلَى الحَقِّ، ولَا يَدْرِيْ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ أَوْ عَلَى بَاطِلٍ، فَصَارَ صَاكًّا شَاكًّا، فَهَلَكَ الخَلْقُ، حَتَّى كَانَتْ أَيَّامُ جَعْفَرٍ -الَّذِي يُقَالُ لَهُ المُتَوَكِّلُ- فَأَطْفَأَ اللهُ بِهِ البِدَعَ، وأَظْهَرَ بِهِ الحقَّ، وأَظْهَرَ أَهْلَ السُّنَّة، وطَالَتْ أَلْسِنَتُهُمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرةِ أَهْلِ البِدَعِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فالرَّسْمُ والبِدَعُ وأَهْلُ الضَّلَالَةِ قَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ قَوْمٌ يَعْمَلُوْنَ بِهَا، ويَدْعُوْنَ إِلَيْهَا، لَا مَانِعَ يَمْنَعُهُمْ، ولَا حَاجِزَ يَحْجُزُهُمْ عَمَّا يَقُوْلُوْنَ وَيَعْمَلُونَ. واعْلَمْ أَنَّه لَمْ تَجيءْ زَنْدَقَةٌ قَطُّ إلَّا مِنَ الهَمَجِ الرَّعَاعِ، واتِّبَاعَ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيْلُونَ مَعَ كُلِّ رَيْحٍ، فَمَنْ كَانَ هكَذَا فَلَا دِيْنَ لَهُ، قَالَ اللهُ ﷿ (¬١): ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [وَقَالَ تَعَالَى:] (¬٢) ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (¬٣) وهُمْ عُلمَاءُ السُّوْءِ، أصْحَابُ الطَّمَعِ. واعْلَمْ أَنَّه لَا يَزَالُ النَّاسُ في عُصَابَةٍ مِنْ أَهْلِ الحَقِّ والسُّنَّةِ، يَهْدِيْهِمْالله [﷿] (¬١) ويَهْدِي بِهِمْ، ويُحْيِيْ بِهمُ السُّنَنَ، وهُمْ الَّذِيْنَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَعَ قِلَّتِهِمْ عَنْدَ اخْتِلَافٍ. فَقَالَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ثُمَّ اسْتَثناهُمْ فَقَالَ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ وقَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: "لَا تَزَالُ عُصَابَةٌ مِنْ أُمَّتي ظَاهِرِيْنَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأتِيَ أمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُوْنَ". واعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ لَيْسَ بِكَثرةِ الرِّوَايَةِ والكُتُبِ، ولكِن العَالِمَ مَن اتَّبَعَ العِلْمَ والسُّنَّةَ، وإِنْ كَانَ قَلِيْلَ العِلْمِ والكُتُبِ، ومَنْ خَالَفَ الكِتَابَ والسُّنَّة فهو صَاحِبُ بِدْعَةٍ، وإِنْ كَانَ كَثيْرَ الرِّوَايَةِ والكُتُبِ. واعْلَمْ أَنَّه مَنْ قَالَ في دِيْنِ الله بَرَأْيِهِ وقِيَاسِهِ، وتأْوَّلَهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مِنَ السَّنَّةِ والجَمَاعَةِ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ، ومَنْ قَالَ عَلَى الله مَا لَا يَعْلَمُ، فَهْوَ مِنَ المُتكلِّفِيْنَ، والحقُّ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله ﷿. والسُّنَّةُ مَا سَنَّهُ رَسُوْلُ الله ﷺ، والجَمَاعَةُ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ في خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلَى سُنَّةِ رَسُوْلِ الله ﷺ وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَاُبهُ والجَمَاعَةُ فَلَجَ عَلَى أَهْلِ البِدْعَةِ كلِّهِمْ، واسْتَرَاحَ بَدَنُهُ، وسَلِمَ لَهُ دِيْنُهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ؛ لأنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قالَ: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي" وبَيَّنَ رَسُوْلُ الله ﷺ النَّاجِيَةَ (¬٢) مِنْهَا فَقَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وأَصْحَابِي" فَهَذَا هُوَ الشَّفَاءُوالبَيَانُ، والأمْرُ والوَاضِحُ، والمَنَارُ المُسْتَقِيْمُ، وقَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: "إِيَّاكم والتَّنَطُّعَ، وِإيَّاكمْ والتَّعَمُّقَ، وعَلَيْكُمْ بِدِيْنِكُمْ العَتِيْقِ" واعْلَمْ أَنَّ الدِّيْنَ العَتِيْقَ مَا كَانَ مِنْ وَفَاةِ رَسُوْلِ الله ﷺ إِلَى قَتْلَ عَثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، وكانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ الفُرْقَةِ، وأَوَّلَ الاخْتِلَافِ، فَتَحَارَبَتِ الأمَّةُ، وافْتَرَقَتْ، واتَّبَعَتِ الطَّمَعَ والهَوَى، والمَيْلَ إِلَى الدُّنْيَا، ولَيْسَ لأحَدٍ رُخْصَةٌ في شَيْءٍ أَخَذَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ، أَوْ يَكُوْنَ رَجُلٌ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ أَخَذَ بِهِ مَنْ قِبَلِهِ، أَوْ مِنْ قَبِلَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، فَهوَ كَمَنْ أَحْدَثَهُ، فَمَنْ (¬١) زَعَمَ ذلِكَ وقَالَ به، فَقَدْ رَدَّ السُّنَّة وخَالَفَ الحَقَّ والجَمَاعَةَ، وأَبَاحَ الهَوَى، وهُوَ أَشَرُّ عَلَى هَذِهِ الأمَّةِ من إِبْلِيْسَ، ومَن عَرَفَ مَا تَرَكَ أَهْلُ البدَع من أَهل (¬٢) السُّنَّةِ، ومَا فَارَقُوا مِنْهَا، فَتَمَسَّكْ به فَهْوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ وجَمَاعَةٍ، حَقِيْقٌ أَنْ يُتَّبْعَ، وأَنْ يُعَانَ (¬٣) ويُحْفَظَ، وهو (¬٤) مِمَّنْ أَوْصَى بِهِ رَسُوْلُ الله ﷺ واعْلَمُوا أَنَّ أُصُولَ البِدَعِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، يَتَشَعَّبُ مِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ اثْنَان وسَبْعُونَ هَوىً، ويَصِيْرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ البِدَعِ يَتَشَعَّبُ، حَتَّى تَصِيْرُ كُلُّهَا إِلَى أَلْفَيْنِ وثَمَانِمَائَةٍ مقالة (¬٥)، كُلُّهَا ضَلَالَةٌ، وكُلُّهَا (¬٦) في النَّارِ، إلَّاواحِدَةٌ، وهو مَنْ آمَنْ بِمَا في هَذَا الكِتَابِ (¬١)، واعتَقَدَهُ مِنْ غَيْرِ رِيْبَةٍ في قَلْبِهِ ولَا شُكُوْكَ، فَهوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وهوَ نَاجٍ (¬٢) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. واعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ لَوْ وَقَفُوا عِنْدَ مْحْدَثَاتِ الأمُوْرِ، ولَمْ يُجَاوِزُوْهَا بِشَيْءٍ، ولَمْ يُوَلِّدُوا كَلَامًا مِمَّا لَمْ يَجِيءْ فِيْهِ أثرٌ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ، ولَا عَنْ أَصْحَابِهِ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةٌ. واعْلَمْ أَنَّه لَيْسَ بينَ العَبْدِ وبَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُوْنَ كَافِرًا، إلَّا أَنْ يَجْحَدَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ، أَوْ يَزِيْدَ فِي كَلَامِ الله، أَوْ يَنْقُصَ، أَوْ يُنْكِرِ شَيْئًا مِمَّا قَالَ اللهُ ﷿، أَوْ شَيْئًا مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُوْلُ الله ﷺ. فاتَّقِ اللهِ، وانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وإِيَّاكَ والغُلُوَّ في الدِّينِ، فإِنَّه لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الحَقِّ في شَيْءٍ، وجَمِيْعُ مَا وَصَفْتُ لَكَ في هَذَا الكِتَابِ: فَهو عَنِ الله تَعَالَى، وعَنْ رَسُوْلهِ ﷺ، وعَنْ أَصْحَابِهِ، وعَنِ التَّابِعِيْنَ، وعَنِ القَرْنِ الثَّالِثِ إِلَى القَرْنِ الرَّابِعِ، فاتَّقِ الله يا عَبْدَ الله، وعَلَيْكَ بالتَّصْدِيْقِ والتَّسْلِيْمِ، والتَّفْوِيْضِ، والرِّضَى بمَا في هَذَا الكِتَابِ (¬٣)، ولَا تَكْتُمْ هَذَا الكِتَابِأَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ؛ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرُدَّ بِهِ حَيْرَانًا مِنْ حَيْرَتهِ، أَوْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ بِدْعَتِهِ، أَو ضَالًّا عَن ضَلَالَتِهِ، فَيَنْجُوَ بِهِ، فاتَّقِ اللهَ، وعَلَيْكَ بالأمْرِ الأوَّلِ العَتِيْقِ، وهو مَا وَصَفْتُ لَكَ في هَذَا الكِتَابِ. فَرَحِمَ اللهُ عَبْدًا -وَرَحِمَ والِدَيْهِ- قَرَأَ هَذَا الكِتَابَ، وبَثَّهُ وعَمِلَ بِهِ، ودَعَا إِلَيْهِ واحْتَجَّ بِهِ، فإِنَّه دِيْنُ اللهِ ودِيْنُ رَسُوْلِهِ، وإِنَّه مَنِ اسْتَحَلَّ شَيْئًا خِلَافًا لِمَا في هذَا الكِتَابِ فإِنَّه لَيْسَ يَدِيْنَ الله بِدِيْنٍ، وقَدْ رَدَّهُ كُلَّهُ، كَمَا لَوْ أَنَّ عَبْدًا آمَنَ بِجَمِيْعِ مَا قَالَ اللهُ ﷿، إلَّا أَنَّه شَكَّ في حَرْفٍ، فَقَدْ رَدَّ جَمِيع مَا قَالَ اللهُ، وهُوَ كَافِرٌ، كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لا إِله إلَّا الله، لَا تُقْبَلُ مِنْ صِاحِبَهَا إلَّا بِصِدْقِ النِّيَّةِ، وخَالِصِ اليَقِيْنَ، وكذلِكَ لَا يَقْبَلُ اللهُ شَيْئًا مِنَ السُّنَّةِ في تَرْكِ بَعْضٍ، ومَنْ خَالَفَ وَرَدَّ مِنَ السُّنَّة شَيْئًا فَقَدْ رَدَّ السُّنَّةَ كُلَّهَا، فَعَلَيْكَ بالقَبُوْلِ، ودع عَنْكَ المَحْكَ (¬١) واللِّجَاجَ؛ فإِنه لَيْسَ مِنْ دِيْنِ اللهِ فيشَيْءٍ، وزَمَانُكَ -خَاصَّةً- زَمَانُ سُوْءٍ، فاتَّقِ اللهَ، فإِذَا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ فالزَمْ جَوْفَ بَيْتِكَ، وفُرَّ مِنْ جِوَارِ الفِتْنَةِ، وإِيَّاكَ والعَصَبِيَّةَ، وكلُّ مَا كَانَ مِنْ قِتَالٍ بينَ المُسْلِمِيْنَ عَلَى الدُّنْيَا فَهُوَ فِتْنَةٌ، فاتَّقِ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، ولَا تَخْرُجْ فِيْهَا، ولَا تُقَاتِلْ فِيْهَا، ولَا تَهْوَ، ولَا تُشَايِعْ، ولَا تُمَايِلْ، ولا تَحِبَّ شَيْئًا مِنْ أُمُوْرِهِمْ؛ فإِنَّه يُقَالُ: مَنْ أَحَبَّ فِعَالَ قَوْمٍ -خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا- كَانَ كَمَنْ عَمِلَهُ. وفَقَّنَا اللهُ وإِيَّاكُمْ لِمَرْضَاتِهِ، وجَنَّبَنَا وإِيَّاكُمْ مَعَاصِيْهِ. وأقِلَّ مِنَ النَّظَرِ في النُّجُوْمِ إلَّا بِمَا تَسْتَعِيْنُ بِهِ علَى مَوَاقِيْتِ الصَّلَاةِ، والْهَ عَمَّا سَوَى ذلِكَ، فإِنَّه يَدْعُو إِلَى الزَّنْدَقَةِ، وإِيَّاكَ والنَّظَرَ في الكَلَامِ، والجُلُوْسَ إِلَى أَصْحَابِ الكَلَامِ، وعَلَيْكَ بالآثَارِ وأَهْلِ الآثَارِ، وإِيَّاهُمْ فَاسْأَلْ، ومَعَهُمْ فاجْلِسْ، ومِنْهُمُ فاقتَبِسْ. واعْلَمْ أَنَّه مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِثْلَ الخَوْفِ مِنَ اللهِ، وطَرِيْقُ الخَوْفِ والحَذَرِ والشَّفَقَاتِ والحَيَاءِ منَ اللهِ، واحْذَرْ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ مَنْ يَدْعُو إِلَى الشَّوْقِ والمحَبَّةِ، ويَخْلُو مَعَ النِّسَاءِ، وطَرِيْقِ المَذْهَبِ، فإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُم عَلَى ضَلَالَةٍ. واعْلَمْ أَنَّ الله تَعَالَى دَعَا الخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ، ومَنَّ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بالإسْلَامِ تَفَضُّلًا مِنْهُ. والكفَّ عَنْ حَرْبِ عَليٍّ ومُعَاوِيَةَ، وعَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبِيْرِ ﵏ أَجْمَعِيْنَ ومَنْ كَانَ مَعَهُمْ، لَا تُخَاصِمْ فِيْهِمْ، وَكِلْ أَمْرَهُمْ (¬١) إِلَى اللهِ تَعَالَى، فإِنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قالَ: "إِيَّاكُمْ وذِكْرَأصْحَابِي وأصْهَارِيْ وأخْتَانِي" وَقَالَ: "إنَّ اللهَ تَعَالَى نَظَرَ إلَى أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". واعْلَمْ أَنَّه لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيْبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، وإِنْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ مَالٌ حَرَامٌ فَقَدْ ضَمِنَهُ، لَا يَحِلُّ لأحَدٍ أَنْ يَأخذَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا بإِذْنِهِ، فإِنَّه عَسَى أَنْ يَتُوْبَ هَذَا فَيريدَ أن يردَّ على أربابها فَأَخَذْتَ حَرَامًا، والمَكَاسِبُ مُطْلَقَةٌ، مَا بَانَ لَكَ صِحَّتَهُ مُطْلَقٌ، إلَّا مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا يَأْخُذُ مِنَ الفَاسِدِ مُمْسِكَةً نَفْسُهُ، ولَا تَقُوْلُ أَتْرُكُ المَكَاسِبَ، وآخُذُ مَا أَعْطَوْنِي، لَمْ يَفْعَلْ هَذَا الصَّحَابَةُ وَلَا العُلَمَاءُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: "كَسْبٌ فِيْهِ بَعْضُ الدَّنِيَّة خَيْرٌ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ". والصَّلَوَاتُ الخَمْسُ جَائِزَةٌ خَلْفَ مَنْ صَلَّيْتَ، إلَّا أَنْ يَكُوْنَ جَهْمِيًّا، فإِنَّه مُعَطِّلٌ، وإِنْ صَلَّيْتَ خَلْفَهُ فَأَعِدْ صَلَاتَكَ، وإِنْ كَانَ إِمَامُكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ جَهْمِيًّا، وهو سُلْطَانٌ فَصَلِّ خَلْفَهُ، وأَعِدْ صَلَاتَكَ، وإِنْ كَانَ إِمَامُكَ مِنَ السُّلْطَانِ وغَيْرِهِ صَاحِبَ سُنَّةٍ، فَصَلِّ خَلْفَهُ وَلَا تُعِدْ صَلَاتَكَ. والإيْمَانُ بَأَنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا - في حُجْرَةِ عَائِشَةَ (¬١) مَعَ رَسُوْلِ الله ﷺ قَدْ دُفِنَا هُنَالِكَ مَعَهُ، فَإِذَا أتيْتَ (¬٢) القَبْرَ فالتَّسْلِيْمُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ رَسُوْلِ الله ﷺ واجبٌ.والأمْرُ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ وَاجِبٌ إلَّا مَنْ خِفْتَ (¬١) سَيْفَهُ وَعَصَاهُ، والسَّلَامُ عَلَى عِبَادِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ. وَمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الجُمُعَةِ والجَمَاعَةِ في المَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مُتبَدِعٌ، والعُذْرُ المَرِيْضُ لَا طَاقَةَ لَهُ بالخُرُوْجِ إِلَى المَسْجدِ، أَوْ خَوْفٌ مِنْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ، وَمَا سِوَى ذلِكَ فَلَا عُذْرَ لَكَ، ومَنْ صَلَّى خَلْفَ إِمَامٍ لَا يُقْتَدَى بِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. والأمْرُ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، باليَدِ واللِّسَانِ والقَلْبِ بِلَا سَيْفٍ، فالمَسْتُوْرُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيْبَةٌ. وكُلُّ عِلْمٍ ادَّعَاهُ العِبَادُ مِنْ عِلْمِ البَاطِنِ لَمْ يُوْجَدْ في الكِتَابِ والسُّنَّة (¬٢) فَهْوَ بِدْعَةٌ وضَلَالَةٌ، لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، ولَا يَدْعُو إِلَيْهِ. وأَيُّ امْرَأَةٍ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ فَإِنَّها لَا تَحِلُّ لَهُ، يَعَاقَبَانِ إِنْ نَالَ مِنْهَا شَيْئًا، إلَّا بِوَليٍّ وشَاهِدَيْ عَدْلٍ وصَدَاقٌ. وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطْعَنُ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ هَوىً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ الله ﷺ: "إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا" فَقَدْ عَلِمَ النَّبيُّ ﷺ مَا يَكُوْنُ مِنْهُمْ مِنَ الزَّلَل بَعْدَ مَوْتهِ، فَلَمْ يَقُلْ فِيْهِمْ إلَّا خَيْرًا، وقَالَ: "ذَرُوا اصْحَابِيْ، لَا تَقُوْلُوا فِيْهِمْ إلَّا خَيْرًا" ولَا تَحَدِّثْ بِشَيْءٍ مِنْ زَلَلِهِمْ ولَا خَبَرِهِمْ، ولَا مَا غَابَ عَنْكَ عِلْمُهُ، ولَا تَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِهِ، فإِنَّهُ لَايَسْلَمُ قَلْبُكَ إِنْ سَمِعْتَهُ. وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَطْعَنُ عَلَى الآثَارِ، أَوْ يَرُدَّ الآثَارَ، أَوْ يُرِيْدُ غَيْرَ الآثَارِ، فاتَّهِمْهُ عَلَى الإسْلَامِ، وَلَا تَشُكَّ أَنَّه صَاحِبُ هَوىً مُبْتَدِعٌ. واعْلَمْ أَنَّ جَوْرَ السُّلْطَانِ لَا يَنْقُصُ فَرِيْضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله الَّتِي افْتَرَضَهَا عَلَى لِسَانِ نَبيِّهِ ﷺ، جَوْرُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وتَطَوُّعَكَ وبِرُّكَ مَعَهُ تَامٌّ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى -يَعْنِي الجَمَاعَةَ والجُمُعَةَ-، والجِهَادَ مَعَهُمْ، وكلُّ شَيْءٍ مِن الطَّاعَاتِ فَشَارِكْهُمْ فِيْهِ. وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو عَلَى السُّلْطَانِ فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ هَوىً، وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو للسُّلْطَانِ بالصَّلَاحِ، فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ. يَقُوْلُ فُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: لَوْ كَانَ لِيْ دَعْوَةٌ مَا جَعَلْتُهَا إلَّا في السُّلْطَانِ، فَأمُرْنَا أَنْ نَدْعُوَ لَهُمْ بالصَّلَاحِ، ولَمْ نُؤْمَرْ أنْ نَدْعُوَ عَلَيْهِمْ وإِنْ جَارُوا وَظَلَمُوا؛ لأنَّ جَوْرَهُمْ وظُلْمَهُمْ على أَنْفِسِهِمْ وَعَلَى المُسْلِمِيْنَ، وصَلَاحُهُمْ لأنْفِسِهِمْ ولِلْمُسْلِمِينَ. ولَا تَذْكُرْ أَحَدًا مِنْ أُمَّهَاتِ المُسْلِمِيْنَ إلَّا بِخَيْرٍ. وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الفَرَائِضَ فِيْ جَمَاعَةٍ مَعَ السُّلْطَانِ وغَيْرِهِ، فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبَ سُنَّةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَهَاوَنُ بالفَرَائِضِ فِي جَمَاعَةٍ، وإِنْ كَانَ مَعَ السُّلْطَانِ فاعْلَمْ أَنّه صَاحِبَ هَوىً. والحَلَالُ، مَا شَهِدْتَ [عَلَيْهِ وحَلَفْتَ عَلَيْهِ] (¬١) أَنَّه حَلَالٌ، وكَذَلِكَ الحَرَامُ مَا حَاكَ في صَدْرِكَ فَهوَ شُبْهَةٌ، والمَسْتُوْرُ مَنْ بَانَ سِتْرُهُ، والمَهْتُوكُ مَنْ بَانَهَتْكُهُ، وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ: فُلَانٌ نَاصِبيٌّ فاعْلَمْ أَنَّه رَافِضِيٌّ، وإذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ: فُلَان مُشَبِّهٌ، أَوْ فُلَانٌ يَتكلَّمَ بالتَّشْبِيْهِ فاعْلَمْ أَنَّه جَهْمِيٌّ (¬١)، وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ: تَكَلَّمْ (¬٢) بالتَّوْحِيْدِ، واشْرَحْ لِي التَّوْحِيْدَ فاعْلَمْ أَنَّه خَارِجِيٌّ مُعْتَزِليٌّ، أَوْ يَقُوْلُ: فُلَانٌ مُجْبِرٌ، أَوْ يَتكلَّمُ بالإجْبَارِ، أَوْ تَكَلَّمَ بالعَدْلِ، فاعْلَمْ أَنَّه قَدَرِيٌّ؛ لأنَّ هذِهِ الأسْمَاءَ مُحْدَثَةٌ، أَحْدَثَهَا أَهْلُ الأهْوَاءِ، وقَالَ عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ: لَا تَأَخُذُوا عَنْ أَهْلِ الكُوْفَةِ في الرَّفْضِ شَيْئًا، ولَا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ في السَّيْفِ شَيْئًا، ولَا عَنْ أَهْلِ البَصْرَةِ في القَدَرِ شَيْئًا، ولَا عَنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ في الإرْجَاءِ شَيْئًا، ولَا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ في الصَّرْفِ، وَلَا عَنْ أَهْلِ المَدِيْنَةِ في الغِنَاءِ، لَا تأْخُذُوا عَنْهُمْ في هذِهِ الأشْيَاءِ شَيْئًا (¬٣). وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ ويَتَوَلَّاهُ. فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَبَا هُرَيْرَةَ (¬٤) ﵁ (¬٤) وأَسِيْدًا، فاعْلَمْ أَنّه صَاحِبُ سُنَّةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَيُّوبَ، وابنَ عَوْنٍ، ويُوْنُسَ بنَ عُبَيْدٍ، وعَبْدَ الله بنَ إِدْرِيْسَ الأوْدِيَّ، والشَّعْبِيَّ، ومَالِكَ ابنَ مِعولٍ، ويَزِيْدَ بنَ زُرَيع، ومَعَاذَ بنَ مَعَاذٍ، وَوَهْبَ بنَ جَرِيْرٍ،وحَمَّادَ بنَ زَيْدٍ، وحَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ، ومَالِكَ بنَ أَنَسٍ، والأوْزَاعِيَّ، وزَائِدَةَ ابنَ قُدَامَةَ. فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبَ سُنَّةٍ، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، والحَجَّاجَ بنَ المِنْهَالِ، وأَحْمَدَ بنَ نَصْرٍ، وذَكَرَهُمْ بِخَيْرٍ، وقَالَ بِقَوْلهِمْ، فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ. وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجْلِسُ مَعَ [رَجُلٍ من] (¬١) أَهْلِ الأهْوَاءِ فَحَذِّرْهُ وعَرِّفْهِ (¬٢) فإِنْ جَلَسَ مَعَهُ بَعْدَ مَا عِلَمَ فاتَّقِهِ، فَإِنَّه صَاحِبُ هَوَىً. وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ تَأْتِيْهِ بالأثَرِ فَلَا يُرِيْدُهُ، ويُرِيْدُ القُرْآن، فَلَا تَشُكَّ أَنَّه رَجُلٌ قَدِ احْتَوَى عَلَى الزَّنْدَقَةِ، فَقُمْ مِنْ عِنْدِهِ وَدَعْهُ. واعْلَمْ أَنَّ الأهْوَاءَ كُلَّهَا رَدِيَّةٌ تَدْعُو إِلَى السَّيْفِ، وأَرْدَؤُهَا وأَكْفَرُهَا الرَّافِضَةُ والمُعْتَزِلَةُ، والجَهْمِيَّةُ، فإِنَّهُمْ يُرِيْدُوْنَ النَّاسَ عَلَى التَّعْطِيْلِ والزَّنْدَقَةِ واعْلَمْ أَنَّه مَنْ تناوَلَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ فاعْلَمْ أَنَّه أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ، وقَدْ آذَاهُ فِي قَبْرِهِ، وإِذَا ظَهَرَ لَكَ مِنْ إِنْسَانٍ شَيْءٌ مِنَ البِدَعِ فاحْذَرْهُ، فإِنَّ الَّذي أَخْفَى عَنْكَ أَكْثَرُ مِمَّا أَظْهَرَ، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ (¬٣) رَدِيْءُ (¬٤) الطَّرِيْقِ والمَذْهَبِ فَاسِقًا فَاجِرًا، صَاحِبَ مَعَاصٍ ظَالِمًا، وهوَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فاصْحَبْهُ، واجْلِسْ مَعَهُ، فَإِنَّه لَيْسَ تَضُرُّكَ مَعْصِيَتُهُ، وإِذَا رَأَيْتَالرَّجُلَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا مُتَقَشَّفًا، مُحْتَرِفًا بالعِبَادَةِ، صَاحِبَ هَوىً، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُ، وَلَا تَسْمَعْ كَلَامَهُ، وَلَا تَمْشِ مَعَهُ في طَرِيْقٍ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ تَسْتَحْلِيَ طَرِيْقَهُ فَتَهْلَكَ مَعَهُ. ورَأَى يُوْنُسَ بنُ عُبَيْدٍ ابنَهُ -وَقَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ هَوىً- فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ عَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: يَا بُنَيَّ؛ لأنْ أَرَاكَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِ خُنثَى (¬١) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَاكَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِ فُلَانٍ وفُلَانٍ، ولأنْ تَلَقَى اللهَ زَانِيًا، سَارِقًا، فَاسِقًا، خَائِنًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِقَوْلِ أَهْلِ الأهْوَاءِ. أَفَلَا تَعْلَمُ أَنَّ يُوْنُسَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الخُنْثَى (¬١) لَا يُضِلُّ ابنَهُ عَنْ دِيْنهِ، وأَنَّصَاحِبَ البِدْعَةِ يُضِلُّهُ حَتَّى يُكَفِّرَهُ؟ فَاحْذَرْ، ثُمَّ احْذَرْ أَهْلَ زَمَانِكَ خَاصَّةً، وانْظُرْ مَنْ تُجَالِسُ، ومِمَّنْ تَسْمَعُ، ومَنْ تَصْحَبُ؟ فَإِنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ في ضَلَالَة (¬١) إلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ مِنْهُمْ، وإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْكُرُ المَرِيْسِيَّ أَوْ ثُمَامَةَ وأَبا الهُذَيْلِ، وهِشَامَ الفُوَطِيَّ، أَوْ وَاحِدًا مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وأَشْيَاعِهِمْ فاحْذَرْهُ، فإِنَّه صَاحِبُ بِدْعَةٍ، وإِنَّ هؤُلَاءِ كانُوا عَلَى الرِّدَّةِ، واتْرُكْ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ذَكَرَهُمْ بِخَيْرِ مَنْزِلَتهُم. والمِحْنَةُ في الإسلام بِدْعَةٌ، وأَمَّا اليَوْم فيُمْتَحَنُ بالسُّنَّة، لِقَوْلهِ: "إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِيْنٌ، فانْظُرُوا مِمَّنْ تأْخُذُوْنَ دِيْنكُمْ، ولا تَقْبَلُوا الحَدِيْثَ إلَّا عَمَّنْ (¬٢) تَقْبَلُوْنَ شَهَادَتَهُ" فينظُرَ (¬٣) إِنْ كَانَ صَاحِبَ سُنَّةٍ، لَهُ مَعْرِفَةٌ، صَدُوْقٌ كَتَبْتَ عنه، وإلَّا تَرَكْتُه. وإِذَا أَرَدْتَ الاسْتِقَامَةَ عَلَى الحَقِّ وطَرِيْقِ أَهْلِ السُّنَّة قَبْلَكَ فاحْذَرْ الكَلَامَ وأَصْحَابَ الكَلَامِ، والجِدَالَ، والمِرَاءَ، والقِيَاسَ، والمُنَاظرَةَ في الدِّيْنِ، فَإِنَّ اسْتِمَاعَكَ مِنْهُمْ -وإِنْ لَمْ تَقْبَلْ مِنْهُمْ- يَقْدَحُ الشَّكَّ في القَلْبِ، وكَفَى بهِ قَبُوْلًا فَتَهْلَكُ، ومَا كَانَتْ قَطُّ زَنْدَقَةٌ، ولَا بَدْعَةٌ، ولَا هَوىً، ولَا ضَلَالَةٌ إلَّا مِنَ الكَلَامِ، والمِرَاءِ (¬٤)، والجِدَالِ، والقِيَاسِ، وهِيَ أَبْوَابُ البِدَعِ والشُّكُوْكِ والزَّنْدَقَةِ.فاللهَ اللهَ في نَفْسِكَ، وعَلَيْكَ بالآثَارِ، وأَصْحَابِ الأثَرِ والتَّقْلِيْدِ؛ [فإِنَّ الدِّيْنَ إِنَّمَا هُو التَّقْلِيْدُ] (¬١)، يَعْنِي لِلنَّبِيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ - رضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم - (¬٢) ومَنْ قَبْلَنَا لَمْ يَدَعُوْنَا في لَبْسٍ، فَقَلِّدْهُمْ واسْتَرِحْ، ولَا تُجَاوِزِ الأثَرَ وأَهْلَ الأثَرِ، وَقِفْ عِنْدَ مُتَشَابِهِ القُرْآنَ والحَدِيْثَ، ولا تُفَسِّرْ شَيْئًا. ولَا تَطْلُبْ مِنْ عِنْدِكَ (¬٣) حِيْلَةً تَرِدُ بِهَا علَى أَهْلِ البِدَعِ، فإِنَّكَ أُمِرْتَ بالسُّكُوْتِ عَنْهُمْ، فَلَا تُمَكِّنْهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ سِيْرِيْنَ -مَعَ فَضْلِهِ- لَمْ يُجِبْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ البِدَعِ في مَسْأَلةٍ وَاحِدَةٍ، ولَا سَمِعَ مِنْهُ آيةً مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿، فَقِيْلَ لَهُ، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُحَرِّفها (¬٤) فَيَقَعَ في قَلْبِي شَيْءٌ. وإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ: إِنَّا نَحْنُ نُعَظِّمُ اللهَ -إِذَا سَمِعَ آثار رَسُوْلُ الله ﷺ؟ - فاعْلَمْ أَنَّه جَهْمِيٌّ، يُريدُ أَن يَرُدَّ أثرَ رَسُوْلِ الله ﷺ[، ويَدْفَعَهُ بهذه الكَلِمَةِ، وهو يَزْعُمُ أَنَّه يُعَظِّمُ اللهَ ويَتزهَّدُ إِذَا سَمِعَ حَدِيْثَ الرُّؤْيَةِ وحَدِيْثَ النُّزُوْلِ وغَيْرَهُ، أَفَلَيْسَ قَدْ رَدَّ أَثَرَ رَسُوْلِ الله ﷺ إذْ] (¬٥) قَالَ: إِنَّا نَحْنُ نُعَظِّمُ الله أَنْ يَنْزِلَ من مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّه أَعْلَمُ باللهِ مِنْ غَيْرِهِ فاحْذَر هَؤُلَاءِ؛ فإِنَّ جُمْهُوْرَ النَّاسِ مِنَ السُّوْقَةِ وغَيْرِهِمْ عَلَى هَذَا الحَالُ، وحَذِّرِ النَّاسَ مِنْهُمْ، وإذا سَألَكَ الرَّجُلُ عَنْ مَسْأَلةٍ فِي هَذَا البَابِ، وهومُسْتَرْشِدٌ فكَلِّمْهُ وأَرْشِدْهُ، وَإِذَا جَاءَكَ يُنَاظِرُكَ فَاحْذَرْهُ؛ فَإِنَّ في المُنَاظَرَةِ المِرَاءُ والجِدَالُ والمُغَالَبَةُ والخُصُوْمَةُ والغَضَبُ، وقَدْ نُهِيْتَ عَنْ جَمِيعِ هَذَا، وهو يُزِيْلُ عَنْ طَرِيْقِ الحَقِّ، ولَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَائِنَا وعُلَمَائِنَا أَنَّه جَادَلَ، أَوْ نَاظَرَ، أَوْ خَاصَمَ، وَقَالَ الحَسَنُ: الحَكِيْمُ لَا يُمَارِي، ولَا يُدَارِي في حِكْمَتِهِ أَنْ يَنْشُرَهَا، إِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللهَ، وإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللهَ، وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الحَسَنِ فَقَالَ: أَنَا أُنَاظِرُكَ في الدِّيْنِ، قَالَ الحَسَنُ: أَنَا قَدْ عَرَفْتُ دِيْنِي، فإِنْ كَانَ دِيْنُكَ قَدْ ضَلَّ مِنْكَ فاذْهَبِ فَاطْلُبْهُ، وسَمِعَ رَسُوْلُ الله ﷺ قَوْمًا على بَابِ حُجْرَتِهِ يَقُوْلُ أَحَدُهُمْ أَلَمْ يَقُلِ اللهُ كَذَا؟ ويَقُوْلُ الآخَرُ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ كَذَا؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَقَالَ: "أَبِهَذَا أَمَرْتُكُمْ؟ أَمْ بِهَذَا بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ أنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعضٍ؟ " فَنَهَاهُمْ عن الجِدالِ، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَكْرَهُ المُنَاظَرَةَ، ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ ومَنْ فَوْقَهُ ومَنْ دُوْنَهُ إِلى يَوْمِنَا هَذَا، وقَوْلُ اللهِ ﷿ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلِ الخَلْقِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (¬١): ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَسَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ (¬٢) فَقَالَ: ما النَّاشِطَاتِ نَشْطًا؟ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ مَحْلُوقًا (¬٣) لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "المُؤْمِنُ لَا يُمَارِيْ، ولَا أَشْفَعُ لِلْمُمَارِي يَوْمَ القِيَامَةِ، دَعُوا المِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ". ولَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَقُوْلَ: فُلَانٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّه قَدِاجْتَمَعَتْ فِيْهِ خِصَالُ السُّنَّة، فَلَا يُقَالُ لَهُ: صَاحِبُ سُنَّةٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ فيه السُّنَّةُ كُلُّهَا. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ: أَصْلُ اثْنَيْنِ وسَبْعِيْنَ هَوىً؛ أَرْبَعَةُ أَهْوَاءٍ، فَمِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأهْوَاءِ تَشَعَّبَتْ الاثنَانِ وسَبْعُوْنَ هَوىً، القَدَرِيَّةُ، والمُرْجِئَةُ، والشَّيْعَةُ، والخَوَارِجُ، فَمَن قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وعَلِيًّا عَلَى أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ، ولَم يَتكلَّمْ في البَاقِيْنَ إلَّا بِخَيْرٍ، ودَعَا لَهُمْ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ التَّشَيُّعِ، أَوَّلِهِ وآخِرِهِ، ومَنْ قَالَ: الإيْمَانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيْدُ ويَنْقُصُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإرْجَاءِ أَوَّلِهِ وآخِرِهِ. ومَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ خَلْفَ كلِّ بَرٍّ وفَاجِرٍ، والجِهَادُ مَعَ كلِّ خَلِيْفَةٍ، ولَمْ يَرَ الخُرُوْجَ عَلَى السُّلْطَانِ بالسَّيْفِ، ودَعَا لَهُمْ بالصَّلَاحِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ الخَوَارِجِ أَوَّلِهِ وآخِرِهِ. ومَنْ قَالَ: المَقَادِيْرُ كُلُّهَا مِنَ اللهِ ﷿، خَيْرُها وشَرُّهَا، يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ القَدَرَيَّةِ أَوَّلِهِ وآخِرِهِ، وهو صَاحبُ سُنَّةٍ. وكلُّ (¬١) بِدعة ظَهَرَتْ فَهْيِ كُفْرٌ باللهِ العَظِيْمِ، ومَنْ قَالَ بِها فهو كَافِرٌ باللهِ، لاشَكَّ فِيْهِ. والذي يُؤمِنُونَ بالرَّجْعَةِ، ويَقُوْلُوْنَ: عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ حَيٌّ، وسَيَرْجِعُ قَبْلَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ومُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بنُ مُحمَّدٍ، ومُوْسَى بنُ جَعْفَرٍ، ويَتكلَّمُونَ في الإمَامَةِ، وأَنَّهم يَعْلَمُوْنَ الغَيْبِ، فاحْذَرْهُمْ فإِنَّهُمْ كُفَّارٌ باللهِ العَظِيْمِ. قَالَ طُعْمَةُ بنُ عَمْرٍو (¬٢)، وسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ وَقَفَ عَنْدَ عُثْمَانَوعَلِيٍّ فهو شِيْعِيٌّ لا يُعَدَّلُ، ولا يُكَلَّمُ، ولَا يُجَالَسُ، ومَنْ قَدَّم عَلِيَّا عَلَى عُثْمَانَ فهو رَافِضِيٌّ، قَدْ رَفَضَ آثارَ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ، ومَنْ قَدَّمَ الأرْبَعَةَ عَلَى جَمِيْعِهِمْ وتَرَحَّمَ على الباقِيْنَ، وكَفَّ عَنْ زَلَلِهِمْ، فهوَ على طَرِيْقِ الاسْتِقَامَةِ والهُدَى في هَذَا البَابِ. والسُّنَّةُ أَنْ تَشْهَدَ للعَشَرَةِ الذين شَهِدَ لَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بالجَنَّةِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ لَا شَكَّ فِيْهِ، ولا نُفْرِدُ الصَّلاةَ (¬١) على أَحَدٍ إلَّا لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ وعلى آله فَقَطَ، ونَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُوْمًا، ومَنْ قَتَلَهُ كَانَ ظَالِمًا، فَمَنْ أَقَرَّ بِمَا في هَذَا الكِتَابِ وآمَنَ بِهِ، واتَّخَذَهُ إِمَامًا، ولَمْ يَشُكَّ في حَرْفٍ مِنْهُ، ولَمْ يَجْحَدْ حَرْفًا مِنْهُ، فَهو صَاحِبُ سُنَّةٍ وجَمَاعَةٍ، كَامِلٌ، قَدْ كَمُلَتْ فيه الجَمَاعَةُ، ومَنْ جَحَدَ حَرْفًا مِمَّا في هَذَا الكِتَابِ، أَوْ شَكَّ في حَرْفٍ مِنْهُ، أَوْ شَكَّ فِيْهِ أَوْ وَقَفَ فهوَ صَاحِبُ هَوىً (¬٢)، ومَنْ جَحَدَ أَو شَكَّ في حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ، أَوْ فِي شَيْءٍ جَاءَ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ: لَقِيَ اللهَ مُكَذِّبًا، فاتَّقِ اللهَواحذَرْ وتَعَاهَدْ إِيْمَانَكَ. ومِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا تُطِعْ أَحَدًا في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا الوَالِدَيْنِ، والخَلْقِ جَمِيْعًا، ولَا طَاعَةَ لِبَشَرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا تُجِبْ عَلَيْهِ أَحَدًا، واكْرَهْ ذلِكَ كُلَّهُ للهِ. والإيْمَانُ بأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ على العِبَادِ، وأَنْ يَتُوْبُوا إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ كَبِيْرِ المَعَاصِيْ وصَغِيْرِهَا. ومَنْ لَمْ يَشْهَدْ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُوْلُ الله ﷺ بالجَنَّةِ فَهْوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ وضَلَالَةٍ، شَاكٌّ فِيْمَا قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ. وقَالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: مَنْ لَزِمَ السُّنَّةِ وسَلِمَ مِنْه أَصْهَارُ رَسُوْلِ الله ﷺ، ثَمَّ مَاتَ كانَ مَعَ الصِّدِّيْقِيْنَ والشُّهَدَاءِ، والصَّالِحِيْنَ، وإِنْ قَصَّر في العَمَلِ. وقَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: السُّنَّةُ هِيَ الإسْلَامُ، والإسْلَامُ هُوَ السُّنَّةُ. وَقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَكَأَنَّمَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ، وإِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البِدْعَةِ فَكَأَنَّمَا رَأَيْتَ رَجُلًا مِنَ المُنَافِقِيْنَ. وقَالَ يُوْنُسُ بنُ عُبَيْدٍ: العَجَبُ مِمَّنْ يَدْعُو اليَوْمَ إِلَى السُّنَّةِ، وأَعْجَبُ مِنْهُمْ المُجِيْبُ إِلَى السُّنَّةِ. وكَانَ ابنُ عَوْنٍ، يَقُوْلُ عِنْدَ المَوْتِ: السُّنَّةَ السُّنَّةَ، وإِيَّاكُمْ والبِدَعَ، حَتَّى مَاتَ. وقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِي، فَرُئِيَ فِي المَنَامِ. فَقَالَ: قُوْلُوا لأبِي عَبْدِ الله: عَلَيْكَ بالسُّنَّةِ، فإِنَّ أَوَّل مَا سَأَلنِي رَبِّي ﷿ عَنِ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةَ: مَنْ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ مَسْتُوْرًا فَهْوَ صِدِّيْقٌ، والاعتِصَامُ بالسُّنَّةِ نَجَاةٌ. وقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ أَصْغَى بِإذُنِهِ إِلَى صَاحِبِ بَدْعَةٍ خَرَجَ مِنْ عِصْمَةِ اللهِ، ووُكِلَ إِلَيْهَا، يَعْنِي إِلَى البِدَعِ. وَقَالَ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ: أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَوتَعَالَى إِلَى مُوْسَى بنِ عِمْرَانَ: لَا تُجَالِسْ أَهْلَ البِدَعِ؛ فَإِنْ جَالَسْتَهُمْ فَحَاكَ في صَدْرِكَ شَيْءٌ مِمَّا يَقُوْلُوْنَ أَكْبَبْتُكَ في نَارِ جَهَنَّمَ. وَقَالَ الفُضيْلُ بنُ عِيَاضٍ: مَن جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الحِكْمَةَ. وَقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: لَا تَجْلِسْ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ. وقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَ بَدْعَة أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ، وأَخْرَجَ نُوْرَ الإسْلَامِ مِنْ قَلْبهِ. [قَالَ الفُضَيْلُ بن عياضٍ: مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِب بِدْعَةٍ وَرَّثَهُ العَمَى] (¬١). وقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: إَذَا رَأَيْتَ (¬٢) صَاحِبَ بِدْعَةٍ في طَرِيْقٍ، فَجُزْ فِي طَرِيْقٍ غَيْرِهِ. وَقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: مَنْ عَظَّمَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإسْلَامِ، ومَنْ تَبَسَّمَ في وَجْهِ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ استَخَفَّ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَنْ زَوَّجَ كَرِيْمَتَهُ مِنْ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا، ومَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ مُبْتَدِعٍ لَمْ يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ. وقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: آكُلُ مَعَ يَهوْدِيٍّ ونَصْرَانِيٍّ، ولَا آكُلُ مَعَ مُبْتَدِعٍ، وأَحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حِصْنٌ مِنْ حَدِيْدٍ. وقَالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: إِذَا عَلِمَ اللهُ مِنَ الرَّجُلِ أَنَّه مُبْغِضٌ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ غَفَرَ لَهُ، وإِنْ قَلَّ عَمَلُهُ، ولَا يَكُنْ صَاحِبُ سُنَّةٍ يُمَالِئُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ إلَّا نِفَاقًا، ومَنْ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْ صَاحِبِ بدْعَةٍ مِلأَ الله قَلْبَهُ إِيْمَانًا، ومَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَمَّنَهُ اللهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ومَنْ أَهَانَصَاحِبَ بِدْعَةٍ رَفَعَهُ اللهُ في الجَنَّةِ مائةَ دَرَجَة، فَلَا تَكُنْ تُحِبُّ (¬١) صَاحِبَ بِدْعَةٍ في اللهِ أَبَدًا. أَنْبَأَنَا عَلِيٌّ، عَنِ ابنِ بَطَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرْبَهَارِيَّ يَقُوْلُ: المُجَالَسَةُ لِلْمُنَاظَرَةِ تُغْلِقُ بَابَ الفَائِدَةِ، قَالَ: وسَمِعْتُ البَرْبَهَارِيَّ يَقُوْلُ لَمَّا أُخِذَ الحَاجُّ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ يُحْتَاجُ إِلى مُعَاوَنَة بمائةِ أَلْف دِيْنَارٍ، ومَائَة أَلْفِ دِيْنَارٍ، ومَائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ -خَمْس مَرَّاتٍ- عَاوَنْتُهُ. قَالَ ابنُ بَطَّةَ: لَوْ أَرَادَهَا مُعَاوَنَة (¬٢) لحصَّلَهَا مِنَ النَّاسِ. وقَالَ ابنُ بَطَّةَ: اجتَازَ بَعْضُ المُحِبِّينَ للبِرْبَهَارِيِّ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَه (¬٢) مِنَ العَوَامِّ وهو سَكْرَانٌ على بِدْعِيٍّ. فَقَالَ البِدْعِيُّ: هَؤُلَاءِ الحَنْبَلِيَّةُ [. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْه، وَقَالَ: الحَنْبَلِيَّةُ] (¬٣) على ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ زُهَّادٌ، يَصُوْمُوْنَ ويُصَلُّوْنَ، وصِنْفٌ يَكْتبوْنَ ويَتَفَقَّهُوْنَ، وصِنْفٌ يَصْفَعُوْنَ لِكُلِّ مُخَالِفٍ مِثْلِكَ، وصَفَعَهُ، وأَوْجَعَهُ. وسَمِعْتُ أَخِي أَبَا القَاسِم -نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ- يَقُوْلُ: لَمْ يَكُنْ البرْبهَارِيّ يَجْلِس مَجْلِسًا إلَّا ويَذْكُر فِيْه أَنَّ الله ﷿ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا ﷺ مَعَهُ على العَرْشِ. ونَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الوَالدِ السَّعِيْدِ ﵁ قَالَ: نَقَلْتُ من خَطِّ أَبِي حَفْصٍالبَرْمَكِيِّ قَالَ: ذَكَر أَبُو الحَسَن بنُ بَشَّار قَالَ: تَنَزَّه البرْبَهَارِيّ مِنْ مِيْرَاث أَبِيْه عن سَبْعِيْنَ أَلْفَ درْهَمٍ. وَقَالَ البَرْبَهَارِيُّ: مِثْلُ أَصْحَابِ البِدَعِ مِثْلُ العَقَارِب، يَدْفِنُوْنَ رُءُوْسَهُمْ وأَبْدَانَهُمْ في التُّرَابِ، ويُخْرِجُوْنَ أَذْنَابَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنُوا لَدَغُوا، وكَذلِكَ أَهْلُ البِدَعِ، هُمْ مُخْتَفُوْنَ بَيْنَ النَّاسِ (¬١). فَإِذَا تَمَكَّنُوا بَلَغُوا مَا يُرِيْدُوْنَ. وَقَالَ أَيْضًا: النَّاسُ (¬١) في خِدَاعٍ مُتَّصِلٍ. وكَانَتْ للبِرْبَهَارِيِّ مُجَاهَدَاتٌ ومَقَامَاتٌ في الدِّيْنِ كَثِيْرَةٌ، وكَانَ المُخَالِفُوْنَ يَغِيْظُوْنَ قَلْبَ السُّلْطَانِ عَلَيْه، فَفِي سَنَةِ إِحْدَى وعِشْرِيْن وثَلَاثَمَائة في خِلَافَةِ القَاهِرِ (¬٢) وَوَزِيْرُهُ ابنُ مُقْلَة (¬٣) تَقدَّمَ بالقَبْضِ عَلى البَرْبَهَارِيِّ، فاستَتَرَ، وقُبِضَ على جَمَاعَةٍ من كِبَارِ أَصْحَابِهِ، وحُمِلُوا إِلى البَصْرَةِ، وعَاقَبَ اللهُ تَعَالَى ابنُ مُقْلَةَ عَلَى فَعْلِهِ ذلِكَ، بأَنْ أَسْخَطَ عَلَيْهِ القَاهِرُ، وهَرَبَ ابنُ مُقْلَةَ، وعَزَلَهُ القَاهِرُ عن وِزَارَتِهِ، [وطُرِحَ في دَارِهِ النَّارُ] (¬٤)، فَقُبِضَ عَلى القَاهِرِ باللهِ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ لِسِتٍّ من شَهْرِ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَاثْنَتينِ وعِشْرِيْنَ وثَلَاثِمَائة، وحُبِسَ وخُلِعَ وسُمِلَتْ عَيْنَاهُ في هَذَا اليَوْمِ حَتَّى سَالَتَا جَمِيْعًا فَعَمِيَ، ثُمَّ تَفَضَّل اللهُ تَعَالَى وأَعَادَ البَرْبَهَارِيَّ إلى حِشْمَتِهِ، وزَادَتْ حَتَّى إِنَّه لَمَّا تُوِفِّيَ أَبُو عَبْدِ الله بنُ عَرَفَةَ المَعْرُوْفِ بـ"نَفْطُوْيَهْ" (¬١) وحَضَرَ جَنَازَتَهُ أَمَاثِلُ أَبْنَاءِ الدِّيْنِ والدُّنْيَا (¬٢) كَانَ المُقَدَّمَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ في الإمَامَةِ البَرْبَهَارِيُّ. وذلك في صَفَرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وعِشْرِيْنَ وثَلَاثَمِائَةَ [في خِلَافَة الرَّاضي] (¬٣). وفي هَذِهِ السَّنَةِ ازْدَادَتْ حِشْمَةُ البَرْبَهَارِيِّ، وعَلَتْ كَلِمَتُهُ، وظَهَرَ أَصْحَابُهُ، وانْتَشَرُوا في الإنْكَارِ على المُبْتَدِعَةِ، فَبَلَغَنَا أَنَّ البَرْبَهَارِيَّ اجتَازَ بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ فَعَطَسَ فَشَمَّتَهُ أَصْحَابُهُ، فارْتَفَعَتْ ضَجَّتُهُمْ حَتَّى سَمِعَهَا الخَلِيْفَةُ وهو في رَوْشَنِهِ، فَسَأَلَ عَن الحَالِ؟ فأُخْبِرَ بِهَا، فاسْتَهْوَلَهَا، ولَمْ تزَلْ المُبْتَدِعَةُ يَنْقُلُوْنَ (¬٤) قَلْبَ الرَّاضِي عَلَى البَرْبَهَارِيِّ،فَتَقَدَّمَ الرَّاضِي إلى بَدْرٍ الخَرْشَنِيِّ (¬١) صَاحِبِ الشُّرْطَةِ بالرُّكُوبِ والنِّدَاءِ بـ"بَغْدَادَ" أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ (¬٢) البَرْبَهَارِيِّ نَفْسَانِ، فاستَتَرَ البَرْبَهَارِيُّ (¬٣) وكانَ يَنْزِلُ بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ بـ"باب مُحَوَّل" (¬٤) فانْتَقَلَ إِلَى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مُسْتَتِرًا، فتُوفِّي في الاستِتَارِ في رَجَبٍ سَنَة تِسْعٍ وعشْرِيْن وثَلَاثمَائة. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المُقْرِئُ قَالَ: حَكَى لِي جَدِّي وجَدَّتِي قَالَا: كَانَ أَبُو محمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ قَدِ اخْتبَأَ عَنْدَ أُخْت تُوْزُوْنَ (¬٥) بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، في دَرْبِ الحَمَّامِ، في شَارعِ دَرْبِ السِّلْسِلَةِ، فَبَقِي نَحْوًا مِن شَهْرٍ، فَلَحِقَهُ قِيَامُ الدَّمِ، فَقَالَتْ أُخْتُ تُوْزُون لِخَادِمَهَا لمَّا مَاتَ البَرْبَهَارِيُّ عِنْدَهَا مُسْتَتِرًا: انْظُرْ مَنْ يُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ بالغَاسِلِ فَغَسَّلَهُ، وغَلَّقَ البَابَ حَتَّى لَا يَعْلَمَ أَحَدٌ، وَوَقَفَ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَحْدَهُ (¬٦)، فَطَالَعَتْ صَاحِبَةُ المَنْزِلِ،فَرَأَتْ الدَّارَ مَلأَى رِجَالًا عَلَيْهِم ثِيَابٌ بيْضٌ وخُضْرٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ لَمْ تَرَ أَحَدًا فاسْتَدْعَتِ الخَادِمَ وقَالَتْ: يَا حَجَّامُ أَهْلَكْتَنِي مَعَ أَخِي، فَقَالَ: يَا سِتِّي، رَأَيْتِ مَا رَأَيْتُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيْحُ البَابِ، وهو مُغْلَقٌ، فَقَالَتْ: ادْفُنُوْهُ فِي بَيْتِي، فَإِذَا مُتُّ فادْفِنُوْنِي عِنْدَهُ في بَيْتِ القُبَّة، فَدَفَنُوْهُ في دَارِهَا، فَمَاتَتْ بَعْدَهُ بَزَمانٍ فَدُفِنَتْ في ذلِكَ المَكَانِ، ومَضَى الزَّمَانُ عَلَيْهَا، وصَارَتْ تُرْبَةً، وهو بقُرْبِ دَارِ المَمْلَكَةِ بـ" المَخَرِّمِ".