ابن عبد البر - الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت البجاوي
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 926, entry [1816]6,462 chars
(١٥٨٨) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي يكنى أبا العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة إذ توفى رسول الله ﷺ، هذا قول الواقدي والزبير. قال الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر: ولد عبد الله ابن العباس في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه، وذلك…
▸ expand full passage (6,462 chars)(١٥٨٨) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي يكنى أبا العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة إذ توفى رسول الله ﷺ، هذا قول الواقدي والزبير. قال الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر: ولد عبد الله ابن العباس في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاثسنين. وروينا من وجوه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم يعنى المفصل. هذه رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير. وقد روى عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا ختين أو قال مختون. ولا يصح، والله أعلم. وقد حدثنا عبد الله، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال أبى: وهذا هو الصواب. وقال الزبيري: يروى عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال في حجة الوداع: وكنت يومئذ قد ناهزت الحلم. قال أبو عمر: وما قاله أهل السير والعلم بأيام الناس عندي أصح، والله أعلم، وهو قولهم إنه ابن عباس كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفى رسول الله ﷺ. ومات عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير، وكان ابن الزبير قد أخرجه من مكة إلى الطائف، ومات بها وهو ابن سبعين سنة، وقيل ابن إحدى وسبعين سنة. وقيل: ابن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وكبر عليه أربعا، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، وضرب على قبره فسطاطا. وروى عن النبي ﷺ من وجوه: أنه قال لعبد الله بن عباس:اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن. وفي بعض الروايات: اللهم فقهه في الدين. علمه التأويل. وفي حديث آخر: اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين. وفي حديث آخر: اللهم زده علما وفقها. وهي كلها أحاديث صحاح. وقال مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبرئيل عند النبي ﷺ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يحبه ويدنيه ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة. وكان عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان قئول، وقلب عقول. وروى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا رجل. وقال ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد أنه قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله ﷺ. وروى مثل هذا عن القاسم بن محمد. قال طاوس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله. وقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا، معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. وروى شريك، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق أنه قال: كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس قلت: أجمل الناس. فإذا تكلم قلت: أفصح الناس. وإذا تحدث قلت: أعلم الناس. وذكر الحلواني، قال: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش. حدثنا شقيقأبو وائل، قال: خطبنا ابن عباس، وهو على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس، والروم، والترك، لأسلمت. قال: وحدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن شقيق: مثله. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، وأحسبه قال: والشعر. وقال أبو الزناد، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنة، ولا أجل رأيا، ولا أثقب نظرا من ابن عباس، ولقد كان عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه، وكان أصحابه يسمونه البحر، ويسمونه الحبر. قال عبد الله بن أبى بن أبى زيد الهلالي: ونحن ولدنا الفضل والحبر بعده … عنيت أبا العباس ذا الفضل والندى وقال أبو عمرو بن العلاء: نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر بن الخطاب ﵁ غالبا عليه، فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنه، قالوا: عبد الله بن عباس، فقال فيه أبياتا منها: إني وجدت بيان المرء نافلة … تهدى له ووجدت العى كالصمم والمرء يفنى ويبقى سائر الكلم … وقد يلام الفتى يوما ولم يلموفيه يقول حسان بن ثابت ﵁ (¬١): إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه … رأيت له في كل أحواله فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل … بمنتظمات (¬٢) لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع … لذي إربة في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة … فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا خلقت خليقا للمودة والندى … فليجا ولم تخلق كهاما ولا جهلا ويروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما يتكلم، فأتبعه بصره، وقال متمثلا: إذا قال لم يترك مقالا لقائل … مصيب ولم يثن اللسان على هجر يصرف بالقول اللسان إذا انتحى … وينظر في أعطافه نظر الصقر وروى: أن عبد الله بن صفوان بن أمية مر يوما بدار عبد الله بن عباس بمكة، فرأى جماعة من طالبي الفقه، ومر بدار عبيد الله بن عباس، فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير. فقال له: أصبحت والله كما قال الشاعر: فإن تصبك من الأيام قارعة … لم نبك منك عليه دنيا ولا دين قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس، أحدهما يفقه الناس والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة، فدعا عبد الله بن مطيع. وقال: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين: اخرجا عنى، أنتما ومن أصغى إليكما من أهل العراق، وإلا فعلت وفعلت. فقال عبد الله بن عباس لابن الزبير:والله ما يأتينا من الناس إلا رجلان: رجل يطلب فقها، ورجل يطلب فضلا، فأى هذين تمنع؟ وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، فجعل يقول: لا در در الليالي كيف تضحكنا … منهما خطوب أعاجيب وتبكينا ومثل ما تحدث الأيام من عبر … في ابن الزبير عن الدنيا تسلينا كنا نجيء ابن عباس فيسمعنا … فقها ونكسبنا أجرا ويهدينا ولا يزال عبيد الله مترعة … جفانه مطعما ضيفا ومسكينا فالبر والدين والدنيا بدارهما … ننال منها الذي نبغى إذا شينا إن النبي هو النور الذي كشطت … به عمايات ماضينا وباقينا ورهطه عصمة في دينه لهم … فضل علينا وحق واجب فينا ففيم تمنعنا منهم وتمنعهم … منا وتؤذيهم فينا وتؤدينا ولست بأولاهم به رحما … يا بن الزبير ولا أولى به دينا لن يؤتي الله إنسانا ببغضهم … في الدين عزا ولا في الأرض تمكينا وكان ابن عباس ﵄ قد عمى في آخر عمره. وروى عنه: أنه رأى رجلا مع النبي ﷺ فلم يعرفه، فسأل النبي ﷺ عنه، فقال له رسول الله ﷺ: أرأيته؟ قال: نعم. قال: ذلك جبرئيل، أما إنك ستفقد بصرك، فعمى بعد ذلك في آخر عمره. وهو القائل في ذلك فيما روي عنه من وجوه: إن يأخذ الله من عيني نورهما … ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل … وفي فمي صارم كالسيف مأثوريروى أن طائرا أبيض خرج من قبره فتأولوه علمه خرج إلى الناس. ويقال: بل دخل قبره طائر أبيض وقيل: إنه بصره في التأويل. وقال الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل في نعشه حين حمل، فما رئي خارجا منه. شهد عبد الله بن عباس مع على ﵄ الجمل وصفين والنهروان، وشهد معه الحسن والحسين ومحمد بنوه، وعبد الله وقثم ابنا العباس، ومحمد وعبد الله وعون بنو جعفر بن أبى طالب. والمغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب، وعقيل بن أبى طالب، وعبد الله بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب. قرأت على أحمد بن قاسم أن محمد بن معاوية حدثهم قال: حدثنا أحمد ابن الحسين الصوفي، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس يأتون لأيام الحرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه، ما منهم صنف إلا يقبل عليهم بما شاؤوا.