كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 6136, entry [2705]7,678 chars
سِنَانُ بنُ سَلْمان بن مُحَمَّد البَصرِيُّ البَاطِنِيُّ، أبو الحَسَن، صاحِبُ الدَّعوَةِ النِّزَارِيَّةِ "قال ابنُ العَدِيْمِ في تاريْخِهِ: أخْبَرني شَيْخٌ أدْرك سِنَانًا أنَّه كان بَصْريًّا يُعلِّمُ الصِّبْيانَ، وأَنَّهُ مرَّ وهو طالعٌ إلى الحُصُونِ على حِمَارٍ، فأرادَ أهلُ إقمِينَاسَ أخذَ حِمَارِهِ…
▸ expand full passage (7,678 chars)سِنَانُ بنُ سَلْمان بن مُحَمَّد البَصرِيُّ البَاطِنِيُّ، أبو الحَسَن، صاحِبُ الدَّعوَةِ النِّزَارِيَّةِ "قال ابنُ العَدِيْمِ في تاريْخِهِ: أخْبَرني شَيْخٌ أدْرك سِنَانًا أنَّه كان بَصْريًّا يُعلِّمُ الصِّبْيانَ، وأَنَّهُ مرَّ وهو طالعٌ إلى الحُصُونِ على حِمَارٍ، فأرادَ أهلُ إقمِينَاسَ أخذَ حِمَارِهِ، فبعدَ جُهْدٍ تَرَكوهُ، ثُمَّ آلَ أَمرُهُ إلى أنْ تَملَّكَ عِدَّةَ قِلاعٍ. أوْصَى يَوْمًا أتْبَاعَهُ، فقال: عليْكُم بالصَّفَاءِ بَعْضُكُمُ لبَعْضٍ، لا يَمنعَنَّ أحَدُكُم أخَاهُ شَيئًا لهُ، فأخذَ هذا بِنْتَ هذا، وأخَذَ هذا أُخْتَ هذا سِفَاحًا، وسَمَّوا نُفُوْسَهُم الصُّفَاةُ، فاسْتدَعَاهُم سنَانٌ مرَّةً، وقَتَلَ خَلْقًا منْهُم. قال ابنُ العَدِيْمِ: تَمَكَّنَ في الحُصُونِ، وانْقَادُوا له. وأخْبَرني عليُّ بنُ الهَوَّارِيِّ أنَّ صَلاحَ الدِّيْنِ سَيَّرَ رَسُولًا إلى سِنَانٍ يَتهدَّدُهُ، فقال للرَّسُولِ: سَأُرِيكَ الرِّجالَ الَّذينَ ألقَاهُ بِهِم، فأشارَ إلى جماعَةٍ أَنْ يَرمُوا أَنْفُسَهُم مِنْ أهْلِ الحِصْنِ من أعْلاهُ، فألقَوا نُفُوْسَهُم، فهَلكوا. === قال: وبلَغَنِي أَنَّهُ أحَلَّ لَهُم وَطءَ أُمَّهَاتِهِم وأخوَاتِهِم وبناتِهِم، وأسْقَطَ عنْهُم صَوْمَ رَمَضان. قال: وقَرأْتُ بخَطِّ أبي غالِبٍ بن الحُصَيْنِ أنَّ في مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وثَمانِيْنَ هَلَكَ سنَانٌ صاحِبُ الدَّعوَةِ بحِصْنِ الكَهْفِ، وكانَ رَجُلًا عَظِيْمًا خَفِيَّ الكَيْدِ، بعيدَ الهِمَّةِ، عَظِيْمَ المخَارِيقِ، ذا قُدرَةٍ على الإغوَاءِ، وخَدِيعَةِ القُلُوبِ، وكتمَانِ السِّرِّ، واسْتَخدَامِ الطَّغَامِ والغَفَلَةِ في أغْرَاضِهِ الفاسِدَةِ. وأَصلُهُ مِنْ قُرَى البَصْرَةِ، خَدَمَ رُؤسَاءَ الإسْمَاعِيْلِيَّة بِأَلَمُوت، ورَاضَ نَفْسَهُ بُعُلوْمِ الفَلاسِفَةِ، وقرَأَ كَثِيْرًا مِن كُتُبِ الجَدَلِ والمغَالطَةِ ورَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ، والفَلْسَفَةِ الإِقنَاعِيَّةِ المُشَوَّقَةِ لا المُبَرْهَنَةِ، وبنَى بالشَّامِ حُصُوْنًا، وتَوثَّبَ على حُصُوْنٍ، ووَعَّرَ مسَالِكَها، وسَالَمَتْهُ الأنامُ، وخافَتْهُ المُلُوْكُ من أجْلِ هُجومِ أتْباعِهِ بالسِّكِّينِ. دَام له الأمْرُ نَيِّفًا وثلاثِيْنَ سَنَةً، وقدْ سَيَّر إليه دَاعِي الدُّعَاةِ مِن قَلْعَةِ أَلَمُوْتَ جَماعَةً غير مَرَّةٍ ليَقْتلُوْهُ لاسْتبدَادِهِ بالرِّئَاسَةِ، فَكانَ سِنَانٌ يَقتلُهُم، وبَعْضُهُم يَخدعُهُ، فيَصِيْرُ من أتْباعِهِ. قال: وقَرأْتُ على حُسَين الرَّازِيِّ في تارِيْخِهِ، قال: حَدَّثَنِي مُعِيْنُ الدِّينِ مَوْدُود الحَاجِبُ أَنَّهُ حضَرَ عندَ الإسْمَاعِيْلِيَّةِ في سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وخَمْسِينَ، فَخلا بسِنَانٍ، وسأَلَهُ فقال: نَشأتُ بالبَصْرَةِ، وكان أبي من مُقدَّمِيها، فوَقَعَ هذا الأمْرُ في قَلْبِي، فجرَى لي معَ إخْوَتِي أمْرٌ، فخَرَجتُ بغَيْرِ زادٍ ولا رَكُوْبٍ، فتَوصَّلْتُ إلى الأَلَمُوت، وبها إلْكِيَا مُحمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ، وله ابْنانِ: حَسَنٌ وحُسَينٌ، فأَقْعَدنِي مَعهُما في المَكْتَبِ، وكان يَبُرُّنِي بِرَّهُمَا، ويُسَاوينِي بهما، ثُمَّ ماتَ، ووَلِيَ حَسَنُ بنُ مُحمَّدٍ، فنَفَّذَنِي إلى الشَّامِ، فخَرَجْتُ مِثْلَ خُرُوْجي منَ البَصْرَةِ، وكان قد أمْرَنِي بأوَامرَ، وحمَّلَنِي رسَائِلَ، فدَخَلتُ مَسْجِدَ التَّمَّارِيْنَ بالمَوْصِل، ثُمَّ سِرْتُ إلى الرّقَّةِ، فأدَّيْتُ رسالَتَهُ إلى === رَجُلٍ، فزوَّدنِي، واكْتَرَى لي بَهيْمَةً إلى حَلَبَ، ولقِيْتُ آخرَ برسَالتِهِ، فزوَّدنِي إلى الكَهفِ، وكانَ الأمْرُ أنْ أُقيمَ هُنا، فأقَمْتُ حتَّى ماتَ الشَّيْخُ أبو مُحمَّدٍ صَاحِبُ الأمْرِ، فولِيَ بعدَهُ خوَاجَا عليّ بغَيْرِ نَصٍّ، بلْ باتِّفَاقِ جَماعَةٍ، ثُمّ اتَّفَقَ الرَّئِيْسُ أبو مَنْصُورٍ ابنُ الشَّيخِ أبي مُحمَّدٍ والرَّئِيسُ فَهْدٌ، فبعثَوا مَنْ قتلَ خوَاجَا، وبقيَ الأمْرُ شُوْرَى، فجاءَ الأمْرُ منَ الأَلموت بقَتْلِ قَاتِلِهِ وإطْلَاقِ فَهْدٍ، وقُرِئت الوَصِيَّةُ على الجَماعَةِ، وهي: هذا عَهْدٌ عَهِدنَاهُ إلى الرَّئِيسِ ناصِرِ الدِّيْنِ سِنَان، وأمَرْنَاهُ بقراءتِهِ على الرِّفَاقِ والإخْوَانِ، أعَاذَكُمُ اللهُ مِنَ الاخْتِلَافِ واتِّبَاعِ الأهْوَاءِ، إذْ ذاكَ فِتْنَةُ الأوَّلِينَ، وبلَاءُ الآخرِيْنَ، وعِبرَةٌ لِلمعتبرِيْنَ، مَنْ تَبرَّأَ مِن أعْدَاءِ اللهِ وأعْدَاءِ وَليِّهِ ودِيْنِهِ، عليْه مُوَالَاةُ أوْلِيَاءِ اللهِ، والاتِّحَادُ بالوَحْدَةِ سُنَّةُ جَوَامِعِ الكَلِم، كلمَةِ اللهِ والتَّوحيدِ والإخْلَاصِ، لا إلَهَ إلَّا الله عُرْوَةُ اللهِ الوُثقَى، وحَبْلُهُ المَتِين، ألَا فتَمسَّكُوا بِهِ، واعْتَصمُوا بِهِ، فبِهِ صَلاحُ الأوَّلِينَ، وفَلاح الآخرين، أجْمِعُوا آرَاءكُم لتعَلِيْمِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بنصٍّ مِنَ اللهِ ووَليِّهِ، فتَلقُّوا ما يُلْقِيهِ إلَيْكُم مِن أوَامِرِهِ ونوَاهيهِ بقَبُولٍ، فلا وَرَبّكَ لَا تُؤمنُوْنَ حَتَّى تُحَكِّمُوْهُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَكُم ثُمَّ لا تَجِدُوا فِي أنْفُسِكُم حَرَجًا ممَّا قضَى وتَسلِّمُوا تَسْليمًا، فذلكَ الاتِّحَادُ بالوَحْدَةِ الَّتي هي آيَةُ الحَقِّ المُنْجِيَةُ منَ المهَالكِ، المُؤدِّيَةُ إلى السَّعَادَةِ، إذِ الكَثْرَةُ علَامَةُ الباطِلِ المُؤدِّيَةُ إلى الشَّقَاوَةِ المُخزِيَةِ، فنَعُوذُ باللهِ مِن زوَالِهِ، وبالوَاحِدِ من آلهَةٍ شَتَّى، وبالوَحدَةِ مِنَ الكَثْرَةِ، وبالنَّصِّ والتَّعَلِيْمِ مِنَ الأدوَاءِ والأهْوَاءِ، وبالحَقِّ منَ الباطِلِ، وبالآخِرَةِ الباقيَةِ مِنَ الدُّنْيا المَلْعُوْنَةِ، إلَّا ما أُرِيْدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ، فتَزوَّدُوا منها للأُخْرَى، وخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى، أطِيعُوا أميْرَكُم ولَوْ كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا" (¬١). === " قال ابنُ العَدِيْمِ: كَتَبَ سِنَانٌ إلى صَاحِبِ شَيْزَرَ يُعَزِّيهِ بِأَخِيْهِ: [من الكامل] إنَّ المنَايَا لا تَطَا بمنْسمٍ … إِلَّا على أكْتَافِ أهْلِ السُّؤْدُدِ فلَئِنْ صَبْرتَ فأنْتَ سَيِّدُ معشرٍ … صَبْرُوا وإنْ تَجْزَعْ فغَيْرُ مُفَنَّدِ هذا التَّناصُرُ باللِّسَانِ ولَوْ أتَى … غَيْرُ الحِمَامِ أتَاكَ نَصْرِي باليَدِ وهي لأبِي تَمَّامٍ" (¬١). "وكَتَبَ سِنَان إلى صَلاح الدِّين: [من البسيط] يا للرِّجال لأمْرٍ هَالَ مقطعُهُ … ما مَرَّ قَطُّ على سَمْعي توقُّعُهُ (¬٢) فإذا الَّذي بقِرَاعِ السَّيفِ هَدَّدَنا … لا قامَ مَصْرَعُ جَنْبِي حين تَصْرَعُهُ قام الحَمامُ إلى البَازِي يُهدِّدُدُ … واسْتَيقَظَتْ لأُسُودِ البَرِّ أضْبعُهُ وَقَفْتُ على تَفصِيلِ كِتَابِكُم وجُمَلِهِ، وعَلِمْنا ما هَدَّدنَا بهِ من قَوْلهِ وعَملِهِ، فيا للهِ العَجَبُ من ذُبابَةٍ تَطنُّ فِي أُذنِ فيْلٍ، وبعُوضَةٍ تُعَدُّ في التَّمَاثيلِ، ولقد قالَها من قَبْلِكَ قَوْمٌ فدَمَّرْنا عليْهِم، وما كان لَهُم منْ ناصِرِيْن، أَلِلْحقِّ تَدْحضُونَ، وللباطِلِ تَنصرُوْنَ؟! وسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلْبُونَ. ولئِنْ صَدَرَ قَوْلُكَ في قَطْعِ رَأْسِي، وقَلْعِكَ لقِلاعِيِ منَ الجِبالِ الرَّواسِي، فتلكَ أمَانِيُّ كاذِبَةٌ، وخيَالَاتٌ غيرُ صائِبَةٍ، فإنَّ الجَواهِرَ لا تَزُولُ بالأعْراضِ، كما أنَّ الأرْواحَ لا تَضْمحِلُّ بالأمْرَاضِ. === وإنْ عُدْنا إِلى الظَّاهِرِ، وعَدَلْنا عنِ الباطِنِ (¬١)، فلنَا (¬٢) في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: "ما أُوذِي نَبِيٌّ ما أُوذِيْت"، وقدْ عَلِمْتَ ما جَرَى على عِتْرَتِهِ وشِيْعَتِهِ (¬٣)، فالحالُ ما حَالَ، والأَمْرُ ما زالَ (¬٤)، وقدْ عَلِمْتُم ظاهِرَ حَالِنا، وكَيْفِيَّةَ رِجَالنا، وما يَتَمَنَّونَهُ منَ الفَوْتِ، ويَتَقرَّبُونَ بهِ من (¬٥) حِياضِ الموْتِ (¬٦)، وفِي المَثَل (¬٧): أَو لِلبطِّ تُهدِّدُ بِالشَّطِّ؟ فَهيِّئ للبَلايا أسْبَابًا، وتَدرَّعْ للرَّزايا جِلْبابًا، فَلأظْهِرَنَّ عليكَ مِنْكَ (¬٨)، وتكُونُ كَالبَاحِث عن حَتْفِهِ بظلفِهِ، وما ذلكَ على اللهِ بعزِيز، فكُنْ لأمْرنا بالمرْصَادِ (¬٩)، واقْرَأْ أوَّلَ النَّحْلِ وآخرَ صاد" (¬١٠). "قال النَّجْمُ ابنُ إسْرائيلَ: أخْبَرَنِي المنتَجَبُ بنُ دَفْتَرخوَان، قال: أرْسَلنِي صَلاحُ الدِّين إلى سِنَانٍ حينَ قَفَزُوا (¬١١) على صَلاحَ الدِّين المَرَّة الثَّالثَةِ، ومعي القُطْب النَّيْسَابوْريُّ، يُهَدِّدُهُ، فكَتَبَ على طُرَّةِ كِتَابهِ (¬١٢): جاءَ الغُرابُ إلى البَازِي يُهدِّدُهُ === وذَكَرَ الأبياتَ، وقال: هذا جَوابُهُ، إنَّ صاحِبَكَ يَحكمُ على ظاهِرِ جُندِهِ، وأنا أَحْكمُ على باطِنِ (¬١) جُنْدِيّ، وسَتَرَى دَليلَهُ (¬٢)، فدَعا عَشْرَة من صِبْيانِ القاعَةِ (¬٣)، فألقَى سِكِّينًا في الخندَقِ (¬٤)، وقال: مَنْ أرادَ هذهِ فليقَعْ خَلْفَها (¬٥)، فتَبَادَرُوا جَمِيْعًا خَلْفَها وَثْبًا، فتَقطَّعُوا، فَعُدْنا (¬٦)، فصالَحَهُ صَلاحُ الدِّين" (¬٧). "قال كَمَال الدِّين ابن العَدِيْم: أَنْشَدني بَهاء الدِّينِ الحَسَن بن إِبْرَاهِيم بن الخَشَّاب، قال: أَنْشَدني شَيْخ من الإسْمَاعِيْليَّة، قال: أَنْشَدني سِنَان لنَفْسهِ: [من السَّرِيع] مَا أكْثَر النَّاسَ وما أقَلَّهم … وَمَا أقلّ فِي القَلِيل النُجَبا ليَتَهمُ إِذْ لَم يَكُونُوا خُلِقوا … مُهذَّبِين صَحبوا مُهَذَّبا" (¬٨).