exact linked passagemedium confidencepage 5545, entry [1864]12,742 chars
أبو بَكْر بن مَسْعُود بن أحْمَد الكَاسَانِيُّ، الإمَامُ عَلاء الدِّين (¬٢) أمير كَاسَان، بلدَة من وراء النَّهْر من بلاد التُّرْك. أقام ببُخَارَى، واشْتَغَل بها بالعِلْم على شَيْخه الإمَام عَلاءِ الدِّين مُحَمَّد بن أبي أحْمَد السَّمَرْقنديّ، وقَرأ عليه مُعْظَم تَصَانيفه مثل: التُّحْفَة في الفِقْه، و…
▸ expand full passage (12,742 chars)▾ collapse
أبو بَكْر بن مَسْعُود بن أحْمَد الكَاسَانِيُّ، الإمَامُ عَلاء الدِّين (¬٢) أمير كَاسَان، بلدَة من وراء النَّهْر من بلاد التُّرْك. أقام ببُخَارَى، واشْتَغَل بها بالعِلْم على شَيْخه الإمَام عَلاءِ الدِّين مُحَمَّد بن أبي أحْمَد السَّمَرْقنديّ، وقَرأ عليه مُعْظَم تَصَانيفه مثل: التُّحْفَة في الفِقْه، وشَرْحالتَّأويْلات في تفسِير القُرآن العَظِيم، وغيرهما من كُتُب الأُصُول، وسَمِعَ منه الحَدِيْث، ومن غيره، وبَرَع في عِلْمي الأُصُول والفُرُوع. وزوَّجَه شَيْخه السَّمَرْقنديّ بابْنَته فاطِمَة الفَقِيهَة العَالِمَة، وخَرَجَ بها معه إلى بلادِ الرُّوم، وكان مُحْتَرَمًا بها، فجَرَى بينَهُ وبين فَقِيْهٍ من كِبَار الفُقَهَاء كلامٌ، فرَفَع الكَسَانِيُّ المِقْرَعَة على ذلك الفَقِيه، وتأذَّى مَلِكُ بلادِ الرُّوم من ذلك ولَم يَقُل له شيئًا، وكان يرْكبُ الحِصَان إلى أنْ ماتَ، وله رُمْح يَصْحبه في الحَضَر والسَّفَر، وعنده نَخْوة الإمَارة، وعزَّة النَّفْسِ. وسُيِّرَ من الرُّوم رَسُولًا إلى حَلَب إلى نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فعَرَض عليه المقام بحَلَبَ والتَّدْرِيس بالمَدْرَسَة الحَلاويَّة، فأجابَهُ إلى ذلك، ووَعَدَهُ أنْ يَعُود إلى حَلَب بعد رَدِّ جَوَاب الرِّسَالَةِ، فعاد إلى الرُّوم وأعاد الجَوَاب على مَلِك الرُّوم. ثُمَّ قَدِمَ حَلَب، فأكْرَمهُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ووَلَّاهُ التَّدْرِيس بالمَدْرَسَةِ الحَلاويَّة المَعْرُوفة بمَسْجِد السَّرَّاجين، وفَوِّضَ إليه نَظَرها، وزَاوِيَة الحَديْث بالشَّرْقيَّة بالمَسْجِد الجَامِع، فحَدَّثَ بالزَّاويَة المَذْكُورة عند خِزَانَة الكُتُب، ودَرَّس بالمَدْرَسَة المَذْكُورَة وبالجَاوَليَّة، وكان حَرِيْصًا على تَعْليم العِلْم، ونَفْع الطَّلَبَة. وكان فَقِيْهًا، عَالمًا، صَحيْح الاعْتِقَادِ، كَثِيْر الذَّمّ للمُعْتَزِلة وأهل البدَع، يُصَرِّح بشَتْمهم ولعنهم في درُوسِهِ. وصَنَّفَ كُتُبًا في الفِقْه والأُصُول؛ منها كتَابه في الفِقْه الّذي وَسَمَهُ ببَدَائع الصَّنَائع في تَرْتيب الشَّرَائع، رَتَّبه أحْسَن تَرْتيب، وأوْضَح مُشْكلاته بذِكْر الدَّلائل في جَمِيع المَسَائِل، ومنها كتابه الّذي وَسَمَهُ بالسُّلْطانِ المُبِيْن في أُصُول الدِّين، وكان مُوَاظِبًا على ذِكْر الدَّرْس، ونَشْر العِلْم.حَدَّثَني وَالدِي، ﵀، قال: كان عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ كَثِيْرًا ما يَعْرِضُ له النِّقْرِس في رِجْلَيهِ والمَفاصِل، فكان يُحْمل في مِحَفَّة من مَنْزِله بالمَدْرَسَة، ويَخْرُج إلى الفُقَهَاءِ بالمَدْرَسَة، ويَذْكُر الدَّرْس ولا يمنَعُه ذلك الألَم من الأشْغَالِ، ولا يُخِلّ بذِكْر الدَّرْس. وكانت زَوْجَته فَقيْهةً فَاضِلةً، تَحْفظ التحْفَة من تَصْنِيف وَالدها، وتَنْقل المَذْهَب، ورُبَّما وَهِم الشَّيْخ في الفَتْوَى في بعض الأحْيان، فتأخُذ عليه ذلك الوَهْم، وتُنَبِّهُه على وَجْهِ الصَّوَاب، فيَرْجع إلى قَوْلها. وَسَنَذكُرها في حَرْف الفَاءِ فيمَن اسْمه فاطِمَة من النِّسَاء (¬١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالى. أنْبَأنَا جَمَاعَةٌ من شُيُوخي عن الشَّيْخ الإمَام عَلاء الدِّين الكاسَانِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الإمَام الأجَلّ الأُسْتَاذ عَلاء الدِّين - يعني مُحَمَّد بن أبي أحْمَد السَّمَرْقَنْديّ - قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَامُ أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن خِدَام البُخاريّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ القَاضِي الإمَام أبو عليّ الحُسَينُ بن الخَضِر بن مُحَمَّد النَّسَفِيّ، جَدِّي ﵀، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخ الإمَام الجلَيْل أبو بَكْر مُحَمَّد بن الفَضْل الكَاغَدِيّ، قال: حدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الحارِثِيّ الشَّيْخُ الفَقِيهُ الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إسْحَاق السِّمْنَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بنُ تَوْبَة القَزْوِينيّ، قال: حَدَّثَنَا إِمامُ المُسْلمِيْن مُحَمَّد بن الحَسَن الشَّيْبَانِيّ، رحْمَةُ الله عليه، قال: حَدَّثَنَا أبو حَنِيْفَة ﵀، قال: حَدَّثَنَا عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أَبيِهِ (¬٢)، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ كان إذا بَعَثَجَيْشًا، قال: اغْزُوا بِسْمِ اللهِ، وفي سَبِيْلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللهِ، لا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تمَثُلُوا، ولا تقتُلُوا وَلِيدًا، وإذا حَاصَرْتُم مَدِينَةً أو حِصْنًا فادْعُوهم إلى الإسْلَام، فإنْ أسْلَمُوا فأخْبِروهُم أنَّهم من المُسْلمِيْن، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، الحَدِيْث. أخْبَرَني الشَّريفُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عُمَر بن الحَسَن بن مُحَمَّد، البُخاريّ الأصْلِ (a)، الحَلَبِيّ المَوْلد والمَرْبَى، والشَّيْخُ نِظَام الدِّين مُحَمَّد بن عَتِيق الدِّيْبَاجِيّ الحنَفِيّ، قالا: قال الشّيْخُ الإمَام عَلاءُ الدِّين أبو بَكْر الكَاسَانِيّ في أوَّلِ اعْتِقَادِه، وسَمِعْنَاهُ منهُ: لا شَيء أرْضَى عند اللهِ تعالَى من هِدَايَةِ العبَاد إلى سَبِيل الرَّشَادِ، والإبانَة لهم عن المَرْضِيّ من الاعْتِقَاد، وهو اعْتِقَادُ السُّنَّة والجَمَاعَة؛ إذ به يُنَال خَيْر الدَّارَيْن، وسَعَادَةُ المَحَلَّين، فَمن تَمَسَّك بهِ، فقد اتَّبع الهُدَى، ومَنْ حَادَ عنه فقَد ضَلَّ وغَوَى، وذَكَرهُ إلى آخره.﷽ وَبِهِ تَوفِيقِي حدَّثني مُحِبُّ الدِّين مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار الحافِظ، قال: سَمِعْتُ جَمَاعَةً يَحْكُون لي عن الإمَام عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ المُقِيْم بحَلَب: أنَّهُ كان أُقْعِدَ من رِجْليه لنِقْرِس عَرَضَ له فيها، فنَزَلَ إليهِ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ودَخَلَ إليه يَعُودُه، فتحرَّك عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ له، فظَنَّ نُور الدِّين أنَّهُ يُحَاول القيامَ له، فقال له بالفَارسِيَّةِ: بنشِي بنشِي؛ أي: اقْعُد لا تَقُم، فقال: يا مَوْلَانا بنشِي من اللهِ (a). سَمعْتُ شَمْسَ الدِّين أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر، قال: قَدِمَ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ إلى دِمَشْق، فحَضَرَ إليه الفُقَهَاءُ، وطَلَبُوا منه الكَلَام معهم في مَسْألَةٍ، فقال: أنا ما أتكلَّمُ في مَسْألَةٍ فيها خِلَافُ أصْحَابنا، فعيِّنُوا مَسْألَةً، قال: فعَيَّنوا مَسَائِل كَثِيْرةً، فجَعَل يَقُول: ذَهَبَ إليها من أصْحَابنا فُلَان، فلم يَزَل كذلك حتَّى إنَّهم لَم يَجدُوا مَسْألَةً إلَّا وقد ذَهَب إليها واحدٌ من أصْحَاب أبي حَنِيْفَة ﵁، فانْفَضَّ المَجْلِسُ، وعَلِمُوا أنَّهُ قَصَدَ الغَضَّ منهم، فقالوا: إنَّهُ طَالِب فِتْنَة، فلم يَتَكلَّمُوا معه. قُلتُ: وللشَّافِعِيّ ﵁ مَسَائِل انْفَرد فيها لَم يَذْهب إليها أحدٌ من أصْحَابنا أصْلًا، كمَسْألَة المَخْلُوقَة من ماء الزَّاني ونَحْوها، فإنَّ الفُقَهَاء الّذين حَضَروا مع الكَاسَانِيّ تجَنَّبُوا الكَلَام فيها لظُهُور دَلِيْل أصْحَاب أبي حَنِيْفَة رَضِيَ اللهُ [عنهُ] (b) فيها، وأرَادَ الكَاسَانيُّ أنْ يُلْجئَهم إلى تَعْيين مَسْألَةٍ من هذا النَّوع، فنَكَبُوا عن ذلك لهذا المَعْنَى، واللهُ أعْلَمُ.سَمِعْتُ الفَقِيه شَمْسَ الدِّينِ الخُسْرُوشَاهِيّ بالقَاهِرَة يقُول لي: لأصْحَابكم في الفِقْه كتابُ البَدَائِع للكَاسَانيّ، وقفتُ عليه، ما صَنَّفَ أحدٌ من المُصَنِّفين من الحنفِيَّة ولا من الشَّافِعيَّة مثْله، وجَعَل يُعَظِّمه تَعْظِيمًا. قال لي: ورَأيْتُه عند المَلِك النَّاصِر دَاوُد صَاحِب الكَرَك؛ أهْدَاهُ إليه بعض الفُقَهَاء الحنفِيَّة - وأظُنُّه قال: الشَّمْس نَجَا، أحَدُ المُدَرِّسين بدِمَشْق - فعَجِبْتُ ممَّن يكُون عندَهُ مثل ذلك الكتاب (a) ويَسْمَح بإخْرَاجِه من مُلكْه. سَمِعْتُ النَّقِيْبَ السَّديْد دَاوُد بن عليّ البُصْرِاويّ يَقُول: كان الشَّيْخُ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ لا يَرْكب إلَّا الحِصَان وبقُول: لا يرْكبُ الفَحْل إلَّا الفَحْل، وكان له رُمْح لا يُفَارقه، وكان شُجاعًا، قال لي: وكان لا يَأكُل عُمره كُلّه إلَّا اللَّحْم المَطْبُوخ بالماءَ والحِمَّص، ﵀. سَمِعْتُ الفَقِيه جَمال الدِّين أبا السَّرَايَا خَلِيفَة بن سُلَيمان بن خَلِيفَة الكَاتِب، قال: كان عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ قد أقامَ في بلاد الرُّوم، فتَشَاجَرَ هو ورَجُل فَقِيْه يُعْرَفُ بالشَّعْرَانيّ ببلاد الرُّوم في مَسْألَة المُجْتَهدين هل هُما مُصِيْبان أم أحَدُهما مُخْطئ؟ فقال الشَّعْرَانيُّ: المنقُول عن أبي حَنِيْفَة ﵁ أنَّ كُلّ مُجْتَهد مُصِيْبٌ، فقال الكَاسَانِيُّ: لا؛ بل الصَّحيحُ عن أبي حَنِيْفَة أنَّ المُجْتَهدين: مُصِيْبٌ ومُخْطئٌ، والحقُّ في جِهَةٍ واحدةٍ، وهذا الّذي تَقُوله مَذْهَبُ المُعْتَزِلة، وجَرَى بينهما كَلامٌ في ذلك، فرَفَع عليه الكَاسَانِيُّ المِقْرَعَة، فشَكَى إلى مَلِك الرُّوم، فقال سُلْطانُ الرُّوم لوَزِيره: هذا قد افْتأَتَ على الرَّجُل فاصْرفه عنَّا، فقال الوَزِيرُ: هذا رَجُلٌ شِيْخٌ وله حُرْمَة، ولا يَنْبَغي أنْ يُصْرَف بل نُنْفذهُ رَسُولًا إلى نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي ونتَخَلَّصُ منه بهذا الطَّريق، فسُيِّر من الرُّوم رَسُولًا إلى نُور الدِّين إلى حَلَب.وكان قَدِمَ الرَّضِي السَّرْخَسِيّ صَاحب المحيْط حَلَب ووَلَّاهُ نُور الدِّين المَدْرَسَة الحَلاويَّة بعد ولد العَلَاءِ الغَزْنَوِيّ، وكان في لِسَانه لُكْنَة، فتَعَصَّبَ عليه جَمَاعَة من الفُقَهَاءِ الحنفِيَّة بحَلَب، وصَغَّرُوا أمْرَهُ عند نُور الدِّين على ما ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَتِهِ في (a) باب المُحَمَّدين (¬١)، فأوْجَبَ ذلك أنْ عُزِلَ عن التَّدْرِيس بها، وتَوَجَّه إِلى دِمَشْق، وكُوْتِبَ عَالي (b) الغَزْنَوِيّ في الوُصُول إلى حَلَب ليُوَلَّى تَدْرِيس المَدْرسَة، وكان بالمَوْصِل، واتَّفَق وُصُول الكَاسَانِيّ رَسُولًا من الرُّوم إلى نُور الدِّين، واحْتَرَمَهُ وأكْرَمَهُ، واجْتَمَع (c) فُقَهَاء المَدْرَسَة وطَلَبُوا من نُور الدِّين أنْ يُوَلِّيَهُ التَّدْرِيسَ بالمَدْرَسَةِ المَذْكُورة، فعَرَضَ نُور الدِّين عليهِ ذلك، فدَخَلَ المَدْرَسَة ورَآها فأعْجَبَتْهُ، وأجابَ نُور الدِّين إلى ما عرضَهُ عليه، وقال له: هذه الرِّسَالَة أمَانَةٌ معي، فإذا أعَدْتُ الجَوَابَ إليهم عُدْتُ بعد ذلك وقَدِمْتُ حَلَبَ، وكَتَبَ نُور الدِّين مَحْمُود خَطَّهُ لعَلاء الدِّين الكاسَانِيّ بالمَدْرَسَة، ورَجع الكاسَانِيّ وأعاد جَوَاب الرِّسَالَة، وعاد إلى حَلَب، ووَصَلَ الخبَرَ بوُصُوله، فخَرَجَ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ من الفُقَهَاءِ إلى لقَائه إلى باب بُزَاعَا. قال لي خَلِيفَة: وكُنْتُ إذ ذاكَ صَبِيًّا صَغيرًا، فخَرَجْتُ مع وَالدِي فيمَن خَرَج، فعَهْدِي بالشَّيْخ (d) الكَاسَانِيّ والفُقَهَاء مُجْتَمعُون حوْله، وأقام ذلك اليَوْم بباب بُزَاعَا على عَزْم الدُّخُول صَبِيْحَة تلك اللَّيْلة، فجاءهُ في أثناءَ النَّهَار رَجُلٌ من الفُقَهَاء وقال له: عَبَرَ هَا هُنا رَجُلٌ شَيْخٌ فَقِيْهٌ، ومعهُ جَمَاعَة من الفُقَهَاء، وقالوا: هذا عَالِي الغَزْنَوِيّ، وقد جاءَ إلى حَلَب لأخْذِ المَدْرَسَة، فقال النَّجِيْب - يعني مُحَمَّد بن سَعْد الله بن الوَزَّان - وجَمَاعَة غيرُه من الفُقَهَاء للكَاسَانِيّ: المَصْلَحةُ أنْنَقُوم ونَدْخُل (a) إلى حَلَب، فبَقى وقام وسَار فوَصَلَ حَلَب بُكْرة، وكان عَالي قد وَصَلَها العَصْر من اليَوْم المُتَقدِّم، ونزل بالحُجْرة، فوَصَلَ الكَاسَانِيّ ودَخَلَ المَدْرسَة والفُقَهَاء حَوْله، فأرْسَل الفُقَهَاء إلى عَالِي وقالوا له: تَقُوم وتَخْرُج لأجْل الشَّيْخ، فامْتَنعَ، فأعَادُوا له القَوْل ثانيًا، وقالوا: المَصْلَحة أنَّكَ تَخْرُج بحُرْمتك وإلَّا يَدْخُل مَنْ يُخْرجُكَ قَسْرًا بغير اخْتِيَارك، فلمَّا رَأى الجِدّ في ذلك خرَجَ من الحُجْرة ومَضَى إلى حُجْرهَ صَغِيرَةٍ كانت في جانب المَدْرَسَة، فنَزَلَها. وكان نُور الدِّين إذ ذاك غائبًا عن حَلَب، فكُوْتِبَ في ذلك، فوَلَّى الكَاسَانِيّ المَدْرَسَة الكَبِيرة، وكان ابن الحَلِيم (b) مُدَرِّسًا بمَدْرَسَة الحَدَّادِين، فاسْتُدْعي إلى دِمَشْق، ووُلِّي مكانَهُ عَالِي الغَزْنَوِيّ. قال لي (c) مُقَرِّب الدِّين أبو حَفْص عُمَر بن قُشَام: إنَّ الشَّريفَ النَّقِيْبَ أبا طَالِب - يعني أحْمَد بن مُحَمَّد - نَقِيْب العَلَويِّيْن بحَلَب، خَرَج وتَلقَّى الكَاسَانيّ، وحَرَّضَهُ على سُرْعة الوُصُول إلى حَلَب، وقال لي ابن قُشَام: لمَّا وَرَدَ الكَاسَانِيَّ في الرِّسَالَةِ من الرُّوم، وطَلَبَهُ (d) نُور الدِّين لتَدْرِيس المَدْرَسَة، أجاب إلى ذلك، وقال: أَعُود وأُؤدِّي جَوَاِبَ الرِّسَالَة ثُمَّ أرْجع، فَمضَى وبُسِطَت له سجَّادةٌ بالمَدْرَسَةِ، وكانت تُبْسَط كُلّ يَوْم ويَجْتَمع الفُقَهَاءُ حوْلها إلى أنْ قَدِم واسْتَقَلَّ بالتَّدْرِيس والنَّظَر. قال لي (e) خَلِيفَة بن سُلَيمان: ولَم تَزَل حُرْمَةُ الكَاسَانِيّ تَعْظُم وتَزِيد، ويَرْتَفع أمْرُهُ عند نُور الدِّين ومَنْ بعْدَهُ من المُلُوك إلى أنْ تناقصَتْ في أيَّام المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين، فلَزم مَكانَهُ بالمَدْرَسَة، ثُمَّ عَظُم بعد ذلك أمْرُه عند المَلِك الظَّاهِر، وما زَالَ يَحْتَرمهُ إلى أنْ ماتَ.وقال لي (a) السَّدِيْدُ النَّقِيْب دَاوُد البُصْرَاويّ: كان الكَاسَانِيُّ يَصْعَد إلى قَلْعَة حَلَب رَاكِبًا ويَنْزل حيثُ يَنْزل المَلِك الظَّاهِر، فاتَّفقَ أنْ صَعِدَ يَوْمًا والفُقَهَاء بأجْمَعهم بينَ يَدَيْهِ، فلمَّا وَصَلَ إلى باب القَلْعَة قام البَوَّاب وقال: يَدْخُل الشَّيْخُ، ويَرْجع الفُقَهَاء، فلَوَى الشَّيْخُ عِنَان حِصَانه وقال: يَرْجع الشَّيْخ أيضًا! فبَلغَ المَلِك الظَّاهِر، فأرْسَل (b) في الحال مَنْ أدْخَل الشَّيْخ والفُقَهَاء معه إلى أنْ نَزَل الشَّيْخ حيثُ يَنْزل، ودَخَلَ الشَّيْخُ والفُقَهَاءُ معه إلى مَجْلسهِ. قُلتُ: ولمَّا تُوفِّي الكَاسَانِيّ، تولَّى المَلِكُ الظَّاهِرُ تَرْبية وَلدِه وكان صَبِيًّا، واسْتَخدَم عُتَقَاءه وولَّاهُم تَرْبية وَلَده بالقَلْعَة، واجْتَهد في إشْغَالِه بالفِقْه فلم يَنْجُب. قال لي خَلِيفَةُ بن سُلَيمان: ماتَ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ يَوْم الأَحَد بعد الظُّهْر، وهو عَاشِر رَجَب، في سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة. ثمّ قَرأتُ بخَطِّ خَلِيفَة على ظَهْر كتابٍ: تُوفِّي الأُسْتَاذُ الإمَامُ عَلاءُ الدِّين الكَاسَانِيّ ذو المَكَارِم أبو بَكْر بن مسْعُود عَاشِر رَجب بعد الظُّهْر سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وخمْسِمائَة، وتَوَلَّى التَّدْرِيسَ بعدَهُ الأُسْتَاذُ الإمَامُ افْتِخار الدِّين في سَابِع عَشر رَجَب. سَمِعْتُ ضِيَاءَ الدِّين مُحَمَّد بن خَمِيْس الوَكِيل المَعْرُوف بابنِ المَغْرِبيّ يَقُول: حَضَرْتُ الشَّيْخ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيَّ عند مَوْتهِ، فشَرَع في قرَاءةِ سُوْرة إبْرَاهيم ﵇ حتَّى انْتَهَى إلى قَوْلهِ تعالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (¬١) فخَرَجَتْ رُوْحُه عند فرَاغه من قَوْلهِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾.قُلتُ: ودُفِنَ، ﵀، دَاخِل مَقَام إبْرَاهيم ﵇ ظَاهِر (a) حَلَب، في قُبَّةٍ من شَماليْهِ كان دَفَنَ فيها زَوْجَهُ فاطِمَة بنت عَلاء الدِّين السَّمَرْقَنْديّ، ولَم يَقْطَع زيَارَة (b) قَبْرها كُلّ لَيْلَة جُمعة إلى أَنْ ماتَ ﵀، وزُرْتُ قَبْريهما في هذه القُبَّة المَذْكُورَة غير مَرَّة.