أبو بكر المالكي - رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية
full-text— · 2 entries
- legacy full passagepage 956, entry [359]4,496 chars
٢٤٨ - زهرون بن حسنون الحمّال (*) كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحجّ حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه زادا. وكان يأكل من المناهل (١)، من أتاه بشيء أكله. حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية (٢) فلقيت أبا عب…
▸ expand full passage (4,496 chars)٢٤٨ - زهرون بن حسنون الحمّال (*) كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحجّ حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه زادا. وكان يأكل من المناهل (١)، من أتاه بشيء أكله. حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية (٢) فلقيت أبا عبد الله محمد بن يحيى الأجدابي (٣)، وكان من أصحاب أبي إسحاق بن شعبان (٤) الفقيه، فبتّ معه في محرس من محارس برنيق (٥) يعرفبميلة (٦). (وكان هذا سنة اثنتين (٧) وثمانين [وثلاثمائة] (٨) في إثر قصة عبد الرحمن ابن الصقلّي (٩) (١٠) وكان قد شنع على الشيخ أنه لا يقول (١١) بالكرامات (١٢) -أعني (١٣): [أبا] (١٤) محمد بن أبي زيد- (فقال محمد بن يحيى: ما هذا الذي بلغنا عن الشيخ أبي محمد أنه ينكر الكرامات) (١٠)؟ فقلت له: ما (من) (١٠) هذا شيء وبيّنت (له) (١٠) القصة كما جرت، فسرّ بذلك، وقال: [والله] (١٤) ما حسبت [إلاّ] (١٤) أن اتساعه في الدنيا (١٥) حجبه عن هذا، ثم قال لي: كنا عند (١٦) الشيخ أبي إسحاق بن شعبان، فكان يحكي (لنا) (١٠) من كرامات الصالحين شيئا كثيرا، ويتبرك بذكرهم وأخبارهم، ويتأسى بطريقهم. ثم قال لي أبو عبد الله: كان زهرون يأخذ الطرقات وحده متقفّرا (١٧). وكان لا يحمل معه زادا إنما (كان) (١٨) يأكل من منهل إلى منهل، فقال لنفسه يوما: يا زهرون صار يذكر عنك أنك لا تحمل الزاد، وأنك تأكل من منهل إلي منهل، فصار لك هذا عادة، وليس هذا من حقيقة التوكل، إن كان حقا ما تقول، فهذه طريق خالية فيها الماء خذها. وأنت تعلم أنه ما كان لك (من) (١٨) رزق يأتيك أينما كنت، (قال) (١٨): فمضى عليها حتى أتى إلى ماء، فنزل عليه وشرب وتوضأ (وصلّى) (١٨) وقال لنفسه: هذا الماء للوضوء والشرب،والله ﷿ معك في كلّ /مكان وهو الرازق (١٩)، فاصبري هاهنا واقعدي في هذه الخلوة، فبينما (٢٠) هو كذلك جالس إذ رأى شبحا في الصحراء مقبلا إليه [فلما وصل] (٢١) سلّم [عليه] (٢١) واستسقى (الماء) (٢٢) وسقى دابته (٢٣)، فقال في نفسه: هذا رجل قد تاه وانقطع، وأضعفه الجوع-قال: وزهرون من الشّموس والتعفار (٢٤) قد تغيّر حتى صار كالشنّ البالي-.قال: ففتح سفرة (٢٥) فيها طعام، فقال له: تعال (٢٦) نأكل (٢٧)، فلم يكلّمه، فقال الرجل: عزّ عليّ، قد بلغ منه الجوع وأضعفه، فقام إليه بالسفرة ووضعها بين يديه. وقال له: كل، فلم يكلمه ولا أكل، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله: قد بلغ منه الجوع، فأخذ اللقمة وأتى بها إلى فيه، فوجد أسنانه مشدودة (٢٨)، (قال) (٢٩): فأخذ يعالج أسنانه حتى فتحها (٣٠)، (قال) (٢٩): فقال زهرون لنفسه: (هيه) (٢٩) هذا رزق جاءك كرها، (يا هذه) (٢٩) سواء عليك أخذت عمارة أو قفارا، لو شاء الله تعالى أن لا يعطف عليك أولائك الذين على طريق العمارة لفعل. وإنما هو رزق لك عند الله مفروغ منه (٣١) أخذت عمارة أو قفارا. فالزمي طريقك وسلّمي (٣٢) الأمر لله. (قال) (٢٩): ثم أكل من الطعام الذي أتى به الشيخ. فقال له الشيخ:يا هذا ما منعك من كلامي؟ فقال له [زهرون] (٣٣): لا تسل (٣٤) عما لا يعنيك (٣٥)، لي عذر لا يمكنني ذكره. ثم رجع زهرون إلى الطريق الذي يعرف. قال أبو بكر بن سعدون (٣٦): دخل زهرون/الأطرابلسي على أبي بكر ابن اللّباد الفقيه، فرأى في بيته زيّا حسنا وفرشا وطيئا، فأنكر ذلك، فقال أبو بكر ابن اللّباد: خذوا برجله، فقيل له: لا تفعل-أصلحك الله تعالى-هذا زهرون الأطرابلسي، فقال له (أبو بكر) (٣٧) بن اللّباد: تعال (٣٨) [يا] (٣٩) زهرون تسمع مسألة من وضوئك، فقيل له: (٤٠) إن شئت [ألقيت عليه] (٤١)؟ فألقى عليه من كتاب (٤٢) الصلاة والزكاة، فأجابه عن ذلك كله جوابا حسنا. فقال له أبو بكر ابن اللّباد: لو قدّمت إليك الساعة ثردة من حلوى وخبزا (٤٣) من شعير أيّهما تأكل (٤٤)؟ فقال له: ما قسم الله ﷿ لي منهما أكلته. فقال له: أنت زهرون حقا. ثم قال له: اجعلني في حلّ؟ فقال: قد جعلتك في حلّ. ثم سلّم عليه وانصرف. قال زهرون لأبي بكر بن سعدون: نعلّمك في الفقر ثلاثة وفي الطعام ثلاثة، فقلت له: ما هي؟ فقال لي: أما الفقر فلا تسأل، ولا تصرّ (٤٥)، ولا تردّ. قال: هذا قد عرفته، فما الطّعام؟ فقال لي: كل بالتظرف وبالانبساطوبالإيثار (٤٦)، فقلت: كيف يكون هذا؟ فقال لي: إذا كنت مع الأغنياء فكل بالتظرف لئلا يقولوا: الفقير ليس له همّة، فيمقتوا الفقر من أجلك. وإذا كان الطعام كثيرا والإخوان حضور، فانبسط معهم تسرّهم، وان كان الطعام قليلا، فآثر الجماعة/على نفسك. وذكر عنه أنه أصابه المطر يوما، فآوى إلى كهف في سند جبل، فلم يلبث إلاّ قليلا، فإذا بأسد عظيم يزأر قد سدّ عليه باب المغارة، فمدّ يديه، وحرّك أذنيه (٤٧) وجعل يبصبص (٤٨) إلى زهرون ويلعقه بلسانه. قال زهرون: فكان الأسد في ناحية [وأنا في ناحية] (٤٩) حتى أتيت على حزبي (٥٠) من الليل وتهجدي، ولا والله ما عدا عليّ بمكروه وانه معي كالخروف، فلما كان في اليوم الثاني مررت ببعض القرى، فإذا بامرأة ما رأيت قط أجمل منها ولا أبهى، وقد خرجت من دار، فجعلت انظر إلى شكلها، حتى حاذيت كلبا، فهرّ (٥١) نحوي ونبح عليّ وقام كالأسد العظيم وكبش (٥٢) عليّ فخرق لحمي ومزّقه (٥٣)، فرجعت على نفسي باللّوم والعتاب، وقلت (في نفسي) (٥٤): يا نفس [كنت] (٥٥) البارحة مع الأسد لم يعد عليك وقد أنس بك (٥٦)، فلمّا عصيت الله ﷿ في يومي هذا، ورميت ببصري إلى ما نهاني عنه سلّط عليّ هذا الكلب. اللهمّ إني تائبإليك، وبكيت على نظري إليها زمانا (٥٧). ومنهم (٥٨):
- legacy full passagepage 956, entry [359]4,496 chars
٢٤٨ - زهرون بن حسنون الحمّال (*) كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحجّ حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه زادا. وكان يأكل من المناهل (١)، من أتاه بشيء أكله. حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية (٢) فلقيت أبا عب…
▸ expand full passage (4,496 chars)٢٤٨ - زهرون بن حسنون الحمّال (*) كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحجّ حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه زادا. وكان يأكل من المناهل (١)، من أتاه بشيء أكله. حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية (٢) فلقيت أبا عبد الله محمد بن يحيى الأجدابي (٣)، وكان من أصحاب أبي إسحاق بن شعبان (٤) الفقيه، فبتّ معه في محرس من محارس برنيق (٥) يعرفبميلة (٦). (وكان هذا سنة اثنتين (٧) وثمانين [وثلاثمائة] (٨) في إثر قصة عبد الرحمن ابن الصقلّي (٩) (١٠) وكان قد شنع على الشيخ أنه لا يقول (١١) بالكرامات (١٢) -أعني (١٣): [أبا] (١٤) محمد بن أبي زيد- (فقال محمد بن يحيى: ما هذا الذي بلغنا عن الشيخ أبي محمد أنه ينكر الكرامات) (١٠)؟ فقلت له: ما (من) (١٠) هذا شيء وبيّنت (له) (١٠) القصة كما جرت، فسرّ بذلك، وقال: [والله] (١٤) ما حسبت [إلاّ] (١٤) أن اتساعه في الدنيا (١٥) حجبه عن هذا، ثم قال لي: كنا عند (١٦) الشيخ أبي إسحاق بن شعبان، فكان يحكي (لنا) (١٠) من كرامات الصالحين شيئا كثيرا، ويتبرك بذكرهم وأخبارهم، ويتأسى بطريقهم. ثم قال لي أبو عبد الله: كان زهرون يأخذ الطرقات وحده متقفّرا (١٧). وكان لا يحمل معه زادا إنما (كان) (١٨) يأكل من منهل إلى منهل، فقال لنفسه يوما: يا زهرون صار يذكر عنك أنك لا تحمل الزاد، وأنك تأكل من منهل إلي منهل، فصار لك هذا عادة، وليس هذا من حقيقة التوكل، إن كان حقا ما تقول، فهذه طريق خالية فيها الماء خذها. وأنت تعلم أنه ما كان لك (من) (١٨) رزق يأتيك أينما كنت، (قال) (١٨): فمضى عليها حتى أتى إلى ماء، فنزل عليه وشرب وتوضأ (وصلّى) (١٨) وقال لنفسه: هذا الماء للوضوء والشرب،والله ﷿ معك في كلّ /مكان وهو الرازق (١٩)، فاصبري هاهنا واقعدي في هذه الخلوة، فبينما (٢٠) هو كذلك جالس إذ رأى شبحا في الصحراء مقبلا إليه [فلما وصل] (٢١) سلّم [عليه] (٢١) واستسقى (الماء) (٢٢) وسقى دابته (٢٣)، فقال في نفسه: هذا رجل قد تاه وانقطع، وأضعفه الجوع-قال: وزهرون من الشّموس والتعفار (٢٤) قد تغيّر حتى صار كالشنّ البالي-.قال: ففتح سفرة (٢٥) فيها طعام، فقال له: تعال (٢٦) نأكل (٢٧)، فلم يكلّمه، فقال الرجل: عزّ عليّ، قد بلغ منه الجوع وأضعفه، فقام إليه بالسفرة ووضعها بين يديه. وقال له: كل، فلم يكلمه ولا أكل، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله: قد بلغ منه الجوع، فأخذ اللقمة وأتى بها إلى فيه، فوجد أسنانه مشدودة (٢٨)، (قال) (٢٩): فأخذ يعالج أسنانه حتى فتحها (٣٠)، (قال) (٢٩): فقال زهرون لنفسه: (هيه) (٢٩) هذا رزق جاءك كرها، (يا هذه) (٢٩) سواء عليك أخذت عمارة أو قفارا، لو شاء الله تعالى أن لا يعطف عليك أولائك الذين على طريق العمارة لفعل. وإنما هو رزق لك عند الله مفروغ منه (٣١) أخذت عمارة أو قفارا. فالزمي طريقك وسلّمي (٣٢) الأمر لله. (قال) (٢٩): ثم أكل من الطعام الذي أتى به الشيخ. فقال له الشيخ:يا هذا ما منعك من كلامي؟ فقال له [زهرون] (٣٣): لا تسل (٣٤) عما لا يعنيك (٣٥)، لي عذر لا يمكنني ذكره. ثم رجع زهرون إلى الطريق الذي يعرف. قال أبو بكر بن سعدون (٣٦): دخل زهرون/الأطرابلسي على أبي بكر ابن اللّباد الفقيه، فرأى في بيته زيّا حسنا وفرشا وطيئا، فأنكر ذلك، فقال أبو بكر ابن اللّباد: خذوا برجله، فقيل له: لا تفعل-أصلحك الله تعالى-هذا زهرون الأطرابلسي، فقال له (أبو بكر) (٣٧) بن اللّباد: تعال (٣٨) [يا] (٣٩) زهرون تسمع مسألة من وضوئك، فقيل له: (٤٠) إن شئت [ألقيت عليه] (٤١)؟ فألقى عليه من كتاب (٤٢) الصلاة والزكاة، فأجابه عن ذلك كله جوابا حسنا. فقال له أبو بكر ابن اللّباد: لو قدّمت إليك الساعة ثردة من حلوى وخبزا (٤٣) من شعير أيّهما تأكل (٤٤)؟ فقال له: ما قسم الله ﷿ لي منهما أكلته. فقال له: أنت زهرون حقا. ثم قال له: اجعلني في حلّ؟ فقال: قد جعلتك في حلّ. ثم سلّم عليه وانصرف. قال زهرون لأبي بكر بن سعدون: نعلّمك في الفقر ثلاثة وفي الطعام ثلاثة، فقلت له: ما هي؟ فقال لي: أما الفقر فلا تسأل، ولا تصرّ (٤٥)، ولا تردّ. قال: هذا قد عرفته، فما الطّعام؟ فقال لي: كل بالتظرف وبالانبساطوبالإيثار (٤٦)، فقلت: كيف يكون هذا؟ فقال لي: إذا كنت مع الأغنياء فكل بالتظرف لئلا يقولوا: الفقير ليس له همّة، فيمقتوا الفقر من أجلك. وإذا كان الطعام كثيرا والإخوان حضور، فانبسط معهم تسرّهم، وان كان الطعام قليلا، فآثر الجماعة/على نفسك. وذكر عنه أنه أصابه المطر يوما، فآوى إلى كهف في سند جبل، فلم يلبث إلاّ قليلا، فإذا بأسد عظيم يزأر قد سدّ عليه باب المغارة، فمدّ يديه، وحرّك أذنيه (٤٧) وجعل يبصبص (٤٨) إلى زهرون ويلعقه بلسانه. قال زهرون: فكان الأسد في ناحية [وأنا في ناحية] (٤٩) حتى أتيت على حزبي (٥٠) من الليل وتهجدي، ولا والله ما عدا عليّ بمكروه وانه معي كالخروف، فلما كان في اليوم الثاني مررت ببعض القرى، فإذا بامرأة ما رأيت قط أجمل منها ولا أبهى، وقد خرجت من دار، فجعلت انظر إلى شكلها، حتى حاذيت كلبا، فهرّ (٥١) نحوي ونبح عليّ وقام كالأسد العظيم وكبش (٥٢) عليّ فخرق لحمي ومزّقه (٥٣)، فرجعت على نفسي باللّوم والعتاب، وقلت (في نفسي) (٥٤): يا نفس [كنت] (٥٥) البارحة مع الأسد لم يعد عليك وقد أنس بك (٥٦)، فلمّا عصيت الله ﷿ في يومي هذا، ورميت ببصري إلى ما نهاني عنه سلّط عليّ هذا الكلب. اللهمّ إني تائبإليك، وبكيت على نظري إليها زمانا (٥٧). ومنهم (٥٨):