كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3683, entry [1259]12,239 chars
حَمْدَانُ بن عبد الرَّحيم بن حَمْدَان بن علي بن خَلَف بن هِلال بن نُعمَان بن دَاوُد، أبو الفَوَارِس ابن أبي المُوَفَّق التَّمِيْمِيّ الأثَارِبيُّ، ثمّ الحَلَبيُّ (¬١) من وَلد حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِيّ، أصْلُهُ من قَرْيَةٍ من قُرَى حَلَب يُقال لها: مَعْرَاثَا الأثَارِب (¬٢)، وكانت جَارِيَةً في …
▸ expand full passage (12,239 chars)حَمْدَانُ بن عبد الرَّحيم بن حَمْدَان بن علي بن خَلَف بن هِلال بن نُعمَان بن دَاوُد، أبو الفَوَارِس ابن أبي المُوَفَّق التَّمِيْمِيّ الأثَارِبيُّ، ثمّ الحَلَبيُّ (¬١) من وَلد حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِيّ، أصْلُهُ من قَرْيَةٍ من قُرَى حَلَب يُقال لها: مَعْرَاثَا الأثَارِب (¬٢)، وكانت جَارِيَةً في مُلكِه ومن أوْلادِهِ انتقَلت إلى مُلَّاكها الآن، ثُمَّ انْتَقَلَ هو وأبوهُ إلى الأثَارِب فسَكَنا بها، وكان أكْثَر مقامهِ بالجَزْر يَتَردَّد في نَوَاحيهِ في الدَّوْلَتَين الإسْلَامِيَّةِ والفِرِنْجيَّةِ، ووَلِيَ في الجزر أعْمَالًا للدِّيْوَان في دَوْلة أتَابِك زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر. وحَكَى لي الصَّدْر بَهَاء الدِّين أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخَشَّاب أنَّهُ لمَّا كان الجَزْرُ في أيدِي الفِرِنْج ولّوا حَمْدَان بن عبد الرَّحيم فيه أعْمَالًا وصَادرُوه بعد ذلك.وحَكَى لي حَمْدَان بن عبد الرَّحيم بن سَعيد بن عبد الرَّحيمِ أنَّ عَمّ أبيهِ حَمْدَان بن عبد الرَّحيمِ تولَّى دِيْوَان مَعَرَّة النُّعْمَان في بعض السِّنِيْن، ووهبَهُ صَاحِبُ الأثَارِب الفِرِنْجيّ قَرْية تُعْرف بمعرْبُونيّة (¬١) من نَاحِيَة معرَّة مَصْرِيْن، ودَامَت في يَده بعد أخْذ المُسْلمِيْن البِلاد من أيْدى الفِرِنْج، وَسَنَذْكُر سَبَب تَمْليك القَرْيَة إيَّاهُ في أثْناء هذه التَّرْجَمَة، وما زَالت معرْبُونيّة في أيْدي أهْله إلى زَمَننا. قُلتُ: وسَكَنَ حَمْدَان حَلَبَ، وسُيِّر رَسُولًا إلى الفِرِنْج، وسُيِّر إلى مِصْر إلى الآمرِ الفَاطِميّ (¬٢)، وسُيِّر أيْضًا إلى دِمَشْق رَسُولًا إلى طُغْتِكِين أتَابَك، ودَخَلَ بَغْدَادَ. وكان هذا حَمْدَان بن عبد الرَّحيم خَليْعًا، كَثِيْر الانْهِماك في الشُّرب في قُرَى الجَزْر ونَوَاحِيها والدِّيَرَة والمُتَنزَّهَات في جَبَل سمْعَان والجبل الأعْلَى، وكان قد شَذَا طَرِفًا من الأدَب، واطَّلع على التَّوَاريخ وأيَّام العَرَب، وحصَّل قِطْعَةً صالِحةً من معْرفَة النُّجُوم والطِّبِّ. وصَنَّفَ كِتَابًا في أخْبَار بني تَمِيْم، وأيَّامهم، جَمَعَ فيهِ فَوَائِد كَثِيْرة، وأشْعَارًا حَسَنَة، وضمَّنَهُ ذِكْر مآثرهم، وأخْبَارهم، ووقَائِعهم، وأشْعَارهم، وانْتَسَب فيهِ إلى بني تميْم ووَسَمَهُ بالمِصْبَاح (¬٣). ووَضَع كِتَابًا في تاريخ حَلَب من سَنَة تِسْعين وأرْبَعِمائة، ضمَّنَهُ أخْبَار الفِرِنْج، وأيَّامَهُم، وخُرُوجهم إلى الشَّام من السَّنَة المَذْكُورَة وما بعدها، وسَمَّاهُ المُفَوَّف (¬٤).وله شِعْرٌ حَسَنٌ، لَطِيْفُ الألْفَاظِ، عَذْبُ المُجَاجَة، ورُبَّما يقع فيه ألْفَاظ مَلْحُونَة، وَقَعَ إليَّ دِيْوان شِعْره بخَطِّه، وقد سَقَطَ منه شيءٌ. وكانَ موْلدُهُ في حُدُود السِّتِّين والأرْبَعمائة. وقرأ الأدَب على الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، ورَوَى عن أبي نَصْر بن الخَيْشِيّ، وعن أبيهِ عبد الرَّحيم. رَوَى عنهُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن المُحَسِّن المِلْحِيّ، وابن أخيه عبد الرَّحيم بن سَعيد بن عبد الرَّحيم، وسَعِيْد بن أخت نُعْمَان رئيس مَعَرَّة النُّعْمَان. أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبِيّ بدمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحسن بن هِبةِ الله (¬١)، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد اللهِ مُحَمَّد بن المُحَسِّن بن أحْمَد المِلْحِيُّ لفظًا قال: حَمْدَانُ بن عبد الرَّحيِم الطَّبِيْبُ الأثَارِبيُّ، وَصَلَ إلى دِمَشْق رَسُولًا إلى أتَابَك طُغْتِكِين (a)، وكان رجُلًا وَسِيْمًا جَسِيْمًا (b)، مُتَشبِّثًا بأهْدَاب الأدَب في طَلَب العِلْم، كَثِيْر الدُّؤُوب، كَريْم (c) النَفس، له بجميع من يَمُرّ بهِ من الأُدَبَاءِ صُحْبَةٌ وأُنْسٌ، اجْتازَ بهِ في بعض السّنِيْن الأَمير مُهَنَّد الدَّوْلَة أبو نَصْر بن الخيْشِيّ، فأنْزَلَهُ بدَارِه في الأثَارِب وأقامَ عنده أَشْهُرًا، فأَنْشَدَني ما عَملَهُ الخَيْشِيّ وقد وَافَى هِلالُ شهر رمَضَان (¬٢): [من الكامل] لله من قَمَرٍ رَآني مُعْرضًا … عنه وإعْرَاضي حذارَ وُشَاته طلعَ الهِلَالُ فقُمْتُ (d) أعْمل حِيْلَةً … في قُبْلةٍ تَجنِي جَنَى وجَنَاته فَمَضى وقال تصُدُّ عن قَمَر الهَوَى … لتَرَى الهِلَال أرْقَأْ (e) إلى دَرجَاتهفأنا وحقّ هَوَاكَ أبْعَدُ مُرْتقيٍّ … منه وتَأثيِري كتأثيراتهِ أنا كَامِلٌ أبدًا وذلك ناقصٌ … فاعزم بوَصْفِي جاهدًا (a) وصِفَاته قَرأتُ في بعض تَعْلِيقاتي من الفَوَائِد أنَّ حَمْدَان مَضَى إلى بَغْدَاد في سَنَة أرْبَعيْن وخَمْسِمائَة، وعَمل بها، وأظُنُّني نَقَلتُهما من خَطِّه (¬١): [من الرمل] إنَّ بَغْدَاد لمَنْ أبْصَرَها … ورآهَا طرفةً بين البِلَادِ فتَأمَّلْهَا تَرَاهَا عَجَبًا … نِعْم بِيضٌ على قَوْمٍ سَوَادِ لو قال: تَجِدْها، كان أجْوَد. سَمعتُ بعض بني عبد الرَّحيم يقُول لي: إنَّ حَمْدَان كان سُيِّر من حَلَب رَسُولًا إلى مِصْر في أيَّامٍ الآمر بن المُسْتَعْليّ، وكان من عادَة الرُّسُل أنَّهم يَجْتَمعُون بالآمر ويَجْلسُون بينَ يديْهِ، فلم يَسْتَحْضر حَمْدَان لأنَّهُ نُقِلَ إليه أنَّهُ حَشِيْشيٌّ، فكَتَبَ إِليه أبياتًا يَطْلبُ الحُضُور وتَنَصَّلَ ممَّا قُرِفَ بهِ عنده، فأذِنَ له الآمِرُ، فلمَّا مَثَل بين يَدَيْهِ ارْتَجل وقال: [من الطويل] سَلَامٌ ورِضْوَانٌ ورَوْحٌ ورَحْمَةٌ … على الآمِر الطُّهْر الزَّكِيِّ المُنَاسِب إمامٌ إذا جَادَ الحجابُ لنابهِ … أثَرنا ثَرَى أقْدَامِهِ بالحَوَاجِب أخْبَرني أبو الفَوَارِس حَمْدَانُ بن عبد الرَّحيم بن سَعيد بن عبد الرَّحيم، قال: حَدَّثني وَالدِي عبد الرَّحيم بن سَعيد، قال: كان عمِّي الرَّئِيس أبو الفَوَارِس حَمْدَان قد قرأ على الشّيخ أبي الحَسَن بن أبي جَرَادَة النَّحو واللُّغَة وعلْم الهَنْدَسَة والنُّجُوم وغير ذلك، واتفق له أنْ خَرَج إلى مَعْرَاثَا الأثَارِب، وهي مُلْكُله، وكانت في يَدِالفِرِنْج إذ ذاك، فَمرض صَاحِبُ الأثَارِب سِيْر مَنْويْلِ، وهو ابن أُخْت صَاحِب أنْطَاكِيَة، فدَخَل إليه وعالجَهُ حتَّى بَرَأ، فلمَّا أبَلَّ مَرَضِهِ سَيَّر سِيْر مَنْويْل إلى حَمْدَان وقال له: تَمَنَّ، فطَلَبَ منه قَرْيَةً، فأعْطَاهُ معرْبُونيّةَ، فسَكَنَ فيها مُدَّة ثلاثين سَنَة، وعَمَّرها واتَّخذها مَنْزِلًا، فأرْسَل إليهِ الشَّيْخ أبو الحَسَن بن أيي جَرَادَة يَعْتِبه على مقامه تحت أيْدِي الفِرِنْج ويَلُومُه على ذلك، فكَتَبَ إليه (¬١): [من البسيط] وقَائل عَائِب لي إذ رَأى شَغَفِي بقَرْيَةٍ … ليس سُكَّناها من الشَّرَفِ ماذا دَعَاكَ إلى هذا فقُلْتُ له … صُرُوفُ دَهْرٍ وصَرْف الدَّهْر غير خَفِي بُخْلُ الوَفيّ وإعْرَاض الرَّضِيِّ وتَقْـ … ـصِيْرُ الصَّفِيّ وظُلْم المُشْرف الحَنَفِيّ فإنْ أقمتُ به فالمِسْكُ موْطنُهُ … في جِلْدَةٍ ومَقَر الدُّرِّ في الصَّدَفِ قال: فهَجَرتهُ زَوْجَتُه بنْتُ المُعَمَّم، وامْتَنَعَت من الخُرُوج إليه إلى القَرْيَة، فكَتَبَ إلى ابن أخيهِ المُنْتَجَب أبي سَالِمٍ بن أبي الحَسَن بن عبد الرَّحيم: [من الخفيف] يا أبا سَالِمٍ سَلمِتَ على مَـ … ــرِّ اللَّيالِي وزادَكَ اللهُ قَدْرَا وأرتْني فيكَ الأمَانِي وفي صنْ … ــويك ما أبْرَقَ الغَمَامُ ودَرَّا خُذْ حَدِيثي واعْرِفْهُ لا تُعْدَم … حرفًا حَرْفًا وسَطْرًا سَطْرَا أنا شَيْخ هِمٌّ وقد أكَلَ الدَّهـ … ــرُ شَبَابي واعْتَضْتُ باليُسْر عُسْرا سَاكِنٌ في خَرَابةٍ بين قَوْم … دَأبهُم كُلُّهُم حِرَاثُ الصَّحْرَا لا أرَاهُم ولا يَرَوْنِي إلَّا … مثِل غَمر الأحْبَاب بالجَفْن سِرَّا وإذا ما جَلَسْتُ فيهِم فما أَسْـ … ـمَعُ منهم إلَّا كَلَامًا هُجْرَا قَاسَ زَرْعِي وخَاس قُطنِي … وقد أَعْنَبَ ثَوْري ومشْفَنِي قد تَفَرَّا هذه ألْفَاظٌ يستعملُها الفَلَّاحُون فيما بينهم.ثُمَّ أنتُم كُنْتُم جوَاري وسُمَّا … ري فبنْتُم لسُوءِ حَظِّي طُرَّا والّتي كانت القَرِينَة من خَمْسِين … عامًا أبدتْ فِرَاقًا وهَجْرَا تَرَكَتْني أدُور في الدَّار كالحيـ … ـرَان وَحْدي أُكَابد العَيْشَ ضُرَّا أكْنسُ الدَّار أُضْرم النَّار أجْلُو … القِدْر أَطْهِي أدقُّ للقِدْر بزْرَا واقْتِرَاحي عليك أيَّدَكَ اللـ … ـــه بفَخْرٍ منه وزادَكَ فَخْرَا أنْ تُقْضِي حَوَائِجي قبل أَقْضِي … وتُدَارِي ما أَرْبى قبل أُدْرَا وإذا أنتَ نمْتَ عنها وما أعددْتَ … للخَطْب قبل يُسْرِكَ يُسْرَا هَاتِ قُل لي فَمنْ لها غيرِكُم عَوْ … نًا حلا الدَّهْر في فَمِي أو أَمرَّا فاشْتَرُوا لي وَصِيْفةً أو غلامًا … أو فَرُدُّوا قَريْنَة العُمر قَسْرَا وكأنِّي بكُم وأنتُم تَقُولُ … ون تُرى عَمُّنَا يُحاولُ أَمْرَا بَعْدَ عُمرَين عاد يَهوَى التَّصَابي … ويُرَجِّي لبَقْلِهِ له أنْ يُطَرَّا ذَهَبَ الأطْيَبان هَيْهاتَ أنْ … يشْمَخ مُهْرًا من كان بِرْذَوْن كسْرا وكانت هذه القَرْيَة معرْبُونيّة حينَ وَهَبَهُ إيَّاها صَاحِبُ الأثَارِب في أواخر سَنَة إحْدَى وعشرين وخَمْسِمائَة دَاثِرَةً مُوْحشةَ الصُّوَى، فنَزَلها وأحْضَر إليها أهْلَهُ، وعمَّر بها دارًا، وأحْضَر إليها فلَّاحين وأَكَرَةً، وعَمر غَامِرَها وزَرَعَهُ واسْتَغَلَّهُ. وسَيَّرَ إليَّ الصَّدْر أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الخَشَّاب كَرَارِيْس من شِعْر حَمْدَان بن عبد الرَّحيم بخَطِّهِ، فقَرَأتُ فيها أبْيَاتًا كَتَبَها بعد خُرُوجهِ من معرْبُونيّة إلى جِيْرَانه بها، وهي (¬١): [من الطويل] أَسُكَّانَ عُرْشِيْن (a) القُصُور عليكُمُ … سَلَامِيَ ما هَبَّتْ صَبًا وقَبُولُألَا هَلْ إلى حَثِّ المَطَايا إليكُمُ … وشَمّ خُزَامَى حَرْبَنُوشَ سَبِيْلُ وهَلْ غَفَلَاتُ العَيْش في دَيْر مَرْقُسٍ … تعود وظِلُّ اللَّهْو فيه ظَلِيْلُ إذا ذَكَرَتْ لذَّاتَها النَّفْسُ عنْدَكُم … تلاقَى عليها زَفْرَةٌ وعَوِيْلُ بِلادٌ بها أَمْسَى الهَوَى غير أنّني … أَمِيْلُ مع الأقْدَار حيثُ تَمِيْلُ أنْشَدَنا أبو الفَوَارِس حَمْدَان بن عبد الرَّحيم بن سَعيد بن عبد الرَّحيم، قال: أنْشَدَني وَالدِي أبو المُوَفَّق عبد الرَّحيم بن سَعيد، قال: أنْشَدَني عَمِّي حَمْدَان بن عبدِ الرَّحيم لنَفْسِه (¬١): [من المنسرح] دَيْر عُمَان (a) ودَيْر سَابَان هِجْـ … ــنَ غَرَامي وزِدْنَ أشْجَاني إذا تَذَكَّرتُ فيهما زَمَنًا … قَضَّيْتُهُ في عُرَامِ رَيْعَانِي يا لهفَ نفسِي ممَّا أُكَابدُهُ … إنْ لَاحَ بَرْقٌ من دَيْرِ حُشْيَان وإنْ بدَتَ نفحةٌ من الجانب … الغَرْبيّ فاضَتْ عُرُوبُ أجْفَاني وما سَمِعْتُ الحَمَامَ في فَنَنٍ … إلَّا وخِلْتُ الحَمَامَ فَاجَاني ما اعْتَضْتُ مُذْ غبْت عنهما بَدَلًا … حاشَى وكلَّا ما الغَدْر من شَانِي كيفَ سلُوّي أرْضًا نعمْتُ بها … أم كَيْفَ أنْسَى أهْلي وإخْوَاني (b) لا جِلَّقٌ (c) رقنَ لي مَعَالمُها … ولا أطَّبَتني أنْهَارُ بُطْنَانِ ولا ازْدَهَتْني في مَنْبج فُرصٌ … راقَتْ لغَيْري من آلِ حَمْدَانِ يَعْني: أبا فِرَاس بن حَمْدَان، وكان يَتَشوّق مَنَازِله بمَنْبج في شِعْره. لكن زَمَاني بالجَزْر أذْكَرَني … طِيْبَ زَمَاني بهِ فأبْكَانييا حَبَّذَا الجَزْرُ كم نَعِمْتُ بهِ … بين جِنَانٍ ذَوَاتِ أفْنَانِ بين جِنَانٍ قُطُوفُها ذُلُلٌ … والظِّلُّ وَافٍ وطَلْعُها دَانِ قُلتُ: وهذان الدِّيْران: دَيْر عُمَان ودَيْر سَابَان، هما خَرِبان، وفيهما بناءٌ عَجَيْبٌ، وقُصُور مُشْرقة، وبينهما قَرْيَةٌ تعرف بتُرُمَّانِيْن (¬١) من قُرَى جَبَل سِمْعَان، أحَدُ الدَّيْرَين من قِبْليّ القَرْيَة والآخر من شماليّها، وقد ذَكَر الخالِديّان: أبو بَكْر وأبو عُثْمان، وأبو الحَسَن الشِّمْشَاطِيّ في كابَي الدِّيَرَة (¬٢)، دَيْر رُمَّانِيْن، قالُوا: ويُقال له دَيْر سَابَان (¬٣)، وذَكَروا قِصَّةً جَرَتْ فيه لعُمَر بن الخَطَّاب ﵁ في الجاهِلِة سَنَذْكُرها في تَرْجَمةِ عُمَر (¬٤) ﵁ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى، وقد غُيِّر اسْم القَرْيَة لطُول الزَّمان. ودَيْر سَابَان ودَيْر عُمَان باللِّسَان السُّرْيَانيّ، ومعنى دَيْر عُمَان باللِّسَان السُّرْيَانيّ: دَيْر الجماعَة، ودَيْر سَابَان مَعْناهُ: دَيْر الشَّيْخ؛ لأنَّ سَابَا بالرْيَانيّ الشَّيْخ، فعُرِّبا فقيل: سَابَان وعُمَان. أخْبَرَنِي أبو الفَوَارِس بن أبي المُوَفَّق بن سَعيد الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَني سَعيد ابن أخت نعمَان رَئيس المَعَرَّة بقَلْعَة حَلَب، قال: قَدِمَ الرَّئِيس حَمْدَان بن عبد الرَّحيم مَعَرَّة النُّعْمَان، نجلَس هو والرَّئِيس نُعْمَان رَئيْس المَعَرَّة خاليّ، وجَمَاعَة من أهْلِ المَعَرَّة على مَجْلِس لَهْو وشُرب بمَعَرَّة النعْمَان، وكان عندهم مُغَنِّية تُدْعى سِتّ النَّظَر، فافْتَرقَوا بعد هَزِيع من الليل، وقام حَمْدَان بن عبد الرَّحيم سَكْران وفرش له فِرَاشبقُبَّة الأَمِير أبي الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة بمَعَرَّة النُّعْمَان، وكانت قُبَّةً عاليةً، ونام وقامَ ليَقْضِي حَاجَة وهو في سُكْره، فسَقَطَ من أعْلَى القُبَّة إلى الدَّار، فعَلِمَ بهِ الرَّئِيس نُعْمَان وأصْحَابه فبادرُوا إليهِ وحَمَلوه، وأقْسَم نُعْمَان على أصْحَابهِ أنْ لا يُعْلمُوه بما جَرَى، ووَضَعُوه على فراشه وسَكنُوه سَاعةً، ثُمَّ أرْسِلُوا خَلْفَ ستّ النَّظَر المُغَنِّية وأحْضَرُوها، فجلَسَت عند رَأسِهِ وغنَّتْ، فهَبَّ من رقْدتِهِ وجَلَسَ واسْتَطاب وَقْتَهُ، فسَألوهُ أنْ ينظِم في ذلك شيئًا فعَمل (¬١): [من المتقارب] أيا صَاح قد صَحاح دِيْكُ الصَّبَاح … وهبَّتْ تُغَنِّيك سِتُّ النَّظَر بلَفْظ هو السِّحْر سِحْرُ الحَلَال … ووَجْه حَوَى الحُسْنَ مثْلَ القَمَر وتَشْدُوك قُم وتَنَبَّه لها … وبَاكِر صبُوْحَكَ قبل البُكَر أَفِق كم تنامُ وهَاتِ المُدَامَ … ورَقْرِقْ لنا الجَامَ وُقِّيْتَ نَشَر أَمَا تَنْظِرُ الفَجْرَ خَلْف الظَّلَام … مُحِثًّا وأعْلَامَهُ قد نَشَر وقد سَامَحَتْكَ صرُوفُ الزَّمانِ … وكُفَّتْ أكُفُّ القَضَا والقَدَر فما العُذْرُ في شك شُرْب المُدَام (a) … ونَهْب الأبَاريْق كَرًّا وَفَر فحُثّ الشّمُول بخَفْق الطُّبُولِ … ونَفْخ الزَّنَامَى (b) وقرع الوَتَر فما رَوْنقُ الدَّهْر بَاقٍ عليك … فخُذْ ما صَفَا واجْتَنِبْ ما كَدَر قال سَعِيد: فبَقي حَمْدَان مُدَّةً لا يَعْلَم بما جَرَى، إلى أنْ خَطَر لي أنْ قلتُ لهُ: ما تقُول يا مَوْلاي فيمَن سَقَطَ من هذا المكان إلى أسْفَل؟ فقال: ما يَجْمَعُ الله به شَمْلًا، فقُلتُ: أمَا تذْكُر ليلَة أيا صَاح قداح دِيْكُ الصَّبَاح؟ فقال: ما جَرَى؟ فقَصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: لهذا تُؤْلمُني أعْضَائي من ذلك اليَوْم، ثُمَّ ألْقَى نفسَهُ مَرِيْضًا فبَقي على الفراش مَطْرُوحًا شهرين (c).أخْبَرَني حَمْدَان بن عبد الرَّحيم بن سَعيد بن عبد الرَّحيم أنَّ عَمَّ أبيهِ حَمْدَان بن عبد الرَّحيم تُوفِّي سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، وقد جَاوزَ الثَّمانيْن.