exact linked passagemedium confidencepage 3483, entry [1175]12,264 chars
الحُسَيْن بن مُحَمّد بن فِيْرُّة بن حيون، أبو عليّ السَّرَقُسْطِيّ المَعْرُوف بابنِ سُكَّرَة الأنْدَلُسِيّ الحافِظ (¬١) إمامٌ كبيرٌ، حافظٌ، فَقِيْهٌ، سَمعَ الحَدِيْث ببلاد المغرب، ثمِّ دَخَلَ ديار مِصْر فسَمعَ بالإسْكَنْدَرِيَّة ومِصْر من شُيُوخها، ثمِّ حَجَّ وسَمِعَ بمَكَّة، حَرَسَها اللّهُ، ثمّ تَ…
▸ expand full passage (12,264 chars)▾ collapse
الحُسَيْن بن مُحَمّد بن فِيْرُّة بن حيون، أبو عليّ السَّرَقُسْطِيّ المَعْرُوف بابنِ سُكَّرَة الأنْدَلُسِيّ الحافِظ (¬١) إمامٌ كبيرٌ، حافظٌ، فَقِيْهٌ، سَمعَ الحَدِيْث ببلاد المغرب، ثمِّ دَخَلَ ديار مِصْر فسَمعَ بالإسْكَنْدَرِيَّة ومِصْر من شُيُوخها، ثمِّ حَجَّ وسَمِعَ بمَكَّة، حَرَسَها اللّهُ، ثمّ تَوَجَّه من الحِجِّ إلى البَصْرَة، فسَمعَ بها من جَمَاعة من الشُّيُوخ، ثمّ تَوَجَّه إلى وَاسِط، ثمّ قَدِم بَغْدَاد وأقام بها خمْس سنين يَشْتَغل بالحَدِيْث والفِقْه وتَحْصِيل الفَوَائِد، ثمّ دَخَلَ الشَّام فسَمِعَ فيها وفي طَرِيْقهِ إليها جَمَاعَة من الشُّيُوخ، واجْتازَ بحَلَب في طَرِيْقهِ أو ببَعْضِ عَمَلها، ثمّ عادَ إلى المَغْرب، وتَصَدَّرَ بها، وقَصَدَهُ النَّاس، واسْتَفادوا منه، وتولَّى القَضَاء بمُرْسِيَة وشَرْق الأنْدَلُسِ، ثُمَّ اسْتَقالَ وعَزَلَ نفسهُ، ثمّ خرَجَ إلى الغَزْو فأدْرَكَته الشَّهَادَة، ﵀. وقد اسْتقصَى الحافِظُ أبو عَبْد اللّه بن النَّجَّار في تَرْجَمَتهِ ذِكْرهُ، وتعْدَاد أكْثَر شُيُوخِه (¬٢)، فاسْتَغْنَينا بإيْرَاد ما ذَكَره عن ذِكْر شُيُوخه، لكنَّهَ لم يُسْند عنه حَدِيثًا، فأوْردنا شيئًا ممَّا وَقَعَ إلينا من رِوَايتهِ. أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ، قال: أخْبَرَنا الإمَامُ الحافِظ أبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن مُحَمَّد الأَشِيريُّ،قال (a): أنْبأني القَاضِي أبو الفَضْل عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض (¬١)، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي الشَّهِيْدُ أبو عليّ بقِرَاءَتي عليه، قلتُ له: حدّثكم أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار وأبو الفَضْل أحْمَد بن خَيْرُون، قالا: حَدَّثَنَا (b) أبو يَعْلَى أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد، عن أبي عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد السِّنْجِيّ، عن أبي العبَّاس مُحَمَّد بن أحْمَد بن مَحْبُوب، قال: حَدَّثَنَا (c) أبو عِيسَى مُحَمَّد بن سَوْرَةَ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يُوسُف، عن ابن ثَوْبَان - هو عبد الرَّحْمن بن ثَابِت بن ثَوْبَان - عن حَسَّان بن عَطِيَّة، عن أبي كَبْشَةَ السَّلُولِيّ، عن عَبْدِ اللّه بن عَمْرو (¬٢)، قال: قال رَسُولُ اللّهِ ﷺ: بَلِّغُوا عنِّي ولو آية، وحَدِّثُوا عن بَني إِسْرَائيل ولا حَرَج، ومَنْ كَذَبَ عليّ مُتَعمِّدًا فليتبوَّأ مَقْعَدهُ من النَّار. أخْبَرَنا أبو القاسِم بن أبي مُحَمَّد الزاهِد، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمّد الأنْدَلُسِيّ، عن أبى الفَضْل بن مُوسَى اليَحْصُبِيّ (¬٣)، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي الشَّهِيْدُ - يعني أبا عليّ بن سُكَّرَة - سَمَاعًا من لفظه، قال: أخْبَرَنا العُذْرِيّ أبو العبَّاس، قال: أخْبَرَنا أبو ذَرّ الهَرَويّ، قال: سَمِعْتُ أبا زُرْعَة عُبيد اللّهِ بن عُثْمان يَقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر النَّقَّاش يَدْعُو بهذا الدُّعَاء إذا فَرَغنا وانْصَرَفنا: عَمَّر اللّهُ قُلُوبكمُ بذِكْره، وألْسِنَتكُم بشُكْره، وجَوَارِحَكُم بخِدْمَتِهِ، ولا جَعَل على قُلُوبكم ربَّانِيَّةً لأحدٍ من خَلِيْقتهِ.أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن محمُود بن النَّجَّار، قال: الحُسَينِ بن مُحَمَّد بن فِيْرُّة بن حَيُّون أبو عليّ الصَّدَفِيّ المَعْرُوف بابنِ سُكَّرَة، من أهْلِ سَرَقُسْطَة من بلادِ الأَنْدَلُسِ، قرأ بها القُرْآن على أبي عليّ الحُسَيْن (a) بن مُحَمّد بن مُبَشِّر المُقْرِئ المَعْرُوفُ بابنِ الإمَام، صَاحِب أبي عَمْرو الدَّانِيّ، وسَمعَ الحَدِيْث من أبي مُحَمَّد عَبْد اللّه بن مُحمَّد بن إسْمَاعيْل بن مُحَمَّد بن فُورْتش، وأبي الوَلِيد البَاجيّ، وأبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عبدِ اللّه بن مُحَمّد بن الصَّرَّاف إمَام الجَامِع بها، وجال في الأنْدَلُسِ، فسَمِعَ ببَلنْسِيَة أبا العبَّاسِ أحْمَد بن عُمَر بن أنَس العُذْرِيّ، وبالمَرِيَّةِ أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن سَعْدُون بن بِلَال، وبالمَهْدِيَّةِ أبا مُحَمَّد سُليمان بن العبَّاس بن سُلَيمان القَرَوِيّ، ثمّ دَخَلَ ديَار مِصْر فسَمعَ بالإسْكَنْدَرِيَّةِ أبا العبَّاس أحْمَد بن إبْراهمِ الرَّازِيّ، وأبا جَعْفَر أحْمَد بن يَحْيى بن عليّ بن الجارُوْد المِصْرِيّ، وأبا مُحَمَّد عَبْد اللّه بن الحَسَن بن مُسَلَّم الصِّقِلِّيّ المُقْرِئ، وبمِصْر أبا إسْحَاق إبْرَاهيم بن سَعيد الحَبَّال، وأبا الحَسَن عليّ بن الحَسَن الخِلْعيِّ، وأبا الحسَن مُحَمَّد بن عَبْد اللّهِ بن دَاوُد الفَارسِيّ، وبِتِنِّيس أبا القَاسِم عَبْد المُحْسِن بن عُثْمان بن غَانِم الشَّافِعيّ. وحَجَّ وسَمعَ بمَكَّة أبا عَبْد اللّه الحُسين بن عليّ الطَّبَريّ، وأبا بَكْر الطُّرْطُوشِيّ، وتَوَجَّه إلى البَصْرَةِ، وسَمعَ بها أبا يَعْلَى المالِكيّ، وأبا القَاسِم عَبْد المَلك بن خَلَف بن شَغَبَة الحافِظ، وجعْفَر بن مُحَمَّد العَبَّادَانيّ، وأبا الفَرَج مُحَمَّد بن عُبيد اللَّهِ قاضي البَصْرَة، وأبا العبَّاسِ أحْمَد بن مُحَمَّد الجُرْجَانِيّ، وسَمعَ بوَاسِط أبا المَعَالِي مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام بن شَاندة الأصْبَهَانِيّ، وأبا الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن المَغَازِليّ، وأبا عَبْد اللّه مُحَمَّدًا، وأبا الفَضْل مُحَمَّدًا ابْنَي مُحَمَّد بن عليّ بن عُبَيْدِ اللّه بن عليّ بن السّوَادِيّ. ودَخَلَ بَغْدَادَ في مُنْتَصَف جُمَادَى الآخرة سَنَة اثنتَيْن وثَمانين وأرْبَعِمائة، فأقام بها مُدَّة خَمْسِ سنين حتَّى علَّق عن أبي بَكْر الشَّاشِيّ الفَقِيه الشَّافِعيّ تَعْلِيقَتهالكُبْرَى في مَسَائِل الخِلَاف، وتَفَقَّه عليهِ، وسَمِعَ الحَدِيْث الكَثِيْر من النَّقِيْب أبي الفَوَارِس طَرَّاد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَيّ، وأبي الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ بن أبي عُثْمان، وأبي الحُسَين عَاصِم بن الحَسَن بن عَاصِم، وأبي عَبْد اللّهِ مَالِك بن أحْمَد بن عليّ البَانياسِيِّ، وأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحمَّد بن الخَطِيب الأنْبارِيّ، وأبي الخَطَّاب نَصْر بن أحْمَد بن البَطِر، وأبي عَبْدِ اللّه الحسَين بن مُحَمَّد بن طَلْحَة، وأبي سَعْد أحْمَد بن عليّ بن تَحْرِيْش (a) القَزَّاز، وأبي مُحَمَّد رِزْق اللّه بن عَبد الوَهَّاب التَّمِيْمِيّ، وأبي الغَنائِم حَمْزَة بن مُحَمَّد بن الحَسَن الزُّبيرِيّ، وأبي الفَضْل أحْمَد بن الحَسَن بن خَيْرُون، وأبي طَاهِر أحْمَد بن الحَسَن الكَرْجِيّ، وأخيهِ أبي غَالِب مُحَمَّد بن الحَسَن، وأبي الحُسَين أحْمَد بن عَبْدِ القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، وأبي بَكْر أحْمَد بن عُمَر بن أبي الأشْعَث السَّمَرْقنديّ، وأبي طَاهِر أحْمَد بن عليّ بن سَوَّار المُقْرِئ، وأبي بَكْر أحْمَد بن عليّ الطُّرَيْثِيثِيّ، وأبي المَعَالِي ثَابِت بن بُنْدَار البقَال، وأبَوَي عَبْد اللّهِ الحُسَين بن أحْمَد بن أيُّوبَ العُكْبَرِيّ، والحُسين بن عليّ بن البُسْريّ (b)، وأبي يَعْلَى مُحَمَّد بن أحْمَد الأنْصَاريّ، وأبي الوَفَاء مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام بن عَفَّان الوَاعظ، وأبي مُحَمَّد عبدِ اللّه بن جَابِر بن يَاسِيْن، وأبي عبد اللّهِ مُحَمّد بن أبي نَصْر الحُمَيْدِيّ، وخَلْق كَثِيْر غيرهم. وحَصَّل الكُتُب والفَوَائِد. ثمّ إنّه دَخَلَ الشَّام في سَنَة تِسْعٍ وثمانين، فسَمِعَ بها الفَقِيه نَصْر بن إبْراهيم المقدِسِيّ، وأبا المَعَالِي سَهْل بن بِشْر الإسْفَرَاينِيّ، وأبا إسْحاق إبْراهيم بن يُونُس بن مُحَمَّد بن يُونُس المُقْرِئ خَطِيْب دِمَشْق، ومُقَاتِل بن مَطَّكُوْد السُّوْسِيّ. وعادَ إلى بِلَادِ المَغْرِب، فأقام بِها، وأخَذَ النَّاسُ عنه عِلْمًا كَثِيْرًا.حدَّث ببَغْدَاد بحَدِيثٍ واحدٍ على ما ذَكَرهُ في مَشْيَخَته، فإنَّهُ قال في مَشْيَخَته: عليّ بن هِبَةِ اللّه بن عَبْد السَّلام أبو الحَسَن، بَغْدَاديٌّ سَمِعَ معنا، أخَذتُ عنه خَمْسَة أحاديثَ، وأخَذَ عنِّي حَدِيثًا واحدًا. أنْبَأنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللّه القَاضِيِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (¬١)، قال: الحُسَين بن مُحَمَّد بنِ فِيْرُّة بن حَيُّوْنِ، أبو عليّ الصَّدَفِيّ الأنْدَلُسِيّ الحافِظُ الفَقِيهُ، من أهْل سَرَقُسْطَة، رَحَل وسَمِعَ بدِمَشْق نَصْر بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، وسَهْل بن بِشْر، وإبْراهيم بن يُونُس، ومُقَاتِل بن مَطَّكُوْد، وببَغْدَاد أبا القَاسِم عَبْد اللّه بن طَاهِر التَّمِيْمِيّ البَلْخِيّ المَعْرُوف بشَاهْفُور (a)، وأبا الغَنائِم بن أبي عُثمان، وعليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الأنْبارِيّ، وعَاصِم بن الحَسَن، ومالك بن أحْمَد البَانياسِيّ، وأبا الفَضْل بن خَيْرُون، وأبا طَاهر البَاقلَّانيّ، وأبا الخَطَّاب بن البَطِر، وأبا مُحَمَّد التَّيْمِيّ، وطَرَّاد بن مُحَمَّد الزَّيْنَبِيّ، وأبا طَاهِر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الفَضْل القُرَشِيّ العَبَّادَانِيّ، وأبا الفَرَج مُحَمَّد بن عُبَيْدِ اللّهِ بن الحَسَنِ القاضيّ، وأبا القَاسِم عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن فَهْد العَلَّاف، وأبا الفَضْلِ حَمْد في أحْمَد بن الحَسَن الأصْبَهانيّ الفَقِيه، وبالبَصْرَة أبا القَالمِ عَبْد المَلِك بن عليّ بن خَلَف بن شَغَبَة، وبوَاسِط أبا المَعَالِي مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ. سَمِعَ منه بدِمَشْقِ أبو القَاسِم، وأبو مُحَمَّد؛ ابنا صَابِر، وخالي القَاضِي أبو المَعَالِيّ، وأبو الحَسَن عليَّ بن زَيْد بن عليّ. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان، عن الحافِظ أبي مُحَمَّد عَبْد اللّه بن مُحَمَّد الأَشِيْرِيّ، قال: أنْبَأني القَاضِي أبو الفَضْل عِيَاضُ بن مُوسَى بن عِيَاض اليَحْصُبيّ (¬٢)، قال: أبو عليّ حُسَيْن بن فِيْرُّة بن حَيُّوْن الصَّدَفِيّ السَّرَقُسْطِيّيُعْرَفُ بابن سُكَّرَة، مَوْلدُه نحو أرْبَع وخَمْسِين وأرْبَعِمائة بمَدِينَة سَرَقُسْطَة، قرأ القُرْآن بها، وسَمِعَ من أبي مُحَمَّد بن فُورْتش، وأبي الوَلِيد البَاجِيّ، وغيرهما وذَاكرَهمُا في الفِقْه، وذَكَرَ أنَّ ابتداءهُ للسَّمَاعِ كان عند البَاجِيّ في شَوَّال سَنَة إحْدَى وسَبْعِين، ثمَّ خرَجَ عن سَرَقُسْطَة سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين فسَمِعَ ببَلَنْسِيَة والمَرِيَّة من جَمَاعَة، ولقي جلَّةً من فُقَهَاءِ الأنْدَلُسِ ورُوَاتِها. أخَذَ عن أبي العبَّاسِ العُذْرِيّ ببَلنسِيَة، وبالمَرِيَّة ابن المُرَابِط، وابن سَعْدُون، وعُنِيَ بالحَدِيْث والضَّبْط وحِفْظ أسْماءِ الرِّجَال، وكان مع هذا مَوْصُوفًا بالفَضْل والدِّيْن والعِفَّةِ والصِّدْقِ. ثمّ رَحَلَ إلى المَشْرِق أوَّل مُحَرَّم سَنَة إحْدَى وثمانين وأرْبَعِمائة في البَحْر، فلَقِي بقايا من شُيُوخ إفْرِيقِيَّة بالمَهْدِيَّةِ، ولَقِي بمِصْرَ الحَبَّالَ والخِلْعِيِّ، وحَجَّ من عَامِهِ فلَتِي بمَكَّة أبا عَبْدِ اللهِ الطَّبَريَّ، وأبا بَكرٍ الطُّرْطُوشِيَّ، وسَارَ إلى البَصْرَة ولَقِيَ أَبا يعلَى المالِكِيّ، وأبا العبَّاس الجُرْجَانِيّ، وأبا القَاسِم بن شَغَبَة الحافِظَ. وخَرَجَ عنها إلى بَغْدَاد، فسَمعَ في طَرِيْقهِ بوَاسِط، ودَخَلَ بَغْدَادَ مُنْتَصَف جُمَادَى الآخرة سَنَة اثْنَتَيْن وثَمانين، فأطال المقام بها خَمْس سنين كَامِلة حتَّى كَتَب عن الإمَام أبي بَكْر الشَّاشِيّ تَعْلِيقَته الكُبْرَى في مَسَائِل الخِلَاف وتَفَقَّهَ عندَهُ، ولازمَ السَّمَاعَ عند مَنْ أدْرَك بها من جلَّةِ البَغْدَاديِّيْن، ولَقي بها جَمَاعَةً من الخُرَاسَانيِّيْن وغيرهم من الطَّارِئين عليها للحَجِّ من أئمَّة أهْلِ المَشْرِقِ والقَاطِنِيْن بها منهم، ثمّ رَحَلَ عنها في جُمَادَى الآخرةِ سَنَة تِسْعٍ وثَمانين، فسَمِعَ بدِمَشْقَ وغيرها في طَرِيْقهِ من نَصْر الفَقِيه وغيره، وحَصَلت عنده عَوَالي نَفِيسة، وفَوَائِد جَمَّة. ووَصَل إلى الأنْدَلُسِ في صفَر سَنَة تِسْعين وأرْبَعِمائة، واسْتَقَرَّ سُكْناهُ بمَدِينَةِ مُرْسِيَة، ووَاظبَ الجُلُوسَ للإسْمَاعِ والإمْلَاءِ والرِّوَايةِ والمُذَاكَرَة في مَسَائِلالمُدَوَّنَةِ على طَريْقَةِ أهْل المغرب في المَالكِيَّةِ، فرَحَل النَّاسُ للسَّمَاع منه من أقْطَار الأنْدَلُسِ والمَغْرب. وتُوفِّيَ على إثر ذلك كَنِيُّهُ وسَمِيُّهُ أبو عليّ حُسَين بن مُحَمَّد الغَسَّانِيّ الحافِظُ المَعْرُوف بالجَيَّانِيّ، شَيْخُنا وآخر المُسْندِين بقُرْطُبَةَ، وأضْبَط النَّاسِ لكتابٍ ورِوَايَةٍ، فانْفَرَد بعد وَفَاته بِالإمَامَة في الحَدِيْث بالأنْدَلُسِ، وكَثُرَ الرَّاحلُونَ إليهِ، وغصَّ مَجْلسُه واسْتَوْفَتْ نُوَبُ السَّامِعيْن منه أجْزاء نَهَاره وكَثِيْرًا من لَيْلِهِ، وتَنَافس النَّاسُ في الأخْذ منه، والحَمْلَ عنه، وشاركَ فيه الأكَابِرَ الأصَاغِرُ، وكِان صَابِرًا على ذلك مُحْتَسِبًا فيهِ، ولم يَزَل يَزْدَادُ على مَرِّ الأيَّام مَعْرفَةً وحِفْظًا ووَرَعًا وجَلَالَةً ومَنْزِلةً من قُلُوب النَّاسِ، مع حُسْنِ خُلُقه وتَوَاضُعهِ، وجَمِيلِ عِشْرَتهِ، حتَّى بَذَّ ذِكْرهُ جميع طَبَقَات الأَجَلَّاءِ، وأقَرَّ بفَضْلِهِ جميعُ الفُضَلَاءِ، وبَعُدَ صِيْتُهُ من بين العُلَمَاءِ. ثُمَّ طلبَ أهْلُ مُرْسِيَةَ وشَرْقِ الأنْدَلُسِ من أمير المُسْلمِيْن أبي الحَسَن علِيّ بن يُوسُف بن تَاشِفِيْن أنْ يُقَلِّده قَضَاءَهم، فقَلَّدَهُ ذلك في رَبِيع الآخر سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِمائَة، فامْتَنَعَ منه، وخَرَجَ إلى المَرِيَّةِ فارًّا بنَفْسِهِ، وترردَّدت إليهِ كُتُب أمير المُسْلمين ورُسُلهُ، وألْزمَ إشْخَاصَهُ إلى مُرْسِيَة، وشَدَّد في الأمْرِ، فنَهَضَ إليها على كُرْه مُتَقلِّدًا قَضَاءها وقَضَاءَ قُضَاةِ الشَّرْق بها، فلَزم هذا العَمَل، مَحْمُود السِّيْرَةِ، قَائمًا بالحقِّ إلى أن عَزَلَ عن القَضَاءِ نَفْسَهُ، واخْتَفَى، ووَرَدَت كُتُب السُّلْطان برجُوعهِ إلى القَضَاءِ وهو يَأبَى، وبَقِيْت الحالُ هكذا أشهُرًا، وكَتَبَ الطُّلَّابُ والرَّحَّالُونَ كِتَابًا يَشْكُون فيهِ إلى أمير المُسْلِمين حالَهُم، ونَفَاد نَفَقاتهم، وانْقِطَاعَ آمَالِهم، فسَعَى له قاضي الجَمَاعَة عند أمير المُسْلِميْن، وبيَّن له وَجْهَ عُذْره إلى أنْ أَسْعَفَ رَغْبَتَهُ، وظَهَرَ للنَّاسِ. ولمَّا وجَّهَ أميرُ المُسْلِمِيْن الجُيُوشَ إِلى الثَّغْرِ مع أخيهِ إبْراهيم سَنَة أرْبَع عَشرة، خَرَجَ فيمَن خَرَجَ من المُطَّوِّعَة، فلمَّا جَرَت على المُسْلِمِيْن الهَزِيمَةُ المَشْهُورة بقُتُنْدَةَ،كان فيمَن فُقِدَ، فخُتِم له بالشَّهَادَةِ، وكانت هذه الوَقْعَة بقُتُنْدَة من ثَغْر سَرَقُسْطَة يَوْم الخَمِيْس لستٍّ بقين لرَبِيع الأوَّل من السَّنَةِ المَذْكُورَة. قال القَاضِي عِيَاض (¬١): ولقد حَدَّثَني الفَقِيه أبو إسْحاق إبْراهيم بن جَعْفَر أنَّهُ قال له: خُذ الصَّحيح فاذْكُر أيّ مَتْن شِئْتَ منه أذْكُر لك سَنَدَهُ، أو أيّ سَنَد أذْكُر لك مَتْنَهُ.