كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 591, entry [153]19,779 chars
بابٌ في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمالها من العَجَائِبِ، والخَوَاصِّ، والطِّلَّسْمات، والغَرَائبْ حَدَّثَني والديّ، ﵀، قال: لم يكُن البَقُّ يُوجَدُ في مَدِينَة حَلَب، ولا يُعْهَد منهُ شيء، إلى أنْ اتَّفَق عِمَارَةٌ في بعض أسْوارها، ففُتحَ فيها طاقَة أفضَتْ إلى مَغَارة كانت مَسْدُودة، فَخَرج منها بَقٌّ عظي…
▸ expand full passage (19,779 chars)بابٌ في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمالها من العَجَائِبِ، والخَوَاصِّ، والطِّلَّسْمات، والغَرَائبْ حَدَّثَني والديّ، ﵀، قال: لم يكُن البَقُّ يُوجَدُ في مَدِينَة حَلَب، ولا يُعْهَد منهُ شيء، إلى أنْ اتَّفَق عِمَارَةٌ في بعض أسْوارها، ففُتحَ فيها طاقَة أفضَتْ إلى مَغَارة كانت مَسْدُودة، فَخَرج منها بَقٌّ عظيم عند فَتْحها، أظُنُّها في ناحيةِ قَلْعَة الشَّريف، فَحَدَث البَقُّ فهِا من ذلك اليَوم. قال: وقيل بأنَّه كان الإنْسانُ إذا أخْرَج يدَهُ من داخل السُّور إلى خارجه سَقَطَ البَقُّ على يَدِه، فإذا أعادها إلى داخل السُّور ارْتَفَعَ.وأخْبرَني الرَّئِيس إبْرَاهِيْم بن الفَهْمِ، رَئيس مَعَرَّة النُّعْمَان، قال: كان في مَعَرَّة النُّعْمَان عَمُود فيه طِلَّسْم للبَقِّ، قال: وذَكَرَ أهْلُ المَعَرَّة أنَّ الرَّجُل كان يُخْرج يدَهُ وهو على سُور المَعَرَّة إلى خارج السُّور فيَسْقُط عليها البَقُّ، فإذا أعادَها إلى داخل السُّور زالَ عنها. قال لي: وأخْبَرَني رَجُلٌ من أهْل المَعَرَّة يُسَمَّى مُحمَّدًا، قال: رأيتُ أسْفل عَمُودٍ في الدَّار الِّتي كُنْتُ بها في مَعَرَّة النُّعْمَان ففتحْتُ مَوضِعَهُ لأسْتَخرجه، فانْخرقَ إلى مَغَارة، فأنْزَلْتُ إليها إنْسانًا -أو قال: نَزَل هو بنَفْسه- ظَنًّا أنَّه مطلَبٌ، فوَجَدنا مَغَارةً كبيرةً، ولم نَجِد فيها شيئًا، قال: ورَأَى فيها في الحائط صُورَةَ بَقَّةٍ، قال: فن ذلك اليوم كثُر البَقُّ بمَعَرَّة النُّعْمَان. وقد قال أبو عمرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في قَصِيدَة الأعْلَام، في وَصْف أَنْطاكِيَة، وقد قدَّمنا ذِكْره: [من الرجز] والبَقُّ لا يَدْخُلُها ويتَّصل … لكن بها فأر عَظيم كالوَرَل وقال في تفْسير هذا البيت: ولا يَدخُلُها البَقُّ، ومَنْ خَرَجَ منها آذَاهُ البَقُّ، وهي كَثِيْرةُ الفَأْر. وسَمِعْتُ والديّ، ﵀، وغيره من الحَلَبِيِّين، يقُولُون: لَم نَسْمَع بأنَّ حَيَّةً من الحَيَّات الّتى دَاخل مَدِينَة حَلَب لَدَغَتْ أحدًا فمات من لَدْغتها. قال لي والدي ﵀: ويُقالُ إنَّ بها طِلَّسْمًا للحَيَّاتِ، وقيل إنَّهُ ببُرْج الثَّعَابِين في الزَّاويَةِ الّتي عندَ باب الفَرَادِيْس المُسْتَجَدَّ. وبَلَغَني أنَّ جَمَاعَة في زَمَاننا لَدَغَتهُم حَيَّاتٌ دَاخل مَدِينَة حَلَب، ولم تُؤْذِهمِ كجاري العَادَة، وأنَّ المَلْدُوغِ لا يبقى بالألم إلَّا أيَّامًا يسيرةً ويَبْرأ، والعَجَبُ أنَّ حَيَّات بَانَقُوسَا خارج المَدِينَة لا تَلْدَغُ أحَدًا إلَّا ويموتُ في الحالِ، وحَيَّات المَدِينَة كما ذَكَرنا، وهذا لُطْفٌ من اللّه ﷿.وسَرْمِيْن لا يُوجَد فيها حَيَّة أصْلًا، وفىِ وَسَطها عَمُود يُقال إنَّه طِلَّسْم للحَيَّات. وذَكَرَ لي أهْلُ مَعَرَّة النُّعْمَان أنَّ حَيَّات مَعَرَّة النُّعْمَان لا تُؤْذِي إذا لَدَغَتْ كما يُؤذي غيرها. وسَمِعْتُ إبْرَاهِيم بن الفَهْمِ، رئيس المَعَرَّة، يقُولُ: إنَّ العَمُودَ القائم في مَدِينَةِ المَعَرَّهَ هو طِلَّسْم، ذَكَرَوا أنَّه للحَيَّات، وأنَّ الحيَة إِذا لَدَغَتْ إنْسَانًا عندنا بالمَعَرَّة لا تُؤذِيهِ. وهذا العَمُود قائمُ مُسْتَقرٌّ على قاعدَة بزُبْرَة حَدِيدٍ في وسطه يُمِيْله الإنْسان فيَميل، وربَّما تُمِيلهُ الرّيح القويَّة، ويضع النَّاس تحته إذا مال الجَوْز أو اللَّوْز فيعُود إلى مُسْتَقرِّه فيُكَسِّرهُ. وسَمِعْتُ إبْرَاهِيْم بن الفَهْم المَذْكُور يقُول: كان بالمَعَرَّة عَمُودٌ آخر كان فيهِ طِلَّسْم للعَقَارِب، فكانت العَقَارِب بالمَعَرَّة لا تُؤذِيّ، فزَال ذلك العَمُود، فزال أثَره، والعَقارِبُ اليَوم بالمَعَرَّة إذا لَدغَتْ تقتُل. وبناحيَةِ الجَزْر من أعْمَال حَلَب، بالقُرْبِ من مَعَرَّة مَصْرِيْن، قَريَةٌ يُقالُ لها: يَحْمُول (¬١)، ولنا فيها ملكٌ نَتَوَارثُهُ عن أجْدادنا من حُدُود الثَّلاثمائة للهِجْرة، لا يُوجَد في أرْضِها عَقْرَبٌ أصْلًا. وحَكَى في جَمَاعَةٌ من فلَّا حيها أنَّهم يَخْرجُون في بعض الأوْقَاتِ، ويَحْتَطِبُونَ من جَبَل الأعْلَى حَطَبًا، ويأتونَ بهِ إلى يَحْمُول هذه، فربَّما يَعْلق في الحَطَب من الجَبَل عَقْرَبُ، فمَتَى ما شَمَّت تُراب يَحْمُول ماتَتْ. ومن العَجَب أنَّ إلى جانب يَحْمُول قَرْيَتَيْنِ يُقال لأحديْهما: الكَفْر، وللأُخْرى: بَيْت رَأس (¬٢)، وبين جدارها وجدار كُلِّ واحدة من القَريتَيْن مِقْدَار شَوْط فَرَس،وإذا صَاح إنْسان في القَريَة سُمِعَ في القَرْيَةِ الأُخرى، وفي كُلِّ واحدةٍ من القَرْيَتين من العَقَارِب شيءٌ كَثِيرٌ، وهي من أشَدِّ العَقَارِب ضَرَرًا. وفي يَحْمُول هذه آبار كَثِيْره، ماؤها مَعِيْن، طُول البئر مِقْدَار عَشرة أذْرع، وهاتان القَرْيَتان ليس فيهما بئرٌ واحدٌ، وإذا حُفِرَ فيهما بئر لايَجِدُونَ فيها مَعِينًا، ولهم صَهَاريج من ماء المَطَر، وربَّما يقلّ علجهم الماء، فيكُون شُرب أهْلِ القَريَتَيْن من يَحْمُول هذه. وأخْبرَني مَنْ أثِقُ بهِ من الحَلَبِيِّين أنّه وَلي عَمَلًا بشِيْحِ الحَدِيْدِ (¬١)، وأنَّه لا يُوْجَد بها عَقْرَبٌ أصْلًا، وأنّ الرَّجُل من أهل شِيْحِ إذا غَسَل ثَوْبَهُ في مائهِا ثمّ خَرَجَ إلى مَوضِع آخر، فوُضِعَ على ثَوبهِ ماءٌ وعُصِر وشَرِبَهُ مَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَب بَرِئَ من وَقْتهِ، وإنْ قُطر منهُ قَطْرَةٌ على عَقْربٍ ماتَتْ في الحالةِ الرَّاهِنَةِ. وهذه شِيْح الحَدِيْد قَرْيَةٌ كبيرةٌ لها كُورَة، وفيها وَالٍ ودِيْوَان، وهي في طَرف العَمْق من أعْمَال أَنْطاكِيَة، وِ اليَوم من أعْمَال حَلَب مُضافَةٌ إلى حَارِم، وبها كان مَقَام يُوسُف بن أسْبَاط رحْمَةُ اللّهِ علَيهِ. وأخْبَرَني والدِيّ، ﵀، وجَمَاعَة من مَشَايخ حَلَب، يَأْثُرُهُ الخَلَفُ عن السَّلَف، أنَّ العَمُود الحَجَر المَعْرُوف بعَمُود العُسْر، بالقُرْبِ من الأسْفَربس (¬٢)بمَدِينَة حَلَب، ينفَعُ من عُسْر البَوْل، وإذا أصَاب الإنْسان أو الدَّابَّة عُسْر البَول أتَوا به إليهِ، وأدَارُوا به حَوْلَهُ، فيَزُول ما بهِ، وذَكَرُوا أنَّ هذا مُجَرَّبٌ، والنَّاسُ يَعْرِفُونَ ذلك إلى زَمَننا هذا ويَسْتعمِلُونَهُ فيُفيد، والمَحَلَّة الَّتي هذا العَمُود بها تُعرف بعَمُود العُسْر. وفي قُرَى حَلَب في النَّاحِيَةِ الشَّرْقيَّة، وتُعْرَفُ بالحَبْل (¬١)، خِرْبةٌ تُعْرفُ بجُبِّ الكَلَب، وهي إلى جانب قِبْثان الحَبْل كان بها بئر ينفَعُ المَكْلُوب. وأخْبَرَني والِديّ، ﵀، فيما يَأْثُرهُ عن سَلَفه، أنَّ هذا البِئْرَ كان يَنفَعُ مَنْ عَضَّهُ الكَلْب الكَلِب، فيأْمَن المَعْضُوض من الكَلَب بالنَّظر في تلك البئر والشَّرب منها. قال والدِي ﵀: وبَطَلَت مَنْفَعة البِئْر بأنَّ امْرأةً ألْقَتْ فيها خِرْقَةَ حَيْضٍ، فبطلَ تأثيرُها، وهذا مُتَدَاولٌ عند أهْل حَلَب، يَأْثُرُهُ الخَلَفُ عن السَّلَف، وإنَّما بطلَت مَنْفَعَةُ البئر في صُدُود الخَمسمائة. ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَنِ عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، في تاريخهِ المَوْسُوم بالبدَايةِ والنِّهايَة (¬٢)، قال: سَنَة خَمسٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة، فيها كَلِبَت الذِّئابُ والكِلَابُ وأتْلَفْت أكْثَر النَّاسِ. قال أبي: قال لي جَدُّكَ ﵀: كان أبي أبو المُتَوَّجَ قد دَخَل إلى حَلَبَ، وترَكَني عندَ جَدِّي الصُّوفِيّ أتفَرَّجُ بسَرْمِيْن، وكُنْتُ لا أعْرفُ لي وَالدًا سِواه لغَيْبَة أبي عند الأُمراءِ والمُلُوك، فقال: يا عَليّ،احْذَرْ أنْ تَخْرج وَحْدَك فإنَّ الكِلَاب الكَلِبةَ كَثِيرٌ، فاتَّفَق أنِّى خَرَجْتُ مع أصْحَابي وغِلْمَاني، فَقُيِّضَ لي كَلْبٌ فَرَعشَنِي، فدَخَلت غيرَ طيِّب النَّفْس، وذلك بعد العَصْر والزَّمان الصَّفَريُّ في التَّشَارِين، فمضَى مَنْ خَبَّرَ جَدِّي الحَسَن الصُّوفِيّ العِجْلِيّ، فركبَ فَرَسَهُ، وأخَذ دَلْوًا للسُّمُوط وأخَذَني، ومضَى يَخُبُّ ويُنَاقِل، وأنا معَهُ، إلى أنْ أتَى بي جُبّ الكَلَب شَماليّ حَلَب، فَسقَاني منهُ، وغَسَل يَدي ورِجْلي ووَجْهي، وقال: اقْلَعْ ثيابكَ، فقُلتُ: الله الله! إن خلَعْتُ ثيابي في هذا البَرْد مُتّ، فقال: وليتَ مُتّ واسْتَرحت [منك] (a) يا صَانِع، فاسْتَقَى أربعين دَلْوًا وصَبَّها عَلىَّ، وقال: تَطَلَّعْ في الجُبِّ، وكانت آية الجُبّ إنْ نَفَعَ المَرْعُوش أَبْصَر النُّجُوم في الجُبِّ، وإنْ لَم يَنْفَعهُ سَمِعَ نَبِيْح الكِلَاب، فقال: ما تَرَى؟ فقُلتُ: أرَى النُّجُوم في الماءِ، فقال: الحَمْدُ لله، ورَكِب، وأخَذَني فباتَ في سَرْمِيْن، ولكن بَعْدَ تَهَوُّرِ اللَّيْل. قال: يقُول جَدُّكَ: فوالله بعد تَمام الأسْبُوع بُلْتُ ثلاثَة (b) كِلَاب مُصَوَّرة بأذْنَابها ورُؤوسها. قال: ولم يَزَل هذا الجُبُّ يَتَدَاوَى به النَّاسُ إلى أنْ مَلَكَ حَلَب رِضْوَان المَلِك ابن تاج الدَّوْلَة، فعَوَّل على تَوْسِيع فَمهِ، وكان ضَيِّقًا، عليه أرْبَعة أَعْمَدة، تَمنَعُ أنْ يُنْزلَ فيه، فقال: نَعملَهُ يكون الإنْسانُ يَنْزل إليه، ولا يَقْلِبُ عليه، فقيل له: إنَّ هذه الطِّلَّسْمات لا يجبُ أن تتغَيَّر عن كيفيَّاتها، فلم يَقْبَل، ففتحه، فزَال عنه ما كان يزيل الأذَى. وكان يقال إنَّ ذلك كان في سَنَة ستٍّ وتِسْعِين وأرْبعمائة، وهو كان من العَجَائب الثَّلاث: جُبُّ الكَلَب، ونَهْر الذَّهَب، وقَلْعَة حَلَب؛ فأمّا النَّهْر فهو ماء يَجْري إلى أنْ ينتَهي إلى مَواضِع في الجَبُّول وغيرها من القُرَى، فيسكُبونها ويُجْرُونإليها السَّواقي، فإذا دَخَل تلك المساكب جَمَد بإذْن الله، وصار مِلْحًا أبيض في بياض الثَّلْج، فيُباع منه بالأمْوالِ الخَطيرة، ولذلك سُمِّي نَهْر الذَّهَب. قُلتُ: وهذا عليّ بن مُنْقِذ صَاحب هذه الوَاقِعَة هو الأَمِير سَدِيْدُ المُلْك [أبو الحَسَن عليّ] (a) بن أبي المُتَوَّج مُقَلَّد بن مُنْقِذ الكِنَانِّي، الّذي فَتَح شَيْزَر واشْتَراها من الأُسْقُف بمالٍ بذلَهُ له على ما ذَكَرناهُ في الباب المُتَقدِّم في ذِكْر شَيْزَر (¬١)، وكان من الرِّجال العُقلاءِ، والأُمَراءِ العُلَمَاء، والأُدَبَاء الشُّعَرَاء، وجَدُّهُ المذكُور لأُمِّه هو الحَسَنُ بن عِجْل المَعْرُوف بالصُّوفيِّ، وبنو الصُّوفِيّ الّذين تَولُّوا رئاسة دِمَشْق كانُوا من نَسْلِه، وكان الصُّوفِيِّ يَسْكن سَرْمِيْن، وسيأتي ذكْرهُما (¬٢) في هذا الكتاب إن شَاءَ اللهُ تعالَى. قَرَأْتُ في كتاب الرَّبِيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْرَاهِيم بن هِلِّل الصَّابئ، وأخْبَرنا به عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف إجَازَةً، عن أبي الفَتْح مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، عن أبي عَبْد الله الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن، قال: وحَدَّثَني أبو عَبْد الله بن الإسْكَافِيِّ كاتب البَسَاسِيرِيّ في سَنَة إحْدَى وخمسين وأرْبَعِمائة، قال: احْتَرق بحَلَب عاما أوَّل، بُرْجٌ من أبْراج سُورها، وحَكَي ذلك للمُسْتَنْصِرِ باللهِ صَاحب مِصْر خَادِمٌ كان له بحَلَب، فقال له: إنْ كُنتَ صَادِقًا ففي هذه السَّنَة يُخْطَبُ لنا بالعِرَاق، وذَاكَ عندنا في كُتُبنا دَلِيل على ما قُلْناهُ. قال أبو عَبْد الله: واتَّفَق أنْ جئنا وأَقَمْنا الخُطْبَة في ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْسين.﷽ وَبِهِ تَوْفِيقِى وفي قَرْيَة من قُرَى جَبَل السُّمَّاق من أعْمَال حَلَب يُقالُ لها: كَفْر نَجِدْ (¬١)، وهي قَرْيَةٌ كبيرةٌ، كَثِيرة الأشْجَار، بئرٌ من غَرْبي القَرْيَة ربَّما سَاح ماؤُها في بعض السِّنِين على وجهِ الأرْض، من خَاصِّيَّة ماءِ البِئْر أنّه يُخْرجُ العَلَقَ إذا نَشِبَ في حَلْق الإنْسان أو الدَّابَّةِ إذا شُرب ذلكَ الماء (¬٢). وهذا أمرٌ مُستَفِيضٌ لا شَكَّ فيه، فإنّني جرَّبْتُهُ أنا بنَفْسِي، فإنّي سَافرْتُ في بعض السِّنِين مع والدي، ﵀، إلى حَمَاةَ، فشربْتُ ماءً بتُمْنَعَ (¬٣)، وهي قَريَةٌ في طَريق حَمَاة من عَمَل كَفَرْ طَاب، ولها رَكِيَّةٌ (¬٤) مَعْرُوفة بالعَلَق، فَنَشبَ في حَلْقي عَلَقَةٌ في مَوضعٍ لا يُوصَل إليه في أقْصَى الحَلْق، وعُدتُ إلى حَلَب، وهي على حالها، وعُولِجْتُ بأنْواع الأدْوِيَةِ الّتي تُسْتَعمل لاسْتخراج العَلَقِ، فلَمْ تَنْجِعْ شيئًا، وجعلَتْ تَكبر في حَلْقي، ويَزْدادُ خُرُوج الدَّم بسَبَبِهَا، حتَّى أنّي كُنْتُ أُلقي منهُ في كُلِّ يوم شيئًا كَثِيرًا، فاشْتَغل خاطِرُ والدِي، ﵀، لذلكَ.فاتَّفَق أنْ حَضَر مُقَدِّم قَرْيَة كَفْر نَجِد عند عَمِّي أبي المَعَالِي، وذَكَرَ له خَاصِّيَّة هذه البئر، فجاء عمِّي وذَكَر لوالدِي ذلك، فقام في الحالِ ورَكِب، وسَارَ بي إلى كَفْر نَجِد، فوصَلْناها آخر النَّهَارِ قبل المَغْرب، وخرج بي إلى البئر، وشَرِبْتُ من مائها مرارًا، وعُدْتُ إلى القَرْيَة، وألْقَيْتُ من الدَّمِ شيئًا كَثِيرًا، وغَلَبني النَّوم لِمَا نالَني من التَّعب، فأغْمضت، فخرجَتْ العَلَقَةُ من حَلْقي إلى فَمي فوجَدَتْهُ مُطبَقًا، فطلبت مَنْفَسَ الهَوَاءِ وأنْ تخرج من خيشُومي، فانتَبَهْتُ، وفَتَحْتُ فمي، فَنَزَلَتْ إليه، فأخرجتُها من فمي وهي بِمِقْدَار الإصْبَع الطَّويلة بعدَ أنْ ألقَتْ ما كان في جَوْفها من الدَّمِ. وفي أعْمَال حَلَب عِدَّة حَمَّاتٍ تَنْفَعُ من البَلَاغِم والرِّيَاح وكَثِير من الأدْواءِ، فمنها حَمَّةٌ في السُّخْنَة (¬١) من عَمَل المَنَاظر (¬٢) من ناحيةِ قِنَّسْرِين، ماؤها في غاية الحَرارة، وأهلُها يَغْتَسلُونَ فيها ويَتَعَوَّضُونَ بها عن الحَمَّام، وذَكَرَ لي جَمَاعَة من أهْلها أنَّهم يَنْتفعُونَ بها من الرِّيح والبَلْغَم والحَبّ، ونَزَلْتُ إليها واغْتَسلْتُ فيها. وذُكِرَ لي أنَّ بناحيَةِ العَمْق حَمَّة أُخْرى يَتَداوَى بها النَّاسُ أيضًا. وذَكَرَ أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، وَعَدَّ کور قِنَّسْرِين والعَوَاصِم، وقال (¬٣): وكُورَة الجُومَة، وبها العُيُونُ الكِبْرِيتِيَّة الّتي تَجْرِيإلى الحَمَّة، والحَمَّةُ بقَرْيَة يُقالُ لها جَنْدَارِس، ولها بُنْيانٌ عَجيبٌ مَعْقُودة بالحِجَارَة، يأتيْهَا النَّاسُ من كُلِّ الآفاق، فيَسْبَحُونَ فيها للعِلَلِ الّتي تُصِيْبهُم، ولا يُدْرَي من أين يَجيءُ ماؤُها ذلك الكِبْرِيِتيُّ، ولا أينَ يَذْهَبُ. وقَرَأتُ في كتاب أخبار البُلْدَان، تأليفُ أحْمَد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ، المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيهِ، قال (¬١): وعلى سَبْعَة أمْيالٍ من مَنْبِج حَمَّةٌ، عليها قُبَّةٌ تُسَمَّي: المُدِيْر، وعلى شَفِيرها صورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ أسْوَد، تَزْعَمُ النِّسَاءُ أنَّ كُلّ مَنْ لا تَحْبَلُ منهُنَّ إذا حَكَّتْ فَرجَها بأَنْف تلكَ الصُّورَة حَبِلَتْ. وبها حَمَّامٌ يُقالُ لهُ حَمَّامُ الصَّرانِيّ (a) في وسَطهِ صُورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ يخرجُ ماءُ الحَمَّام من إحْليلِهِ. أخْبَرني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبْراهِيم بن الخَشَّاب، ﵀، قال: أخْبَرَني ابنُ الإكْلِيليِّ المُنَجِّم الحَلَبيِّ، قال: لمَّا حُفِرَ بالمَسْجِد الجامِع بحَلَب مَوضِع المَصْنَع للماءِ، وُجِدَ فيه صُورَةُ أسَدٍ من الحَجَر الَأسْوَد، وهو مَوْضُوع على بلاطٍ أسْودَ، ووَجْهه إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قال: فاسْتَخْرجُوه من مكانه، فجرى بعدَ ذلك ما جَرَى من خَراب جامِع حَلَب؛ إمَّا بالزَّلْزَلَةِ وإمَّا بالحَرِيق. قُلتُ: ووَقَعَ مثل ذلك في زَمَاننا، في أيَّام دَوْلة المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، وأتَابِكُهُ ومُدَبِّرُ دَوْلته طُغْرِل الخَادِم الظَّاهِريّ، فجدَّدَ طُغْرِل دارًا في القَلْعَة ليَسْكنها، فلمَّا حُفِرَ أسَاسُها، ظَهَرَ في ما حَفَرُوه صُورة أسَدٍ من حَجرٍ أَسْوَد، فأزالُوهُ عن مَوضِعه، فسَقَط بعد ذلك الجانب القِبْليّ من أسْوار قَلْعَة حَلَب، وانْهَدَمَ من سَفْح القَلْعَة قِطْعة كبيرة.أخْبَرنا أحمد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك البَغْدادِيّ، في كتابهِ إليَّ، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصاريّ، قال: أنْبَأنا المُحَسِّنُ بن علىّ التَّنُوخيُّ (¬١)، قال: حَدَّثَني الحَسنُ ابنُ ابنةِ غُلَام أبي الفَرَج البَبَّغَاء، وكَتَب خَطّه، وشَهد له أبو الفَرَج بصِحَّة الحِكَاية، قال: في أعْمَال حَلَب ضَيْعَةٌ تُعرَفُ بعَيْن جَارَا (¬٢)، وبينها وبين الحَوْتَة (¬٣) حَجَرٌ قائم كالتَّخْم بين أرْض الضَّيْعَتَيْن، فربَّما وقَع بين أهْلِ الضَّيعَتَيْن شرٌّ، فيكيدُهُم أهْلُ الحَوْتَةِ بأنْ يطرَحُوا ذلك الحَجَر القائم، فكُلَّما (a) يقَع الحَجَرُ، يَخْرج أهْلُ الضَّيْعتَين من النِّسَاءِ ظَاهرات مُتَبرِّجات لا يَعْقلن بأنْفُسهنَّ طلبًا للجِمَاع، ولا يَسْتَقْبحن (b) في الحالِ ما هُم عليه من غَلَبةِ الشَّهْوَة، إلى أنْ يَتَبادر الرِّجالُ إلى الحَجَر فيُعِيدُونَهُ إلى حَالهِ الأُولَى، فيَتَراجعن النِّساءُ إلى بُيُوتهنَّ، وقد عَادَ إليهنَّ التَّمْييزُ باسْتقباح ما كُنَّ عليه. وهذه الضَّيْعَة كان سَيْفُ الدَّوْلَة أقْطَعها أبا علىّ أحمد بن نَصْر البَازْيَار، وكان أبو عَلىّ يَتَحَدَّثُ بذلك ويَسْمَعَهُ منهُ النَّاسُ، وذَكَر هذه الحكاية بخَطّهِ في الأصْل.قُلتُ: هكذا قال: الحَوْتَة بالحاءِ، وهي الآن تُسَمَّى الهَوْتَةِ بالهاء، وهي إلى جانب عِنْجَارا. والهَوْتَة أُقْطِعْتُها، وبَطل ما ذكَرَهُ التَّنُوخيُّ، وقيل لي بأنَّ الحَجَر باق. قَرَأتُ في تاريخ أعارنيهِ بعضُ الهاشِميِّينَ بحَلَبَ، جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّامُ بنُ الفَضْل بن جَعْفَر بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬١)، ذَكَر فيه حوادثَ سنَة سبعٍ وستِّين وأرْبَعِمائة، أنَّهُ ظَهَرَ بأَنْطاكِيَةَ طِلَّسْمٌ في جُرْن على صُوَر الأتْرَاك، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى فَتَحها الأتْراكُ. ثم قَرَأتُ بخَطِّ مُحمَّد بن عليّ العُظَيْميّ الأُسْتَاذ في تاريخه (¬٢)، وأنْبَأنَا به عَنْهُ المُؤيَّد بن مُحمَّد الطُّوسِيّ، في حَوادِث سَنَة سبعِ وستِّين، قال: وفيها فَتَحَ سُلَيمان بن قُطَلْمِش نِيقِيَّة وأعْمالها، وفيها كانت الزَّلْزَلَةُ بأَنْطاكِيَة، فأخْرَبَت منها كَنَائِس ومنازِل وبعضَ سُورها، وفيها ظَهَرَ بأَنْطاكِيَة طِلَّسْم الأتْرَاك في دَيْرٍ على بابها، وكان الدَّيْرُ عابَ، فلم يَجِدُوا له خَشَبًا لسَعَةِ أكْوَاره، فجدَّدُوا في وسَطِه أسَاسَاتٍ للقَنَاطِر، فخرَج عليهم جُرْنٌ فيه خَيَّالة أتْرَاك من نُحاسٍ، فظَهَر الأتْرَاكُ على أَنْطاكِيَة. وذكَرَ العُظَيْميُّ في تاريخه المُخْتصَر (¬٣)، ما أخْبَرَنا به شَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إجَازَةً عنهُ، قال في حَوادث سَنَة سَبْعٍ وستِّين وأرْبَعِمائة: وزُلْزِلَتْ أَنْطاكِيَةُ، وفَتَحَ سُلَيمان بن قُطَلْمِش نِيقِيَّة وأعْمَالها، وظَهَر بأَنْطاكِيَة طِلَّسْم الأتْرَاك في دَيْر المَلِك على باب أَنْطاكِيَة، سَبْعَة أتْرَاك من نُحاسٍ على خَيْل نُحاسٍ بجِعَابِهم، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى فَتَحَها الأتْرَاكُ.قُلتُ: فقد تَواطأ ابن المُهَذَّب والعُظَيْميِّ على أنَّ هذا كان في سنَة سَبْعٍ وستِّين! وليس الأمْر كذلك؛ بل كان فَتْح سُلَيمان بن قُطَلْمِش أَنْطاكِيَة في سَنَةِ سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، والظَّاهر أنَّ ابن المُهَذَّب نَقَلَ ذلك وطَغَى القَلَمُ في سَنَة سَبْع وسَبْعِين وستِّين، فكتبه على الغلَط، ونَقَل العُظَيْميُّ ذلك من تاريخه على الغَلَط، والصَّحيح ما ذكَرَهُ حَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيم الأثارِبيّ في أخْبار الفِرِنْج (¬١)، وقرأتُهُ بخَطِّ الرَّئِيس يَحْيَى بن المِرَاوِيّ الحَلَبِيّ، وذَكَرَ أنَّه نَقَلَهُ من خَطِّ حَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيم، قال: وكان من عجائب الزَّمان أنَّ أنْطاكِيَة خرَّبَتْها زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَبْلَ فَتْحها بمُدَّة أربع سِنين، وسقَط من سُورها عدَّةُ أبْرِجَةٍ. حَكَى القَاضِي حَسَنُ بن المَوْج الفُوعيّ، قال: كُنْتُ قد هَرَبْتُ من المِجَنّ (¬٢) ووصَلتُ إلى أَنْطاكِيَة، وخدَمْتُ بها الأجَلّ مَسْعُود وَزير يَغِي سْغان، فتَرَكني على العِمَارَة، قال: فعُدْنا إلى ما قد أخْربَتْهُ الزَّلْزَلَةُ من السُّور فعَمرناهُ، فعَاد أحَدُ الأبْرِجَةِ هَبْطًا وعَاب، فأُشير علينا بنقَضِه، وأنْ يُقرَّر أسَاسهُ، فهَدَمْناهُ، ونَزلناهُ على آخر دِمْس في أسَاسهِ، فوَجَدْنا جُرْنًا قد انكَسَر عليه طابقٌ عظيم، فكَشَفْناهُ فَوجَدْنا فيه سَبْعَةَ أشْخاصٍ من نُحاسٍ على خَيْلٍ من نُحاسٍ، على كُلِّ واحدٍ ثَوْبٌمن الزَّرَد، مُعْتَقِلًا تُرْسًا ورُمْحًا، قال: فعرَّفْتُ الأجَلّ مَسْعُود بذلكَ، فنَفَّذ ثِقَتَهُ، فأخْرج الأشْخاصَ، وكَشَفَ ما تحت الجُرْن، فلم يَجِد شيئًا سِوَاها، فحَمَل الأشخاصَ إلى الوَزِير فأخَذَها، وأحْضَرَها إلى مَجْلِس الأَمِير يَغِي سْغان؛ فقال بعضُ الحاضِرِين: لو أحْضَر الأميرُ من مَشَايخ المَدِينَة مَنْ يَكْشف لهُ حقيقةَ هذا الأمْر، فتقَدَّم بإحْضَار جَمَاعَةٍ، وأُبرزَتْ إليهم الأشْخاص وقيل لهم: تَعْرفُونَ ما هذه الأشخاصُ؟ قالوا: ما نَعْرفُ! بل إنَّنا نَحْكي للأمِير ما يُقاربُ هذا الأمْر: لنا دَيْرٌ يُعْرفُ بدَيْرِ المَلِكِ، واسِع الهَوَاءِ، عابَ علينا في سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فتكسَّر أكثَرُ خَشَبِه، فَنَقَضْنَاهُ، وتَطَلَّبْنا له خَشَبًا بمِقْدَاره فلَم نَجِد بأَنْطاكِيَة وبلدِهَا شيئًا، فأشَار علينا بعضُ الصُّنَّاعِ بتَقْديم الحَائِط، فَحَفَرْنا أساسَ الحائط الجديد، فلمَّا انتَهينا إلى أسْفَلهِ، وجَدْنا أشْخاصَ أتْرَاكٍ من نُحاسٍ في أوْسَاطِهِم القِسِيِّ والنُّشَّاب، فلم نَحْفل بذلكَ، وعَمرنا الحائط، فما مَضَى لنا غير مُدَّة قَصيرة حتَّى سَرَقَ المَدِينَة سُلَيمانُ بن قُتْلَمِش (a) في أوَّل شَعْبان سَنَة سبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، في أربعمائة غُلامٍ أو دُون، ومَلَكَنا كما سَمِعَ الأميرُ، وهذه الأشْخاصُ ربَّما كانت من أُمَّةٍ هذه أشْكالُهُم من العَرَب أو غيرهم من المُسْلِمِين، وَوَرَّوْا عن خَبر الفِرِنْج، وكان قد وصَلَهُم عنهم أخْبارٌ شاذَّةٌ، وما يَجْسرُ أحدٌ يَفُوهُ بها، فشَتَمَهُم يغَي سْغَان أقْبَح شَتْمٍ وقال: يا كُفَّار، في الأرْض غير الأتْرَاك؟! وأمَرَ بإخْراجهم، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى قيل: الفِرِنْجُ قد نَزَلُوا القُسْطَنْطِينِيَّة. هذا ما حَكاهُ القَاضِي حَسَنُ بن المَوْج، والتَّوَاريخ كُلّها مُتَّفقةٌ على أنَّ سُلَيمان بن قُطَلْمِش هَجَم أَنْطاكِيةَ في سَنَة سَبْع وسَبْعِين وأرْبَعِمائة. وقال حَمْدَانُ بن عَبْد الرَّحِيم بعد هذه الحِكَاية، ونَقَلْتُهُ من غير خطِّ ابن المِرَاوِيّ: ومِثْل هذا أنَّ رُوْجَّار صَاحب أَنْطاكِيَة احْتاج إلى رُخَام يَسْتَعْملُه، فَذُكِرَ له أنَّ في المَوْضِع الفُلَانىّ قَصْرًا عَمرهُ المَلِكُ الّذي عَمر أَنْطاكِيَة، وأنَّ فيهِ من الرُّخَام كُلِّعَجيبة، فأمَرَ أنْ يُطْلَب، وكان هذا في سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة، فلمَّا كُشِفَ عنهُ وُجِدَ جُرْن رُخَام، وفيه فَارسٌ على فَرَس، إلَّا أنَّ فيها ما يُنافي الفَرَس، وهو مُلثَّم لا يَبِين فيهِ غير عَيْنَيه، فأُحْضِر ذلك الشَّخْصُ إليهِ، وأخذَ في أحاديثِ تلكَ الأشْخاص التُّرْكِيَّة والفِرِنْجِيَّة، فنَظَر في ذلك، فقال لهُ بعض القُسُوس اضْرِبْ بهِ الأرْضَ يَنْكَسر ويَنكَسر شَرّهُ، فَضَرَبَ بهِ الأرْض حتَّى تَكَسَّر. وفي تلك الجُمُعَة وصَلَهُ مُسْتَصْرِخُ بَيت المَقْدِس يُخْبرُهُ بنُزُولِ عَسْكَرِ المِصْرِيِّين إليهِم، فسَار حتَّى إذا وصَلهم وبرز لمُقَابلَةِ عَسْكَرهم فجايشُوا أيَّامًا، ثمّ رجع عَسْكَر مِصْر وقد خَسر، وعاد رُوجَّار إلى أَنْطاكِيَة، ولم يُقِمْ بها غير عَشرة أيَّامٍ، وخَرَج إلى أعْزَاز وحَاصَرهَا، فأنْفَذَ الحَلَبِيُّون إلى إيل غَازِي بن أُرْتُق، فاسْتَدْعُوه ومَلَّكُوه حَلَب، وشَدَّ التُّرْكُمان، وسار إليه فالْتقَوا على فُرْضَة لَيْلُون على مَوضعٍ اسْمهُ تَلّ عُقْبَرين (¬١) فكُسِرَ الفِرِنْج، وقُتِلَ رُوْجَّار، وأُخِذَ رأسُهُ، وقُتِلَ من الفِرِنْج عدَد أُلوف، ولو تَمَّ عَسْكَر إيل غَازِي إلى أَنْطاكِيَة لأُخِذَتْ، ولكنَّهُ هَابَ الأمْرَ، ولله المَشِيْئَةُ.