كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 527, entry [136]4,954 chars
جَبَلُ جَوْشَن (¬٢) وهو جَبَل من غَرْبي مَدِينَة حَلَب، وفي لِحْفهِ نَهْر قُوَيْق، ويُسَمَّى قُوَيْق في ذلك المَوْضِع العَوَجَان. وهذا الجَبَل فيه مَعْدِن النُّحاس. وأخْبَرَني والِدي، ﵀، قال: إنَّما امْتَنَعُوا من عَمَل النُّحاس به لأنَّهُم عَمَلُوهُ فما حَصَلَ فيه فائدُة، وقيل: إنَّ سبَبَ عدم الفائ…
▸ expand full passage (4,954 chars)جَبَلُ جَوْشَن (¬٢) وهو جَبَل من غَرْبي مَدِينَة حَلَب، وفي لِحْفهِ نَهْر قُوَيْق، ويُسَمَّى قُوَيْق في ذلك المَوْضِع العَوَجَان. وهذا الجَبَل فيه مَعْدِن النُّحاس. وأخْبَرَني والِدي، ﵀، قال: إنَّما امْتَنَعُوا من عَمَل النُّحاس به لأنَّهُم عَمَلُوهُ فما حَصَلَ فيه فائدُة، وقيل: إنَّ سبَبَ عدم الفائدة فيهِ قلَّة الحَطَب بحَلَبَ. وقَرَأتُ بِخَطّ بعض الحَلَبِيِّين، وأظُنُّه بعض أعْيَان بني المَوْصُول، قال: ويُقالُ إنَّهُ بطَلَ منذُ عَبَر عليه سَبْيُ الحُسَين ونسَاؤُهُ وأولادُه ﵈، وأنَّزَوْجة الحُسَيْن كانت حَاملًا، وأنَّها أسْقَطَتْ هناكَ، وطلَبَتْ من الضِّياَع في ذلك الجَبَل خُبْزًا أو ماءً، وأنَّهم شَتَمُوها ومَنَعُوها فَدَعَتْ عليهم، وإلى الآن مَنْ عَمِلَ فيه لم يَرْبَح سوى التَّعَب. وقِبْليُّ الجَبَل فيهِ مَشْهَدٌ يُعرْفُ بالسِّقْط (¬١)، وهو يُسَمَّى مَشهَد الدَّكَّة، والسِّقْط يُسَمَّى المُحَسِّن بن الحُسَين. وسَمِعْتُ بعض شُيُوخ الشِّيْعَة بحَلَب يقول: كان دُعاؤها عليهم: لا أرْبَحَ اللهُ لكُم تِجارة، فما رَبِحوا بعدَها. قُلتُ: وللشِّيْعَة بحَلَب فيه اعْتقاد عَظيم، ويَنْذرُون له النُّذُور. وتَسْمِيَة السِّقْط بالمُحَسِّن لا أصْل له؛ لأنَّ السِّقْط لا يُسَمَّى، وإنْ كان اسْتَهل وسُمِّيَ، فكان ينبغي أن يَذْكرهُ النَّسَّابُون في كُتُبهم، ومع هذا لم يُذْكر (¬٢)، اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كان الحُسَيْن ﵇ عَزَم على تسميَةِ ما في بَطْن امْرأته المُحَسِّن، فلمَّا أسْقَطَتْ أُطْلِق عليه هذا الاسم، لكن هذا وغيره لم يذكر في كتاب يعتمد عليه، وإنما يتداول الحلبيون ما ذَكَرناهُ. ولمَّا نَزَلَ الفِرِنْجُ على حَلَب وحَصَرُوها، في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، نبَشُوا الضَّريح الّذي يُقالُ به السِّقْط في المَشْهَد المذكور، ونَزَلُوا فيه، فلَم يَرَوا فيه شيئًا فأحْرَقُوه، وكان أبو الفَضْل بن الخَشَّاب حينئذٍ يَتَولَّى تَدبير أمْر المَدِينَة في الحِصَار،فغَيَّر كَنَائِس النَّصَارَي بحَلَب، واتَّخَذ فيها مَحاريْبَ إلى جهة القِبلَةِ، وجَعلَها مَساجِدَ؛ أخْبرَني بذلك والدي ﵀ عن أبيه. وإنَّما عُرفَ هذا المْشْهَدُ بمَشْهَد الدَّكَّة، لأنَّ في سَطْح جَبَل جَوْشَن من شمالي المَشْهَد المَذْكُور، في مكانٍ مُشْرِف، صَخْرُة ناتئةُ في الجَبَل تُشْبه الدَّكَّة المَبْنِيَّة. ووقفْتُ يومًا عليها ومعي رَضي الدِّين أبو سَالِم بن المُنْذر، وكان شَيْخًا حَسَنًا من أعْياَن الحَلَبِّيينَ، فقال لي: هذه الدَّكَّة كان يَجْلِسُ عليها الأمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَة ابن حَمْدَان كَثِيْرًا، ويَتَفرِّجُ على مَدِينَة حَلَب وما حَوْلَها، فلا يَسْتَتر عنْهُ شيء منها؛ وهذا المَشْهَدُ جَدَّدَ عِمَارتَهُ قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر والد زَنْكِي، واسْمُهُ عليه. وفي سَفْح جَبَل جَوْشَن، من شَماَلي مَشْهَد الدَّكةَّ، مَشْهَدُ آخر يُسَمَّى مَشْهَد الحُسَيْن، بناهُ الحَلَبِيُّون لمنامٍ زَعَمُوا أنَّهُ رُأَى، وتَنَوَّقُوا في بنائه وإحْكامِهِ ومَنْجُوره، وتبَرَّع جَمَاعَةُ من الصُّناّع في عِماَرَة شيءٍ منه، وأظْهر صَنْعتَه فيه؛ ووقَفَ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي، ﵀، عليه وَقْفًا حَسَنًا، اسْتمالةً لُقلُوبِ الشِّيْعَة من أهل حَلَب. وكان في سَفْح جَبَل جَوْشَن دَيْرٌ للنَّصارَى يُعرفُ بدَيْر البِيْعَتَيْن، ويُعرْفُ أيضًا بمارْة مَرُوثا، وقد ذكَرَهُ الشِّمْشَاطيِّ في كتاب الدِّيَرةَ (¬١). وقيل إنَّ سَيْف الدَّوْلَة كان أيَّام مقامه بالحَلْبَة في قَصْرِه كان يَنْتَابُ هذا الدَّيْر، ويُحْسنُ إلى أهْله، وقد خَرِبَ هذا الدَّيْر بالكُلِّيَّة، ولم يبقَ له أثَرٌ، وكان من شمالي مَشْهَد الحُسَين، وأرَاني مَوضِعَهُ بعضُ أكابر أهْل حَلَب.وقد ذكَرَهُ أبو عِيسَى صَالح بن مُحمَّد بن إسْمَاعيل بن صالح بن عليّ الهاشمّي في قَصِيدَة قالَها في إحْراق المُتَنَزَّهات حَول حَلَب، وأظُنُّ أنَّ سَيْما الطَّويل أحْرقها، أوَّل القَصِيدَة: [من الوافر] عَفَا أثرُ من المُتنزَّهات قال فيها: إلى البُرْج المُنِيْف فبِيْعَتَيْهِ … إلى تلك الدِّيار الخاَلِيَات وهذا الدِّيْر هو الّذي عَنَاهُ الخَالِديَّان بقولهما من قَصِيدَةٍ يأتي ذكْرها في مَوضِعها (¬١): [من الكامل] واسْتَشْرفَتْ نَفْسِي إلى مُستَشرفٍ … للدَّير تاهَ بحُسْنه وبطِيْبهِ فنَعمتُ بين رياضِه وغياضِهِ … وسكرتُ بين سكُوره وعُرُوبهِ وقد ذكَرَ جَمَاعَة من الشُّعَرَاء جَبَل جَوْشَن، فمنهم أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ، قال (¬٢): [من المتقارب] فللظَّهْرِ من حَلَبٍ مَنْزلٌ … تُثَابُ العُيونُ على حَجِّهِ أعِدْ نحوَ جَوْشَنِهِ نَظرةً .... إلى بِيْعَتَيْهِ إلى بُرْجِهِ وأنْشَدَنا الخَطِيبُ أبو عَبْد الله مُحمَّد بن هاشِم بن أحمد بن عَبْد الواحد الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبي هاشِم الخَطِيب بحَلَب، قال: أنْشدَنا أبي أحمد بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبيِّ (¬٣) لنفسه:] من الكامل]قُلْ للنَّسِيْم إذا حملْتَ تَحيَّةً … فاهْدِ السَّلامَ لجَوْشَنٍ وهِضَابهِ واسْألْهُ هل سَحَبَ الرَّبيْعُ رِدَاءَهُ … فيها وجَرَّ الفَضْلَ من هُدَّابهِ وتبسَّمَتْ عنْهُ الرِّيَاضُ وأَفْصَحَتْ … بثَناءِ بارقهِ ومَدْحِ سَحَابهِ فلقَدْ حَنَنْتُ وعَادَنِي من نَحْوه … شَجَنُ بَخِلْتُ به على خُطَّابهِ وأنْشَدَنا أبو عَبْد الله الخَطِيبُ، قال: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد الخَفَاجِيّ لنفسِه (¬١): [من الكامل] يا بَرْقُ طَالِعْ مِن ثَنِيَّة جَوْشَنٍ … حَلَبًا وَحَيِّ كَريْمَةً من أَهْلِهَا وقال الأُسْتاَذ أبو نَصْر مَنْصُور بن المُسَلَّم بن أبي الخُرْجَين الحَلَبيِّ الَمعْرُوف بالدُّمَيْك: [من الطويل] عسَى مَوْردٌ من سَفْح جَوْشَنَ ناقِعٌ … فإنِّي إلى تلكَ الموارد ظَمْآنُ وما كُلُّ ظنٍّ ظنَّهُ المَرْء كائنٌ … يَقُومُ عليهِ للحَقِيْقة بُرْهَانُ