Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

بابٌ في ذِكْرِ مَدِينَة طَرَسُوس

بابٌ في ذِكْرِ مَدِينَة طَرَسُوس

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

1 book · 1 entry
Research data and provenancethin dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
thin
Source entries
1
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

1 book · 1 entry

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

1 exact linked passages0 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 296, entry [69]20,835 chars
    بابٌ في ذِكْرِ مَدِينَة طَرَسُوس (¬١) وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ من بلاد الثُّغُور الشَّاميّة، عَظِيمَة، وبها كان يقَوْم سُوْق الجهَاد، وينزلها الصَّالِحون والعُبَّاد، ويَقْصدها الغُزَاة من سَائر البِلَاد، وهي اليوم في أيْدِي الأرْمن من ولد ابن لَاوُن المَلْعُون. وفيها قَبْر أَمِير المُؤمِنِين عَبْد ا…
    ▸ expand full passage (20,835 chars)
    بابٌ في ذِكْرِ مَدِينَة طَرَسُوس (¬١) وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ من بلاد الثُّغُور الشَّاميّة، عَظِيمَة، وبها كان يقَوْم سُوْق الجهَاد، وينزلها الصَّالِحون والعُبَّاد، ويَقْصدها الغُزَاة من سَائر البِلَاد، وهي اليوم في أيْدِي الأرْمن من ولد ابن لَاوُن المَلْعُون. وفيها قَبْر أَمِير المُؤمِنِين عَبْد الله المأْمُون. واسْمها بالرُّومِيّة: تارسَيْن (a)، وسُمِّيَت أيضًا طِرَيْسُوس، فَعُرِّبت، وقيل: طَرَسُوس؛ بفتح الرَّاء وقيل: بإسْكانها (¬٢).أخْبَرَنَا أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قراءةً عليهِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عليّ الخَطِيب التَّبْرِيْزِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ قراءةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن خمرْدكين (a) مَوْلَى أبي زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ، عن مَولَاه أبي زَكَرِيَّاء، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد الدَّهَّان اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن عِيسَى الرُّمَّانِيّ، قال: أخْبَرنَا ابن مُجَاهِد القَارِئ، قال: أخْبَرنا أبو العبَّاس ثَعْلَب، ح. قال: شَيْخُنا أبو اليُمْن: وأخْبَرَنا سَعْد الخَيْر بن مُحمَّد الأنْصاريّ، قال: أخبَرَنا أبو سَعْد المُطَرِّز، قال: أخْبرَنَا أبو نُعَيْم الحَافِظ أحمد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنَا ابن كَيْسَان النَّحْويّ، قال: أخْبَرنَا أبو العبَّاس أحمدُ بن يَحْيَى ثَعْلَب في كتاب الفَصيح، في باب المَفْتُوح أوَّلهُ من الأسْماءِ، قال: وهي طَرَسُوس. وقَرَأتُ في كتاب البَهيء (b) فيما تَلْحَنُ فيه العامَّة لأبي حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ، قال: وتَقُول: هي طَرَسُوس بفتح الطَّاء والرَّاء جميعًا، ومثالهُ: أَسْوَد حالكٌ وَحَلَكُوكٌ. قال أبو زَيْدٍ: عُقَيْل وعَامِر يَقُولُون: طُرْسُوس، بضَمِّ الطَّاء وتَسْكين الرَّاءِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُم ليس يَعْرفون الحَلَكُوك اسْمًا ثانيًا. وقَرَأتُ بِخَطِّ جَعْفَر بن أحْمد بن صَالح المَعَرِّيّ، كاتب أبي العَلاء أحمَد بن عَبْد الله بن سُلَيمان، في فوائد عن أبي عَبْد الله الحُسَيْن بن أحمد بن خَالَوَيْه، قال- يعني ابن خَالَوَيْه -: وممَّا تُخْطِئُ فيهِ العَامَّةُ: شَغْبُ الجُنْد، وثَغْر طَرْسُوس، وجَبَلٌ وَعْرٌ، ورَجُلٌ سَمْحٌ، هؤلاءِ الأربَعُ سَوَاكِنُ والعَامَّةُ تُحَرِّكهنَّ. وقد ذكَرنا في باب ذِكْر المِصِّيْصَة، ما قرأتُه في كتاب جَماهير أنْساب اليَمَن، من حَدِيث الشَّيْخ الكَبير الّذي دَخَلَ على مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان، وذكَر أنَّه من جُرْهُم، وذكَرَ له أنَّ يَافِث بن نُوح ولد سبعَة ذكُور، وعَدَّ فيهم يَاوَان بن يَافِث، وقال: ووَلَد يَاوَان بن يَافِث: أَيَّاس، والمِصِّيْصَة، وطَرْسُوس، وأَذَنَة. والرُّوم من وَلد هؤلاءِ؛ وحَلُّوا بلادَهُم فعُرِفت بأسْمائهم على تُخُوم الرُّوم: طَرْسُوس وأذَنَة والمِصِّيْصَة وأيَّاس. وقَرَأتُ في تاريخ وقَعَ إليَّ، ذَكَر جامعُهُ - ولم أعْرف اسمَهُ - أنَّه نَقَلَهُ من تواريخ شَتَّى قال في تاريخ بنِ إِسْرَائِيل (¬١): بَعْدَ مائةٍ وخَمْسٍ (a) وخَمْسين سنَة بعد الألفِ الرَّابِع لآدَمَ ﵇، أنَّه ملكهُمُ ثولغ (b) بن هوا من سِبْط أَيْسَاخار (c) ثلاثة وعشرين سنة، وفي زمَانه بُنِيَت طَرِيسُوس، وهي طَرسُوْس. وذكَرَ أحمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، في ذِكْر طَرَسُوس، قالوا: سُمِّيَت بطَرسُوس بن الرُّوم في اليَفَن (d) بن سَام بن نُوح. وقالوا: واسم طَرَسُوس بالرُّومِيّةِ: تارسَيْن. قال ابنُ الطَّيِّب في رِحْلة المُعْتَضِد: وَرَحَلنا من المِصِّيْصَة نُريد العِرَاق إلى أَذَنَة، ومن أَذَنَة إلى طَرَسُوس، وبينها وبين أَذَنَة ستّة فَرَاسِخ، وبين أَذَنَةَ وطَرَسُوْس فُنْدُق بُغَا، والفُنْدُق الجَديد، وعلى طَرَسُوس سُوْران وخَنْدَق واسعٌ، ولها ستَّةُ أبْوابٍ، ويَشُقُّها نَهْر البَرَدَان.قُلْتُ: وكانت طَرَسُوس قد خَرِبَت، وجَلَا أهلُها في صَدْر الإسْلام، خَرَّبها المُسلِمُونَ حين غَزوها وقاتلُوا أهْلها وهزمُوهم، ومضَى مَنْ مَضَى منهم إلى الرُّوم، وكان ذلك في السَّنَة الّتي فُتِحَت فيها حَلَب وأَنْطاكِيَة، فجدَّد عمارتَها أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد ﵀، وقَوَّاها وحَصَّنَها، ولم تزل قُوَّتها تزيد وتتضَاعَف إلى أنْ اسْتَولى عليها الرُّوم في شَعْبان سَنَة أرْبع وخَمْسين وثَلاثِمائة. قَرَأتُ في كتاب صِفَة الأرْض والأقالِيْم وما تَشْتَمل عليه، تأليفُ أبي زَيْد أحمد بن سَهْل البَلْخِيّ، قال (¬١): وطَرَسُوس مَدِينَةٌ كبيرةٌ عليها سُوران (a)، تَشْتَملُ على خَيْلٍ ورجَال وعُدَّة، وهي على غايةِ العِمَارَة والخِصْب، وبينها وبين حَدّ الرُّوم جِبَال، وهي الحاجزُ بين المُسْلِمِيْن والرُّوم، ويقال إنَّ بها زُهَاءَ ألوف من الفُرْسان فيما يَزْعُمُ أهلهَا، وليس من مَدِينَةٍ عَظِيمَة - من حَدِّ سِجِسْتَان إلى كَرْمَان وفارس والحَبَل وخُوزسْتان وسائر العِرَاق والحِجَاز واليَمَن والشَّامَات ومِصْر - إلَّا وبها لأهلهَا دار وأكثر، أهْلُها ينزلونَها إذا وَرَدُوها. وقال ابن وَاضِح الكَاتِب في كتاب البُلْدان (¬٢): وطَرَسُوس مَدِينَة بناهَا أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد، في المَرْج الّذي في سَفْح الجبل، الّذي يُقْطع منه إلى أرْض الرُّوم، وكان بناؤهُ إيَّاها سنَةَ سَبْعِينَ ومائة، في أوَّل خِلَافَته على يَد أبي سُلَيْم فَرَج التُّرْكِيّ الخَادِم، وبها نَهْرٌ جَارٍ يأتي من جَبَل الرُّوم حتَّى يَشُقّ في وَسَطها، وأهْلُها أخْلَاطٌ من النَّاسِ من سَائر الآفاق.وقال إسْحَاق بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف، في كتاب نُزْهَة النُّفُوس وأُنس الجَلِيْس. مَدِينَة طَرَسُوس، وهي من الإقْليم الرَّابِع، وبُعْدُها من خَطِّ المَغْرب ثمانون دَرجَة، وبُعْدُها من خَطِّ الاسْتواء ستٌّ وثلاثون دَرَجَة، بَناهَا الرَّشِيدُ سَنَةَ سَبْعِين ومائة، وبها نَهْرٌ جَارٍ يأتي من بلاد الرُّوم يَشُقّ وَسَطَها، وأهْلُها أخْلَاطٌ من النَّاس. وقَرَأتُ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِكِ، الّذي وضَعَهُ الحَسَنُ بن أحمد المُهَلَّبيّ للعَزِيز المُسْتَولِي على مِصْر: فأمَّا مَدِينَة طَرَسُوس، فهي من الإقْليم الخَامِس، وعَرْضُها ستّ وثلاثون دَرجَة. وارْتفاع الثُّغُور، جميع جَباياتها، ووُجُوه الأمْوَال بها، مائة ألف دِيْنار على أوْسط الارتفاع، تُنْفَق في المَرَاقِب والحَرَس والقَوَّائين والرَّكَّاضة والمُوَكَّلين بالدُّرُوب والمَخَاضِ (a)، وغير ذلك ممَّا جانَسَهُ، وكانت تحتاج - بعد ذلك، لشِحْنَتها من الجُنْد، وما يقُوم للمَمَاليكِ، وراتب تَعارِيفها للصَّوائفِ والشَّوَاتِي، في البَرِّ والبَحْر، وعِمَارَة الصِّنَاعَة، على الاقْتِصادِ - إلى مائةٍ وخَمْسين ألف دِيْنارٍ، وعلى التَّوْسِعَة إلى ثلاثمائة ألف دِيْنارٍ. فأمَّا ما يَلْقاها من بلادِ العَدُوِّ ويتَّصِل بها؛ فإنَّها من جهّة البَرِّ وما يُسَامتُ الثُّغُور الجَزَرِيَّة، تواجهُ بِلَادَ الفَنَادِق من بلَد الرُّوم، وبعض النَّاطليق (b)، ومن جهّة البَحْر بلاد سَلُوْقِيَة.وكانت عَوَاصِم هذه الثُّغُور من ناحيةِ الشَّام: أَنْطاكِيَة وبلاد الجُوْمَة وقُورُس. فأمَّا أهْل هذه الثُّغُور، ومَنْ كان يَسْكنها، وأحْوال البِلاد، ومَقادِيرها؛ فإنَّ طَرَسُوس كانت أجَلّها مَدِينَةً، وأكثرها أهْلًا، وأغَصّا أسْوَاقًا، وليس على وجهِ الأرْض مَدِينَةٌ جليلةٌ إلَّا ولبَعْضِ أهْلها دار حُبْس (a) عليها، حبْسٌ نَفِيس، وغِلْمَان برَسْم تيكَ الدَّار، بأحْسَنِ العُدَّة، وأكْمل الآلةِ، يقُوم بهم الحُبْس الّذي عليهم، وكان أكثر ذلك لأهل بَغْدَاد، فإنَّه كان لهم بها - ولغيرهم من وجوه أهل البُلْدان، وذَوِي اليَسَار منهم - جِلّة الغِلْمَان، مُقيمين عليهم الوُقُوف السَّنِيَّة، والأرْزاق الدَّارَّة، ليس لهم عَمَلٌ إلَّا ارْتباطَ فَرْهَة الخَيْل، وتخريجها في الطِّرَاد، والعَمل عليها بسائر السِّلاح، يَعْملون ذلك في صُدُور أيَّامهم، وَيَتَصَرَّفونَ في أعْجَازها إلى منازل فَيَّاحة فيها البَساتِيْن، والميَاه الجاريَة، والعَيْش الرَّغْد. وكان أهْلُ البَلَد في نُفُوسهم على هذه الصِّفَة؛ من ركُوب الخَيْلِ، والعَمَل بالسِّلاح، ليس فيهم مَنْ يَعْجز عن ذلك، ولا يَتَخَلَّف عنه حتَّى أنَّ دور (b) المتاجر الدَّنِيَّةِ والصَّنَائع الوَضِيْعَة، كانوا يلحَقُون بالطَّبقة العُلْيا في الفُرُوسِيَّةِ والشَّجَاعَةِ وارْتِباطِ الخَيْلِ، وإعْدَاد السِّلاح. وكانت غزواتُهم تَتَّصِل، ومن الغَنائِم والمَقَاسِم لهم مَعِيْشة لا تَنْقَطع. فأمَّا أهْلُ البَلَدِ؛ فكانوا من سَائر أقْطَار الأرْض، بخَلْقٍ حَسَنٍ، وألْوان صَافيَة، وفيهم رَقيق، وأجْسَام عَبْلَةٌ، والأغلَب على ألوانِهم البياضُ والحُمْرَةُ والسُّمْرة الصَّافِيَة، وكان في أكثرهم جَفَاءٌ وغِلْظة على الغَريب، إلَّا مَنْ كان منهُم قريب عَهْد بالغُرْبةِ، وكذلك الشُّحّ كان فيهم فاشِيًا إلَّا في الغَريب، وغَلَبعلى السُّوقَة والمُسْتخدَمينَ قَوْمٌ من الخُوْز وسَفِلَة العَجَم، ومَنْ كانت فيه فُسُوْلَةٌ عن الحرفَةِ، وكَسَلٌ عن طَلَب المَعاشِ، فأظهَرُوا زُهْدًا ووَرَعًا، وأعلَنُوا بالنَّصْبِ، فأَخَذَهُم اللهُ أخْذَ عزيز مُقْتدر. قال: فأمَّا أهْلُ البَلَدِ، وأوْلادُ المُجَاهِدينَ، وأولاد الغِلْمَانِ، وأولاد خُرَاسَان؛ فكانُوا من الأخْلَاق السَّمْحَة، والنُّفُوس الكريمَة، والهِمَم العالية، والمَحَبَّة للغَريب، على ما ليس عليه أحَدٌ، ولكنَّهم كانُوا في تَقِيَّةٍ من هؤلاء الأوْبَاشِ، فهذا الأكْثر من حال طَرَسُوس. وأمَّا ما سوى ذلك من مُدُن الثَّغْر، فعلى هذا الوَصْف، وهذا النَّعْت، وخاصَّة المِصِّيْصَة. قال: وكان يُعْمل بها - يعني بالثُّغُور - ثياب كان تُسَمَّى الشَّفَايا، مثل رفيع الدَّبِيْقِيّ تُحْمل إلى كُلِّ بلَدٍ، وبالثَّغْر زَبِيْب لا عَجَم فيه كالقِشْمِشِ (a). ويَقْطَع إلى الثُّغُور الجَارِح من بلد الرُّوم، فتُؤخَذ فيه البُزَاة الفُرَّه، وقد كان في جِبَال الثَّغْر أيضًا أوْكَارٌ للجَارِح والكِلابُ السَّلُوقيَّة المَوصُوفَة من بلاد سَلُوْقِيَة. فهذه أحْوال الثَّغْر ومَنْ فيه، ولم تَزَل أحْواله تَجْري على الانْتظام والرَّخَاءِ والسَّلامَة، والغَزْو مُتَّصِلٌ، والمعايش رَغِدَةٌ، والسُّبُل آمنة، ما دامَ الغُزَاةُ إليهم من العِرَاق ومن مِصْر مُتَّصِلين، فلمَّا زَهِدَ النَّاسُ في الخَيْر، وقعَ بينهم في نُفُوسهم من التَّنافُسِ والتَّحاسد والغِلّ ما وَقعَ، وخَاصَّةً بين الغِلْمَان الثّمليَّة، وابن الزَّيَّات، والمَعْرُوف بسَيْف الدَّوْلَة عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان.وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ، في كتاب سِيَر الثُّغُور (¬١)، وَضَعه للوَزِير أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل، فذكَرَ فيه صِفَة طَرَسُوس، فقال: مُدَّت طَرَسُوس على سُوْرَين، في كُلِّ سُور منها خَمْسة أبْوَاب حديد، فأبواب السُّور المُحيط بها حديد مُلبس، وأبْواب السُّور المُتَّصِل بالخَنْدَق حديد مُصْمَت، فالسُّور الأوَّل الّذي يلي المَدِينَة مُشَرَّف تعلُوه ثمانية آلاف شُرَّافَة، منها مُرتَّبة عند الحاجةِ إلى الحَرْب عنها رجال يرمُونَ عن ستّة عشر ألف قوسٍ رَمْيَة رجُل واحدٍ، وفي هذا السُّور من الأبْراج مائةُ بُرْج سواء، منها ثلاثة أبْرِجَةٍ للمَجَانِيْق الحرري (¬٢)، وعشرون بُرجًا للمَجَانِيْق الكِبَار، وعشرون بُرْجًا للعَرَّادَات (¬٣)، وسَائرها لقِسِيّ الرِّجْل (¬٤)، وهذه الأبْرِجَة الّتي ذَكَرْناها فهي مِلْك لأرْبَابها، ومساكن لمتأهِّلين وعُزَّاب، وبعضُها مَرْسُوم بعَمَلِ الوَرَق والكَاغَد، وهو ممَّا يلي زاوية الحَبَّالين.قال: فأمَّا بُرْج باب قَلَمْيَة، المبنيّ على يَمين الخارج منه، فموسُوم بتَفْرِقَة أعْشَار غلَّات ضِيَاع طَرَسُوس، متى ورد منها عَشَرة أحْمالٍ أو رَواحِل أو عَجَل، حُطَّ واحد من عَشرة وأُطْلق له تسعَة، يقبَل قوله فيهِ، فإذا اجْتمع أُطْلق منهُ لأهل الشَّرف: أبناء المُهاجِرين والأنْصَار، على رَسْم جَرِيْدَة أمرَ بإنشائها المأْمُون عَبْدُ الله بن هارُون الرَّشِيد رَحمهُما اللهُ؛ يتوارثُ ما ثبتَ في تلك الجَرِيْدَة أهلُ الشَّرف المقيمُونَ بطَرَسُوس، ويَجْري بينهم مَجْرى الميْراث، يأخُذُه خلَفُهم عن سلَفهم، وإنْ طرأ طَرَسُوس غَريبٌ من أبناءِ المُهاجِرين والأنْصَار دُفع إليهِ مِقْدَار كفايته، وكِفَايَة حُمْلَته (¬١) إنْ كان ذا عيالٍ أو ذا حُمْلَة شريفَة. ويُفَضُّ منه على الشُّيُوخ المَسْجِديَّة رَسْمًا لا ينقَطِع عنهُم في كُلِّ سنةٍ عند قَبْض (a) الأعْشَارِ من الغَلَّاتِ؛ لكُلِّ شَيْخ منهم ستّة أَمْدَاء بالمُدْي الطُّغانِيّ (¬٢) الّذي يَبْلغ كُل مُدْي منه أربعَة عشر مَكُّوْكًا بالمَكُّوْك الطَّرَسُوسِيّ، مَبْلَغُ المَكُّوْك منه زِيَادة على المَكُّوكين بالبَغْدَاديّ المُعَدَّل، ويُفَضُّ منه على الأدِلَّاءِ المُؤَلَّفة قُلُوبهم من الرُّوم والأرْمَن وأولادهم بحسب ما يَراه السُّلْطَان بطَرَسُوس من حُسْن النَّظر لهم ولِمَنْ يتجَدَّد (b) منهُم، ويجعَل ما يَفضُل عمَّا وصَفْناه من الحِنْطَة للخَبَّاز المُقَام لقُوت الأعْلاج المَحْبوسِيْنِ في سِجْن طَرَسُوس؛ وما وَرَد من الشَّعِير برَسْم العُشر أُطْلِق للأَدِلَّاءِ المُؤَلَّفَة قُلُوبهم رسْمًا على مِقْدَار كُرَاعِهم، قَضِيْمًا لها في كُلِّ سَنَة، وحُمل سَائره لقَضِيْم بِغَال السَّاقَة أوَّلًا أوَّلًا، فإنْ فَضُلَ من القَمْح شيء عمَّا وصَفناهُ وذَكَرناهُ من وُجوهه، بيْعَ بسعْر وَقْته، وصُرفَ في مُهِمَّاتِ البلد، وَسَنَذْكُرها في أماكنها إنْ شَاءَ اللهُ (¬٣).قال: وما وَقعَ في هذا البُرْج من غَلَّاتِ القَطَانِي كُلّها، مع ما يَنْضَاف إليها من زَيْتُون وكَمُّون وبَزْر فُجْل وبَزْر كَتَّان وسِمْسِم وتُرْمُس وأَرُز، بِيْعَ كُلّ صِنْف منه بسعره، وأُضيف إلى رَاتِب البَلَدِ. قال: وكان في هذا السُّور قديمًا، وقد رأيناه رأي عَيْن، أثر خَمْسةٍ وعشرين بابًا، منها خمسْة أبْواب مَفْتُوحة مَسْلوكة مَعْرُوفة، وهي: بابُ الشَّام، وبابُ الصَّفْصَاف، وباب الجِهَادِ، وباب قَلَمْيَة، وباب البَحْر، وسَادسهَا (a) مَسْدُودة. وقال: سَمِعْتُ أبا الرَّبيْع سُلَيمان بن الرَّبيْع الجَوْزاتِيّ؛ شَيْخًا كَبيرًا؛ كان أقام بحِصْن الجَوْزاتِ زِيَادةً على أربعين سَنةً مُجَاهِدًا، يذكُر أنَّ جَيْشًا لَجِبًا خَرَج عن طَرَسُوس غَازِيًا في زِيَادةٍ على عشرين ألف فَارِسٍ ورَاجِل من باب المسدُود فأُصيبُوا عن آخرهم في بلَد الرُّوم، واسْتُشْهدوا رحمةُ الله علَيهم، ولم يَعُد منهُم إلى طَرَسُوس مُخَبِّر، فأجمعَ رأْيُ أهل طَرَسُوس على سَدِّهِ تَشَاؤُمًا بهِ. قال: وقد رَأيتُه مفتُوحًا، وهو ما بين زاويَة الحَبَّالينَ وباب الجِهادِ عند آخر شَارع النَّجَّارين، تتَّصل به الدَّار الكبيرة التي بُنيت للسَّيِّدة أُمِّ المُقْتَدِر بالله رَحمهُما الله، وليس بطَرَسُوس ولا بالثَّغْر كُلِّه دار أكبر منها، وبرَسْم هذه الدَّار صُنَّاع مَعْرُوفون من أهل سُوْق السِّلاح لتَدْبير جَوانبها، وَرَمّ شعَث سِلَاحهَا، وجَلَاءِ دُرُوعها وسُيُوفها في كُلِّ سنة مرَّةً أو مرَّتين.وكان يَرْكب من هذه الدَّار إلى الجِهاد في سَبِيل اللهِ مائةٌ وخمسُونَ غُلامًا بجَنَائِبهم (¬١) ومَنْ ضَامَّهُم، ويَرُوسَهُم (¬٢) رَجُلٌ منهُم على رأْسِهِ مَطَارِد تُعْرَف بهم، متى احْتيج إليهم في الغَزْو، لسَاقَةٍ أو مَيْمَنَة أو مَيْسَرة، أو في تجرِيد لحَادِثةٍ، سَدُّوا أكبر مَسدّ، وقُوفُهم بأرْضِ الثَّغْر وأعْمال أَنْطاكِيَة وحَلَب معْرُوفة مَشهُورة، وارْتفاعُها في السَّنَة الواحدة مائة ألف دِيْنار، يَسْتغرقها (a) الإنْفاق، وربَّما اقترضُوا إنْ تَعَذَّر وَجْهُ مالِهم، ورَدُّوه عند حُصُولهِ. قال: وأمَّا شارع باب الصَّفْصَاف، ففيه دَار قَبِيْحَة أُمّ المُعْتَزِّ باللهِ رَحمهما اللهُ، قد بُنيت حُجَرًا مُقَدَّرة لسُكْنى مائة وخَمسين غُلامًا؛ في كُلِّ حُجرة منها بيتان ومُرْتَفَق، وبرَسْمِ هذا الوَقْف رئيسٌ يَرْكب هؤلاء الغِلْمَان برُكُوبه، ويَسِيْرُون بسَيْره، يُنْشَر على رأسهِ مِطْرَدٌ وأعْلَامٌ كتابَتُها: المُعْتَزّ بالله، وكذلك شعارهُم إذا سَافَرُوا وغَزَوا في بَلَدِ الرُّوَم وغيره. قال: وللدَّار خِزَانَةٌ للسِّلاح، تُظْهر في أيَّام الأعْيَادِ، وعندَ ورُودِ الرُّسُل من الرُّوم، فيها الدُّرُوع الحَصِيْنَةُ تَسْترُ الفَارِسَ والفَرَسَ، والعَمَد المُذْهَبَة، والجَوَاشِن التُّبَّنِيَّة (b)، والخُوَذ المَنِيْعَة، ومن الأسْلِحة كُلّ نوع، يَحْملُ كُلّ غُلام ما يُعانِي العَمَلَ به، وبرَسْم هذه الدَّار مُؤَدِّب لا يُدْخِل مكتَبَهُ أحَدًا، إلَّا أولاد مَوَالِي المُعْتَزّ بالله، والرَّئِيس على مَوَالِي المُعْتَزّ من المَوَالِي مَنْ وجَدُوه مَذْكُورًا فَارِسًا رَئيسًا مُقدَّمًا، فإنْ تعذَّر مَنْ هذه صُورتَهُ من المَوَالِي، نُصبَ لهم رئيس من قُوَّادِ طَرَسُوس ووجُوهها،يُدَبِّر أمرَهُم ويكتُب العُقُودَ والضَّمَانات باسْمه، وقد رأيتُ أبا حَفْصٍ عُمَر بن سُلَيمان الشَّرَابِيّ ﵀ رَئيسًا عليهم، ثمّ رَأيتُ بعده جَمَاعَة منهُم ومن غيرهم. قُلتُ: وهذا أبو حَفْص عَمَر بن سُلَيمان هوَ مَمْدُوح أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي بالقَصِيدَة الّتي أوَّلها (¬١): [الطويل] نَرَى عِظَمًا بالصَّدِّ والبَينُ أَعْظَمُ … ونَتَّهِمُ الوَاشِينَ والدَّمْعُ مِنْهُمُ وكان من مَوَالِي المُعْتَزّ، وشَرَابِيًّا لابنهِ عَبْدِ الله بن المُعْتَزّ، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (¬٢) في كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. وممَّا نَقَلْتُهُ من خَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ: حَدَّثَني أبو نَصْر مُحمَّد بن أحمد بن الحَمَّال، قال: حَدَّثَني ابنُ عَطِيَّة، قال: أحْصَينا سَنَة تسعين ومائتين سكك طَرَسُوس، فوجَدناها ألفي سكَّةٍ، نافِذَة ومَسْدُودة، وأحْصَينَا الدُّور، فوَجَدنَاهَا أرْبعةً وثَلَاثين ألف دار، اقْتضَى التَّقدير أنْ يكُون ثُلُثاها للعُزَّابِ أهل البُلْدان، حتَّى لا يُعْرَف من عَمَائِر الإسْلام بلَدٌ إلَّا ولَهُم بطَرَسُوس دارٌ أو دَاران، حتَّى أهل قُمّ، وثُلُثها للمُتأهِّلين بها، مُلْكًا لأربَابها أو وَقْفًا عليهم. قُلتُ: ووقفْتُ على كتاب وَقْفٍ كتبَهُ جدُّ جدّ جَدِّي زُهَيْر بن هَارُون بن أبي جَرَادَة، بحصَّةٍ منِ مُلكْه بأُوْرِم الكُبرى (¬٣) من ضِيَاع حَلَب، على أنْ تُسْتغلّ ويُشْتَرَى من مَغُلّها فَرَسٌ، تكُون مُقيمةً بثَغْر طَرَسُوس، بدار السَّبيل المَعْرُوفَةبزُهَيْر بن الحَارِث، وتُقام لها العُلُوْفَة، وأُجْرة مَنْ يَخدمها، ويُقام عليها فَارِسٌ يكون مُقِيمًا بالدَّار المَذْكُورَة، يُجاهد عليها عن زُهَيْر بن هارُون، وما فَضُل من المَغُلّ يُعد لنائبةٍ إنْ لَحِقَت هذه الفَرَس. وقد ذَكَر هذه الدَّار أبو عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ، وقال: وهذه الدَّار بيوت سَفَالِي وإصْطَبْلات ومَخازن وعلالي؛ فأمَّا الحَوَانيتُ فهي وَقْفٌ على سبْعَة أفراسٍ تكون في مَرْبَط هذه الدَّار بسُرُوجها وآلاتها وجُلَالاتها، ويقام بقَضِيْمها ونِعالها ومَسَاميرها وأُجْرَة بياطرتها وأُجرَة سَاستها، وقد رُسِمَت هذه الأفْراسُ السَّبْعَة كُلّ فَرَسٍ منها بقائد من قُوَّاد طَرَسُوس، متى نُودِي بنَفِيْرٍ أو غَزْو قادَ السَّائسُ فَرَسًا برَسْم قائدٍ من القُوَّادِ إليه بعَيْنه، بَعْد القيام بكفايَته، حتَّى إذا عَاد القائد من نَفِيْره أو غَزْوه ردَّ الفَرَس إلى مَرْبَطهِ. وذَكَر دُوْرًا كَثِيْرة لا يَحْتمل الحال ذِكْرها، ويطول كتابنا بإيراد ما ذَكَرهُ. قَرَأتُ في كتاب البُلْدان لأحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَة، قال (¬١): وحَدَّثَني مُحمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِدِيّ، قال: لمَّا غَزَا الحَسَنُ بن قَحْطَبَة الطَّائِيُّ بلادَ الرُّوم سنَةَ اثنتين وستِّين ومائة، في أهل خُرَاسَان وأهل المَوْصِل والشَّامِ وأَمْداد اليَمَن ومُتَطَوِّعَة (a) العِرَاق والحِجَاز، خرجَ ممَّا يلي طَرَسُوس، فأخْبَرَ المَهْدِيّ بما في بنائها وتَحْصينها وشِحْنتها بالمُقاتِلَة من عظيم الغَنَاءِ عن الإسْلام، والكَبْت للعَدُوِّ، والوَقْمِ (¬٢) لهُ فيما يُحاول ويَكيد، وكان الحَسَنُ قد أبْلَى في تلكَالغَزَاة بلاءً حَسَنًا، ودَوَّخ أرضَ الرُّوم حتّى سَمّوه التِّنِّين (a)، وكان معه في غَزَاتِه مَنْدَل العَنَزِيّ المُحَدِّث الكُوْفيّ، ومُعْتَمِر بن سُلَيمانَ البَصْرِيّ. قال (¬١): وحَدَّثَني مُحمَّد بن سَعْد، قال: حَدَّثَني سَعْد بن الحَسَن، قال: لمَّا خَرَجَ الحسَنُ من بلادِ الرُّوم، نزلَ مَرْج طَرَسُوس، فرَكِب إلى مَدِينتها وهي خَرَاب، فنظرَ إليها، وأطافَ بها من جمِيع جِهَاتِها، وَحَزَرَ عدَّة مَنْ يَسْكنها فوجَدَهُم مائةَ ألفٍ، فلمَّا قَدِمَ على المَهْدِيّ، وصفَ لهُ أمْرَهَا، وما في بنائها وشِحْنَتها من غَيْظِ العَدُوّ وَكَبْتِه، وعزّ الإسْلام وأهلهِ؛ وأخْبَرَهُ في الحَدَثِ أيضًا بخبِرِ رَغَّبَهُ في بناءِ مَدِينته (b)، فأمرَ ببناءِ طَرَسُوس، وأنْ يُبْدَأَ بمَدِينَة الحَدَثِ، فبُنِيَت، وأوْصَى المَهْدِيُّ ببناء طَرسُوس. فلمَّا كانت سَنَة إحْدَى وسَبْعِين ومائة، بلَغَ الرَّشِيد أنَّ الرُّوم قد ائتَمَروا بينهم بالخُرُوج إِلى طَرَسُوس لتَحْصِينها وتَرْتِيب المُقاتِلة فيها، فأغْزَى الصَّائِفَةَ في سَنَة إحْدَى وسبْعِين ومائة هَرْثَمَة بن أَعْيَن، وأمَرَهُ بعِمَارَة طَرَسُوس وبنائها وتَمْصِيرها، ففَعل، وأجْرَى أمرَها على يدي فَرَج الخَادِم أبي سُلَيْم بأمر الرَّشِيدِ فَوُكِّل ببنائها، ووَجَّهَ أبو سُلَيْم إِلى مَدِينَة السَّلام، فأشْخَصَ النُّدْبَةَ الأُوْلَى من أهل خُرَاسَان، وهُم ثلاثة آلاف رَجُلٍ، فوَرَدُوا طَرَسُوس، ثمّ أشْخَصَ النُّدْبَةَ الثَّانيَةَ وهُم ألفا رجُلٍ: ألفٌ من أهْلِ المِصِّيْصَة، وألفٌ من أهل أَنْطاكِيَة، على زِيَادةِ عَشَرة دنانير لكُلِّ رَجُلٍ في أصْلِ عَطائه، فعَسْكَرُوا مع النُّدْبَة الأُوْلَى بالمَيْدَان على باب الجِهاد في مُسْتَهَلِّ المُحَرَّم سَنَة اثْنتَيْن وسَبْعِين ومائة، إلى أنْ اسْتَتَمّ بناءُ طَرَسُوس وتَحْصِينها، وبناء مَسْجِدها؛ ومَسَحَ فَرَج ما بين النَّهْر إلى النَّهْر، فبلغ ذلكأربعة آلاف خِطَّة، كُلّ خِطَّة عشرون ذِرَاعًا في مثلها، وأقْطع أهل طَرَسُوس الخِطَطَ، وسَكَنَتْها النُّدْبَتان في شهر رَبيع الآخر سَنَهَ اثنتَيْن وسَبْعِين ومائة. قال (¬١): وكان عَبْدُ المَلِك بنُ صالِح قد اسْتعملَ يَزِيد بن مَخْلَد الفَزَارِيّ على طَرَسُوس، فطَرَدَهُ مَنْ بها من أهل خُرَاسَان، واسْتَوحَشُوا منه للهُبَيْرِيَّة، فاسْتَخلَف أبا الفَوَارِس (a)، فأقرَّهُ عَبْد المَلِك بن صالِح، وذلك في سَنَة ثلاثٍ وتِسْعِين (b) ومائة. قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطّرَسُوسِيّ: سَمِعْتُ أبا زُرْعَة نُعَيْم بن أحمد المَكِّيّ سَنَةَ ستٍّ وثلاثين وثَلاثِمائة، يقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بن كلُرت (¬٢)، يقول: سَمِعْتُ أشيَاخَنا، ﵏، يَذْكرونَ أنَّ خَيْل خُرَاسَان وردَت لعِمَارَة طَرَسُوس في أيَّام المَهْدِيِّ مع رُسُلهِ وعساكره، وأنَّهُم حَطُّوا - بمكانٍ وَصَفَهُ لنا بباب الجِهَادِ غَرْبي حَائط المُصَلَّى - أربعة آلاف راحلَة دقيقًا، مكتُوبٌ عليها: بَلْخ، خُوارَزْم، هَرَاة، سَمَرْقَنْد، فرْغَانَة، إسْبِيْجَاب؛ حُمِلَ ذلك كُلُّه على البَخَاتِي من خُرَاسَان مع أبي سُلَيْم، وبَشَّار، وأبي مَعْرُوف، الخَدَم أبناءِ المُلُوك.أنْبَأنَا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، عن أبي سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحمَّد السَّمْعانيّ، قال (¬١): سَمِعْتُ أبا عليّ الحَسَن بن مَسْعُود الوَزِير الدِّمَشْقِيّ الحَافِظ يقُول: كان المشايخ يقُولونَ: زينَةُ الإسْلام ثلاثة: التَّرَاويح بمَكَّةَ؛ فإنَّهُم يطوفُونَ سَبْعًا بين كُلِّ ترويحتَين، ويوم الجُمُعَة بجامِع المَنْصُور؛ لكثرة النَّاس والزَّحْمَة ونَصْب الأسْوَاق، ويوم العيد بطَرَسُوس؛ لأنَّها ثَغْرٌ وأهلُهَا يَتَزَيَّنُونَ ويَخْرجُون بالأسْلِحَةِ الكَثِيْرة المَلِيْحَةِ والخَيْل الحِسَان، ليَصل الخَبَر إلى الكُفَّار فلا يَرغَبُونَ في قتالِهم. قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ، وذكَرهُ بإسْنَاده إلى وُرَيْزَة بن مُحمَّد بن وُرَيْزَة الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَني الحَارِث بن هَمَّام، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: اسْتَوصف الحَجَّاجُ ابن القِرِّيَّة البَصْرَة والكُوفَة ووَاسِط فوَصَفَها، ثمّ اسْتَوصَف منه الشَّام، فقال: الشَّام عَرُوسٌ بين نِسْوَةٍ جُلُوس (¬٢). قال أبو عَمْرو القَاضِي: قلت أنا: وابن القِرِّيَّة نَعَتَ الشَّام وليسَ للمُسْلمين يَوْمئذٍ طَرَسُوس، فأمَّا منذ ملَّكَهم الله إيَّاها، وجَعَل خُطبَة خُلَفاء دينهِ على مَنابرها، ونصبَها قُبَّة للجِهادِ، ومَلجأً وعَلَمًا لأولئك الأخْيار البَرَرة، فما اخْتَلَف اثنان سَلَكا عَمَائِر الإسْلام، وَجَابا أُفْقَها، أنَّ مُدُنَ الشَّام كالنِّسْوَة الجُلُوس، وأنّ طَرَسُوس تَلْمَع بينها بِمَنْزلة العَرُوس.