بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1000, entry [346]2,841 chars
ذكر تجريد العسكر إلى جبال كسروان (¬١): كان السبب فى ذلك أن السلطان لما كان نازلا على قلعة الروم كان أهلها ينزلون ويقطعون الطريق على التجار والمسافرين، وهم كانوا دائما عصاة على نائب الشام وغيره، وكان الشجاعى لما كان نائب الشام أراد أن يركب إليهم بالعساكر، فمنعه أمراء الشام لما يعلمون من كثرتهم ومنعته…
▸ expand full passage (2,841 chars)ذكر تجريد العسكر إلى جبال كسروان (¬١): كان السبب فى ذلك أن السلطان لما كان نازلا على قلعة الروم كان أهلها ينزلون ويقطعون الطريق على التجار والمسافرين، وهم كانوا دائما عصاة على نائب الشام وغيره، وكان الشجاعى لما كان نائب الشام أراد أن يركب إليهم بالعساكر، فمنعه أمراء الشام لما يعلمون من كثرتهم ومنعتهم، ولضيق الطرقات إليهم بحيث لا يسلكها الفارس، ولما دخل السلطان دمشق عرفوه بأمرهم،فاقتضى رأيه أن يجرد عسكرا صحبة بيدرا، وكان بيدرا قد وقف على حقيقة هؤلاء القوم، فكره الذهاب إليهم، فلما خاطبه السلطان بذلك شرع فى الاستعفاء، فخرج السلطان من ذلك وصاح فى وجهه وأخرجه من بين يديه وألزم نفسه أنه متى ما لم يسافر قبض عليه. فاضطر بيدرا عند ذلك إلى خروجه، فخرج ومعه عسكر نحوا من عشرة أمراء وثلاثة آلاف فارس، فساروا إلى أن وصلوا إلى جبال كسروان ورتبوا أمورهم، فعلم بهم الجبلية فخرجوا إليهم فى جمع عظيم، وكانوا كفرة روافض ولهم شوكة كبيرة، وجمعهم بمقدار عشرة آلاف نفر، وكلهم يرمون على القسى القوية، ومشيهم فى تلك الجبال أسرع من مشى الخيل لأنهم تربوا فيها وألفوا بها، فاستقبلوا عسكر السلطان بالرمى والقتال، ثم رجعوا عن ذلك كالمنكسرين، وكان ذلك حيلة منهم حتى استجروا العسكر إلى المواضع الصعبة، ثم يفعلون فيهم ما يشاءون، فلما حصلوا فى تلك المواضع رجعوا عليهم ورموهم بالأحجار والقسىّ ونالوا منهم، ثم إن عسكر السلطان قاتلوهم قتالا عظيما على أن يجدوا طريقا فيرجعون عنهم، وكانوا قد ملكوا الطريق عليهم، ورأى العسكر شدة عظيمة إلى أن رجعوا إلى مكان وطلعوا منه، وقتل فى ذلك اليوم تحت بيدرا ثلاث رؤوس من الخيل، وكذلك سائر الأمراء، فلما نزلوا إلى المخيم، افتقدوا العسكر، فوجدوا قد جرحت منهم جماعة وأسرت جماعة، فتحيروا ولا يدرون ماذا يفعلون. وكانت الجبلية يعتقدون أن هذه العسكر هم عسكر الشام، فلما سألوهم قالوا: إنه نائب السلطان الأمير بيدرا، و [لما (¬١)] علموا بذلك ندموا على فعلهم،وأطلقوا الأسرى، وسألوهم أن يتوسطوا فى إصلاح أمرهم مع السلطان خشية على أنفسهم، فهؤلاء عرّفوا الأمراء، فأشارت الأمراء على بيدرا بإصلاح الأمور وإلا منعت العسكر، واتفق الحال على أن الجبلية أرسلوا من استحلف بيدرا والأمراء على أنهم لا يؤذونهم ولا يخونونهم، فانصلح الأمر بينهم، ثم نزلوا بالإقامات وأحضروا هدايا كثيرة، وخلع بيدرا عليهم، وكتب عليهم، بمال يحملونه كل سنة، واستحلفهم للسلطان، ثم رحل عنهم (¬١). ولما وصل إلى دمشق كان الخبر وصل قبله إلى السلطان وكان بين مصدق ومكذب، فلما حضر بيدرا تحقق الخبر، فأخذ يسبه وينكته بالقول، ويقول ويلك مثلك نائب السلطان وتروح إلى أناس فلاحين فى جبل وتكسر عسكرى وتنكسر أنت، فأغلظ عليه بالقول كثيرا، وآخر الأمر قال له: أخرج من وجهى وإلا ضربت رقبتك. فخرج من بين يديه وهو فى ألم عظيم (¬٢)، وحصلت له حمى حادة، وأصبح خبره شائعا بضعفه، وركبت إليه الأمراء، فمنع من يدخل إليه، وسير السلطان الحكماء والوزير إليه، وتألم بسببه، [٤٩] وبقى من العشر الأول من رمضان إلى نصفه والسلطان ينزل إليه ويطيب خاطره، ورسم أن يرتب له فى كل يومعشرة آلاف درهم يتصدق بها على الفقراء والأيتام والأرامل وأصحاب الزوايا إلى أن عوفى، فلما ركب رسم أن يجمع الفقراء والمشايخ ويعمل لهم وقت فى جامع بنى أمية؛ فعمل، وكان وقتا عظيما، ولم يبق فى دمشق فقير ولا صعلوك إلا أكل من طعام ذلك الوقت والمهم.