ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 552, entry [273]9,086 chars
ذكر شئ من فوائده وكلامه فى الفقه وغيره ذكر أبو البقاء فى شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة فى مدة النفاس، وقد حكاه قبله القاضى فى شرح المذهب. وحكى فيما إذا حكّ أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة، فهل يقوم مقامدلكه بالأرض فى طهارته أو العفو عنه؟ وجهين. وقال فيه: الكلب والحمار الأهلى والوحشى سواء فى قطع ا…
▸ expand full passage (9,086 chars)ذكر شئ من فوائده وكلامه فى الفقه وغيره ذكر أبو البقاء فى شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة فى مدة النفاس، وقد حكاه قبله القاضى فى شرح المذهب. وحكى فيما إذا حكّ أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة، فهل يقوم مقامدلكه بالأرض فى طهارته أو العفو عنه؟ وجهين. وقال فيه: الكلب والحمار الأهلى والوحشى سواء فى قطع الصلاة. قال: وقال الشريف: رأيت فى بعض نسخ «المجرد» يقطع الحمار الأهلى. وقال فيه: لم أجد لأصحابنا فى بعض الآية التى يجوز للجنب قراءتها حدا، وظاهر قولهم: أنه يجوز ذلك، وإن كثر البعض، وكان بمنزلة آيات متوسطة. والأمر محمول عندى على غير ذلك، وهو أن يحمل البعض على مقدار دون آية متوسطة، إذا كان كلاما تاما غير متعلق بما قبله وما بعده. وحكى ابن الصيرفى أيضا عن أبى البقاء: أنه كان يختار جواز أخذ بنى هاشم من الزكاة إذا منعوا حقهم من خمس الغنيمة. وقال ابن الصيرفى أيضا: خرّجت جواز دفع الرشوة إلى القاضى الظالم لدفع ظلمه على عامل الخراج، وذاكرت بذلك شيخى أبا البقاء، فلم يصوبه، قال: ثم رأيت ابن عقيل فى فنونه صرح بما خرجته. قال: وسمعت شيخنا أبا البقاء يقول، فيمن رأى رجلا نائما، وقد دخل عليه وقت الصلاة: لا يوقظه؛ لأنه غير مخاطب، قال: ويغلب على ظنى أنه حكاه عن شيخه أبى حكيم. قال: وقرأت بخط بعض أصحاب أبى الخطاب: أنه سأل أبا الخطاب عن هذه المسألة؟ فقال: نعم يوقظه. قال: وحكى عن شيخنا أبى محمد بن قدامة المقدسى مثل ذلك. قال: ورأيت فى فنون ابن عقيل هذه المسألة، وقد جرت فيها مذاكرات بين ابن عقيل ورجل آخر معين، واختلفا فى ذلك. ومن كلامه فى حواشى المفصل: «أفعل» تستعمل على وجهين. أحدهما: يدل على أن فضل المذكور زائد على فضل من أضيف إليه أفعل فهذا يستعمل على ثلاثة أوجه ب «من» كقولك: زيد أفضل من عمرو، وهذا لا يثنىولا يجمع ولا يؤنث، لعلة ليس هذا موضعها، وبالإضافة، كقولك: زيد أفضل القوم، وهذا لا يضاف إلى مضاف إلى ضميره، فلا تقول زيد أفضل إخوته، وبالألف واللام، كقولك: زيد الأفضل. والوجه الثانى: أن لا يكون «أفعل» للزيادة، بل لاشتهار المذكور بالفضل وتخصيصه من دونهم، كقولك: زيد أفضل القوم، كما تقول: فاضل، وعلى هذا: يجوز أن يضاف إلى مضاف إلى ضميره، كقولك: زيد أفضل قومه، وأحسن إخوته، أى هو الفاضل من بينهم، وهذا يثنى ويجمع ويؤنث، ومنه الفرق بين قوله: من دخل دارى فله درهم، ومن دخل دارى له درهم. بإسقاط الفاء، أى إنه مع إثباتها يكون ضامنا له الدرهم على دخوله، ومع سقوطها يحتمل أن يكون أخبر عنه بأنه يملك درهما، لا أنه ضمن له شيئا، وقال: الفرق بين «واو» مع، «واو» العطف يتبين بقولك «قم أنت وزيد» إذا رفعت «زيد» كنت آمرا لهما بالقيام، لأن حكم العطف أن يشرك بين المعطوف والمعطوف عليه فى العامل، وإذا نصبت كنت آمرا المخاطب أن يتابع زيدا فى القيام، ولست آمرا زيدا بالقيام، حتى لو لم يقم لم يلزم المخاطب القيام، لأن هذا هو حكم «مع». ومن كلامه - ونقلته من خط ابن الصيرفى - «لو» يقع فى الكلام على ثلاثة أوجه. أحدها: امتناع الشئ لامتناع غيره. والثانى: أن يكون بمعنى «إن» الشرطية، كقوله تعالى (٢٢١:٢ ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)﴾. والثالث: أن تكون بمعنى «أن» الناصبة للفعل المستقبل، ولكنها لا تنصب، وهو كثير فى القرآن والشعر، كقوله تعالى (٩:٦٨ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)،﴾ (١١:٧٠ ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي)﴾ ولا يجوز أن يكون للامتناع، إذ لا جواب لها، ولأن «ودّ» لا تعلق عن العمل؛ إذ ليس من باب العلم والظنولأن «أن» قد جاءت بعدها صريحة فى قوله تعالى (٢٦٦:٢ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ)﴾ وإنما لم تنصب، لأن «لو» قد تعددت معانيها، فلم تختص، وجرت مجرى «حتى» فى الأفعال. والقسم الأول يرد فى اللغة على خمسة أوجه. أحدها: أن تدل على كلام لا نفى فيه، كقولك: لو قمت قمت، ويفيد ذلك امتناع قيامك لامتناع قيامه. والثانى: أن تدخل على نفيين، فيصير المعنى إلى إثباتهما، كقولك: لو لم تزرنى لم أكرمك، أى أكرمتك لأنك زرتنى، فانقلب النفى ههنا إثباتا، لأن «لو» امتناع، والامتناع نفى، والنفى إذا دخل على النفى صار إيجابا. والثالث: أن يكون النفى فيما دخلت عليه دون جوابها، كقولك: لو لم تشتمه لأكرمك، فالشتم واقع، والإكرام منتف، والامتناع أزال النفى، وبقى الإيجاب بحاله. والرابع: عكس الثالث، وهو قولك: لو أحسن إليك لم تسئ إليه، والمعنى معلوم. والخامس: أن تقع للمبالغة، فلا تفيد مفادها فى الوجوه الأول، كقول عمر رضى الله عنه «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» والمعنى: أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى، فكيف يعصى وعنده خوف؟ ولو لم يرد المبالغة لكان معنى ذلك: أنه يعصى الله، لأنه يخافه. وقال أيضا: «لو» فى الموضع اللغوى تعلق فعلا بفعل، والفعل الأول علة الثانى، إلا أن يكون هنا قرينة صارفة تصرفها عن هذا الأصل. وهو أن يدل المعنى على إرادة المبالغة، كقولك: لو أهين زيد لأحسن إلى من يهينه، والمعنى: أنه إذا أكرم كان أولى بالإحسان، لا أنه إذا لم يهن لم يحسن. ومن كلامه «بله» تستعمل على ثلاثة أوجه.أحدها: أن تكون بمعنى «غير». والثانى: أن تكون بمعنى «دع» فتكون مبنية على الفتح. والثالث: أن تكون بمعنى «كيف» فإن دخلت «من» عليها كانت معربة، وجرّت بمن. وذكر أن أبا على الفارسى حكى عن أبى زيد القلب، فيقال «بهل» إلا أنها لا تستعمل مثل «بله» لأنها فرع. وقال أبو البقاء: سألنى سائل عن قوله ﷺ «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» فقال: أيجوز فى «الرحماء» الرفع والنصب؟ وذكر أن بعضهم زعم أن الرفع غير جائز. فأجبت: بأن الوجهين جائزان. أما النصب: فله وجهان، أقواهما: أن تكون «ما» كافّة لأنّ عن العمل فلا يكون فى «الرحماء» على هذا إلا النصب، لأن «إن» إذا كفّت عن العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية، ولم يبق لها عمل، فيتعين حينئذ نصب «الرحماء» ب «يرحم» إذ لم يبق لها تعلق بإنّ. ومثله (١٧٣:٢ ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ)﴾ على قراءة من نصب، وفائدة دخول «ما» على هذا الوجه: إثبات المذكور، ونفى ما عداه، فتثبت الرحمة للرحماء دون غيرهم. والوجه الثانى: أن تكون «ما» زائدة، و «إن» بمعنى «نعم» وزيادة «ما» كثيرا، ووقوع «إن» بمعنى «نعم» كثير. فمنه قوله تعالى (٦٣:٢٥ ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ)﴾ فى أحد القولين. ومنه قول ابن الزبير، حين قال له رجل: لعن الله ناقة حملتنى إليك، فقال «إنّ وراكبها» وهو كثير فى الشعر. فإن قيل: إنما يجئ ذلك بعد كلام تكون جوابا له، ولم تسبق «ما» يجاب عليه: «نعم» قيل: إن لم يسبق لفظا فهو سابق تقديرا، فكأن قائلا قال للنبى ﷺ: يرحم الله من عباده من يرحم الخلق، وإن كان مقصرا فيما بينه وبينالله تعالى؟ فقال: نعم. وهذا مما يجوز أن يسأل عنه. وأما الرفع: فجائز جوازا حسنا. وفيه عدة أوجه. أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذى، والعائد إليها محذوف، و «الرحماء» خبر «إن» والتقدير: إن الفريق الذى يرحمه الله من عباده الرحماء. فإن قيل: يلزم من ذلك: أن تكون «ما» هنا لمن يعقل؟ فقيه جوابان. أحدهما: أن «ما» قد استعملت بمعنى «من» كقوله تعالى (٣:٤ ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾ وهو كثير فى القرآن. ومنه (٥:٩١، ٦ ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها. وَالْأَرْضِ وَما طَحاها)﴾ فى أصح القولين. وحكى أبو زيد عن العرب: سبحان ما سبّحتنّ له. وسبحان ما سخركن لنا. والثانى: أن «ما» تقع بمعنى «الذى» بلا خلاف، و «الذى» تستعمل فيمن يعقل، وفيمن لا يعقل. وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها، وكذلك فى «ما» لا سيما إذا اتصل بها ما يصير وصفا، وإنما تفترق «ما» و «الذى» فى أن «الذى» يوصف بلفظها، و «ما» لا يوصف بلفظها. فإن قيل: كيف يصح هذا؟ والرحماء جمع، و «ما» بمعنى «الذى» مفردة، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟. قيل: «ما» يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة، وبلفظ الجمع أخرى، مثل «من» و «كل» قال تعالى (٢٥:٦ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)﴾ وقال فى آية أخرى (٤٢:١٠ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)﴾ وكذلك قوله تعالى (١١٢:٢ ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ وقال فى «كل» (٨٧:٢٧ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)﴾، (٩٥:١٩ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً)﴾ فالإفراد محمول على لفظ «من» و «ما» و «كل» والجمع محمول على معانيها.وأما «الذى» فقد استعملت مفردة للجنس، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفردا، وتارة إلى معناها مجموعا، قال تعالى (١٧:٢ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)﴾ فجاء بالضمير مفردا ومجموعا، وقال تعالى (٣٣:٣٩ ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)﴾ فأعاد الضمير بلفظ الجمع، فكذلك فى قوله «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ولك على هذا الوجه أن تجعل «إن» العاملة، وأن تجعلها بمعنى «نعم» على ما سبق. الوجه الثانى من وجوه «ما» التى يجوز معها رفع «الرحماء»: أن تكون «ما» نكرة موصوفة فى موضع: فريق أو قبيل، و «يرحم» صفة لها، و «الرحماء» الخبر، والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف، تقديره: إن فريقا يرحمه الله: الرحماء. فإن قيل: كيف يصح الابتداء بالنكرة، والإخبار بالمعرفة عنها؟ قيل: النكرة هنا قد خصصت بالوصف، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم. فكان فيه كذلك نوع إيهام. فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة، وقرنت المعرفة من النكرة بما فيها من إبهام: صح الإخبار بها عنها، على أن كثيرا من النكرات يجرى مجرى المعارف فى باب الأخبار إذا حصلت من ذلك فائدة، والفائدة هنا حاصلة. الوجه الثالث: أن تكون «ما» مصدرية، وفى تصحيح الإخبار عنها بالرحماء ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون المصدر هنا بمعنى المفعول، تقديره: إن مرحوم الله من عباده الرحماء. ومنه (١١:٣١ ﴿هذا خَلْقُ اللهِ)﴾ أى مخلوقه. وقال أبو عليّ: لك أن تجعل «ما» من قوله ﴿(وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)﴾ مصدرية: أى كتمانكم، وكتمانكم بمعنى مكتومكم؛ لأن الكتمان لا يظهر، وإنما يظهر المكتوم.الوجه الثانى: أن المضاف إلى المصدر، أو إلى الخبر: محذوف، تقديره: إن ذوى رحمة الله من عباده الرحماء، أى المستحقون لها، أو إن رحمة الله حق الرحماء. ومثل هذين الوجهين فى قوله تعالى (١٧٧:٢ ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)﴾ هل تقديره: ولكن ذا البر من آمن؟ ولكن البر برّ من آمن. الوجه الثالث: أن لا تقدر حذف مضاف، غير أنك تجعل «الرحماء» هم الرحمة على المبالغة، كما قالوا: رجل عدل، ورجل زور، ورجل علم، وقوم صوّم، إذا كثر منهم ذلك. ومنه قول الخنساء: ترتع ما رتعت، حتى إذا … أذكرت، فإنما هى إقبال وإدبار فثبت بما ذكرناه وهو قول من زعم امتناع الرفع فى الرحماء. والله أعلم بالصواب.