ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 334, entry [166]5,454 chars
١٥٩ - صدقة بن الحسين بن الحسن بن بختيار بن الحداد البغدادى، الفقيه الأديب، الشاعر المتكلم، الكاتب المؤرخ أبو الفرج. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وقرأ بالروايات. وسمع الحديث من أبى السعادات المتوكلى، وأبى الوفاء بن عقيل الإمام، وأبى الحسن الزاغونى، وأبى على المبارك، وغيرهم. وتفقه على ابن عقيل، ثم من…
▸ expand full passage (5,454 chars)١٥٩ - صدقة بن الحسين بن الحسن بن بختيار بن الحداد البغدادى، الفقيه الأديب، الشاعر المتكلم، الكاتب المؤرخ أبو الفرج. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وقرأ بالروايات. وسمع الحديث من أبى السعادات المتوكلى، وأبى الوفاء بن عقيل الإمام، وأبى الحسن الزاغونى، وأبى على المبارك، وغيرهم. وتفقه على ابن عقيل، ثم من بعده على ابن الزاغونى، وبرع فى الفقه، فروعه وأصوله. وقرأ علم الجدل والكلام، والمنطق والفلسفة، والحساب، ومتعلقاته من الفرائض وغيرها. وكتب خطا حسنا صحيحا، وقال الشعر المليح، وأفتى وناظر، وانقطع بمسجده بالبدرية شرقى بغداد؛ يؤم الناس فيه، وينسخ ويفتى، ويتردد إليه الطلبة يقرءون عليه فنون العلم، وبقى على ذلك نحوا من سبعين سنة، حتى توفى. وممن قرأ عليه من أصحابنا: الوزير أبو المظفر بن يونس. وحدث وسمع منه جماعة، وروى عنه أبو المعالى بن شافع، والفقيه يعيش ابن مالك بن ريحان. وله مسائل مفردة من أصول الدين، وجزء سماه «ضوء السارى، إلى معرفة البارى». قال ابن النجار: وله مصنفات حسنة فى أصول الدين. وقد جمع تاريخا على السنين، بدأ فيه من وقت وفاة شيخه ابن الزاغونى، سنة سبع وعشرين وخمسمائة، مذيلا به على تاريخ شيخه، ولم يزل يكتب فيه إلى قريب من وقت وفاته، يذكر فيه الحوادث، والوفيات. وقد نسخ بخطه كثيرا للناس من سائر الفنون. وكان قوته من أجرة نسخه، ولم يطلب من أحد شيئا، ولا سكن مدرسة، ولم يزل قليل الحظ، منكسر الأغراض، متنغص العيش، مقترا عليه أكثر عمره.وكان الوزير ابن رئيس الرؤساء، سأل عن مسألة فى الحكمة؟ فقيل له: إن صدقة الناسخ، له يد قوية فى ذلك، فأنفذها إليه. فكتب فيها جوابا حسنا شافيا، استحسنه الوزير، وسأل عن حاله؟ فأخبر بفقره، فأجرى له ما يقوته، وعلمت الجهة «بنفشا» بحاله - يعنى جهة الخليفة - فصارت تفتقده فى بعض الأوقات، بما يكون بين يديها من الأطعمة الفاخرة والحلوى، فيعجز عن أكله، فيعطيه لمن يبيعه له، فكان ربما شكى حاله لمن يأنس به، فيشنع عليه من له فيه غرض، ويقول: هو يعترض على الأقدار، وينسبه إلى أشياء، الله أعلم بحقيقتها. قال: وحكى لى بعض أصحابنا، قال: دخل بعض الناس على صدقة، وإلى جانبه مركن، وعليه خرقة مبلولة، قد اجتمع عليها الذباب، فقال له: ما هذا المركن؟ قال: فيه حلوى السكر يابسة، قد نقعتها فى الماء لتلين، وأقدر على أكلها لذهاب أسنانى، وأعجبك أنه لما كانت لى أسنان صحاح قوية لم يقدرنى القدر على التمر، فلما كبرت، وذهبت أسنانى، رزقت هذه الحلوى اليابسة، لأزداد بنظرى إليها، وعجزى عن أكلها حسرة، فكان الناس ينسبونه بهذا الكلام، وبما كان يعلم من العلوم القديمة إلى أشياء، لعله برئ منها. قلت: يشير بذلك ابن النجار إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى، فإنه حط عليه فى تاريخه حطا بليغا، وذكر له أشعارا رديئة، تتضمن الحيرة والشك، وكلمات تتضمن الاعتراض على الأقدار، وقال: هذا من جنس اعتراضات ابن الرواندى، ونسبه أيضا إلى تعاطى فواحش، وإلى المسألة من غير حاجة، وأنه خلف ثلاثمائة دينار. وقال: لما كثر عثورى على هذا منه، وعجز تأويلى له، هجرته سنين، ولم أصل عليه حين مات، والشيخ أبو الفرج ﵀ ثقة فيما ينقل، وإذا ثبت أو اشتهر عن أحد مثل هذه الأمور، فهاجره وذامه معيب فيما يفعل. وقال ابن القطيعى: كان بينه وبين ابن الجوزى مباينة شديدة، وكل واحد يقول فى صاحبه مقالة، الله أعلم بها.قال: وسمعت الوزير بن يونس - ومجلسه حفل بالعلماء - يثنى على صدقة، وينكر على ابن الجوزى قدحه فيه، بقوله: صليت إلى جانب صدقة، فما سمعته يقرأ. وقال: الواجب أن يسمع نفسه، لا من إلى جانبه، وأين حضور قلب ابن الجوزى من سماع قراءة غيره؟ ثم من جعل همته إلى تتبع شخص، إلى هذا الحد فى الصلاة، دل بفعله على عداوته، والله يغفر لهما. قلت: هذا من أسهل ما أنكره ابن الجوزى عليه، ثم إنه قال: كنت أتأمله إذا قام إلى الصلاة، فأكون فى أوقات إلى جانبه، فلا أرى شفتيه تتحرك أصلا، لم يقل: لم أسمعه يقرأ. وأما الفتيا التى عرفه الوزير بسببها، فقد ذكرها ياقوت الحموى فى كتابه قال: جرى بين الوزير أبى الفرج ابن رئيس الرؤساء وزير المستضئ مسألة فى العلم: هل هو واحد، أم أكثر. وكان عنده جماعة من أهل العلم، كابن الجوزى وغيره، فسألهم عن ذلك؟ فكل كتب بخطه: إن العلم واحد، فلما فرغوا، قال: ترى ههنا من هو قيم بهذا العلم غير هؤلاء؟ فقال له بعض الحاضرين: ههنا رجل يعرف بصدقة الناسخ، يعرف هذا الفن معرفة لا مزيد عليها، فنفذ بالفتوى، وفيها خطوط الفقهاء، وقال: انظر فى هذه، وقل ما عندك، فلما وقف عليها فكر طويلا، متعجبا من اتفاقهم على ما لا أصل له، ثم أخذ القلم، وكتب: العلم علمان: علم غريزى، وعلم مكتسب. فأما الغريزى: فهو الذى يدرك على الفور، من غير فكرة، كقولنا: واحد وواحد، فهذا يعلم ضرورة أنه اثنان. وعلم مكتسب: وهو ما يدرك بالطلب، والفكرة والبحث، أو كلاما هذا معناه، وأنفذ الخط إلى الوزير. فلما وقف عليه، أعجب به، وقال: أين يكون هذا الرجل؟ فعرف حاله وفقره، فاستدعاه إليه، وتلقاه بالبشر، وخلع عليه خلعة حسنة، وأعطاه أربعين دينارا، ففرح فرحا عظيما، وقال: يا مولاى، قدحضر لى بيتان. قال: أنشدهما، فقال: ومن العجائب والعجائب جمة … شكر بطئ عن ندى متسرع ولقد دعوت ندى سواك فلم يجب … فلأشكرن ندى أجاب وما دعى فاستحسن ذلك، وما زال يبره إلى أن مات، سامحه الله. توفى صدقة يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد برحبة الجامع، ودفن بباب حرب. وقيل: إنه توفى يوم الأحد، رابع عشر. وذكر ابن الجوزى عمن حدثه: أنه رئى له منامات غير صالحة، وأنه عريان، وأنه أخبر عن نفسه أنه مسجون مضيق عليه، وأنه لم يغفر له، فالله تعالى يسامحه ويتجاوز عنه. وذكر ابن النجار عن على الفاخرانى الضرير، قال: رأيت صدقة الناسخ فى المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بعد شدة، فسألته عن علم الأصول؟ فقال: لا تشتغل به، فما كان شئ أضر علىّ منه، وما نفعنى إلا خمس قصيبات - أو قال: تميرات - تصدقت بها على أرملة. قلت: هذا المنام حق، وما كانت مصيبة إلا من علم الكلام. ولقد صدق القائل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وبسبب شبه المتكلمين والمتفلسفة، كان يقع له أحيانا حيرة وشك، يذكرها فى أشعاره، ويقع له من الكلام والاعتراض ما يقع. وقد رأيت له مسألة فى القرآن، قرر فيها: أن ما فى المصحف ليس بكلام الله، حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وإنما يسمى كلام الله مجازا. قال: ولا خلاف بيننا، وبين المخالفين فى ذلك، إلا أن عندنا: أن مدلوله هو كلام الله الذى هو الحروف والأصوات، وعندهم مدلول الكلام، الذى هو المعنى القديم بالذات.