- - الوفيات والأحداث
full-text— · 1 entry
- legacy full passagepage 61, entry [860]54 chars
يحيى (الأول) بن محمد: ملك الأدارسة، (٢٣٤ هـ = ٨٤٨ م) -
Narrator profile
يحيى بن محمد
Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.
No hadiths transmitted by this narrator in our data.
ابن حجر العسقلاني - المجمع المؤسس للمعجم المفهرس
—
- - الوفيات والأحداث
—
ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي
—
خير الدين الزركلي - الأعلام للزركلي
—
Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.
View JSONEvery item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.
— · 1 entry
يحيى (الأول) بن محمد: ملك الأدارسة، (٢٣٤ هـ = ٨٤٨ م) -— · 1 entry
[٧٢٣] يحيى بن محمد ابن يوسف الكرماني ثم البغدادي، نزيل القاهرة، تقي الدين. ولد في رجب سنة اثنتين وستين وسمع مع أبيه، وقرأ عليه الكثير، ومات أبو على ما أخبرني به سنة ست وثمانين عن سبعين سنة إلا سنة. وقدم القاهرة قديماً، وسكن دمشق، وخدم المؤيد، ثم قدم معهم القاهرة مرة أخرى، وولي نظر المرستان. وصنّف في الطب.١٤٩٤ - مل "شرحاً لمسلم". ١٤٩٥ - وآخر "للبخاري" انتزعه من شرح أبيه وغيره. ١٤٩٦ - واختصر "الروض".وهو سريع الخط جيده. لديه مسائل وفوائد وفضائل. أجاز في استدعاء ابني محمد. [مات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة].— · 1 entry
١٣١ - يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان. وهو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية الشيبانى الدورى، ثم البغدادى، الوزير العالم العادل، صدر الوزراء، عون الدين، أبو المظفر. ولد ف…▸ expand full passage (53,980 chars)١٣١ - يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان. وهو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية الشيبانى الدورى، ثم البغدادى، الوزير العالم العادل، صدر الوزراء، عون الدين، أبو المظفر. ولد فى ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالدور: قرية من أعمال الدجيل، ودخل بغداد شابا. وقرأ القرآن بالروايات على جماعة. وسمع الحديث الكثير من جماعة، منهم: القاضى أبو الحسين بن الفراء، وأبو الحسين بن الزاغونى، وعبد الوهاب الأنماطى وأبو غالب بن البناء وأبو عثمان بن ملة، وابن الحصين، وغيرهم. وقرأ الفقه على أبى بكر الدينورى فيما ذكره ابن القطيعى. وقيل: إنه قرأ على أبى الحسين بن الفراء، وقرأ الأدب على أبى منصور بن الجواليقى. وصحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدى الواعظ الزاهد من حداثته، وكمل عليه فنونا من العلوم الأدبية وغيرها، وأخذ عنه التأله والعبادة، وانتفع بصحبته، حتى إن الزبيدى كان يركب جملا ويعتم بفوطة، ويلويها تحت حنكه، وعليه جبة صوف، وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد أبى المظفر بن هبيرة. وهو أيضا معتم بفوطة من قطن، قد لواها تحت حنكه، وعليه قميص قطن خام، قصير الكم والذيل، وكلما وصل الزبيدى موضعا أشار أبو المظفر بمسبحته، ونادى برفيع صوته: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حى لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير. ذكر ذلك أبو بكر التيمى بن المرستانية، فى الكتاب الذى جمعه فى مناقب الوزير وفضائله.وقال ابن الجوزى: كانت له معرفة حسنة بالنحو، واللغة، والعروض، وصنف فى تلك العلوم، وكان متشددا فى اتباع السنة، وسير السلف. قلت: صنف الوزير أبو المظفر كتاب «الإفصاح عن معانى الصحاح» فى عدة مجلدات، وهو شرح صحيحى البخارى ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» شرح الحديث، وتكلم على معنى الفقه، وآل به الكلام إلى أن ذكر مسائل الفقه المتفق عليها، والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين. وقد أفرده الناس من الكتاب، وجعلوه مجلدة مفردة، وسموه بكتاب «الإفصاح» وهو قطعة منه، وهذا الكتاب صنفه فى ولايته الوزارة، واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب، وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث إنه أنفق على ذلك مائة ألف دينار، وثلاثة عشر ألف دينار، وحدث به، واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه. وكتب به نسخة لخزانة المستنجد. وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها، واستنسخوا لهم به نسخا، ونقلوها إليهم، حتى السلطان نور الدين الشهيد. واشتغل به الفقهاء فى ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم، يدرسون منه فى المدارس والمساجد، ويعيده المعيدون، ويحفظ منه الفقهاء. وصنف فى النحو كتابا سماه «المقتصد»، وعرضه على أئمة الأدب فى عصره، وأشار إلى ابن الخشاب بالكلام عليه، فشرحه فى أربع مجلدات، وبالغ فى الثناء عليه. واختصر كتاب «إصلاح المنطق» لابن السكيت، وكان ابن الخشاب يستحسنه ويعظمه. وصنف كتاب «العبادات الخمس» على مذهب الإمام أحمد، وحدث به بحضرة العلماء من أئمة المذاهب. وله أرجوزة فى المقصور والممدود، وأرجوزة فى علم الخط.وقد صنف ابن الجوزى كتاب «المقتبس من الفوائد العونية» وذكر فيه الفوائد التى سمعها من الوزير عون الدين، وأشار فيه إلى مقاماته فى العلوم. وانتقى من زبد كلامه فى الإفصاح على الحديث كتابا سماه «محض المحض». وكان ابن هبيرة ﵀ فى أول أمره فقيرا، فاحتاج إلى أن دخل فى الخدم السلطانية، فولى أعمالا، ثم جعله المقتفى لأمر الله مشرفا فى المخزن، ثم نقل إلى كتابة ديوان الزمام. ثم ظهر للمقتفى كفاءته وشهامته، وأمانته ونصحه، وقيامه فى مهام الملك. فاستدعاه المقتفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره، وقلده الوزارة، وخلع عليه وخرج فى أبهة عظيمة. ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم بين يديه، وهو راكب إلى الإيوان فى الديوان. وحضر القراء والشعراء، وكان يوما مشهودا. وقرئ عهده، وكان تقليدا عظيما، بولغ فيه بمدحه والثناء عليه إلى الغاية. وخوطب فيه بالوزير العالم العادل، عون الدين، جلال الإسلام، صفى الإمام، شرف الأنام، معز الدولة، مجير الملة، عماد الأمة، مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء، ظهير أمير المؤمنين. وكان الوزير قبل وزارته يلقب جلال الدين، وقال يوما: لا تقولوا فى ألقابى سيد الوزراء؛ فإن الله تعالى سمى هارون وزيرا، وجاء عن النبى ﷺ أن وزيريه من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض: أبو بكر وعمر، وجاء عنه أنه قال: «إن الله اختارنى، واختار لى أصحابا، فجعلهم وزراء وأنصارا» ولا يصلح أن يقال عنى: أنى سيد هؤلاء السادة. قال صاحب سيرته: ركب الوزير إلى داره مجاورة الديوان، وبين يديه جميع من حضر من أرباب الدولة، وأصحاب المناصب والأمراء والحجاب، والصدور والأعيان، وقد أخذ قوس الخلافة باريها، واستقرت الوزارة فى كفؤها وكافيها. فقام فيها قيام من عدّله الزمان بثقافه، وزينه الكمال بأوصافه، ودبرهابجوده ونهاه، وأورد الأمل فيها مناه، ومد الدين رواقه، وأمن بدره به محاقه. فأقام سوق الخلافة على ساقها، وابتدع فى انتظام ممالكها واتساقها، وأوضح رسمها، وأثبت فى حين أوانه وسمها، وتتبع ما أفسدته العين منها بالإصلاح، واستدرك لها ما أخرجته لها يد الاجتياح، وداوى كل حال بدوائه، ورد غائر الماء إلى لجائه، وأقام الصلاة جماعة، وافترض العدل سمعا لله وطاعة، ورعى لأهل الفضل والمعارف، وأواهم من بره إلى ظل وارف، حتى صارت دولته مشرعا للكرم، ومستراحا لآمال الأمم، يرتضع فيه للمكارم أخلاف، وتداريها الأمانى سلاف، ونفقت فيها أقدار الأعلام، وتدفقت فيها نذر الكلام، ولاحت بها من العلماء شموس، وارتاحت فيها للطلبة بالعلوم نفوس، ولم تخل أيامه ومجالسه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة ومحاضرة، إلا أوقات عطلها من ذلك النظام، وأوقعها إما على صلاة وصيام، أو على تصنيف، وجمع وتأليف؛ بحيث صنف عدة كتب، منها: كتاب «الإفصاح عن شرح معانى الصحاح» وهذا الكتاب بمفرده يشتمل على تسعة عشر كتابا. ولما ولى الوزير أبو المظفر ﵀ الوزارة بالغ فى تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين، واجتهد فى إكرامهم وإيصال النفع إليهم، وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع. ولقد قال مرة فى وزارته: والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله. وكان سبب هذا: أنه ذكر مرة فى مجلسه مفردة للإمام أحمد تفرد بها عن الثلاثة، فادعى أبو محمد الأشترى المالكى: أنها رواية عن مالك، ولم يوافقه على ذلك أحد، وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد، وهى منها، والمالكى مقيم على دعواه. فقال له الوزير: بهيمة أنت؟ أما تسمع هؤلاء الأئمة يشهدون بانفراد أحمد بها، والكتب المصنفة، وأنت تنازع وتفرق المجلس؟ فلما كان المجلس الثانى، واجتمع الخلق للسماع أخذ ابن شافع فى القراءة، فمنعه وقال: قد كانالفقيه أبو محمد جرئ فى مسألة أمس على ما لا يليق به عن العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر، حتى قلت تلك الكلمة، وها أنا فليقل لى كما قلت له فلست بخير منكم، ولا أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء، وأخذ الأشترى يعتذر، ويقول: أنا المذنب والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير، ويقول: القصاص، القصاص، فقال يوسف الدمشقى مدرس النظامية: يا مولانا، إذا أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير: له حكمه، فقال الأشترى: نعمك علىّ كثيرة، فأى حكم بقى لى؟ فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك، فقال: على بقية دين منذ كنت بالشام، فقال الوزير: يعطى مائة دينار لإبراء ذمته وذمتى، فأحضر له مائة، فقال له الوزير: عفا الله عنك وعنى، وغفر لك ولى. وذكر ابن الجوزى أنه قال: يعطى له مائة دينار لإبراء ذمته، ومائة دينار لإبراء ذمتى. وكان هذا الأشترى من علماء المالكية، طلبه الوزير من نور الدين محمود بن زنكى، فأرسل به إليه، فأكرمه غاية الإكرام. قال ابن الجوزى: وكان ابن الوزير إذا استفاد شيئا قال: أفادنيه فلان حتى، إنه عرض له يوما حديث، وهو «من فاته حزب من الليل فصلاة قبل الزوال كان كأنه صلّى بالليل» فقال: ما أدرى معنى هذا؟ فقلت له: هذا ظاهر فى اللغة والفقه. أما اللغة: فإن العرب تقول: كيف كنت الليلة، إلى وقت الزوال. وأما الفقه: فإن أبا حنيفة يصحح الصوم بنية قبل الزوال، فقد جعل ذلك الوقت فى حكم الليل. فأعجبه هذا القول. وكان يقول بين الجمع الكثير: ما كنت أدرى معنى هذا الحديث حتى عرفنيه ابن الجوزى، فكنت أستحى من الجماعة. قال: وجعل لى مجلسا فى داره، كل جمعة يطلقه ويطلق العوام فى الحضور وكان بعض الفقراء يقرأ القرآن فى داره كثيرا، فأعجبه، فقال لزوجته: أريد أنأزوجه ابنتى، فغضبت الأم من ذلك. وكان يقرأ عنده الحديث كل يوم بعد العصر وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء. وكانت أمواله مبذولة لهم، ولتدبير الدولة فكانت السنة تدور عليه وعليه ديون، وقال: ما وجبت على زكاة قط. قلت: وفى ذلك يقول بعض الشعراء: يقولون: يحيى لا زكاة لماله … وكيف يزكى المال من هو باذله؟ إذا دار حول لا يرى فى بيوته … من المال إلا ذكره وفضائله وقال ابن الجوزى: وكان يتحدث بنعم الله تعالى عليه. ويذكر فى منصبه شدة فقره القديم، فيقول: نزلت يوما إلى دجلة، وليس معى رغيف أعبر به الحمام. ثم ذكر طرفا من حلمه وصفحه وعفوه، فقال: لما جلس فى الديوان أول وزارته أحضر رجلا من غلمان الديوان، فقال: دخلت يوما إلى هذا الديوان، فقعدت فى مكان، فجاء هذا، فقال: قم فليس هذا موضعك، فأقامنى. فأكرمه وأعطاه. ودخل عليه يوما تركى، فقال لحاجبه: أما قلت لك: اعط هذا عشرين دينارا، وكذا من الطعام، وقل له: لا يحضر ههنا؟ فقال: قد أعطيناه. قال: عد واعطه، وقل له: لا يحضر. ثم التفت إلى الجماعة، وقال: لا شك أنكم ترتابون بسبب هذا؟ فقالوا: نعم، فقال: هذا كان شحنة فى القرى، فقتل قتيل قريبا من قريتنا، فأخذ مشايخ القرى وأخذنى مع الجماعة، وأمشانى مع الفرس، وبالغ فى أذاى وأوثقنى، ثم أخذ من كل واحد شيئا وأطلقه، ثم قال لى: أى شئ معك؟ قلت: ما معى شيئا، فانتهرنى، وقال: اذهب. فأنا لا أريد اليوم أذاه، وأبغض رؤيته. وقد ساق مصنف سيرة الوزير هذه الحكاية بأتم من هذا السياق. وذكر: أن الوزير قال: ما نقمت عليه إلا أنى سألته فى الطريق أن يمهلنى حسبما أصلى الفرض فما أجابنى، وضربنى على رأسى وهو مكشوف عدة مقارعفكنت أنقم عليه حين رأيته لأجل الصلاة، لا لكونه قبض عليّ؛ فإنه كان مأمورا. وذكر: أنه استخدمه فى أصلح معايش الأمراء، واستحله من صياحه عليه وقوله: اخرجوه عنى. قال ابن الجوزى: وكان بعض الأعاجم قد شاركه فى زراعة. فآل الأمر إلى أن ضرب الأعجمى الوزير وبالغ، فلما ولى الوزارة أتى به فأكرمه ووهب له وولاه أنبئت عن أحمد بن عبد الدائم المقدسى قال: حكى لنا ابن الجوزى قال: كنا نجلس إلى الوزير ابن هبيرة، فيملى علينا كتابه «الإفصاح» فبينا نحن كذلك إذ قدم رجل ومعه رجل ادعى عليه أنه قتل أخاه، فقال له عون الدين: أقتلته؟ قال: نعم. جرى بينى وبينه كلام فقتلته: فقال الخصم: سلمه إلينا حتى نقتله فقد أقر بالقتل، فقال عون الدين: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك، وقد قتل أخانا؟ قال: فتبيعونيه، فاشتراه منهم بستمائة دينار، وسلم الذهب إليهم وذهبوا، قال للقاتل: اقعد عندنا لا تبرح. قال: فجلس عندهم، وأعطاه الوزير خمسين دينارا. قال: فقلنا للوزير: لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمرا عظيما، وبالغت فى الإحسان إليه، فقال الوزير: منكم أحد يعلم أن عينى اليمنى لا أبصر بها شيئا؟ فقلنا: معاذ الله، فقال: بلى والله. أتدرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا. قال: هذا الذى خلصته من القتل جاء إلىّ وأنا فى الدور ومعى كتاب من الفقه أقرأ فيه، ومعه سلة فاكهة، فقال: احمل هذه السلة، قلت له: ما هذا شغلى فاطلب غيرى، فشاكلنى، ولكمنى فقلع عينى، ومضى ولم أره بعد ذلك إلى يومى هذا. فذكرت ما صنع بى، فأردت أن أقابل إساءته إلىّ بالإحسان مع القدرة. قال ابن الجوزى: كان الوزير يجتهد فى اتباع الحق، ويحذر من الظلم، ولا يلبس الحرير. وكان مبالغا فى تحصيل التعظيم للدولة العباسية، قامعا للمخالفين بأنواع الحيل، حسم أمور السلاطين السلجوقية.وذكر صاحب سيرته: أنه سمعه يذكر: أنه لما استطال السلطان مسعود وأصحابه وأفسدوا، عزم هو والخليفة على قتاله. قال: ثم إنّي فكرت فى ذلك، ورأيت أنه ليس بصواب مجاهرته؛ لقوة شوكته. فدخلت على المقتفى، فقلت: إنّي رأيت أن لا وجه فى هذا الأمر إلا الالتجاء إلى الله تعالى، وصدق الاعتماد عليه، فبادر إلى تصديقى فى ذلك، وقال: ليس إلا هذا. ثم كتبت إليه: إن رسول الله ﷺ قد دعا على رعل وذكوان شهرا، وينبغى أن ندعو نحن شهرا. فأجابنى بالأمر بذلك. قال الوزير: ثم لازمت الدعاء فى كل ليلة وقت السحر أجلس فأدعو الله سبحانه، فمات مسعود لتمام الشهر، لم يزد يوما ولم ينقص يوما، وأجاب الله الدعاء وأزال يد مسعود وأتباعه عن العراق، وأورثنا أرضهم وديارهم. وهذه القصة تذكر فى كرامات الخليفة والوزير. رحمهما الله تعالى. وكاتب الوزير ابن هبيرة السلطان نور الدين محمود بن زنكى يستحثه على انتزاع مصر من يد العبيديين. فسير إليها أسد الدين شير كوه مرتين، وفى الثالثة خطب بها للمستنجد، وجاء الخبر بذلك إلى بغداد سنة تسع وخمسين، وعمل أبو الفضائل بن تركان حاجب الوزير ابن هبيرة قصيدة يهنئ بها الوزير بفتح مصر، ويذكر أن ذلك كان بسبب سعيه وبركة رأيه، وتكامل انتزاع مصر من بنى عبيد، وإقامة الخطبة لبنى العباس بها بعد سبع سنين فى خلافة المستضئ فعظمت حرمة الدولة العباسية فى وقته، وانتشرت إقامة الدعوة لها فى البلاد. قال ابن الجوزى: وكان المقتفى معجبا به، يقول: ما وزر لبنى العباس مثله. قال ابن الجوزى: حدثنى الوزير قال: لما رجعت من الحلة - وكان قد خرج لدفع بعض البغاة - دخلت على المقتفى، فقال لى: ادخل هذا البيت فغير ثيابك، فدخلت فإذا خادم وفراش ومعهم خلعة حرير، فقلت: أنا والله ما ألبس هذه. فخرج الخادم فأخبر المقتفى، فسمعت صوت المقتفى وهو يقول: قد والله قلت: إنه ما يلبس.وذكر صاحب سيرته هذه الحكاية مبسوطة. قال: فعاد الخادم وعلى يده دست من ثياب الخليفة فأفاضه علىّ، وقال: قد أخبرت أمير المؤمنين بامتناعك، فقال: والله لقد حسبت هذا، وأنه لا يفعل. قال: فقلت حينئذ لنفسى: يا يحيى كيف رأيت طاعة الله تعالى؟ لو كنت قد لبستها كيف كنت تكون فى نفس أمير المؤمنين؟ وكيف كانت تكون منزلتك عنده؟. قال صاحب سيرته: وكان لا يلبس ثوبا يزيد فيه الإبريسم على القطن، فإن شك فى ذلك سلّ من طاقاته ونظر: هل القطن أكثر أم الإبريسم؟ فإن استويا لم يلبسه. قال: ولقد ذكر يوما فى بعض مجالسه، فقال: له بعض الفقهاء الحنابلة: يا مولانا، إذا استويا جاز لبسه فى أحد الوجهين عن أصحابنا، فقال: إنّي لا آخذ إلا بالأحوط. قال: وذكر يوما بين يديه: أنه كان للصاحب ابن عباد دست من ديباج فقال الوزير: قبح والله بالصاحب أن يكون له دست من ديباج؛ فإنه وإن كان زينة فهو معصية وهجنة. قال ابن الجوزى: ونقله عنه ابن القطيعى سمعت ابن هبيرة الوزير يقول: جاءنى مكتوب مختوم من المستنجد فى حياة أبيه المقتفى، فقلت للرسول: ارجع إليه وقل له: إن كان فيه ما تكره أن يعلم به أمير المؤمنين فلا حاجة لك فى فتحه؛ فإنى أعرّفه ما فيه، وإن لم تكن تكره اطلاعه عليه فافتحه، ثم أعطه الرسول، فمضى ولم يعد، وحصل فى نفسه من ذلك شئ. فلما توفى المقتفى وولى المستنجد أمر بحضوره للمبايعة. قال ابن الجوزى: فقال لى الوزير حين جاءه الرسول: إن وصلت إلى أمير المؤمنين نلت ما أريد، وإن قتلت قبل وصولى إليه فما لي حيلة. فما كان إلا ساعة دخوله عليه حتى عاد فرحا، فقلت له: ما الخبر؟ قال: وصلت إليه وبايعته، ثمقلت: يكفى العبد فى صدقه ونصحه أنه حابى مولانا فى أبيه نصحا لأمير المؤمنين وأشرت إلى رد مكتوبه، فقال: صدقت، أنت الوزير، فقلت: إلى متى؟ فقال: إلى الموت، فقلت: أحتاج والله إلى اليد الشريفة، فأحلفته على ما ضمن لى. قال صاحب سيرته: وأخبرنى الخادم مرجان بن عبد الله - أحد خواص خدم الخليفة - قال: سمعت الإمام المستنجد بالله أمير المؤمنين ينشد وزيره عون الدين أبا المظفر بن هبيرة، وقد مثل الوزير بين يدى سدته فى أثناء مفاوضة جرت بينهما فى كلام يرجع إلى تقرير قواعد الدين، والنظر فى مصالح الإسلام والمسلمين، فأعجب الخليفة به، فأنشده الخليفة - يمدحه - أربعة أبيات: الأخيرين منهما لنفسه، والأولين لابن حيوس، وهى: صفت نعمتان خصّتاك وعمّتا … فذكرهما حتى القيامة يذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف فى الناس ينكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفى عنه يحيى وجعفر ولم أرمن ينوى لك السوء يا أبا … المظفر إلا كنت أنت المظفر وقال ابن الذهبى (¬١) فى تاريخه: كان عالما فاضلا، عابدا عاملا، ذا رأى صائب وسريرة صالحة، وظهرت منه كفاية تامة، وقيام بأعباء الملك، حتى شكره الخاص والعام. وكان مكرما لأهل العلم، ويقرأ عنده الحديث عليه، وعلى الشيوخ بحضوره، ويجرى من البحث والفوائد ما يكثر ذكره. وكان مقربا لأهل العلم والدين، كريما طيب الخلق. قال ابن القطيعى: كان ابن هبيرة عفيفا فى ولايته، محمودا فى وزارته، كثير البر والمعروف، وقراءة القرآن، والصلاة والصيام، يحب أهل العلم، ويكثر مجالستهم ومذاكرتهم، جميل المذهب، شديد التظاهر بالسنة.قال: ومن كثرة ميله إلى العمل بالسنة، اجتاز فى سوق بغداد - وهو الوزير - فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير. قال صاحب سيرته: ولقد بلغ به من شدة الورع بحيث أحضر له كتاب من وقف المدرسة النظامية، ليقرأ عنده. فقال: قد بلغنى أن الواقف شرط فى كتاب الوقف: أن لا يخرج شئ من كتب الوقف عن المدرسة، وأمر برده. فقيل له: إن هذا شئ ما تحققناه. فقال: أليس قد قيل؟ ولم يمكّنهم من قراءته، وحثهم على إعادته. قال: وحدثنى الفقيه أبو حامد أحمد بن محمد بن عيسى الحنبلى قال: حدثنى الوزير عون الدين قال: كان بينى وبين بعض مشايخ القرى معاملة مضيت من أجلها من الدور إلى قريته فلم أجده، فقعدت لانتظارهم حتى هجم الليل، فصعدت إلى سطحه للنوم، فسمعت قوما يسفهون بالهجر من الكلام، فسألت عنهم؟ فأخبرت أنهم يعصرون بالنهار الخمر، ويسفهون فى الليل. فقلت: والله لابت بها فقيل: ولم؟ فقلت: أخاف أن ينزل بهم عذاب وسخط فأكون معهم، فإن لم يكن خسفا حقيقيا كان خسفا معنويا، مما يدخل على القلب من القساوة والفتور عن ذكر الله تعالى بسماع هذا الكلام، ومضيت ذلك الوقت إلى الدور. قال الوزير: فلما عدت أنا والمقتفى لأمر الله من حصار قلعة تكريت مررنا بتلك القرية، فسألنى المقتفى عنها؟ فقلت: هذه الناحية للوكلاء أجلهم الله تعالى. فقال: لئن تكون لك، إذ هى فى جوارك أصلح من أن تكون لنا، فتقدم إلى عمالك بالتصرف فيها. فذكرت له حينئذ حالتى بها، وقلت له: فمن بركة ذلك الفعل رزقت القرب منك يا أمير المؤمنين، وتملك الناحية من غير طلب منى لها، فاستظرف ذلك منى، وكثر تعجبه منه. قال: وكان الوزير شديد التواضع، رافضا للكبر، شديد الإيثار لمجالسة أربابالدين والفقراء، بحيث سمعته فى بعض الأيام يقول لبعض الفقراء وهو يخاطبه: أنت أخى، والمسلمون كلهم إخوة. قال: ولقد كنا يوما بالمجلس على العادة لسماع الحديث، إذ دخل حاجبه أبو الفضائل بن تركان. فسار الوزير بشئ لم يسمعه أحد. فقال له الوزير: أدخل الرجل، فأبطأ عليه. فقال الوزير: أين الرجل؟ فأبطأ. فقال: أين الرجل؟ فقال الحاجب: إن معه شملة صوف مكورة. وقد قلت له: اتركها مع أحد الغلمان خارجا عن الستر وادخل. قال: لا أدخل إلا وهى معى. فقال له الوزير: دعه يدخل وهى معه، فخرج وعاد. وإذا معه شيخ طوال من أهل السواد، وعليه فوطة قطن، وثوب خام، وفى رجليه جمجان، فسلم، وقال للوزير: يا سيدى، إن أم فلان - يعنى: أم ولده - لما علمت أنى متوجه إليه. قالت لى: بالله سلم على الشيخ يحيى عنى، وادفع إليه هذه الشملة؛ فقد خبزتها على اسمه، فتبسم الوزير إليه وأقبل عليه، وقال: الهدية لمن حضر، وأمر بحلها، فحلت الشملة بين يديه وإذا فيها خبز شعير مشطور بكامخ اكشوت. فأخذ الوزير منه رغيفين، وقال: هذا نصيبى، وفرق الباقى على من حضر من صدور الدولة، والسادة الأجلة، وسأله عن حوائجه جميعها؟ وتقدم بقضائها على المكان، ثم التفت إلى الجماعة وقال: هذا شيخ قد تقدمت صحبتى له قديما، واختبرته فى زرع بيننا فوجدته أمينا، ولم يظهر منه تأفف بمقال الشيخ، ولا تكبر عليه، ولا أعرض عنه، بل أحسن لقاءه، وقضى حوائجه، وأجزل عطاءه. ثم حكى: أنه كان بينه وبين هذا الشيخ زرع، وأنهم خشوا عليه من جيش عظيم نزل عندهم، فقرءوا على جوانبه القرآن، فسلم ولم يرع منه سنبلة واحدة. قال: ودخل عليه يوما نقيب نقباء الطالبين الطاهر بن أحمد بن علي الحسينى فسلم عليه وخدمه، وسأله رفع رقعة له إلى الخليفة المستنجد، وأن يتكلم له عند عرضها ولا يهملها، فتبسم وقال: والله ما أهملت لأحد رقعة قط، ولا حاجةحضرنى ذكرها، وذكر حكاية عن الوزير ابن العميد: أنه وعد رجلا النظر فى ظلامته ومطله وسوّفه وقال، سننظر فيها: فقال له بعض أصحابه، هذا كلام من لا يعرف دبيب الساعات فى انخرام السدول، فانتبه لها ابن العميد، والآن يتولى رفع ظلامات المتظلمين. قال: ودخل عليه يوما أبو الفرج عبد الخالق بن يوسف المحدث، وقال فى كلامه: المملوك شيخ من حملة القرآن وأهل العلم ورواة الحديث، وله وعليه حقوق فى المال، فانظر له وعليه، مقاطعة شئ من الجانب الغربى، فليس بيده شئ. فتقدم له الوزير بخمسين دينارا قبضها فى مجلسه، ثم قال له: هذا بعض مالك على بيت المال، فأدّ بعض ما عليك لبيت المال. قال: وكنا يوما عنده والمجلس غاص بولاة الدين والدنيا، والأعيان الأمائل وابن شافع يقرأ عليه الحديث، إذ فجأنا من باب الستر وراء ظهر الوزير صراخ بشع وصياح يرتفع، فاضطرب له المجلس، وارتاع الحاضرون، والوزير ساكن ساكت، حتى أنهى ابن شافع قراءة الإسناد ومتنه. ثم أشار الوزير إلى الجماعة على رسلكم، ثم قام ودخل إلى الستر ولم يلبث أن خرج، فجلس وتقدم بالقراءة، فدعا له ابن شافع والحاضرون، وقالوا: قد أزعجنا ذلك الصياح، فإن رأى مولانا أن يعرفنا سببه، فقال الوزير: حتى ينتهى المجلس. وعاد ابن شافع إلى القراءة حتى غابت الشمس وقلوب الجماعة متعلقة بمعرفة الحال، فعاودوه، فقال: كان لى ابن صغير مات حين سمعتم الصياح، ولولا تعين الأمر علي بالأمر بالمعروف فى الإنكار عليهم ذلك الصياح لما قمت عن مجلس رسول الله ﷺ فعجب الحاضرون من صبره. قال: وحضر يوما فى دار الخلافة بالمرخم من التاج، فجلس به وحضر أرباب الدولة بأسرهم للصلاة على جنازة الأمير إسماعيل بن المستظهر، فسقط من السقف أفعى عظيمة المقدار على كتف الوزير، فما بقى أحد من أرباب الدولة وحواشىالخدمة إلا خرج أوقام عن موضعه، إلا الوزير فإنه التفت إلى الأفعى وهى تسرح على كمه حتى وقعت على الأرض، وبادرها المماليك فقتلوها، ولم يتحرك الوزير عن بقعته، ولا تغير فى هيئته ولا عبارته. وللوزير رحمه الله تعالى من الكلام الحسن، والفوائد المستحسنة، والاستنباطات الدقيقة من كلام الله ورسوله ما هو كثير جدا. وله من الحكم والمواعظ والكلام فى أصول السنة وذم من خالفها شئ كثير أيضا. ونذكر هنا بعض ذلك إن شاء الله تعالى. قال ابن الجوزى فى المقتبس: سمعت الوزير يقول: الآيات اللواتى فى الأنعام (١٥١:٦ قل: ﴿تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)﴾ محكمات، وقد اتفقت عليها الشرائع، وإنما قال فى الآية الأولى: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) *﴾ وفى الثانية: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) *﴾ وفى الثالثة: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ *﴾ لأن كل آية يليق بها ذلك، فإنه قال فى الأولى: ﴿(أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)﴾ والعقل يشهد أن الخالق لا شريك له، ويدعو العقل إلى بر الوالدين، ونهى عن قتل الولد، وإتيان الفواحش؛ لأن الإنسان يغار من الفاحشة على ابنته وأخته، فكذلك هو، ينبغى أن يجتنبها، وكذلك قتل النفس، فلما لاقت هذه الأمور بالعقل، قال: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) *﴾ ولما قال فى الآية الثانية: ﴿(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ) *﴾ والمعنى: اذكر لو هلكت فصار ولدك يتيما، واذكر عند ورثتك، لو كنت الموروث له، واذكر كيف تحب العدل لك فى القول؟ فاعدل فى حق غيرك، وكما لا تؤثر أن يخان عهدك فلا تخن، فلاق بهذه الأشياء التذكر، فقال ﴿(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) *﴾ وقال فى الثالثة: ﴿(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ)،﴾ فلاق بذلك اتقاء الزلل، فلذلك قال: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)﴾. قال: وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٨٠:٣٨ ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)﴾ قال:ليس هذا بإجابة سؤاله، وإنما سأل الإنظار، فقيل له: كذا قدر، لا أنه جواب سؤالك، لكنه مما فهم. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٥١:٩ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا)﴾ قال: إنما لم يقل: ما كتب علينا؛ لأنه أمر يتعلق بالمؤمن، ولا يصيب المؤمن شئ إلا وهو له، إن كان خيرا فهو له فى العاجل، وإن كان شرا فهو ثواب له فى الآجل. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٤٥:١٧ ﴿حِجاباً مَسْتُوراً)﴾ قال أهل التفسير: يقولون: ساترا، والصواب: حمله على ظاهره، وأن يكون الحجاب مستورا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٣٩:١٨ ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ:﴾ ﴿ما شاءَ اللهُ)﴾ قال: ما قال: ما شاء الله كان ولا يكون، بل أطلق اللفظ؛ ليعم الماضى والمستقبل والراهن. قال: وتدبرت قوله تعالى: ﴿(لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ)﴾ فرأيت لها ثلاثة أوجه. أحدها: أن قائلها يتبرأ من حوله وقوته، ويسلم الأمر إلى مالكه. والثانى: أنه يعلم أن لا قوة للمخلوقين إلا بالله، فلا يخاف منهم؛ إذ قواهم لا تكون إلا بالله، وذلك يوجب الخوف من الله وحده. والثالث: أنه رد على الفلاسفة والطبائعيين الذين يدعون القوى فى الأشياء بطبيعتها، فإن هذه الكلمة بينت أن القوىّ لا يكون إلاّ بالله. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٩٧:١٨ ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً)﴾ قال: «التاء» من حروف الشدة، تقول فى الشئ القريب الأمر: ما استطعته، وفى الشديد: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه لقوته وشدته. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (١٥:٢٠ ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها)﴾قال: المعنى إنّي قد أظهرتها حين أعلمت بكونها، لكن قاربت أن أخفيها بتكذيب المشرك بها، وغفلة المؤمن عنها، فالمشرك لا يصدق كونها، والمؤمن يهمل الاستعداد لها. قال: وقرأت عليه ما جمعه من خواطره، قال: قرأ عندى قارئ، قال: (٤:٢٠ ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي)﴾ فأفكرت فى معنى اشتقاقها، فنظرت فإذا وضعها للتنبيه، والله لا يجوز أن يخاطب بهذا، ولم أر أحدا خاطب الله ﷿ بحرف التنبيه إلا الكفار، كما قال الله ﷿ (٨٦:١٦ ﴿قالُوا: رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ)،﴾ (٣٨:٧ ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا)﴾ وما رأيت أحدا من الأنبياء خاطب ربه بحرف التنبيه، والله أعلم. فأما قوله: (٨٨:٤٣ ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ)﴾ فإنه قد تقدم الخطاب بقوله: يا رب، فبقيت «ها» للتمكين، ولما خاطب الله ﷿ المنافقين، قال: (١٠٩:٤ ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)﴾ وكرم المؤمنين بإسقاط «ها»، فقال: (١١٩:٣ ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ)﴾ وكان التنبيه للمؤمنين أخف. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (١١٠:٢١ ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ)﴾ المعنى: أنه إذا اشتدت الأصوات وتغالبت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان. والله ﷿ يسمع كلام كل شخص بعينه، ولا يشغله سمع عن سمع. قال: وقوله: (١١٢:٢١ ﴿قالَ: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)﴾ قال: المراد منه: كن أنت أيها القائل على الحق؛ ليمكنك أن تقول: احكم بالحق، لأن المبطل لا يمكنه أن يقول: احكم بالحق. وقال فى قوله تعالى: (٥٣:٢٤ ﴿قُلْ: لا تُقْسِمُوا، طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ)﴾ قال: وقع لى فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعنى: لا تقسموا واخرجوا من غير قسم، فيكون المحرك لكمإلى الخروج الأمر لا القسم؛ فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه والثانى: أن المعنى نحن نعلم ما فى قلوبكم، وهل أنتم على عزم الموافقة للرسول فى الخروج؟ فالقسم ههنا إعلام منكم لنا بما فى قلوبكم. وهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن الله يطلع على ما فى القلوب. والثالث: أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم، ولولا أنكم فى محل تهمة ما ظننتم ذلك فيكم. وبهذا المعنى وقع المتنبى، فقال: وفى يمينك ما أنت واعده … ما دل أنك فى الميعاد متهم وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٥:٢٥ ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ)﴾ قال: العجب لجهلهم حين أرادوا أن يلقى إليه كنز أو تكون له جنة. ولو فهموا علموا أن كل الكنوز له وجميع الدنيا ملكه. أو ليس قد قهر أرباب الكنوز، وحكم فى جميع الملوك؟ وكان من تمام معجزته أن الأموال لم تفتح عليه فى زمنه؛ لئلا يقول قائل قد جرت العادة بأن إقامة الدول، وقهر الأعداء بكثرة الأموال، فتمت المعجزة بالغلبة والقهر من غير مال، ولا كثرة أعوان، ثم فتحت الدنيا على أصحابه، ففرقوا ما جمعه الملوك بالشره، فأخرجوه فيما خلق له، ولم يمسكوه إمساك الكافرين، ليعلموا الناس بإخراج ذلك المال: أن لنا دارا سوى هذه، ومقرا غير هذا. وكان من تمام المعجزات للنبى ﷺ: أنه لما جاءهم بالهدى فلم يقبل، سلّ السيف على الجاحد، ليعلمه أن الذى ابتعثنى قاهر بالسيف بعد القهر بالحجج. ومما يقوى صدقه أن قيصر وكبار الملوك لم يوفقوا للايمان به؛ لئلا يقول قائل: إنما ظهر لأن فلانا الملك تعصب له فتقوى به، فبان أن أمره من السماء لا بنصرة أهل الأرض. وقال فى قوله تعالى: (١٩:٢٥ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ)﴾ قال: المعنى:فقد كذبكم أصنامكم بقولكم؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع فإقراركم يكذب دعواكم. وقال فى قوله تعالى: (٢٠:٢٥ ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ)﴾ قال: فهو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم، ويبين شرف العالم على الزاهد المنقطع؛ فإن النبى ﷺ كالطبيب، والطبيب يكون عند المرضى، فلو انقطع عنهم هلكوا. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (١٩:٢٧ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ)﴾ قال: هذا من تمام برّ الوالدين. كأن هذا الولد خاف أن يكون والداه قصرا فى شكر الرب ﷿، فسأل الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليقوم بما وجب عليهما من الشكر إن كانا قصرا. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٨٠:٢٨ ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)﴾ قال: إيثار ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء، فمن كان هكذا فهو عالم. ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٧١:٢٨ ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ؟ أَفَلا تَسْمَعُونَ؟)﴾ وفى الآية التى تليها (٧٢:٢٨ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ)﴾ قال: إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه فى الليل أكثر من إدراكه بالنهار، ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل. قال المبرد: سلطان السمع فى الليل، وسلطان البصر فى النهار. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٣:٣٥ ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟)﴾ قال: فطلبت الفكر فى المناسبة بين ذكر النعمة وبين قوله تعالى: ﴿(هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟)﴾ فرأيت أن كل نعمة ينالها العبد فالله خالقها، فقد أنعم بخلقه لتلك النعمة، وبسوقها إلى المنعم عليه. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٤٦:٣٥ ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ: أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ﴾﴿مَثْنى وَفُرادى)﴾ قال: المعنى: أن يكون قيامكم خالصا لله ﷿، لا لغلبة خصومكم، فحينئذ تفوزون بالهدى. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٢٠:٣٦ ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى)﴾ وفى الآية الأخرى (٢٠:٢٨ ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى)﴾ فرأيت الفائدة فى تقديم ذكر الرجل وتأخيره: أن ذكر الأوصاف قبل ذكر الموصوف أبلغ فى المدح من تقديم ذكره على وصفه؛ فإن الناس يقولون: الرئيس الأجل فلان، فنظرت فإذا الذى زيد فى مدحه، وهو صاحب يسن أمر بالمعروف، وأعان الرسل، وصبر على القتل، والآخر إنما حذر موسى من القتل، فسلم موسى بقبوله مشورته. فالأول هو الآمر بالمعروف، والناهى عن المنكر، والثانى هو ناصح الآمر بالمعروف. فاستحق الأول الزيادة. ثم تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بعد فى الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبعد الطريق. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٢٦:٣٦، ٢٧ ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي)﴾ قال: المعنى: يا ليتهم يعلمون بأى شئ وقع غفرانه. والمعني: أنه غفر لى بشئ يسير فعلته، لا بأمر عظيم. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٣٤:٤٤ - ٣٦ ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ؟)﴾ قال: ربما توهم جاهل أنهم لم يجابوا عما سألوا، وليس كذلك؛ فإن الذى سألوا لا يصلح أن يكون دليلا على البعث؛ لأنهم لو أجيبوا إلى ما سألوا لم يكن ذلك حجة على من تقدم، ولا على من تأخر، ولم يزد على أن يكون لمن تقدم وعدا، ولمن تأخر خبرا، اللهم إلا أن يجئ لكل واحد أبوه، فتصير هذه الدار دار البعث. ثم لو جاز وقوع مثل هذه كان إحياء ملك يضرب به الأمثال أولى، كتبع، لا أنتم يا أهل مكة، فإنكم لا تعرفون فى بقاع الأرض. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٧:٤٠ ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)﴾قال: علمت الملائكة أن الله ﷿ يحب عباده المؤمنين، فتقربوا إليه بالشفاعة فيهم. وأحسن القرب أن يسأل المحب إكرام حبيبه، فإنك لو سألت شخصا أن يزيد فى إكرام ولده لارتفعت عنده، حيث تحثه على إكرام محبوبه. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٦٥:٥٦ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً)،﴾ (٧٠:٥٦ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً)﴾ قال: تأملت دخول اللام وخروجها، فرأيت المعنى: أن اللام تقع للاستقبال، تقول: لأضربنك، أى فيما بعد، لا في الحال. والمعنى (٥٦: ٦٣ - ٦٥ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ؟ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ؟ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً)﴾ أى: فى مستقبل الزمان إذا تم فاستحصد، وذلك أشد العذاب، لأنها حالة انتهاء تعب الزراع، واجتماع الدين عليه، لرجاء القضاء بعد الحصاد، مع فراغ البيوت من الأقوات. وأما فى الماء: فقال: ﴿(لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً)﴾ أى: الآن؛ لأنا لو أخرنا ذلك لشرب العطشان، وادخر منه الإنسان. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٥:٦٠ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ قال: المعنى: لا تبتلينا بأمر يوجب افتتان الكفار بنا، فإنه إذا خذل المتقى ونصر العاصى فتن الكافر، وقال: لو كان مذهب هذا صحيحا ما غلب. قال: وسمعته يقول فى قوله ﷺ: «إذا دخل رمضان سلسلت الشياطين» قال: إن الشياطين للعاصى فى غير رمضان كالعكاز يقول: سوّل لى، وغرنى. فإذا سلسل الشيطان قلّ عذر العاصى. وسمعته يقول فى حديث عائشة رضى الله عنها «كان أكثر صوم رسول الله ﷺ فى شعبان» قال: ما أرى هذا إلا على وجه الرياضة؛ لأن الإنسان إذا هجم بنفسه على أمر لم يتعوده صعب عليه، فدرج نفسه بالصوم فى شعبان لأجل رمضان. وسمعته يقول فى قوله ﷺ: «أعوذ بك من شر ما لم أعمل» قال: له معنيان.أحدهما: أن الإنسان يبلغه أن الرجل قد عمل الشر فيرضى به، أو يتمنى أن يعمل مثله، فهذا شر ما لم يعمل. والثانى: أن الرجل قد لا يشرب الخمر، فيعجب بنفسه كيف لا يشرب، فيكون العجب بترك الذنب شر ما لم يعمل. وذكر صاحب سيرة الوزير قال: سمعته يقول فى قوله تعالى: (١٧:٢٠، ١٨ ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟ قالَ: هِيَ عَصايَ)﴾ قال: فى حمل العصا عظة؛ لأنها من شئ قد كان ناميا فقطع، فكلما رآها حاملها تذكر الموت. قال: ومن هذا قيل لابن سيرين ﵀: رجل رأى فى المنام أنه يضرب بطبل؟ فقال: هذه موعظة؛ لأن الطبل من خشب قد كان ناميا فقطع، ومن أغشية كانت جلود حيوان قد ذبح. وهذا أثر الموعظة. وسمعته يقول فى قوله تعالى: (١٠:٢ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - الآية) قال: المريض يجد الطعوم على خلاف ما هى عليه، فيرى الحامض حلوا، والحلومرا. وكذلك هؤلاء يرون الحق باطلا، والباطل حقا. قال: وسمعت الوزير يقول: وقد قرئ عنده «أن رجلا قال عند رسول الله ﷺ: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فقال رسول الله ﷺ: أيكم قال ذلك؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير. فقال ﷺ رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها». فطفقت والجماعة عندى أفكر فى معنى تخصيص هذا العدد من الملائكة، فنظرت فإذا حروف هذه الكلمات بضع وثلاثون حرفا إذا فكك المشدد، ورأيت أنه من عظم ما قد ازدحمت الملائكة عليها، بلغوا إلى فك المشدد، فلم يحصل لكل ملك سوى حرف واحد، فصعد به يتقرب بحمله. وسمعته يقول فى قوله ﷺ: «وجدت على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر» فتدبرت هذا الحصر، فإذا الفائدة: أنالحسنة بعشر أمثالها، فدرهم الصدقة لا يعود فيكتب به عشر مع ذهابه، فيكون الحاصل به على الحقيقة تسعة، والقرض يضاعف على الصدقة، فيصير ثمانية عشر؛ لأن تسعة وتسعة ثمانية عشر. والسبب فى مضاعفته: أن الصدقة قد تقع فى يد غير محتاج، والقرض لا يقع إلا فى يد محتاج. وسمعته يقول فى قوله ﷺ: «إذا شربتم فاسئروا» قال: هذا فى الشرب خاصة. فأما الأكل فمن السنة: لعق القصعة والأصابع، وإنما خص الشرب بذلك؛ لأن التراب والأقذار ترسخ فى أسفل الإناء، فاستقصاء ذلك يوجب شرب ما يؤذى. قال: وكذلك السر فى الأمر بالتنفس فى الإناء ثلاثا؛ لأن التنفس يخرج كرب القلب، وكدر البدن. فكره الشارع أن يعود فى الماء فيؤذى الشارب وسمعته يقول فى قوله ﷺ: «أول زمرة تدخل الجنة من أمتى وجوههم كالقمر ليلة البدر» قال: إنما لم يقل كالشمس؛ لأن نور الشمس يؤثر فى عيون الناظرين إليها، فلا يتمكنون من النظر، والجنة دار لذة وطيب عيش، فلو أشبهت وجوههم نور الشمس لم يتمكن أحد منهم أن ينظر الآخر. ومن كلامه فى السنة: قال أبو الفرج بن الجوزى: سمعت الوزير يقول: تأويل الصفات أقرب إلى الحظ من إثباتها على وجه التشبيه؛ فإن ذلك كفر. وهذا غايته البدعة. قال وسمعته ينشد لنفسه: لا قول عند آية المتشابه … للراسخين غير (آمنا به) قال: وسمعته يقول: ما أنزل الله آية إلا والعلماء قد فسروها، لكنه يكون للآية وجوه محتملات، فلا يعلم ما المراد من تلك الوجوه المحتملات إلا الله ﷿. قال: وسمعته يقول فى قوله تعالى: (٢٥:٧٤ ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ)﴾ قال: العرب لا تعرف ذا ولا هذا إلا فى الإشارة إلى الحاضر. وإنما أشار هذا القائل إلىهذا المسموع. فمن قال: إن المسموع عبارة عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر. قال مصنف سيرته: كثيرا ما سمعته يقول: ليس مذهب أحمد إلا الاتباع فقط. فما قاله السلف قاله، وما سكتوا عنه سكت عنه؛ فإنه كان يكثر أن يقال: لفظى بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، لأنه لم يقل. وكان يقول فى آيات الصفات: تمرّ كما جاءت. قال: وسمعته يقول: تفكرت فى أخبار الصفات، فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها، مع قوة علمهم، فنظرت السبب فى سكوتهم، فإذا هو قوة الهيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلا بضرب الأمثال لله، وقد قال ﷿: (٧٤:١٦ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ)﴾ قال: وكان يقول: لا يفسر على الحقيقة ولا على المجاز؛ لأن حملها على الحقيقة تشبيه، وعلى المجاز بدعة قال: وسمعته يقول: والله ما نترك أمير المؤمنين على بن أبى طالب مع الرافضة؛ نحن أحق به منهم، لأنه منا ونحن منه، ولا نترك الشافعى مع الأشعرية؛ فإنا أحق به منهم. قال: وسمعته يقول: من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم فى القرآن تورعا. ومنها: أن يخرج جوالب الفتن مخرج التشدد فى الدين. ومنها: أن يقيم أوثانا فى المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يبين الحقّ، فيقول: ليس هذا مذهبنا؛ تقليدا للمعظم عنده، قد قدمه على الحق. قال: وسمعته يقول لبعض الناس: لا يحل والله أن تحسن الظن بمن يرفض، ولا بمن يخالف الشرع فى حال. ومن كلامه فى فنون، قال ابن الجوزى: وسمعته يقول: يحصل العلم بثلاثة أشياء.أحدها: العمل به، فإن من كلف نفسه التكلم بالعربية، دعاه ذلك إلى حفظ النحو. ومن سأل عن المشكلات ليعمل فيها بمقتضى الشرع تعلم. والثانى: التعليم، فإنه إذا علم الناس كان أدعى إلى تعليمه. والثالث: التصنيف، فإنه يخرجه إلى البحث، ولا يتمكن من التصنيف من لم يدرك غور ذلك العلم الذى صنف فيه. قال: وسمعته يقول: الحكمة فى اختصاص المرأة بالحيض: أنها تحمل الولد، والولد مفتقر إلى الغذاء، فلو شاركها فى غذائها، لضعفت قواها، ولكن جعلت له فضلة من فضلاتها، إن حملت فهى قوته، وإن لم تحمل اندفعت، فإذا ولدت توفرت تلك الفضلة على اللبن. قال: وسمعته يقول لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة؛ فإن ظهور معاصيهم عيب فى أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب. وسمعته يقول: الأيام قد ذهبت، والأعمار قد نهبت، والنفوس باتباع الهوى قد التهبت، وما يطلب منها شئ من الخير إلا أبت، وبيوت التقوى من القلوب قد خربت. وسمعته يقول: نظر العامل إلى عمله بعين الثقة به فى باب النجاة، أضر على العصاة من تفريطهم، وقال: لولا الظلم الجائر ما حصلت الشهادة للشهيد، ولولا أهل المعاصى، ما بانت بلوى الصابر فى الأمر بالمعروف، ولو كان المجرمون ضعفاء لقهروا، فلم يحصل ذلك المعنى. وكان يقول فى قوله تعالى: (١٢٣:٦ ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها)﴾ إنه على التقديم والتأخير، أى: جعلنا مجرميها أكابر. وقال: البحر محيط بالأرض، وخلجانه تتخلل الأرض. والريح تهب على الماء، وتمر على الأرض، فيعتدل النسيم بالرطوبة. ولو كان ماء البحر عذبا لأنتن؛ لكونه واقفا، فكانت الريح إذا هبت عليه أوقعت الوباء فى الخلق، ولكنه جعل مالحا، ليحصل منه نفع الرطوبة، ولا يقع به فساد.قال: وسمعته يقول: احذروا مصارع العقول، عند التهاب الشهوات. قال: وسمعته يقول: العجب ممن يخاصم الأقدار ولا يخاصم نفسه، فيقول: قضى علىّ، وعاقبنى! ويحك، قل لنا كيف تحب أن يكون الأمر؟ أتختار أن تخلق أعمى لا تنظر إلى المستحسن؟ قال: لا. قلنا: أفتحب أن تخلق معدوم الحس؟ قال: لا. قلنا: أتختار أن ترد عن المعاصى قهرا؟ قال: لا. قلنا: أفتؤثر أن تطلق فيها من غير حجر؟ فلا تغضب إذا إن أطلق غيرك فى أخواتك وبناتك. فأما أن تغضب لذلك الفعل من غيرك فى حرمك، وتختار أن تفعله فى حرم غيرك فهذا فى غاية الجور. فإذا جعل لك الطريق إلى مرادك بكلمة هى عقد النكاح، أو عوضت عما منعت عنه من جنسه ووعدت الأجر على الصبر فهذا غاية العدل. فإن زللت فى معصية فقد جعل لك طريق النجاة بالتوبة. قال: مصنف سيرة الوزير: سمعته يقول: قفلت فى صحبة أمير المؤمنين المقتفى من الكوفة بعد وداع الحاج، فشاهدنا فى الطريق بردا كبارا قد وقع أمامنا - وكان الجماعة يأكلون منه - فلم أستطبه على الريق فلما نزلنا الخيام وأمسينا وحضر العشاء وأكلنا الطعام ذكرت ذلك البرد وودت أن لو كان الآن منه شئ وأظن أنى دعوت الله ﷿ أن يأتينا منه شئ، فما كان إلا لحظة والسحاب هملى، وإذا البرد فيه كثير. وشرع الغلمان وجمعوا منه شيئا كثيرا، وجاءوا به، فأكلت منه حتى تركته، وحمدت الله ﷿ على إجابة الدعاء، وإعطائه لما خطر فى النفس. قال: وسمعته يقول: كنت جالسا فى سطح أصلى على النبى ﷺ، وعيناى مغمضتان، فرأيت كاتبا يكتب فى قرطاس أبيض بمداد أسود، ما أذكره، وكلما قلت: اللهم صل على محمد، كتب الكاتب: اللهم صلّى على محمد، فقلت لنفسى: افتح عينك وانظر بها، ففتحت عينى، فخطف عن يمينى حتى نظرت بياض ثوبه، وهو شديد البياض فيه صقالة.قال: وسمعته يقول: مرضت مرة مرضا شديدا، انتهى بى الأمر فيه إلى مقام رفعت فيه إلى أرض ذات ظل ممدود، ورملة دمثة، وهو أطيب مستلذ، وبجانب تلك الرملة ماء على نحو دجلة لا أجراف له، وأنا أناجى فى سرى بما أراه من الله ﷿، وفيه عتاب لى على نظرى إلى الخلق وعملى لهم، ونحو هذا. فشرعت فى الإنكار لذلك، فأعدم جميع من فى الأرض، بحيث لم يبق عندى أنه بقى فى الأرض غيرى، فاستوحشت حينئذ من الحياة، وودت الموت كل الوداد، حتى كنت أقول: لو كان الشرع يبيح قتل النفس كان شيئا طيبا، ثم عرضت علىّ أعمال الخير كلها، فلم تخف علىّ كما كانت تخفى علىّ، فوقر حينئذ فى نفسى أنك إنما كنت تريد الحياة معهم، وأعمال الخير لتبلغهم، ونحو هذا، فاعترفت حينئذ بما كنت قد ناكرت عليه، ثم نوجيت أيضا بما معناه: إنك قد تخاف من الأشياء، وإن دواء ذلك كله أن تدخل فى الخوف منه بالإيمان بأن كل مخلوق لا يقدر إلا على ما يقدره الله ﷿ عليه لوقته، أو نحو هذا. قال: وسمعته يقول: اتباع السنة سبب لكل خير، فإنى صليت الفريضة يوما فى مسجدنا، ثم قلت: يستحب أن تصلى السنة فى غير موضع الفرض ومضيت إلى البيت فصليتها؟؟؟، ثم اشتاق قلبى إلى رؤية الله ﷿، فقلت: اللهم أرنى نفسك. فنمت تلك الليلة، فرأيته ﷿. وأنشد هذه الأبيات، وقال: كان ابن سمعون كثيرا ما ينشدها: ركبت بحار الحب جهلا بقدرها … وتلك بحار لا يفيق غريقها وسرنا على ريح تدل عليكم … فبانت قليلا ثم غاب طريقها إليكم بكم أرجو النجاة وما أرى … لنفسى منها سائقا فيسوقها وذكر الوزير فى كتابه «الإفصاح» قال: الصحيح عندى: أن ليلة القدر تنتقل فى أفراد العشر، فإنه حدثنى من أثق به أنه رآها فى ليلة سبع وعشرين. وحدثنى أمير المؤمنين المقتفى لأمر الله: أنه رآها. فأما أنا فكنت فى ليلة إحدىوعشرين وكانت ليلة جمعة، فواصلت انتظارها بذكر الله ﷿، ولم أنم تلك الليلة. فلما كان وقت السحر - وأنا قائم على قدمى - رأيت فى السماء بابا مفتوحا مربعا عن يمين القبلة، قدرت أنه على حجرة رسول الله ﷺ، فبقى على حاله - وأنا انظر إليه - نحو قراءة مائة آية، ولم يزل، حتى التفت عن يسارى إلى المشرق لأنظر هل طلع الفجر؟ فرأيت أول الفجر. فالتفت إلى ذلك الباب فرأيته قد ذهب. وكان ذلك مما صدق عندى ما رأيت. فالظاهر من ذلك: تنقلها فى ليالى الأفراد فى العشر. فإذا اتفقت ليالى الجمع فى الأفراد فأجدر وأخلق بكونها فيها. وكتاب «الإفصاح» فيه فوائد جليلة غريبة. وقال فيه: الخضر الذى لقيه موسى ﵇ قيل: كان ملكا. وقيل: كان بشرا. وهو الصحيح. ثم قيل: إنه عبد صالح ليس بنبى. وقيل: بل نبى. وهو الصحيح. والصحيح عندنا: أنه حى، وأنه يجوز أن يقف على باب أحد مستعطيا له، وغير ذلك؛ لما حدثنى محمد بن يحيى الزبيدى. وذكر عنه حكايات تتضمن رؤية الخضر، والاجتماع به. وقال فى حديث عمران بن حصين، وقول النبى ﷺ: «لقد علمت أن بعضكم خالجنيها» فيه دليل على أنه لا يقرأ المأموم وراء الإمام. قال: وهذا محمول عندى على غير الفاتحة. وقال: الحبس غير مشروع إلا فى مواضع. أحدها: إذا سرق فقطعت يمينه، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق: حبس ولم يقطع، فى إحدى الروايتين. الثانى: أمسك رجل رجلا لآخر فقتله: حبس الممسك حتى يموت، فى إحدى الروايتين أيضا.الثالث: ما يراه الإمام كفّا لفساد مفسد؛ لقوله تعالى (٣٨:٣٨ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ)﴾ وما يراه أبو حنيفة فى قطاع الطريق، فإنه يحبسهم حتى يتوبوا فأما الحبس على الدين فمن الأمور المحدثة وأول من حبس فيه شريح القاضى وقضت السنة فى عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان: أنه لا يحبس على الدين، ولكن يتلازم الخصمان. فأما الحبس الذى هو الآن فإنى لا أعرف أنه يجوز عند أحد من المسلمين. وذلك أنه يجمع الجمع الكثير فى موضع يضيق عنهم، غير متمكنين من الوضوء والصلاة، ويتأذون بذلك بحره وبرده. فهذا كله محدث. ولقد حرصت مرارا على فكه، فحال دونه ما قد اعتاده الناس منه، وأنا فى إزالته حريص والله الموفق. وقال فى حديث الزبير فى سراج الحرة: فيه جواز أن يكون السقى للأول، ثم الذى بعده. إلا أن هذا فى النخل خاصة، وما يجرى مجراه. وأما الزرع وما لا يصبر على العطش أكثر من جمعة ونحو ذلك: فإن الماء يتناصف فيه بالسوية، كما قال تعالى (٢٩:٥٤ ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ)﴾. وقال فى سورة الضحى: لما توالى فيها قسمان، وجوابان مثبتان، وجوابان نافيان، فالقسمان: ﴿(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)﴾ والجوابان النافيان: ﴿(ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)،﴾ والجوابان المثبتان: ﴿(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)﴾. ثم قرر بنعم ثلاث، وأتبعهن بوصايا ثلاث: كل واحدة من الوصايا شكر النعمة التى قوبلت بها. فإحداهن: ﴿(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى؟)﴾ وجوابها: ﴿(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)﴾. والثانية: ﴿(وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى؟)﴾ فقابلها بقوله: ﴿(وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)﴾ وهذا لأن السائل ضال يبغى الهدى. والثالثة: ﴿(وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى؟)﴾ فقابلها بقوله: ﴿(وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾وإنما قال: ﴿(وَما قَلى)﴾ ولم يقل: وما قلاك؛ لأن القلى بغض بعد حب، وذلك لا يجوز على الله تعالى. والمعنى: وما قلى أحدا قط، ثم قال: ﴿(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى)﴾ ولم يقل: خير على الإطلاق. وإنما المعنى خير لك ولمن آمن بك. وقوله: (فآوى) ولم يقل: فآواك، لأنه أراد: آوى بك إلى يوم القيامة. وقال: أما كون صوم يوم عرفة بسنتين ففيه وجهان: أحدهما: لما كان يوم عرفة فى شهر حرام بين شهرين حرامين: كفر سنة قبله وسنة بعده. والثانى: إنما كان لهذه الأمة، وقد وعدت فى العمل بأجرين. قال تعالى: (٢٨:٥٧ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)﴾. أما عاشوراء: فقد كانت الأمم قبل هذه الأمة تصومه، ففضل ما خصت به هذه الأمة، وإنما كفر عاشوراء السنة الماضية؛ لأنه تبعها وجاء بعدها. والتكفير (بالصوم إنما يكون لما مضى لا لما يأتى. فأما يوم عرفة: فإنه يكفر السنة التى قد مضى أكثرها، ويزيد لموضع فضله بتكفير ما يأتى. وقال فى حديث تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ: لما كانت صلاة الفذ مفردة أشبهت العدد المفرد، فلما جمعت مع غيرها أشبهت ضرب العدد. وكانت خمسا فضربت فى خمس، فصارت خمسا وعشرين، وهى غاية ما يرتفع إليه ضرب الشئ فى نفسه. فأما رواية «سبع وعشرين» فإن صلاة المنفرد وصلاة الإمام أدخلتا مع المضاعفة فى الحساب. وقد ذكر الوزير فى كلامه على شرح حديث «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» وهو الذى أفرد من كتابه «الإفصاح» فوائد غريبة. فذكر فى أول كلامه: أن اختصاص المساجد ببعض أرباب المذاهب بدعةمحدثة، فلا يقال: هذه مساجد أصحاب أحمد، فيمنع منها أصحاب الشافعى، ولا بالعكس؛ فإن هذا من البدع. وقد قال تعالى فى المسجد الحرام: (٢٥:٢٢ ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ)﴾ وهو أفضل المساجد. وأما المدارس فلم يقل فيها ذلك، بل قال: لا ينبغى أن يضيق فى الاشتراط على المسلمين فيها، فإن المسلمين فيها إخوة، وهى مساجد تبنى لله تعالى، فينبغى أن يكون فى اشتراطها ما يقع لعباد الله، فإنى امتنعت من دخول مدرسة شرط فيها شروط لم أجدها عندى، ولعلى منعت بذلك أن أسأل عن مسألة أحتاج إليها، أو أفيد أو أستفيد. وحكى فى مسائل الخلاف رواية عن أحمد: أنه لا يشترط فى المسح على العمامة ولا بحوائل الرأس خاصة لبسها على طهارة. وهذه غريبة جدا، لا أعلم أحدا من الأصحاب حكاها غيره. واختار فيه: استحباب الجمع بين الاستفتاح؛ «وجهت وجهى» و «سبحانك اللهم وبحمدك». واختار: أنه يستحب أن يزاد فى التشهد الأول: اللهم صلّى على محمد. واختار: استحباب التكبير ثلاثا فى أول تكبير العيدين، وأيام التشريق. وذكر: أن الفصاد يفطر الصائم كالحجامة، وأنه مذهب أحمد. وكان الوزير رحمه الله تعالى أديبا بارعا، فصيحا مفوها. وقد أورد له مصنف سيرته من رسائله إلى الخلفاء والملوك، والكتب الذى أنشأها بأفصح العبارات، وأجزل الألفاظ ما لا يتسع هذا المكان لذكره. وله شعر كثير حسن فى الزهد وغيره. فمما أنشده ابن الجوزى عنه: يا أيها الناس إنّي ناصح لكم … فعوا كلامى؛ فإنى ذو تجاريب لا تلهينكم الدنيا بزهرتها … فما تدوم على حسن ولا طيبقال: وأنشدنا لنفسه: يلذ بهذا العيش من ليس يعقل … ويزهد فيه الألمعى المحصل وما عجب نفس أن ترى الرأى إنما … العجيبة نفس مقتضى الرأى تفعل إلى الله أشكو همة دنيوية … ترى النص إلا أنها تتأول ينهنها موت النبيه فترعوى … ويخدعها روح الحياة فتغفل وفى كل جزء ينقضى من زمانها … من الجسم جزء مثله يتحلل فنفس الفتى فى سهوها وهى تنقضى … وجسم الفتى فى شغله وهو يعمل قال: وأنشدنا لنفسه: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه … وأراه أسهل ما عليك يضيع قال: وأنشدنا لنفسه: الحمد لله هذا العين لا الأثر … فما الذى باتباع الحق ينتظر وقت يفوت وأشغال معوّقة … وضعف عزم، ودار شأنها الغير والناس ركضا إلى مهوى مصارعهم … وليس عندهم من ركضهم خبر تسعى بهم خادعات من سلامتهم … فيبلغون إلى المهوى وما شعروا والجهل أصل فساد الناس كلهم … والجهل أصل عليه يخلق البشر وإنما العلم عن ذى الرشد يطرحه … كما عن الطفل يوما يطرح السرر وأصعب الداء داء لا يحس به … كالدق يضعف حسا وهو يستعر وإنما لم يحس المرء موقعها … لأن أجزاؤه قد عمها الضرر وقال صاحب سيرته: سمعته يقول: لولا عموم فقراء الناس ما استغنوا؛ فإن الإنسان لما افتقر احتال، فسافر لجلب الثياب والمطاعم والأدوية والحطب، وغير ذلك، فانتفع بذلك المقيم فلو أن الناس استغنوا عن الكسب لافتقروا، لكنهم لما افتقروا تم الفناء.قال: وأنشدنا لنفسه فى المعنى. وقد أنشدها ابن الجوزى عنه أيضا. جسوم لا يلائمها البقاء … وأجزاء تخللها الثواء وكون الشئ لا ينفك يفنى … فذلك أن غايته الفناء نكب على التكاثر وهو فقر … وتعجبنا السلامة وهى داء ونجزع للشدائد وهى نصح … وتغرينا وقد عز الرجاء تنافى الناس فانتفوا اضطرارا … وقد يرجى من الداء الدّواء وعم الفقر فاستغنوا، ولولا … عموم الفقر ما عم الغناء قال: وأنشدنا لنفسه: يلذ بذى الدنيا الغنيّ ويطرب … ويزهد فيها الألمعى المجرب وما عرف الأيام والناس عاقل … ووفق إلا كان فى اليوم يرغب إلى الله أشكو همة لعبت بها … أباطيل آمال تغر وتخلب فوا عجبا من عاقل يعرف الدنا … فيصبح فيها بعد ذلك يرغب قال: وأنشدنا لنفسه - مما قاله قديما -: كل من جاء بدين غريب … غير دين الإسلام فهو كذوب وإذا عالم تكلف فى القول … بلا سنة فذاك المريب قال: وأنشدنا لنفسه: ما لنا قط غير ما شرع الله … به يعبد الإله الكريم فتمسك بالشرع واعلم بأن ال … حق فيه، وما سواه سموم ومما يذكر من شعر الوزير ﵀: تمسك بتقوى الله؛ فالمرء لا يبقى … وكل امرئ ما قدمت يده يلقى ولا تظلمن الناس ما فى يديهم … ولا تذكرن إفكا ولا تحسدن خلقا تعود فعال الخير جمعا فكلما … تعوده الإنسان صار له خلقا وذكر ياقوت الحموى فى كتابه «معجم الأدباء» بإسناد له: أن الوزير عرضتعليه جارية فائقة الحسن، وظهر له فى المجلس من أدبها وحسن كتابتها وذكائها وظرفها ما أعجبه، فأمر فاشتريت له بمائة وخمسين دينارا، وأمر أن يهيأ لها منزل وجارية، وأن يحمل لها من الفرش والآنية والثياب وجميع ما تحتاج إليه، ثم بعد ثلاثة أيام جاءه الذى باعها، وشكى إليه ألم فراقها، فضحك، وقال له: لعلك تريد ارتجاع الجارية؟ قال: إي والله يا مولانا، وهذا الثمن بحاله، لم أتصرف فيه وأبرزه، فقال له الوزير: ولا نحن تصرفنا فى المثمن، ثم قال لخادمه: ادفع إليه الجارية وما عليها، وجميع ما فى حجرتها، ودفع إليه الخرقة التى فيها الثمن، وقال: استعينا به على شأنكما، فأكثرا من الدّعاء له، وأخذها وخرج. وحكى عن الوزير: أنه كان إذا مدّ السماط فأكثر ما يحضره الفقراء والعميان، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقى رجل ضرير يبكى، ويقول: سرقوا مداسى ومالى غيره، والله ما أقدر على ثمن مداس، وما بى إلا أن أمشى حافيا وأصلى، فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه وجاء إلى الضرير، فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرفه، وقال له: البس هذا وأبصره على قدر رجلك، فلبسه، وقال: نعم، لا إله إلا الله كأنه مداسى. ومضى الضرير، ورجع الوزير إلى مجلسه، وهو يقول: سلمت منه أن يقول: أنت سرقته. وأخبار الوزير ﵀ ومناقبه كثيرة جدا. وقد مدحه الشعراء فأكثروا. وقيل: إنه رزق من الشعراء ما لم يرزقه أحد، ومن أكابرهم: الحيص بيص وابن بختيار الأبله، وابن التعاويذى، والعماد الكاتب، وأبو على بن أبى قيراط ومنصور النميرى، وخلق كثير. حتى قيل: إنه جمعت من مدائحه ما يزيد على مائتى ألف قصيدة فى مجلدات. فلما بيعت كتبه بعد موته اشتراها بعض الأعداء. فغسلها.ومن قول الحيص بيص فى مدحه رحمه الله تعالى: يفل عزب الرزايا وهى باسلة … ويوسع الجار نصرا وهو مخذول ويشهد الهول بساما وقد دمعت … شوس العيون فذم القوم إحفيل ويتقى مثل ما ترجى فواضله … وجوده، فهو مرهوب ومأمول عار من العار كاس من مناقبه … كأنه مرهف الخدين مسلول سهل المكارم صعب فى حفيظته … فبأسه والندى مر ومعسول قالى الدنايا وصبوان العلى كلف … فالعار والمجد مقطوع وموصول الملك يحيى لذى قول ومعترك … إذا تشابه مقطوع ومفلول يمضى الأسنة والأقوال ماضية … فالحبر والقرن مطرود ومفصول جواد مجد له فى فخره شبه … وفيه من واضح العلياء تحجيل يصيد وحش المعالى وهى نافرة … كأن مسعاه للعلياء أحبول ومما أنشده أبو الفتح بن الأديب فى أول يوم جلس فيه الوزير وقرئ عهده إذا قلت: ليث فهو أمضى عزيمة … وإن قلت: غيث فهو أندى وأجود من القوم ما أبقوا سوى حسن ذكرهم … وما عمروه بالجميل وشيدوا وصية موروث إلى خير وارث … إذا سيد منهم خلا قام سيد سيحييهم يحيى وما غاب غائب … إليه أحاديث المكارم تسند مناقب تحصى دونها عدد الحصى … بها يغبط الحر الكريم ويحسد ليهن أمير المؤمنين اعتضاده … برأيك والآراء تهدى وترشد هو المقتفى أمر الإله وإنه … ليصدر عن أمر الإله ويورد تمنى وزيرا صالحا يكتفى به … وأفكاره فى مثله تتردد دعا زكريا النبى كما دعا … إمام الهدى، والأمر بالأمر يعضد فخص بيحيى بعد ما خص بعده … بيحيى أمير المؤمنين محمد وهى طويلة.ومن قصيدة لأبى على بن الفلاس الشاعر أولها: الحب يهجر والطيوف تزور … وكأنما أصل الصبابة زور ظلت الملوك وقصروا عن غاية … ما نالها كسرى ولا سابور وعدلت حتى لم تدع من ظالم … يده على المستضعفين تجور فالأرض مشرقة بعدلك والندى … وصباح عدلك ماله ديجور قد روضت بالمكرمات كأنما … كل البلاد خوريق وسدير ولنصر النميرى: أعلقت من يحيى رجائى لمن … تحتكم الآمال فى وفره وكان عون الدين أحرى الورى … بنصرة الحر على دهره وزير صدق عم إحسانه … فأجمع الناس على شكره أبهة الملك على وجهه … وخشية الرحمن فى سره يربى على الغيث ندى كفه … ونائل المرء على قدره قال ابن الجوزى: كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه. ثم صار يسأل الله ﷿ الشهادة، ويتعرض بأسبابها. وكان الوزير ليس به قلبة فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة، ونام ليلة الأحد فى عافية، فلما كان وقت السحر قاء، فحضر طبيب كان يخدمه، فسقاه شيئا، فيقال: إنه سمه فمات، وسقى الطبيب بعده بنحو ستة أشهر سما، فكان يقول: سقيت كما سقيت، فمات. قال: وكنت فى تلك الليلة رأيت فى النوم مع انشقاق الفجر والوزير كأنه فى داره، ودخل رجل بيده حربة فضربه بها، فخرج الدم كالفوار فضرب الحائط، ورأيت هناك خاتما من ذهب ملقى. فلما استيقظت أخبرت من معى بالحديث، فما استتممته حتى جاء الخبر بموت الوزير، ونفذ إلى من داره، فحضرت وأمرنى ولداه أن أغسله فغسلته، فرفعت يده ليدخل الماء فى مغابنه، فسقط الخاتم من يدهحيث رأيت ذلك الخاتم، فتعجبت من وجهه، ورأيت فى وقت غسله آثارا بوجهه وجسده، تدل على أنه مسموم، وحملت جنازته يوم الأحد إلى جامع القصر، وصلّى عليه، ثم حمل إلى مدرسته التى أنشأها بباب البصرة، فدفن بها. وغلقت يومئذ أسواق بغداد. وخرج جمع لم نره لمخلوق قط فى الأسواق، وعلى السطوح وشاطئ دجلة، وكثر البكاء عليه؛ لما كان يفعله من البر، ويظهره من العدل. وذكر مصنف سيرته: أنه كان ثار به بلغم وهو فى قصره بالخالص، ثم خرج مع المستنجد للصيد، فسقى مسهلا لأجل البلغم، فاستأذن الخليفة فى الدخول إلى بغداد للتداوى، فأذن له، فدخل يوم الجمعة فى موكب عظيم. وصلّى الجمعة وحضر الناس عنده يوم السبت. فلما كان وقت صلاة الصبح يوم الأحد عاوده البلغم، فوقع مغشيا عليه، فصرخ الجوار، فأفاق فسكتهن. وقيل: له إن أستاذ الدار ابن رئيس الرؤساء، قد بعث جماعة ليستعلم ما هذا الصياح؟ فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال، وأنشد متمثلا: وكم شامت بى عند موتى جاهل … بظلم يسل السيف بعد وفاتى ولو علم المسكين ماذا يناله … من الضرّ بعدى مات قبل مماتى قلت: وكذا وقع، فإن البليدى الذى تولى الوزارة بعده لم يبق من الأذى لبيت رئيس الرؤساء ممكنا. قال: ثم تناول مشروبا فاستفرغ به، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة، وصلّى قاعدا، فسجد فأبطأ عن القعود من السجود، فحركوه فإذا هو ميت. ﵀ ورثاه جماعة من شعرائه - منهم: النميرى - بقصائد. منها قوله: ألمم على جدث حوى تاج الملوك وقل: سلام … واعقر سويد الضمير، فليس يقنعنى السوام وتوق أن يثنى حيا دمع عينيك أو ملام … إن التماسك والوقار بمن أصيب به حرامفإذا ارتوت تلك الجنادل من دموعك والرغام … فأقم صدور اليعملات فبعد يحيى لا مقام ذهب الذى كانت تقيدنى مواهبه الجسام … وإذا نظرت إليه لم يخطر على قلبى السآم غاض الثدى الفياض عن راحتيه واشتد الأوام … وتفرقت تلك الجموع وقوضت تلك الخيام ولقد عهدت أبا المظفر ذا علا لا يستضام … يثب القعود إذا بدا ويقبل الأرض القيام ما للنفوس من الحمام إذا ألم بها اعتصام … عجبا لمن يغتر بالدنيا وليس لها دوام عقبى مسرتها الأسى، وعقيب صحتها السقام … انظر إلى أبواب عون الدين يعلوها القتام وكان عون الدين لم يك للزمان به ابتسام … لله ما عدمت به الدنيا وما حوت الرجام لا غرو؟؟؟ أن أدمى الجفون لفقدك الدمع الجسام … إن المكارم بعد موتك ما لفرقتها التئام ما مت وحدك يوم مت، وإنما مات الأنام … حياك رقراق النسيم وجاد مثواك الغمام بأبى لك الإحسان إن أنسأك والشيم الكرام … وببعض حقك إن حزنى فيك ليس له انصرام وأنشد بعض الشعراء يوم موته: مات يحيى ولم نجد بعد يحيى … ملكا ماجدا به يستعان وإذا مات من زمان كريم … مثل يحيى به يموت الزمانقال مصنف سيرته: حدثني أبو حامد أحمد بن عيسى الفقيه الحنبلى ابن الشيخ الصالح أبو عبد الله بن زفر، قال: رأيت فى المنام - وأنا بأرض جزيرة ابن عمر - كأن جماعة من الملائكة يقولون لى: قد مات فى هذه الليلة ببغداد ولى من أولياء الله تعالى فاستيقظت منزعجا، فحدثت بالمنام الجماعة الذين كانوا معى، وأرخنا تلك الليلة فلما قدمت بغداد سألت: من مات فى تلك الليلة؟ فقيل لى: مات بها الوزير عون الدين بن هبيرة. قال: وحدثنى الشيخ الصالح محمود بن النعالى المقرئ الزاهد، قال: كنت دائما إذا ذكرت الوزير عون الدين بن هبيرة أقول: اللهم هبه، واستوهب له. قال: ومضى على ذلك زمان، فرأيت فى النوم كأننى قد دخلت إلى مدرسته لزيارة قبره، وإذا هو نائم على القبر، فقال: يا محمود، إن الله وهنى واستوهب لى. وحدثنى الوزير أبو شجاع محمد بن الوزير أبى منصور محمد ابن الوزير أبى شجاع محمد، قال: كنت كثير الوقوع فى الوزير ابن هبيرة، فرأيته فى المنام فى بستان لم أر له فى الدنيا شبيها، ومعه ملك يجنى له من ثماره، ويترك فى فمه، فهممت بدخول البستان، فصاح الملك علىّ، وقال: هذا البستان قد وهبه الله تعالى لهذا بعد أن غفر له، فلا سبيل لأحد أن يدخله إلا بإذنه. فاستيقظت مرعوبا، وتبت إلى الله ﷿ من ذكره، إلا بالرحمة عليه، والاستغفار له. قال: وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الواحد المقرئ قال: رأيت الوزير ابن هبيرة فى النوم، فسألته عن حاله؟ فأجابني بهذين البيتين: قد سألنا عن حالنا فأجبنا … بعد ما حال حالنا وحجبنا فوجدنا مضاعفا ما كسبنا … ووجدنا ممحصا ما اكتسبنا وهذه الأبيات رواها ابن النجار عن ابن الدبيثى عن أبى شجاع محمد بن على المؤدب، قال: سمعت أبا القاسم السلاحى، قال رأيت الوزير فى النوم فذكرها. قال صاحب سيرته: ولو استقصيت ما ذكر له من المنامات الصالحة لجاءت بمفردها كتابا ضخما.أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرازق بن أحمد الشيبانى الزاهد - بقراءتى عليه ببغداد سنة تسع وأربعين وسبعمائة - أخبرنا الحافظ أبو عبد الله أحمد بن محمد الأنجب بن الكسار - سماعا - أخبرنا العلامة أستاذ دار الخلافة أبو محمد يوسف ابن الحافظ أبى الفرج بن الجوزى، أخبرنا أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو محمد عبد الله بن المستنصر بالله أبى جعفر منصور بن الظاهر بن الناصر، أخبرنا أبو على الحسن بن المبارك الزبيدى ح وأخبرناه - عاليا - أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم المصرى بها، أخبرنا سفير الخلافة أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ قالا: أخبرنا الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد ابن هبيرة قال: قرأت على الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين أبى عبد الله محمد ابن المستظهر بالله بن المقتدى، قلت له: حدثكم أبو البركات أحمد بن عبد الله الشيبى، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الصيرفى، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، حدثنا إسماعيل بن العباس الوراق، حدثنا حفص بن عمرو الربالى، أخبرنا المبارك بن سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس». وفى هذا الإسناد سلسلة عجيبة بالخلفاء والملوك.— · 1 entry
يَحْيى بن محمد (٠٠٠ - ١٣٥ هـ = ٠٠٠ - ٧٥٢ م) يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: أمير. كان في جملة القائمين على بني مروان، فلما ظهرت العباسية ولاه السفاح إمرة الموصل، ثم نقله إلى إمرة فارس، فأقام بها إلى أن توفي. وكان شجاعا عاقلا (٢) .