كمال الدين الأدفوي - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 441, entry [360]13,528 chars
(٣٣١ - على بن وهب ابن دقيق العيد القشيرىّ (¬*)) علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ، الشّيخ مجد الدّين أبو الحسن المنفلوطىّ ثمّ القوصىّ، الشهير بابن دقيق العيد، جمع بين العلم والعمل والعبادة، والورع والتّقوى والزّهادة، والإحسان إلى الخلائق مع اختلافهم، وبذل المجهود فى اجتماع قلوبهم وائتلافه…
▸ expand full passage (13,528 chars)(٣٣١ - على بن وهب ابن دقيق العيد القشيرىّ (¬*)) علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ، الشّيخ مجد الدّين أبو الحسن المنفلوطىّ ثمّ القوصىّ، الشهير بابن دقيق العيد، جمع بين العلم والعمل والعبادة، والورع والتّقوى والزّهادة، والإحسان إلى الخلائق مع اختلافهم، وبذل المجهود فى اجتماع قلوبهم وائتلافهم، أتى إلى الصّعيد، فى طالع لأهله سعيد، فتمّت عليهم بركاته، وعمّتهم علومه ودعواته، وكان مذهب الشّيعة (¬٣) فاشيا فى ذلك الإقليم، فأجرى مذهب السّنّة على أسلوب حكيم، وزال الرّفض (¬٤) وانجاب، وثبت الحقّ حتّى لم يبق فيه شكّولا ارتياب، وارتحل النّاس إليه من سائر الأقطار، وقصدوه من كلّ النّواحى والأمصار، وتخرّج عليه جماعة حتّى غدوا من أعيان الفقهاء [الأفاضل] الأماثل، وبرعوا فى الفضائل، حتّى لا يكاد يوجد لهم نظير ولا مماثل. حكى لنا أنّ النّجيب بن هبة الله القوصىّ، لمّا بنى مدرسته التى بقوص فى سنة سبع وستّمائة، أشار عليه الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ (¬١) ابن الصبّاغ، أن يحضر إليها الشّيخ مجد الدّين (¬٢)، وأشار بإحضاره أيضا إلى قوص الشّيخ المقترح، (¬٣) فأرسل إليه فحضر، وجرى من الخير بسببه ما جرى به القدر. سمع الحديث على شيخه أبى الحسن ابن المفضّل المقدسى الحافظ، وعنه أخذ الفقه على مذهب الإمام مالك والأصول، وسمع على الشّيخ بهاء (¬٤) الدّين ابن بنت الجمّيزى، وعنه أخذ الفقه على مذهب الإمام الشافعىّ، وحدّث عن شيخه المقدسىّ، وعن أبى روح عبد المعزّ بن محمد ابن أبى الفضل الأنصارىّ. حدّث عنه ولداه الشّيخ تقىّ الدّين، والشّيخ سراج الدّين موسى، وتلميذه الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، والعلّامة جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، والحافظ منصور ابن سليم، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ، وشيخنا قاضى القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة، والشّيخ تاج الدّين محمد بن الدّشناوىّ، والشّيخ المعمّر المسند أبو نعيم أحمد ابن التّقىّ عبيد وغيرهم.حدّثنا شيخنا تاج الدّين مفتى المسلمين محمد ابن الشّيخ الإمام العلّامة مفتى المسلمين جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، وهو أوّل/ حديث سمعته منه، حدّثنا شيخنا الإمام العالم الزّاهد مجد الدّين مفتى المسلمين أبو الحسن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ بن المفضّل المقدسىّ الحافظ مفتى المسلمين، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا شيخنا الحافظ مفتى المسلمين أبو الطّاهر أحمد السّلفىّ (¬١)، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا الشّيخ أبو محمد جعفر ابن الحسين بن السرّاج اللغوىّ ببغداد، وهو أوّل حديث سمعته منه، أخبرنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السّجزىّ الحافظ، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا عبد الرّحمن ابن بشر بن الحكم، وهو أوّل حديث سمعته منه، [أنبأنا (¬٢) سفيان بن عيينة، وهو أوّل حديث سمعته] عن عمرو بن دينار، عن أبى قابوس، مولى لعبد الله بن عمرو ابن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّ رسول الله ﷺ قال: «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء» هذا حديث حسن أخرجه التّرمذىّ وأبو داود، وقد اتّفق فيه تسلسل من وجهين، أحدهما بالأوّلية، والثانى أنّه وقع فيه أربعة من المفتيين، اثنان شافعيّان واثنان مالكيّان، شيخنا تاج الدّين والحافظ السّلفىّ شافعيّان، وشيخ شيخنا مجد الدّين وشيخه أبو الحسن المقدسىّ مالكيّان. حدّثنا الشّيخ المسند المعمّر أبو نعيم أحمد ابن الحافظ عبيد (¬٣) الله بن محمد بن عبّاس الإسعردىّ، قراءة عليه وأنا أسمع، أنبأنا المجد ابن دقيق العيد، أخبرنا أبو روح عبد المعزّ بن محمد ابن أبى الفضل الأنصارىّ إجازة، [أخبرنا أبو القاسم تميم بن سعيدابن أبى العبّاس المقرى الجرجانىّ قراءة عليه وأنا أسمع] أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن أبى حفص بن مسرور، حدّثنا الشّيخ أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد ابن يوسف السّلمىّ، أخبرنا يوسف بن يعقوب ابن القاضى، أنبأنا حفص بن عمر، حدّثنا شعبة عن منصور عن أبى الضّحى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول فى ركوعه: «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لى»، هذا حديث صحيح، أخرجه البخارىّ فى صحيحه عن حفص ابن عمر. حدّثنا شيخنا العلّامة أثير الدّين محمد بن يوسف/ الغرناطىّ، حدّثنا الشّيخ الفقيه الإمام العالم المتقن مفتى الفريقين الحافظ الناقد تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشّيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزّاهد مجد الدّين أبى الحسن علىّ ابن أبى العطايا وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة، إملاء من لفظه يوم الأحد ثانى شهر رمضان المعظّم سنة ستّ وثمانين وستّمائة، بمنزله من دار الحديث الكامليّة (¬١) بالمعزّية، أخبرنا والدى ﵀، أخبرنا الحافظ أبو الحسن علىّ بن المفضّل المقدسىّ، أخبرنا الشّريف أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن العثمانىّ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمىّ، أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن سعيد بن نفيس المقرى، أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد الجوهرىّ، أخبرنا أحمد بن محمد المكىّ، حدّثنا القعنبىّ عن مالك، عن خبيب (¬٢) بن عبد الرّحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب،عن أبى هريرة- أو عن أبى سعيد الخدرىّ- أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنّة، ومنبرى على حوضى (¬١)». وبه إلى الجوهرىّ أخبرنا محمد بن أحمد الذهلىّ، أخبرنا أبو خليفة، عن عبد الله، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عبّاس «أنّ رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثمّ صلّى ولم يتوضأ». وبه إلى الجوهرىّ أخبرنا أحمد بن محمد المكىّ، أنبأنا علىّ، أنبأنا القعنبىّ عن مالك عن زيد بن أسلم، عن أبى وعلة المضرىّ، عن عبد الله بن عبّاس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». الحديث الأوّل أيضا وقع فيه أربعة علماء بعضهم عن بعض: شيخنا أثير الدّين، عن شيخه تقىّ الدّين، عن والده مجد الدّين، عن الحافظ المقدسىّ. وللشّيخ مجد الدّين أحوال نشير إلى بعضها، كان ﵀ كثير الشّفاعة حتّى قيل إنّه تردّد إلى والى قوص مرّات كثيرة فى يوم وهو لا يقبل شفاعته، وأنّه فى آخر شفاعته قال: هذا الرّجل ما يشفع إلّا لله، رددت شفاعته مرّات وهو يعود، حتّى حكى بعض أصحابنا أنّ أولاد الشّيخ عزّ عليهم كثرة تردّده إلى الولاة فى الشّفائع وقالوا: هذا فيه بهدلة، خذوا ثوبه الذى يخرج به أخبئوه، ففعلوا ذلك، فجاءه شخص وشكا/ له حاله وسأله أن يتوجّه معه إلى الوالى، فطلب ثوبه فلم يجده، وعرف الخبر، فتألّم ذلك الشّخص، فقال الشّيخ: أنت تعرف أنّه متى توجهت معك ينقضى شغلك؟ فقال: والله يا سيّدى متى رحت معى حصل المقصود، فمشى معه بثوبه الذى هو عليه، فقال أولاده: هذا مالنا فيه حيلة، خلّوه على سجيّته.وأخبرنا شيخنا تاج الدّين أبو الفتح محمد بن أحمد الدّشناوىّ قال: ورد إلى قوص ناظر الدّيوان السّلطانىّ، فكان الشّيخ مجد الدّين يتردّد إليه فى حوائج النّاس، فقال له مرّة: أشتهى أن انظر ابنك تقىّ الدّين، فأراد مرّة التوجّه إليه، فقال لابنه: يا محمد هذا الرّجل تكرّر طلبه لك، امش معى فمشى ومشيت معهما، فدخلنا على النّاظر فسرّ بالشّيخ تقىّ الدّين، وكان يوما شاتيا شديد البرد، وكان أوّل النّهار، قال: فنحن فى الحديث والمقدّم دخل عليه، وقال عن بعض أصحاب المكوس إنّه ما يعطى شيئا، فقال النّاظر: خلّوا الوالى يضربه ويستخرج مال المقطعين، فبكى الشّيخ مجد الدّين وباس ركبة النّاظر وقال: بالله لا تضربوه فى مثل هذا الوقت البارد، فقال النّاظر: لا تودّوه للوالى. وحكى لى تقىّ الدّين عبد الملك (¬١) الأرمنتىّ أنّ شيخه مجد الدّين مرّ، وتقىّ الدّين عبد الملك هذا معه، فرأى كلبة قد ولدت وماتت فقال: يا تقىّ هات هذه السجّادة، فحمل الجراء وجعلها فى مكان قريب، ورتّب لها لبنا يسقيها حتّى كبرت. وأخبرنى تقىّ الدّين أيضا أنّ الشّيخ خرج يوما وقال: يا تقىّ [الدّين] تعرف بيت المستوفى؟ وكان بقوص نصرانىّ مستوف له صورة وجاه، قال: فقلت: يا سيّدى أنت تريد تمشى إلى بيت نصرانىّ، أنا أروح أحضره إليك فقال: لا، فمشيت معه إلى بيت المستوفى، فطرقت الباب فخرجت جارية، فقلت لها: قولى إنّ الشّيخ المدرّس على الباب، فدخلت وإذا بالمستوفى قد خرج حافيا وقال: يا سيّدى كنت ترسل خلفى، فقال: جئتك فى حاجة، هذا فلان الشّنهورىّ عليه راتب فى الزّرع، وهو فقير وقد عجز عنه، فقال: يا سيّدى أمحو اسمه منه، وفعل ذلك.وقال لى شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين [محمد] بن جماعة الكنانىّ رحمه الله تعالى: دخلت عليه منزله بقوص فرأيت عليه قميص برد ثوب جندىّ، فسأله شخص عن ذلك فقال: دخل علىّ/ فلان ورأيت عليه ثوبا خلقا، عورته تبدو منه، فقلعت ثوبى أعطيته، وجعلت علىّ ملحفة، فدخل فلان صاحبنا الجندىّ، وأعطانى هذا الثوب فلبسته. وحكى عنه تلميذه الإمام العلّامة بهاء الدّين (¬١) هبة الله القفطىّ أنّه كان فى سنة قد حصل فيها غلاء كبير، حتّى إنّ أكثر النّاس لا يجدون إلّا بعض البقول يقتات به قال: فسأل شيخنا مجد الدّين عن حال النّاس، فذكروا له أنّهم يقتاتون ببعض البقول فالتزم أنّه لا يأكل إلّا ممّا يأكل النّاس، وما زال يأكل منه حتّى ظهر الخبز فى السّوق، قال: وقال لى: يا بهاء الدّين رفعت عنّى شهوة المأكل فلا أبالى ما أكلت، وشهوة الملبس فلا أبالى ما لبست، وشهوة الجاه. وكان ﵀ كثير الشّفقة على خلق الله [تعالى]، حكى أصحابنا أنّه كان عنده شخص يشفق عليه، فقال له بعض أصحابه: يا سيّدى هذا فيه قلّة دين- لينقصه عنده- فقال الشّيخ: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، كنّا نشفق عليه من جهة الدّنيا، صرنا نشفق عليه من جهة الدّين. وكان ﵀ يسعى لطلبته على قدر استحقاقهم، فمن يصلح للحكم سعى له فيه، ومن يصلح للتّعديل سعى له فيه، ومن لم يصلح [لهما] سعى له فى إمامة أو فى شغل، وإلّا أخذ له على السّهمين راتبا، حتّى جاءه بعض النّاس وشكا له ضرورة، قال له: اكتب قصة للقاضى فأنا أتحدث معه، فكتب: «المملوك فلان يقبّل الأرض،وينهى أنّ المملوك فقير [الحال] ومضرور- وكتب (مظرور) بالظّاء- وقليل الحظّ- وكتبه بالضاد-»، وناولها للشّيخ، فتبسّم وقال: يا فقيه ضرّك قائم وحظّك ساقط. وكان فيه مع تورّعه وتقشّفه بسطة، حكى لى صاحبنا القاضى الفقيه العالم ناصر الدّين عبد القادر (¬١) ابن أبى القاسم الأسنائىّ قال: حكى لى شيخنا بهاء الدّين القفطىّ قال: وجدت مسئلة خلافيّة فى كرّاسة، فغلقت بابى ونظرت فيها، وكان يوم النّوروز والطلبة يلعبون ويبتلّون بالماء، وطلبوا منّى الخروج إليهم وموافقتهم فامتنعت، واشتغلت بالمسألة، فصاروا يصبّون الماء فى منزلى حتّى خشيت من أن يصل الماء إلىّ، فكتبت ورقة للشّيخ وناولتها للجارية، فدخلت ثمّ رجعت إلىّ، وقد كتب الشّيخ: «هذا جزاء من ترفّع على أصحابه»، وجاء بعض الطلبة/ إليه وقال: «يا سيّدى هؤلاء الفقهاء يلقّبونى (¬٢) بوجه سبع الحوض» فنظر إليه [الشّيخ] وقال: «ما أبعدوا … ». وكان كثير الإحسان إلى الخلق، من عرف ومن لم يعرف، حكى الشّيخ عبد الغفّار (¬٣) بن أحمد بن نوح، أنّ صهر الشّيخ مجد الدّين، وهو جمال الدّين ابن التّيفاشى (¬٤)، قال له: جاء شخص للشّيخ وطلب منه شيئا ويعيده فى الحصاد- وكان النّاس يودعون عند الشّيخ- فأعطاه، فلمّا كان الميعاد لم يعط ذاك الشخص شيئا، فبعد مدّة سنة حضر ذاك الشّخص، وطلب منه شيئا ليعيده مع الماضى وفت الحصاد، واعتذر عن الأوّل، فقال صهره: قال لى الشّيخ: ادخل وأعطه، فقلت: يا سيّدى ما كفى ما اتّفق فى الماضى، فقال: سبحان الله! لو كانت الحاجة لك كنت تقول كذا … ؟! وأعطاه.وكان مستغرقا فى الفكرة فيما ينفعه فى الآخرة: حكى التّقىّ عبد الملك (¬١) أنّه لمّا دخل الشّيخ على زوجته كان عندهم ملاهى، قال فتعجبنا من الشّيخ، فلمّا أصبحنا قلنا له عن ذلك فقال: كان عندهم شئ!؟ منذ دخلت أنا اشتغلت بقراءة القرآن، فقرأت كذا وما سمعت شيئا … ! ومناقبه كثيرة وموارده فى العلم غزيرة، وكان يقرئ المذهبين مذهب مالك والشافعىّ، والأصولين، واختصر «المحصول (¬٢)» اختصارا جيّدا، وحكى عنه أصحابه أنّه كان يحفظ فى الأدب «زهر الآداب (¬٣)». وكان له شعر قدّمت منه شيئا فى ترجمة تلميذه الشّيخ جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، ورأيت بخطّه هذين البيتين، وأنشدنيهما الشّيخ أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف، أنشدنى أبو الفتح موسى (¬٤) بن علىّ بن وهب [بن مطيع] أنشدنا والدى لنفسه هذين البيتين: وزهّدنى فى الشّعر أنّ سجيّتى … بما يستجيد النّاس ليس تجود ويأبى لى الخيم (¬٥) الشّريف رديّه … فأطرده عن خاطرى وأذود وأنشدنى شيخنا أثير الدّين أيضا، أنشدنا أبو الفتح موسى، أنشدنا والدى لنفسه: أقول لدهر قد تناهى إساءة … إلىّ ولكن للأحبّة أحسنا ألادم على الإحسان فيمن نحبّهم … فإنهم الأولى ودع عنك أمرنا/ وله نثر جيّد، وقفت على عدة «أجائز» لطلبته نثر فيها [نثرا] جيّدا، ومن أحسنها إجازة شمس الدّين عمر (¬١) بن المفضّل بالفتوى والتّدريس، نقلتها من خطّه، ابتدأها بعد سؤال شمس الدّين له الإجازة فقال: «استخير الله تعالى فى الإيراد والإصدار، وأعتصم به من آفتى التّقصير والإكثار، وأستغفر الله فيما فرط فى الجهر والإسرار، وأقول: «إنّى ذاكرت فلانا زيّنه الله بالتّقوى، وحرسه فى السرّ والنّجوى، فى فنون من العلوم الشّرعية، العقليّة والنّقليّة، فألفيته يرجع إلى معقول صحيح، ومنقول صريح، واطّلاع على المشكلات، واصطلاع بحلّ المعضلات، لا سيّما فى فقه المذهب. فإنّه أصبح فبه كالعلم المذهب، وقام بعلم العربيّة والتّفسير، فصار فيهما العالم النّحرير، وقد أجبته إلى ما التمس، وإن كان غنيّا بما حصّل واقتبس، فليدرس مذهب الإمام الشافعىّ رضى الله عنه لطالبيه، وليجب المستفتى بقلمه وفيه، ثقة بفضله الباهر، وورعه الوافر، وفطرته الوقّادة، وألمعيّته المنقادة، والله تعالى ينفعنا وإيّاه بما علمناه، ويرفعنا بذلك لديه فما القصد سواه». وتخرّج عليه خلق كثير، منهم أولاده الشّيخ تقىّ الدّين، والشّيخ سراج الدّين موسى، والشّيخ تاج الدّين أحمد، وتلامذته الأئمة الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، والشّيخ جلال الدّين الدّشناوىّ، والشّيخ محبّ الدّين الطّبرىّ، والشّيخ ضياء الدّين جعفر (¬٢) بن محمد بن عبد الرّحيم الحسينىّ، والنّجيب (¬٣) بن مفلح، كلّ هؤلاء علماء فضلاء شيوخ، وتليهم جماعة [قضاة] كالقاضى شمس الدّين أحمد (¬٤) بن قدس، والقاضىالفقيه سراج الدّين يونس (¬١) الأرمنتىّ، والقاضى نجم الدّين أحمد (¬٢) بن ناشى، كلّهم أيضا فقهاء مفتيون، ومن الغريب أنّه مالكىّ المذهب، والذين تخرّجوا عليه شافعيّة، لا نعرف مالكيّا انتفع به ذلك الانتفاع. وكان ﵀ كثير الصّوم يصوم الدّهر، ملازما لقيام الليل، كثير التّلاوة حتّى حكى عنه تلميذه الشّيخ بهاء الدّين (¬٣) أنّه كان كلّ يوم يختم القرآن العظيم مرّتين مع شغله. وتولّى الحكم بأسيوط ومنفلوط وعملهما، رأيت مكتوبا عليه فى سنة ثنتى عشرة وستّمائة، ولمّا ولّى السّبكىّ (¬٤) قضاء القضاة بالدّيار المصريّة، فوّض إلى الشّيخ ما فوّض إليه. وصنّفت/ تلامذته فى حياته، وصنّف الشّيخ بهاء الدّين فى حياته «شرح الهادى» ورأيت خطّ الشّيخ على تصنيفه، ونفع الله به خلقا كثيرا، وأظهر به فضلا كبيرا، وكشف به غمّا، وأنار به أبصارا عميا، وأسمع به آذانا صمّا. ولد بمنفلوط فى شهر رمضان المعظّم سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفّى بقوص يوم الأحد بعد الظّهر ثالث عشر المحرّم سنة سبع وستّين وستمائة، وقبره بظاهرها يزار، زرته مرّات والحمد لله.وأخبرنى بعض الجماعة أنّه قبل موته بأيام، تذاكر هو وأصحابه جماعة ممّن مات، فلمّا بات تلك الليلة رأى قائلا ينشده: أتعدّ كثرة من يموت تعجّبا … وغدا لعمرى سوف تحصل فى العدد ولمّا مات قصدوا دفنه بقنا، فاجتمع النّاس بقوص على ألّا يخرج من عندهم، وصارت ضجّة، فدفن بظاهرها. وسبب تسمية جدّه «دقيق العيد» أنّه كان عليه يوم عيد طيلسان شديد البياض، فقال بعضهم: كأنّه دقيق العيد، فلقّب به رحمه الله تعالى. وكان من الأولياء، حكى تلميذه البرهان المالكىّ أنّه توجّه فى خدمته إلى الأقصر، لزيارة الشّيخ أبى الحجّاج (¬١)، فقدموا وقت المساء، فقال الشّيخ: ما نقدم على الفقراء عشاء، فنزلوا فى مكان، فلمّا كان بعد ليل طرق الباب فخرجوا فوجدوه الشّيخ أبا الحجّاج فقال: رأيت النبىّ ﷺ فقال: الفقيه أبو الحسن قدم، قم فسلّم عليه … ! وقد حكاها الشّيخ عبد الغفّار (¬٢) فى كتابه، وفضائله لا تحصر، ومناقبه أشهر من أن تذكر، رحمه الله تعالى.