legacy full passagepage 589, entry [229]5,160 chars
[١٩٦ - أبو الحسن الأشعري (¬١)] الإمام الكبير، الشَّيخ العالم النِّحرير، صاحب الأصول، والمبرز في المعقول والمنقول، إمام أهل السنَّة والجماعة، حجة الله على أهل الضلال والطائفة المبتدعة، علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشع…
▸ expand full passage (5,160 chars)▾ collapse
[١٩٦ - أبو الحسن الأشعري (¬١)] الإمام الكبير، الشَّيخ العالم النِّحرير، صاحب الأصول، والمبرز في المعقول والمنقول، إمام أهل السنَّة والجماعة، حجة الله على أهل الضلال والطائفة المبتدعة، علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، شيخ الطائفة الأشعرية، أبو الحسن الأشعري. قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنحل": وسمعت من عجيب الاتفاقات: أنَّ أبا موسى الأشعري ﵁ كان يقرِّر ما يقرِّره أبو الحسن علي (¬٢) الأشعري في مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عَمْرو بن العاص وبينه، فقال عمرو (¬٣): إن أجد أحدًا أخاصم إليه ربي، فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، قال عَمْرو: يقدِّر عليَّ بشيء (¬٤) ثم يُعذِّبني عليه، قال: نعم، قال عَمْرو: ولِمَ؟ قال: لأنه لا يظلمك، فسكت عَمْرو، ولم يحر جوابًا، انتهى (¬٥).وكان أبو الحسن الأشعري ربيب أبي علي الجُبَّائي المعتزلي، وهو الذي ربَّاه وعلمه علم الكلام، وكان حنفي المذهب معتزلي الكلام، ثم هداه الله تعالى، فأعرض عنه، وصار إمام السنة والجماعة، ونصر مذهبهم، ومهد الأصول، وشيدها بالمنقول والمعقول. ولد سنة سبعين ومئتين بالبصرة ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمئة ببغداد، ودفن بين الكرخ وباب البصرة، ذكره أصحاب الطبقات من أصحاب الحنفيَّة، وذكره عبد القادر أيضًا في "الجواهر المضية". وقال تاج الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية" بعد ذكره فيها: وقد زعم بعض المالكيَّة أنّ الشَّيخ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين كان مالكيًّا، وهو وهم، إنّما كان شافعيًّا، تفقَّه على أبي إسحاق المَرْوَزِي، وقد ذكر الشَّيخ أبو محمد الجويني وغيره أنه كان شافعيًّا. واعلم أنّ الاختلافات في الأصول الكلامية والعقائد الدينية حدث في آخر أيام الصحابة، أبدع معبد الجهني (¬١) وغيلان الدِّمشقي (¬٢) ويونس الأسواري القول بالقدر، قال ابن قتيبة في "المعارف": كان غيلان الدِّمشقي قِبطيًّا قدريًّا، لم يتكلم أحد في القدر قبله ويدعو إليه إلا معبد الجهني، وكان غيلان يكنى أبا مروان، فأخذه هشام ابن عبد الملك فصلبه بباب دمشق، وكانوا يرون أنّ ذلك بدعوة عُمَر بن عبد العزيز عليه، انتهى. وعن الأوزاعي: أول من تكلم في القدر معبد ثم غيلان بعده، انتهى.ثم نسج على منوالهما واصل بن عطاء، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلميذه عَمْرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل، القدر، وكان عَمْرو [من دعاة] يزيد الناقص أيام بني أمية. والوعيدية من الخوارج والمرجئة من الجبرية. والقدرية ابتدعوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول بالمنزلة (¬١) بين المنزلتين، فسُمِّي (¬٢) هو وأصحابه معتزلة. (وقد تلمذ له زيد بن علي، وأخذ الأصول عنه، فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة) (¬٣). ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فُسِّرَت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمنهاج الكلام، وأفردتها فنًّا من فنون العلم، وسمتها بالكلام. وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر وافق الفلاسفة في أنَّ الباري عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة وقدرته ذاته (¬٤)، وأبدع بدعًا في الكلام والإرادة وأفعال العباد، والقول بالقدر والأجل والأرزاق، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات. ثم إبراهيم بن سيَّار النَّظَّام، كان في أيام المعتصم غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة، وانفرد عن السلف ببدع في القدر، ومن أصحابه محمَّد بن شبيب (¬٥) وأبو شمر،وموسى بن عمران، والفضل الحدثي (¬١) وأحمد بن خابط (¬٢)، ووافقه الأسواري في جميع (¬٣) ما ذهب إليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب جعفر بن المبشر وجعفر بن حرب. ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين (¬٤) من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظلم، إلى غير ذلك مما انفرد به عن أصحابه. وتلمذ له أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف بقولهم بقدم القرآن. وتلمذ له الجعفران، وأبو زيد ومحمَّد بن سويد صاحب المردار، وأبو جعفر الإسكافي وعيسى بن هشام صاحب (¬٥) جعفر بن الحرب الأشج. وممن بالغ في القول بالقدر هشام بن عَمْرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا (¬٦) في إمامة علي ﵁ بقولهم: إنَّ الإمامة لا تنعقد إلا بالإجماع منالأمة، والفوطي والأصم اتفقا على أنَّ الله تعالى يستحيل أن يكون عالمًا بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئًا، والمتأخرون منهم أبو علي الجُبَّائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري -قد لخصوا طريق أصحابهم وانفردوا عنهم بمسائل شتى. ورونق علم الكلام ابتداؤه من الخلفاء العبَّاسية هارون والمأمون والمعتصم والمتوكل والواثق، وانتهاؤه بالصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة. وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين بمثل صراد بن عمرو وحفص الفرد (¬١) والحسين النجار. ومن المتأخرين خالف الشيوخ في مسائل، وبدع جهم بن صفوان في أيام نصر ابن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ (¬٢)، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو. وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصِّفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي بل عن قول إقناعي، ويسمون الصفاتية مشبِّهة، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم الكلام على قول ظاهر. وكان عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العبَّاس القلانسي والحارث المحاسبي أثبتهم إيقانًا وامتنهم كلامًا، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعريوبين أستاذه أبي علي الجُبَّائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورًا لم يخرج عنها بجواب، فأعرض عنه، وانحاز إلى طائفة السلف، ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية، فصار ذلك مذهبًا مقررًا، وقرر طريقته جماعة من المحقِّقين، مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف، (والله أعلم) (¬١). * * *