legacy full passagepage 6570, entry [4007]5,244 chars
هلال بن الأسعر المازني العمروي (¬٣) بما أخبر عنه الأصفهاني في تاريخه أن هلالًا كان شاعرًا إسلاميا من شعراء الدولة الأموية وأدرك الدولة العباسية ولكن الذي لفت أنظار الناس إليه ليس شعره فحسب بل أمور كثيرة اشتهر بها دون غيره منها أنه كان رجلًا شديد الخلقة أكولا معدودًا في الأكلة المعروفين بكثرة الأكل، …
▸ expand full passage (5,244 chars)▾ collapse
هلال بن الأسعر المازني العمروي (¬٣) بما أخبر عنه الأصفهاني في تاريخه أن هلالًا كان شاعرًا إسلاميا من شعراء الدولة الأموية وأدرك الدولة العباسية ولكن الذي لفت أنظار الناس إليه ليس شعره فحسب بل أمور كثيرة اشتهر بها دون غيره منها أنه كان رجلًا شديد الخلقة أكولا معدودًا في الأكلة المعروفين بكثرة الأكل، وأعظم شعره في الحروب وأنَّه كان ممن عمر طويلًا فلقي أمورًا شديدة يشيب منها الوليد، وإليك أيها القارئ الكريم نموذجًا منها:١ - الصبر على الجوع (¬١) فقد كان يسرح مع الإبل ويرد معها بدون زاد وإذا ورد إلى أهله أكل ما وجد عندهم ثم رجع معها لا يتزود بطعام ولا شراب صيفا أو شتاء حتى يرجع معها وهكذا. ٢ - أما الأكل فقد سأله رجل مرة ما أشد أكلة أَكلتها بلغتني عنك؟، فقال: رجعت مرة ومعي بعيري، فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري ثم أردت امرأتي فعجزت، فقالت ويحك كيف تصل إلى وبيني وبينك بعير فقال السائل كم تكفيك هذه الأكلة؟، فقال: أربعة أيام بلياليها. ٣ - وقص آخر من عشيرته من بني مازن فقال: أتانا هلال فأكل جميع ما في بيتنا فاقترضنا من جيراننا فلما رأى الخبز قد اختلف قال كأنكم أرسلتم إلى الجيران تستعينون بهم أعندكم من سويق أي الدقيق من الحنطة - قلنا عندنا فجيء بجراب به دقيق وإناء فيه سمن فصب السمن على الدقيق فمزجها فأكل ما جئنا به. ٤ - مر على رجل من قومه بني مازن في البصرة وقد حمل من بستانه رطبًا في أوعية فجلس على وعاء منها وقد كدس فيه الرطب وغطى بالحصر المنسوج من القصب فقال له يابن العم هل آكل من رطبك هذا؟ قال: نعم، قال: آكل ما يكفيني؟ قال: نعم، كل ما يكفيك. فجلس على صدر الوعاء وجعل يأكل إلى أن اكتفى ثم قام وانصرف فلما كشف صاحب الرطب الوعاء فإذا هو مملوء بالنواء وقد أكل رطبه ووضع النوى مكانه. ٥ - سألة سائل عن أعجب شيء أكله فقال (٢٠٠) (¬٢) مائتي رغيف مع وعاء ملح قدره صاع ونصف أي ثمانية أرطال. ٦ - ودعاه رجل من بني مازن إلى وليمة وأحضر عشر قصاع ثريدا من جزور إلى هلال وإلى من حضر من القوم ولما جلس المدعوون قدمت إليهم جفنة فأكلها ثم أخرى ثم ثالثة وهكذا حتى آتي على العشر كلها ثم طلب الماءفأحضروا له قربة ماء ففرغها كلها في جوفه ثم قام فخرج والنّاس في ذهول من صنيعه ثم استعادوا الأكل بعده. أما طوله فقد قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت هلالًا وهو ميت ولم أره وهو حي، فما رأيت أحدًا أطول منه، ونقل الأصفهاني أنه كان عادي الخلق؛ أي عملاقًا ضخم الجسم شبهه الناس بأهل عاد المذكورين في القرآن. أما قوته الرهيبة التي كانت مثار العجب للناس جميعًا الذين كانوا في عصره حيث إنه لما قدم إلى المدينة وسمع به الوالي الأموي فاستدعاه فلما مثل بين يديه رأى بجانبه رجلًا أصفر لم ير قط أشد منه خلقا ولا أغلظ منه عنقا ما يعرف طوله من عرضه فقال الأمير للأسعري: إن هذا العبد لم يترك في المدينة رجلًا إلا صرعه فخذ بثأر العرب فأجابه: جعلني الله فداك يا أيها الأمير إني لتعب وجائع الآن فإن رأى الأمير أن يتركني اليوم حتى أضع عن رحلي (إبلي) وأؤدي أمانتي وأريح يومي هذا وأجيئه غدًا فليفعل، فأمر الأمير أعوانه فانطلقوا معه إلى إبله وأراحوها وأدى أمانته ثم ذهبوا به إلى المطبخ فأشبعوه فقال هلال: ولما جاء الغد (¬١) قدمت إلى بيت الأمير وإذا عليه يعني الأمير ملابس صوف وكساء غليظ مهلهل مربع أخضر فسلمت عليه فرد علي السلام وقال للأصفر قم إليه، فقد أرى أنه أتاك الله بما يخزيك فقال لي العبد البس الإزار يا أعرابي فقلت له ليس عندي إزار فدعا الأمير بملحفة ما رأيت ولا لبست مثلها والتحفت بها وأخذ العبد يدور حولى وأنا منه وجل أي خائف ولا أدري كيف أصنع به ودنا مني فنقد جبهتي بظفره نقدة حتى ظننت أنه قد شجني فغاظني ذلك، فجعلت أنظر إلى خلقه وبما أقبض منه فما وجدت في جسمه شيئًا أصغر من رأسه فوضعت إبهامي في صدغه وأصابعي الأخرى في أصل أذنيه ثم غمزتها غمزة صاح منها قائلًا قتلني قتلني: فقال الأمير أغمز رأس العبد في التراب فقلت لك، فضحك الأمير حتى استلقى وأمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت وقد أخذت بثأر العرب من هذا العبد. وكان قمير بن سعد مشرفًا على جميع الصدقات من البكريين فوجد عندهم رجلًا سرق صدقة فأخذه ليحبسه فحال قوم السارق بينهما. وكان هلال حاضرًافلما رأى ذلك وثب على البكريين فجعل يأخذ الرجلين فيضربهما ببعضهما ويناطح بين رأسيهما فانتهى إلى تفريق قوم السارق. وتحدث (¬١) رجل من بني مازن بن عمرو بن تميم فقال: كنت يومًا مع هلال فدفعنا إلى قوم من بكر وقد طوينا وعطشنا وإذا نحن بفتية قد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالًا استهانوا به لخلقته وقامته فاقترح أحدهم عليه أن يتصارعا فاعتذر بجوعه وأنَّه ضيف عندهم وخير من هذا أن تعدوا لي أشد فحل من إبلكم وأهيبه صوله وإلى رجل منكم أشد ذراعه فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل والبعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير. فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني وإن فعلت علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك فعجبوا من مقالته وأومأوا إلى فحل هائج صائل من إبلهم فأتي هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم فأخذ إبهامه فوضعه مما فوق مشفر الفحل فضغطها ضغطة شديدة جرجر الفحل منها واستخذى ورغى ثم قال ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل فقال الشيخ يا قوم تنكبوا هذا الشيطان. والله ما سمعت الفحل يجرجر منذ دخل في سنة التاسعة قبل اليوم فلا تعرضوا لهذا الشيطان وجعلوا يعجبون وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم وكان مع هذا شاعرًا. هذه الغرائب هي أشبه بالأقاصيص (¬٢) وإن كان هناك ما يثير تعجب بعد ما تقدم لكونه شاعرا لأن الشعر خيال ورقة شعور ووحدة إحساس والشعراء يسجلون بأعصابهم المرهفة في قلوبهم كل ما يصادفهم من حوادث فيصيبهم الضمور والانكماش الجسمي عادة، ولكن هذا كان شاذا بين الشعراء شذوذه بين الأقوياء، ومن أراد الاطلاع على شعره فليرجع إلى كتاب الأصفهاني في أغانيه فقد ذكر من أبياته ٥٥ بيتًا ومنها بعدما قتل رجلًا من بني جلان العنزيين من ربيعة كان جارًا لمعاذ بن حيدة بن رزام المازني التميمي فطالبوه بالقصاص ولم يفده تضرعه لهم ففر منهم إلى اليمن وقال ينصحهم:بني مازن (¬١) لا تطردوني فإنني … أخوكم وإن جرت جرائرها يدي ولا تثلجوا أكباد بكر بن وائل … بترك أخيكم كالخليع المطرد وإن القريب حيث كان قريبكم … كيف بقطع الكف من ساعد اليد