legacy full passagepage 1816, entry [1261]5,613 chars
نصر بن حجاج السُّلَمي ك ان نَصْرٌ من أجمل العرب، وهو تابعي، وأبوه "حجَّاج" السُّلَمي من الصحابة، وقد مرت بنا ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم). ونصر من شعراء سُلَيْم. وقد أورد لنا الرواة قصة افتتان بعض نساء العرب في المدينة بجماله الباهر، وحينما ثبت لدى عمر بن الخطاب - وهو خليفة - تشبيب امرأة به…
▸ expand full passage (5,613 chars)▾ collapse
نصر بن حجاج السُّلَمي ك ان نَصْرٌ من أجمل العرب، وهو تابعي، وأبوه "حجَّاج" السُّلَمي من الصحابة، وقد مرت بنا ترجمته في فصل: (صحابة من بني سُلَيْم). ونصر من شعراء سُلَيْم. وقد أورد لنا الرواة قصة افتتان بعض نساء العرب في المدينة بجماله الباهر، وحينما ثبت لدى عمر بن الخطاب - وهو خليفة - تشبيب امرأة به في أبيات شعر أنشدتها ليلًا، فسمعها أثناء عَسِّه وتجواله في سِكَكِ المدينة - غَرَبَ نصرًا عن المدينة اتقاء الفتنة به في بلد الرسول ﷺ. ومجمل القصة أن "الذلفاء" (¬١) هَوِيَتْ نصرًا ودعته إلى نفسها، فزجرها ولم يوافقها، وبينما عمر يعس في بعض سِكَكِ المدينة ليلًا إذ سمع نشيد شعر من دار فوقف يتسمَّع فإذا الذلفاء تقول: يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة … مني ولم أقض ما فيها من الحاج؟! ألا سبيلٌ إلى خمر فأشربها؟ … أم لا سبيل إلى نصر بن حجَّاج؟! فأمر عمر، فأُخرجت من منزلها وحَبَسَها، وحينما علمت بالسبب أنِفَتْ على نفسها أن يعاقبها أمير المؤمنين بما سمع منها، فكتبت إليه شعرًا تقول فيه: قل للإمام الذي تُخشى بوادره .. ما لي وللخمر أو نَصْر بن حجَّاجِ؟ إني عنيت أبا حفص يعدهما … شرب الحليب وطرف قاصر ساجي لا تجعل الظن حقًّا أو تيقنه … إن السبيل سبيل الخائف الراجي إن الهوى زَمَّهُ التقوى فَخَيَّسَهُ … حتى أقر بإلجامٍ وَإِسْرَاجِ فبعث إليها عمر وأطلق سراحها وقال لها: لَمْ يبلغنا عنك إلَّا خير، ومن يومئذ لقبت "الذلفاء" "بالمتمنية"، وسار لقبها هذا في الآفاق، وشرَّق وغرَّب، حتى وصل إلى العراق، وعرفته نساؤه وتداولته، وضربت بها الأمثال.وقالوا: إن عمر لقب نصرًا بالمُتَمَنَّى - بضم الميم الأولى وفتح الثانية وفتح النون وتشديدها - وقد أحضره إليه، فما رآه بهره جماله، فقال له: أنت تتمناك الغانيات في خدورهن؟ لا أم لك!! أما والله لأزيلنَّ عنك الجَمالَ، ثم دعا بحجَّام (¬١)، فحلق جُمته - مجتمع شعر الرأس - ثم تأمله فقال: أنت محلوقًا أحسنُ، فقال نَصْرٌ: وأيّ ذنبٍ لي في ذلك؟ فقال عمر: صدقت! الذنب لي إن تركتك في دار الهجرة. ثم أركبه جملًا وسَيَّرهُ إلى البصرة، وكتَبَ به إلى مُجاشع بن مسعود السُّلَمي (¬٢) - ابن عمه - بأني "قد سَيَّرْتُ "المُتَمَنَّى" نصر بن الحجَّاج السُّلَمي إلى البصرة"، فأنزله مُجاشع منزله لقربه ولمكانته ومكانة أبيه في المجتمع السُّلَمي والإسلامي، ولابد أنه سمع من قبل ورود خطاب عمر إليه بما حدث جملةً وتفصيلًا، وأخدمه امرأته "شُمَيْلة" وكانت أجمل امرأة بالبصرة، فعلقته وعلقها، حتى انكشف أمرهما لزوجها مُجاشع، فقال لنصر: "يا ابن العم، ما سيرك عمر إلى خير، قم فإن وراءك أوسع لك". فخرج وعدل إلى منزل بعض السُّلَميين، وفي خزانة الأدب" (المسلمين) بالبصرة، ووقع لجنبه وضَنِيَ من حب شُمَيلة، ومن خدش كرامته مرتين: مُرّة على يد الخليفة في المدينة، ومرة على يد ابن عمه ومُنْزِلِه عنده ومُكْرِمَه "مُجاشع" نائب أمير البصرة في البصرة، ودنف من جراء الكبت النفسيِّ والألم النفسيّ معًا، حتى صار رحمة - لحمة - وانتشر خَبَرُه، فضرب نساء البصرة به المثل، فقلن: (أدنف مِنَ المُتَمَنَّى) .. ثم إن مُجاشعًا وقف على خبر علته فدخل عليه عائدًا، فلحقته رقَّة لما رأى من الدنف، فرجع إلى بيته، وقال لشُمَيْلة: (عزمتُ عليك لما أخذتِ خبزًا فَلَبَكْتِهِ بسمن، ثم بادرت به إلى نصر) ففعلت، فعادت إليه صحته وَبَرَأ، كأن لَمْ يكن به قلبة، فلما فارقته عاوده النكس، ولم يزل يتردد في علته حتى مات منها.تلك إحدى روايات قصة نصر بن حجاج السُّلَمي أما "المدائني" فلم يجعل خاتمة حياته ما ذكر آنفًا، بل قال: وبعد أن أقام نصر حَوْلًا كتب إلى عمر: لعمري لئن سَيرْتَنِي أو حرمتني … وما نلتُ ذنبا إنَّ ذا لحرام وما لي ذنب غير ظن ظننتَهُ … وفي بعض تصديق الظنون أثام أأن غنَّت الحوراء يومًا بمنية … وبعض أمانيَّ النساء غرام ظننتَّ بيَّ الظنَّ الذي ليس بعده … بقاءٌ ومالي في النديِّ كلام؟ وأصبحتُ منفيا على غير ريبة … وقد كان لي بالمكَّتَيْنِ مقُام ويمنعني مما يُظنُّ تكرمي … وآباءُ صدق سالفون كرام ويمنعها مما تمنت صلاحُها … وطولُ قيام ليلها وصيام فهاتان حالانا فهل أنت راجعي … وقد جُبَّ مني كاهل وسنام؟ قال صاحب الأوائل: (فلما وصلت الأبيات إلى عمر نظر فيها، وكتب إلى أبي موسى الأشعري، وأمره بالوصاة به، إنْ أحبَّ يُقيمُ بالبصرة، وإن أحبَّ الرجوع إلى المدينة فذاك إليه. فاختار نصرٌ المقام بالبصرة، ولم يزل مقيمًا بها إلى أن خرج أبو موسى إلى محاربة أهل الأهواز، فخرج معه نصر بن حجَّاج في الجيش، وحضر معه فتح تستر) (¬١). ويفهم من الرواية التي أوردها ابن الحجاج في كتابه (من سُمِّيَ من الشعراء عمرًا) أن نصرًا هذا عاش حتى زمن معاوية بن أبي سفيان، وقد أوردنا نص هذه الرواية في ترجمة عمرو بن أبي سفيان أبي الأعور السُّلَمي في الفصل الذي ذكر فيه فوارس سُلَيْم من هذا الكتاب. ولنا هنا ملاحظات على هامش رواية المدائني لخاتمة قصة نصر بن الحجاج. أولًا - إن لَقَبَيَ (المُتمنِّية) و (الْمُتَمَنِّى) اللذين وُسِمَ بهما كلّ من الذلفاء أوالفريعة، ونصر بن حجَّاج، قد بلغا من الاستقرار في النفوس والمجتمعات إلى حد جعل نصرًا نفسه يشير إليهما إشارة واضحة حين يقول في الأبيات التي بعث بها إلى عمر: ويمنعني مما يُظنُّ تكرمي … وآباءُ صدق سالفون كرام ويمنعها مما تمنت صلاحُها … وطولُ قيام ليلها وصيام ثانيًا - أرى أن لنصر الحق في اختبار الإقامة بالبصرة عن المدينة؛ وذلك لأنَّ أمره وأمر (المتمنية) قد ذاع وشاع في سائر الأوساط الإسلامية وبالمدينة خاصة، وصار موضع التندر والأحاديث العامة والخاصة، فلو عاد إلى المدينة لعاد معه الحديث المتشعب المتواتر الدائم عن أمره وأمر صاحبته المتمنية، مما يقض مضجعه ويعيد إليه الشجون والآلام، فكثرة حديث النّاس عن مثل هذا الموضوع يؤثر أثرًا عكسيًا على من يقال فيه، وخاصة إذا لاحظنا تزايد الجماهير وتوسعتهم لشقة الظنون ومختلف التفسيرات والتحليلات التي ما أنزل الله بها من سلطان. ثالثًا - وقيام نَصْرِ بن حجَّاج - على رواية المدائني - بمرافقة الجيش الغازي مع أبي موسى، يدلنا على عمق إيمان نصر وعلى أنَّه في المستوى الطيب من كرم الأخلاق وطيب العنصر، فما حال بينه وبين الجهاد في سبيل الله لَوْكُ الألسنة لاسمه بحق وبغير حق .. لقد كان شريفًا وابن شريف وظل على مستواه الاجتماعي وقد رأينا عمر بن الخطاب (وهو الخليفة الرَّجَّاع إلى الحق متى لاح له ضياؤه من أيِّ مكان ومن أيِّ إنسان) رأيناه يعطف عليه عطفًا كاملًا ويعيد إليه (اعتباره) ويكتب إلى عامله بالبصرة بتخييره بين المقام بالبصرة والعودة إلى المدينة .. وكم كان نصر حصيفًا ولبيبًا عندما فَضَّل البقاء في البصرة للبواعث التي أشرنا إليها آنفًا، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وليس على أفواه النّاس أقفال.