محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 7862, entry [7258]5,629 chars
وجه تدوين مذهب أبي يوسف مع مذهب أبي حنيفة: خالف زفر بن الهذيل وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في مسائل أصلية وفرعية، كما هو ظاهر من كتب المذهب في الأصول والفروع، مع ذلك دوّنت آراءهم مع أراء أبي حنيفة في كتب المذهب، وعدّ الجميعمذهب أبي حنيفة مع هذا التخالف، بل نصّوا على أن الفتوى في المذهب على رأي…
▸ expand full passage (5,629 chars)وجه تدوين مذهب أبي يوسف مع مذهب أبي حنيفة: خالف زفر بن الهذيل وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في مسائل أصلية وفرعية، كما هو ظاهر من كتب المذهب في الأصول والفروع، مع ذلك دوّنت آراءهم مع أراء أبي حنيفة في كتب المذهب، وعدّ الجميعمذهب أبي حنيفة مع هذا التخالف، بل نصّوا على أن الفتوى في المذهب على رأي أبي حنيفة مرة، وعلى رأي أحد هؤلاء من أصحابه مرة أخرى على اختلاف مداركهم، واستشكل ذلك، حتى سأل أمير "مكة" الشريف سعد بن زيد، رحمهما الله في شهر شعبان سنة ١١٠٥ هـ. قائلا: ما تقولون في مذهب أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، فإن كلّ واحد منهم مجتهد في أصول الشرع الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وكلّ واحد منهم له قول مستقلّ غير قول الآخر فى المسألة الواحدة الشرعية، وكيف تسمّون هذه المذاهب الثلاثة مذهبا واحدا، وتقولون: إن الكلّ مذهب أبي حنيفة، وتقولون عن الذي يقلّد أبا يوسف في مذهبه أو محمد: إنه حنفي، وإنما الحنفي من قلّد أبا حنيفة فقط فيما ذهب إليه، وأجاب عن هذا السوال الشيخ عبد الغني النابلسي من فقهاء الحنيفة في عصره برسالة سماها "الجواب الشريف للحضرة الشريفة في أن مذهب أبي يوسف ومحمد هو مذهب أبي حنيفة" ارتاي فيها ما خلاصته أن آراءهما روايات عن أبي حنيفة، فتكون أقوالهما من أقوال أبي حنيفة، فيكون عدّها في مذهب أبي حنيفة صحيحا. واستند في ذلك إلى أقوال مروية عن الإمامين في ذلك، وليس هذا بجيّد، وإن ارتضاه ابن عابدين، لأن ذلك تعويل على ما يقوله ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء من أنهما لا يخالفان الإمام في الأصول، وهذا خلاف الواقع، بل هما يخالفانه في كثير من المسائل الأصلية والفرعية عن دليل، كما هو شأن الاجتهاد المطلق، وإنزالهما عن مرتبة المجتهد في المذهب ينافي الحقيقة، وإن حافظا على انتسابهما له ﵃، بل إطلاق المذهب الحنيفة على مجموع آراء هؤلاء اصطلاح، ولا مشاخَّة فيه بالنظر إلى أن مذهب أبي حنيفة فقه جماعة عن جماعة، كما سبق.ومصدر كلّ رأي من تلك الآراء مجتهد مطلق يتابع دليل نفسه، فالإمامان وافقاه فيما علما فيه دليل الحكم كما علم، وهو اجتهادا لا تقليدا له، كما خالفاه، بأن الدليل لهما على خلاف رأيه، فالتوافق بينهم في الرأي لا يدلّ على التقليد، بل يدلّ على معرفة البعض دليل الحكم كمعرفة الآخرين، وإلا ما بقي في الوجود مجتهد مطلق لتوافق المجتهدين في معظم المسائل، ومنشأ ادعاء أن تلك الأقوال كلّها أقوال أبي حنيفة هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة وانتصاره له بأدلة، ثم كروره بالردّ عليه ينقض أدلته وبترجيحه الاحتمال الثاني بأدلة أخرى، ثم نقضها بترجيح احتمال ثالث بأدلة تدريبا لأصحابه على التفقّه على خطوات ومراحل، إلى أن يستقرّ الحكم المتعين في نهاية التمحيص، ويدوّن في الديوان في عداد المسائل الممحّصة، فمنهم من ترجّح عنده غير ما استقرّ عليه الأمر من كلّ الأقوال باجتهاده الخاص، فيكون هذا المترجّح عند قوله من وجه، وقول أبي حنيفة من وجه آخر، من حيث إنه هو الذي أثار هذا الاحتمال، ودلَّل عليه أولا، وإن عدل عنه أخيرا. ومصداق ذلك ما أخرجه ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حمّاد عن محمد بن شجاع، سمعت الحسن بن أبي مالك، وعبّاس بن الوليد، وبشر بن الوليد، وأبا على الرازي يقولون: سمعنا أبا يوسف يقول: ما قلت قولا خالفت فيه أبا حنيفة إلا وهو قول قد قاله أبو حنيفة، ثم رغب عنه. اهـ. وحكى الكردري عن النيسابوري أن أبا يوسف لما ولي القضاء دخل عليه إسماعيل بن حماد ابن الإمام، وتقدّم إليه خصمان، فلمّا جاء أوان الحكم قضى برأي الإمام، فقال له: كنت تخالف الإمام في هذا، قال: إنما كنا نخالفهلنستخرج ما عنده من العلم، فإذا جاء أوان الحكم ما يرتفع رأينا على رأي الشيخ، ومثله عن محمد بن الحسن. وأخرج ابن أبى العوام عن إبراهيم بن أحمد بن سهل عن القاسم بن غسَّان عن أبيه عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى "بغداد"، فاجتمع أصحابه جميعا، وفيهم أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، وعامة الفقهاء المتقدّمين من أصحابه، فعلموا مسألة أيّدوها بالحجاج، وتنوقوا في تقويمها، وقالوا: نسأل أبا حنيفة، أول ما يقدم، فلمّا قدم أبو حنيفة، كان أول مسألة سئل عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير ما عندهم، فصاحوا به من نواحي الحلقة، يا أبا حنيفة! بلّدتك الغربة، فقال لهم: رفقا رفقا، ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول، قال بحجّة أم بغير حجّة، قالوا: بل بحجّة، قال: هاتوا، فناظرهم، فغلبهم بالحجج، حتى ردّهم إلى قوله، وأذعنوا أن الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن، قالوا: نعم، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن قولكم هو الصواب وأن هذا القول خطأ؟ قالوا: لا يكون ذاك، قد صحّ هذا القول، فناظرهم، حتى ردّهم عن هذا القول، فقالوا: يا أبا حنيفة! ظلمتنا، والصواب كان معنا، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ، والأول خطأ، والصواب في قول ثالث، فقالوا: هذا ما لا يكون، قال: فاستمعوا، واخترع قولا ثالثا، وناظرهم عليه، حتى ردّهم إليه، فأذعنوا، وقالوا: يا أبا حنيفة! علّمنا، قال: الصواب هو القول الأول، الذي أجبتكم به لعلة كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج عن هذه الثلاثة الأنحاء، ولكلّ منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب، فخذوه، وارفضوا ما سواه. اهـ. وهكذا كان تدريبه لأصحابه على الفقه، وتمرينه على مدراج التفقّه، فمثله يكون كثير الذكر للاحتمالات في المسائل، وقد يترجّح عند هذا ما لا يترجّحعند ذاك من أصحابه، فيكون هو مثير أغلب تلك الاحتمالات، فمعظم تلك المسائل الخلافيات من تذكير الإمام لأصحابه، فلا يكون مانع من إطلاق المذهب الحنفي على مسائل أبي يوسف ومحمد أيضا بملاحظة حال معظمها، كما في الحديث الشريف (الحج عرفة). وقد أخرج ابن أبي العوام أيضا عن محمد بن أحمد بن حماد، عن ابن شُجَاع، عن الحسن بن أبي مالك، أنه سمع أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة، قال ما عندكم فيها من الآثار؟ فاذا روينا الآثار، وذكرنا، وذكره هو ما عنده نظر، فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر، فاختار. اهـ. وهو الذي كان يقول لأصحابه: لا يحلّ لأحد أن يقول بقولي ما لم يعلم من أين قلت. اهـ. وهذه الطريقة هي التي ملأت الآفاق فقها وغوصا، ولم تكن صدور الفقهاء من غير هؤلاء تتسع للإخذ والردّ المتواصلين في المسائل هكذا، بل كان أغلبهم يكتفون بإملاء ما عندهم بدون مناقشة في الغالب، مقتصرين في الإجابة على النوازل والوقائع، إلا أن الشافعي كان ارتوى من المعينين: الحجازية والعراقية، فكان يتلقّى الأخذ والردّ بصدر رحب، فملأ العالم بالمسائل التقديرية، وخدم نضوج الفقه، كافا الله الجميع على جميلهم في خدمة الفقه، ورضي عنهم أجمعين، ولكل وجهة.