محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 7172, entry [6490]7,864 chars
٥٤٣٣ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين، المشتهر بجرّاح زَاده * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: ولد الشَّيْخ ﵀ بِمَدِينَة "أدرنه" فِي شهر صفر سنة إحدى وَتِسْعمِائَة، وَنَشَأ طَالبا للْعلم والمعارف، وساعيا فِي اقتناء شوارد اللطائف. وقرأ ﵀ مُدَّة كتاب "الْمِفْت…
▸ expand full passage (7,864 chars)٥٤٣٣ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين، المشتهر بجرّاح زَاده * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: ولد الشَّيْخ ﵀ بِمَدِينَة "أدرنه" فِي شهر صفر سنة إحدى وَتِسْعمِائَة، وَنَشَأ طَالبا للْعلم والمعارف، وساعيا فِي اقتناء شوارد اللطائف. وقرأ ﵀ مُدَّة كتاب "الْمِفْتَاح" بإتقان وَتَحْقِيق على الْمولى لطف الله ابْن الْمولى شُجَاع، وَهُوَ مدرس فِي مدرسة الْجَامِع الْعَتِيق، ثمَّ أفاض الله تَعَالَى عَلَيْهِ مجَال رَحمته من شآبيب لطفه ورأفته، فَهبت عَلَيْهِ نسائم الزّهْد وَالصَّلَاح، وناداه مُنَادِي الْفَوْز وَالصَّلَاح، فَأَجَابَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعة، وَتحمل مشاقَّ الْعِبَادَات بِقدر الِاسْتِطَاعَة وتبتّل إلى الله سُبْحَانَهُ وجد واجتهد، حَتَّى علا أقرانه. وَقد سَأَلته ﵀ عَن سَبَب سلوكه ودخوله فِي طَرِيق الصُّوفِيَّة، فَقَالَ ﵀: كنت فِي أوائل حَالي وأوان طلبي فِي غَايَة الإعراض عَن طَرِيق الصُّوفِيَّة، وَاتفقَ أني اجْتمعت فِي بعض اللَّيَالِي مَعَ الإخوان والخلان، وتجارينا فِي شجون الْكَلَام، وقضينا الوطر عَمَّا يكون وَكَانَ، فَنَامَ كل من فِي الْمجْلس، فإذا بصيحة عَظِيمَة وأصوات مزعجة من طرف السَّمَاء، فَرفعت رأسي، فَرَأَيْت حجرا عَظِيم الْقدر، نزل على الْبَيْت الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَكسر السّقف، وَنزل إلى ساحة الْبَيْت، وَغَابَ فِي الأرض، فَاسْتَيْقَظَ من هَذِه الصَّيْحَة الْعَظِيمَة كل نَائِم من أهل الْمجْلس، وأخذوا يتساءلون عَنْهَا، وَلم يطلعوا على شَيْء وعادوا إلى النّوم، وَحصل لي من ذَلِك دهشة عَظِيمَة،وكادت أن تذْهب بلبي، فَقُمْت إلى الْمجْلس مرتاعا، وازداد تأثري فِي كل وَقت وَحين، إلى أن يفتر عَقْلِي، وَلم يبْق لي من الروية إلا الْقَلِيل. فَنزلت الطَّرِيق، وبعت جَمِيع ملابسي الفاخرة، وَأَنا على هَذِه الْحَالة من الإعراض عَن طَرِيق الصُّوفِيَّة، وَفي أثناء ذَلِك دَعَاني أبي إليها، وكلمني فِي الدُّخُول فِيهَا، وقابلته بالإنكار والإعراض، قَالَ: وَلم أذكر حَتَّى رفع الغطاء عَن بَصرِي، وانكشف لى أحوال الْقُبُور، فَكنت ألازم المَقَابِر، وأبيت عِنْدهَا، وَكَانَ أصحابي وأقاربي فِي العذل والملامة، وأنا فِي عدم الِالْتِفَات إليهم، والإعراض عَن كَلَامهم. فَسَأَلته ﵀ عَن كَيْفيَّة رُؤْيَته واطلاعه على أهل الْقُبُور، فَقَالَ ﵀: رَأَيْتهمْ قَاعِدين فِي قُبُورهم كالإحياء فِي بُيُوتهم، فَمنهمْ من اتَّسع قَبره، فَبَقيَ فِي السعَة والحبور والرفاهية وَالسُّرُور، وَمِنْهُم من لَا يقدر على الْقيام لضيق الْمقَام، وَمِنْهُم من امْتَلَأَ قَبره بالدخان، وَمِنْهُم من أحمي قَبره بالنيران، وَرَأَيْت بَعضهم فِي غَايَة الضعْف وَالِاضْطِرَاب، ويتألم، ويضطرب، كالسحاب والسراب، وَأَنا أتكّلم مَعَهم، وأستخبر حَالهم، وأستفسر لأسباب مَوْتهمْ، فيجيبون، ويسألونني الدُّعَاء. وأنا أجد نَفسِي فِي أثناء ذَلِك تَارَة فِي "قسطنطينية"، وَتارَة فِي "بروسه"، وَتارَة فِي غَيرهمَا من الأمكنة، الَّتِي مَا رَأَيْتهَا قطّ، وأنا فِي جمَيع ذَلِك كالهائم الولهان، الَّذِي مَسّه الجان، وَكنت فِي غَايَة الْعَجز عَن أكل الطَّعَام لظُهُور نَجَاسَته وانكشاف عدم طَهَارَته، ودامت هَذِه الْحَالة لي مُدَّة سَبْعَة أشهر، فَبينا أنا مُقيم بدار وَالِدي، وَقد انْتَشَر سَواد اللَّيْل فِي الآفاق، ونام كل من فِي الْبَيْت من الصَّغِير وَالْكَبِير، إذ جَاءَ رجل، فأخذ بيَدي، وَذهب، فَذَهَبت مَعَه.فمررنا بمواضع غَرِيبَة وأمكنة عَجِيبَة، مَا رَأَيْتهَا، وَلَا سَمعتهَا من قبل، حَتَّى وصلنا إلى سفح جبل، وَرَأَيْت فِيهِ شخصا قَاعِدا، فَتقدم الرجل فِيهِ، وَقَالَ: جِئْت بطلبك، وقدمني إليه، فَجَلَست بحذائه، فأخذ ذَلِتك الشَّخص بيَدي الْيُمْنَى، فَوضع فِيهَا عَلامَة، فإذا جيءَ بشخص آخر فعل بِهِ مَا فعل بِي. ثمَّ أمرنا بِالْقيامِ وَالدُّخُول إلى حَظِيرَة هُنَاكَ، فَلَمَّا ذَهَبْنَا إليه فتح لنا بَاب الحظيرة، فَنَظَرْنَا إلى داخلها، فرأيناها مَمْلُوءَة من النيرَان الصافية، لَيْسَ فبها دُخان، وَلَا سَواد، فامتنعنا عَن الدُّخُول، فأجبرنا عَلَيْهِ، وأغلق الْبَاب من وَرَائِنَا، فَعمِلت النَّار فِينَا مَا تعْمل فِي أمثالنا، واحترقنا بهَا، بِحَيْثُ لم يبْق منا مَوضِع لَا فِي ظَاهر الْجَسَد وَلَا فِي بَاطِنه، إلا وَقد مسته النَّار. ثمّ فتح الْبَاب، وأمرنا بِالْخرُوجِ، وَجَاء الرجل، وَأخذ بيَدي، وأوصلني إلى مَكَاني الَّذِي أخذني مِنْهُ، فَلَمَّا أصبحت، وَقَامَ وَالِدي إلى الصَّلَاة جَاءَ إليَّ، ورآني متنكرا مضطربا مِمَّا وَقع لي من شَدَائِد هَذِه اللَّيْلَة، فَسَأَلنِي عَن هَذِه الْحَالة، فقصصت لَهُ الْوَاقِعَة، فَقَالَ: إن هَذِه النَّار جذبة من نيران الْمحبَّة والهيام، ولمعة من حرارة الْعِشْق والغرام. وإن هَذِه الْوَاقِعَة تدلّ على أنك ستصير طَالبا للحق، ومحبا للتصوف، وأربابه، قَالَ ﵀: فَمن هَذِه اللَّيْلَة أخذ ولهي فِي الانتقاص وجنوني فِي الِارْتفَاع، وَزَالَ عني بالتدريج مَا حصل لي من الْكَشْف والحركات الْمُخالفَة للْعَادَة، وَعَن لي الْميل إلى التصوّف، وَاشْتَدَّ الانجذاب إلى جناب رب الأرباب، وَدخلت فِي ربقة التَّسْلِيم وَالْعِبَادَة، وَظهر فِي أمري مَا شَاءَ الله، وأراده. وتبت على يَد وَالِدي، وأخذت فِي المجاهدة والاشتغال، وترقيت عِنْده من منزل إلى منزل، وَمن حَال إلى حَال، ثمَّ أرسلني إلى قدوة إرباب الطَّرِيق ولي الله تَعَالَى على التَّحْقِيق صَاحب الكرامات الْمَشْهُورَة والأخبار المأثورةالشَّيْخ عبد الرحيم المؤيدي المشتهر بحاجي جلبي، فخدمته مُدَّة، وحصلت من فنون التصوف عدَّة، وَكَانَ مني مَا كَانَ، فَظهر مَا فِي حيّز الإمكان، ودمت على المصابرة وَالِاجْتِهَاد اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وأجيز لي بالإرشاد. وَقد سأَلته عَن آخر الْحَالَات الَّتِي وَقعت لَهُ عِنْد شَيْخه، فَقَالَ ﵀: كنت مُقيما فِي بعض الخلوات عند الشيخ عبد الرحيم المؤيدي، وأنا مداوم على الذّكر، ومشتغل بِالتَّوْحِيدِ، فإذا بشخص عَظِيم الهيبة دخل عَليّ، وَقصد إليَّ، ومزق جَسَدِى بيدَيْهِ كل ممزّق، وَتَرَكَنِي، فَعَاد جَسَدِي إلى حَالَته الأولى، فَعَاد فِي التمزيق وتكرر ذَلِك من الطَّرفَيْنِ، وَاسْتمرّ سَاعَات، وَعرض لي من ذَلِك انزعاج كلي واضطراب عَظِيم، وَحصل لي من الفناء والسكون مَا لا يُمكن تَعْبِيره. فعرضت ذَلِك على الشَّيْخ، ففرح بِهِ، وبشَّرني بِحُصُول الْمَطْلُوب، وأجاز لي بعد ذَلِك بالإرشاد، وأرسلني إلى وَالِدي قلت: وَلما انْتقل وَالِده ﵀ قَامَ هُوَ مقَامه فِي زَاوِيَة الشَّيْخ شُجَاع، وأكبَّ على الِاشْتِغَال، ولازم التَّوَجُّه والإقبال إلى جناب حَضْرَة المتعال، وعامل الله فِي سرّه وجهره، حَتَّى صَار فريد عصره ووحيد دهره، وَفتح بَاب التربية، والإرشاد على أرباب السَّعْي وَالِاجْتِهَاد، فَرب ساع قطع بصارم تَرْبِيَته صريمة الأمل، وَحصل بهمته الشَّرِيفَة طرفا صَالحا، وكمل. ثمَّ نقل إلى زَاوِيَة الشَّيْخ محي الدّين بـ "قسطنطينية" المحمية، فشرفها بمقدمه الشريف، ونوَّرها بروائه اللَّطِيف، وَأقَام بهَا مُدَّة سبع سِنِين، وَقد اتَّصَلت بِهِ فِي إقامة ذَلِك، وتبركت بمجالسته الشَّريفَة، وأنفاسه اللطيفة، وَكلما يمرّ ذَلِك بالخاطر يذكرنِي قَول الشَّاعِر: وَكَانَت بالعراق لنا لَيَال … سرقناهن من أيدي الزَّمَان جعلناهن تَارِيخ اللَّيَالِي … وعنوان المسرة والأمانيوأكرر كثيرا مَا فِي البال مَا أنشده بَعضهم وَقَالَ ليَالِي اللَّذَّات سقيا لَك … مَا كنت إلا فَرحا كلك عودى كَمَا كنت لنا أولا … نَحن إن عدت عبيد لَك ثمَّ عَاد ﵀ إلى مَدِينَة "أدرنه"، وانتقل بهَا إلى رَحْمَة الله تَعَالَى، وَدفن بِقرب زَاوِيَة الشَّيْخ شُجَاع، وَكَانَ ذَلِك فِي شهر محرّم من شهور سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة. كَانَ ﵀ بحرا من بحار الْحَقِيقَة، وكهفا منيعا لأرباب الطَّرِيقَة متخليا عَن العلائق الناسوتية، متحليا فِي مفاخر الْحلَل اللاهوتية، مهبطا للأنوار السبحانية، ومخزنا للأسرار الإلهامية، منجمعا عَن النَّاس، معرضًا عَن تكلفاتهم، وراغبا عَن بدعهم ومزخرفاتهم، لَا يطوف بأبواب الأمراء، وَلَا يطْرق مجَالِس الأغنياء، مشتغلا بِنَفسِهِ فِي يَوْمه وأمسه. وَله كشوفات عَجِيبَة، وإشرافات على الخواطر غَرِيبَة، وظني بِهِ كَونه، محيطا بِجَمِيعِ أحوال من استرشد بِهِ، وتشبث بِسَبَبِهِ. وَله الْيَد الطولى فِي تصريف قبُول المريدين وتربية المسترشدين، وَلَوْلَا تَزْكِيَة النفس، وَاحْتِمَال التبجح، والرياء لذكرت مَا ظهر لي عِنْد إقامتي فِي زاويته الشَّرِيفَة فِي بعض الأوقات المنيفة أنفاسه الطّيبَة، وهممه الصيبة. وَحكى بعض من أثق بِهِ من الإشراف أنه قَالَ كنت معتكفا عِنْده فِي بعض الأيام، وَلما صليت الصُّبْح جَلَست فِي الْمَسْجِد، مشتغلا بِالذكر، وَالشَّيْخ ﵀ فِي الْجَانِب الآخر من الْمَسْجِد، مُتَوَجَّها إلى الْقبْلَة مراقبا، وَكَانَ يلاحظني بنظره الشريف أحيانا، ويلتفت إلي مرَارًا، فَبينا أنا على هَذِه الْحَالة إذ عرض لي انجذاب عَظِيم، وَتوجّه تَامّ، وَغلب عَليّ الوجد وَالْحَال، وَظهر لي أمور غَرِيبَة وآثار عَجِيبَة، كَادَت أن تذْهب بلبي، وَمن الله تَعَالَى فِيأثناء ذَلِك بمنح لَا يَلِيق ذكرهَا، وَاسْتمرّ ذَلِك لي مَا دَامَ الشَّيْخ جَالِسا فِي مَكَانَهُ دَائِما على الْوَصْف السَّابِق. وَله ﵀ كرامات عَظِيمَة، وأفعال غَرِيبَة أتبرك مِنْهَا بِذكر نبذ. * * *