محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 7139, entry [6463]14,332 chars
٥٤٠٨ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي، المشتهر بَين النَّاس بالمولى خواجه زَاده، نوّر الله تَعَالَى مرقده، وَفِي أَعلَى غرف الْجنان أرقده *ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ وَالِده من طَائِفَة التُّجَّار، وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة، وَكَانَ أولاد…
▸ expand full passage (14,332 chars)٥٤٠٨ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي، المشتهر بَين النَّاس بالمولى خواجه زَاده، نوّر الله تَعَالَى مرقده، وَفِي أَعلَى غرف الْجنان أرقده *ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ وَالِده من طَائِفَة التُّجَّار، وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة، وَكَانَ أولاده مترفهين فِي اللبَاس وَالْعَبِيد، وَعيِن للْمولى خواجه زَاده فِي شبابه كل يَوْم درهما وَاحِدًا فَقَط، وَكَانَ ذَلِك لاشتغاله بِالْعلمِ، وَتَركه طَريقَة وَالِده، وَقد سخط أبوه عَلَيْهِ لذَلِك. وَفِي يَوْم من الأيام اجْتمع وَالِده مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف بِالله تَعَالَى ولي شمس الدّين البُخَارِيّ قدّس سرّه، فَرَأى الشَّيْخ شمس الدّين الْمولى خواجه زَاده، وَعَلِيهِ سوء الْحَال، يجلس فِي صف النِّعَال، وَعَلِيهِ ثِيَاب دنيئة، وَرَأى إخوته متجمّلين بالثياب النفيسة مَعَ الخدم وَالْعَبِيد. فَقَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور لوالده: من هَؤُلَاءِ؟ وَأَشَارَ إلى أولاده. فَقالَ: أولادي. قَالَ: وَمن هَذَا، وأشار إلى الْمولى خواجه زَاده. قَالَ هُوَ أيضا وَلَدي. قَالَ: لأيّ سَبَب هُوَ فِي سوء الْحَال؟ قَالَ: إِنّي أسقطته من عَيْني لتَركه طريقتي، فنصح الشَّيْخ لَهُ، وَلم يُؤثر فِيهِ نصحه، وَلما قَامُوا عَن الْمجْلس قَالَ الشَيْخ للْمولى خواجه زَاده ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تتأثر من سوء الْحَال، فَإِن الطَّرِيق طريقك، وَيكون لَك إن شَاءَ الله تَعَالَى شَأْن عَظِيم، وَيقوم إخوتك عنْدك فِي مقَام الخدم وَالْعَبِيد. وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لَا يملك إلا قَمِيصًا وَاحِدًا، وَكَانَ لَا يقدر على اشْتِرَاء الْكتاب، وَيكْتب كِتَابه بِنَفسِتهِ على أوراق ضَعِيفَة لرخصها، ثمَّ إنه حصل الْعُلُوم، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى ابْن قَاضِي أياثلوغ، وَقد مرّ ذكره.وقرأ عِنْده الأصولين، والمعاني، وَالْبَيَان فِي مدرسة اغراس، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى حضر بك ابْن جلال، وَهُوَ مدرس سلطانية "بروسه"، ثمَّ صَار معيدا لدرسه، وَحصل عِنْده علوما كَثِيرَة، وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب، وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يُكرمهُ إكراما عَظِيما، وَكَانَ يَقُول: إِذا أشكلت عَليّ مسئلة لتعرض على الْعقل السَّلِيم، يُرِيد بِهِ الْمولى خواجه زَاده. ثمَّ أرسله الْمولى حضر بك إلى السُّلْطَان مُرَاد خَان، وَشهد لَهُ باستحقاقه التدريس، فَقبله السُّلْطَان، إلا أنه كَانَ مُتَوَجها إلى السّفر، وَأَعْطَاهُ قَضَاء "كستل"، وَلما رَجَعَ عَن السّفر أعطَاهُ مدرسة الأسدية بِمَدِينَة "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم عشْرين درهما، فَمَكثَ هُنَاكَ سِتّ سِنِين، واشتغل بِالْعلمِ مَعَ فقر وفاقه، حَتَّى أنه كَانَ يخْدم فِي بَيته بِنَفسِهِ، وَحفظ هُنَاكَ "شرح المواقف". ثمَّ لما انْتَهَت السلطنة إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وشاهد العلماء رغبته فِي الْعلم، ذَهَبُوا إليه، وأراد الْمولى خواجه زَاده الذّهاب إليه، لَكِن مَنعه فقره عَن السّفر، وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك، فاقترض لَهُ ثَمَانمِائَة دِرْهَم، فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ، وَذهب إلى السُّلْطَان، ولقيه وَهُوَ ذَاهِب من "قسطنطينية" إلى "أدرنه"، وَلما رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا، قَالَ لَهُ: أصبت فِي مجيئك، إني ذكرتك عِنْد السَّلْطَان، اذْهَب إليه، وَعِنْده الْبَحْث، فَذهب إليه، وَسلم على السُّلْطَان، فَقَالَ السُّلْطَان لمحمود باشا: من هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ خواجه زَاده، فَرَحَّبَ بِهِ السُّلْطَان، فَإِذا فِي أحد جانبيه الْمولى زيرك، وَفِي جَانِبه الآخر الْمولى سَيِّدي عَليّ، فَتوجّه خواجه زَاده إلى جَانب سَيِّدي عَليّ، وَاعْترض على الْمولى زيرك، فَجرى بَينهمَا كَلَام كثير، وَذهب الْمولى سَيِّدي عَليّ، وَبَقِي هُوَ فِي جَانب السُّلْطَان، وَكثر المباحثة، وأفحم الْمولى زيرك، حَتَّى قَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كلامك لَيْسَبِشَيْء، وَذهب الْمولى زيرك، وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده عِنْد السُّلْطَان، وتحدث مَعَه إلى الْمنزل. ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أحسن إلى الْمولى سَيِّدي عَليّ، وإلى الْمولى زيرك، وَبَقِى الْمولى خواجه زَاده حَزينًا مهموما، حَتَّى أن خادمه صَار لَا يَخْدمه، وَيَقُول لَهُ: لَو كَانَ لَك علم لأكرمك، كَمَا أكرمهم، وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم، وخدم خواجه زَاده الْفرس بِنَفسِهِ، ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظلّ شَجَرَة، فَإِذا ثَلَاثَة من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجه زَاده، ويظنون أن لَهُ خيمة كَسَائِر الأكابر، فأشار بعض النَّاس إليهم أن هَذَا الْجَالِس فِي ظلّ الشَّجَرَة هُوَ خواجه زَاده، فأنكروا ذَلِك، ثمَّ جاؤوا، وسلموا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أنت خواجه زَاده؟ قَالَ نعم. قَالُوا: أصحيح هَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالُوا: أنت مدرس الأسدية، وأنت الَّذِي ألزمت على الْمولى زيرك، قَالَ: نعم، فتقدموا إليه، وقبلوا يَده، وَقَالُوا: إن السُّلْطَان جعلك معلما لنَفسِهِ، قَالَ الْمولى خواجه زَاده، فَظَنَنْت أنهم يسخرون مني، ثمَّ ضربوا هُنَاكَ خيمة، فقدموا إليه طَوِيلَة فرس مَعَ عبيد، وألبسة فاخرة وَعشرَة آلاف دِرْهَم، وَالْعَبِيد أسرجوا مِنْهَا فرسا، وَقَالُوا: قُم إلى السُّلْطَان، وَالْخَادِم الْمَذْكُور نَائِم بعد، فَذهب إليه الْمولى خواجه زَاده، ونبَّهه من النّوم، فَقَالَ الْخَادِم: خَلِّنِي أنام، قَالَ: قُم، فَانْظُر إلى حَالي، قَالَ: إني أعرف حالك، دَعْنِي أنام، فأبرم عَلَيْهِ، فَقَامَ، وَنظر الْحَال. فَقَالَ: أَي حَال هَذَا؟ قَالَ: إني صرت معلم السُّلْطَان، فَقبل الْخَادِم يَده، وتضرع إليه، وَاعْتذر عَن تَقْصِيره فِي خدمته، ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده أدى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا عَلَيْهِ من دينه للخادم الْمَذْكُور، وَهُوَ ثَمَانمِائَة دِرْهَم، ثمَّ ركب إلى السُّلْطَان.وقرأ عَلَيْهِ السُّلْطَان متن عز الدّين الزنجاني فِي التصريف، وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ، وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب، حَتَّى حسده الْوَزير مَحْمُود باشا، وَقَالَ يَوْمًا للسُّلْطَان: يُرِيد خواجه زَاده منصب قَضَاء الْعَسْكَر، قَالَ: لأيّ شَيْء يتْرك صحبتي؟ قَالَ: يُريدهُ، وَقَالَ لخواجه زَاده أمرك السُّلْطَان أن تصير قَاضِي الْعَسْكَر، فَقَالَ: أنا لَا أريده. قَالَ: هَكَذَا جرى الأمر، فامتثل أمْرَهْ، وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر، وَكَانَ وَالِده وقتئذ فِي الْحَيَاة، فَسمع أن ولده صَار قَاضِيا بالعسكر، فَلم يصدق، وَلما تَوَاتر الْخَبَر قَامَ من "بروسه" إلى مَدِينَة "أدرنه" لزيارة ابْنه، فَلَمَّا قرب من "أدرنه" استقبله الْمولى خواجه زَاده، وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد، وأشرافه، فَنظر وَالِده، فَرَأى جمعا عَظِيما، وَقَالَ من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: ابْنك، قَالَ: إن ابْني هَل بلغ إلى هَذِه الْمرتبَة، قَالُوا: نعم. فَلَمَّا رأى الْمولى خواجه زَاده وَالِده نزل عَن فرسه، وَنزل وَالِده أيضا، فَقبل وَلَده، وعانقه، وَاعْتذر إليه عَن تَقْصِيره، وَقَالَ الْمولى خواجه زَاده: إنك لَو أعطيتني مَالا لما بلغت إلى هَذَا الجاه، ثمَّ إنه عرض وَالِده على السُّلْطَان، وأذن لَهُ فِي الدخُول عَلَيْهِ، فَدخل هُوَ عَلَيْهِ بهدَايَا جزيلة، وَقبل يَد السُّلْطَان. ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده صنع ضِيَافَة عَظِيمَة لوالده، وَجمع الْعلمَاء والأكابر، وَجلسَ هُوَ فِي صدر الْمجْلس، ووالده عِنْده، وَسَائِر الأكابر جَلَسُوا على قدر مَرَاتِبهمْ، وَلم يمُكن لإخوانه الْجُلُوس فِي الْمجْلس لازدحام الأكابر، فَقَامُوا مقَام الخدم، فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده فِي نَفسه: هَذَا مَا ذكره لي الشَّيْخ ولي شمس الدّين رَحمَه الله تَعَالَى على ذَلِك، ثمَّ إن السُّلْطَان أعطاه تدريس سلطانية "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما. وَحكى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى عَنهُ أنه قَالَ: حِين كنت مدرسا بسلطانية "بروسه" كنت فِي سنّ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، وَلَيْسَ لي محبَّة شَيْء * * *سوى محبَّة الْعلم، وَكَانَ يفتخر بتدريس سلطانية "بروسه" فَوق مَا يفتخر بِقَضَاء الْعَسْكَر، وَتَعْلِيم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، قَالَ: وَكَانَ لي وقتئذ مائَة ألف دِرْهَم، ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أمرَهْ بالمباحثة مَعَ الْمولى زيرك، حَتَّى ألزمه وأعطاه مدرسته بـ "قسطنطينية"، وَقد مرّ ذكره مشروحا، واشتغل بِتِلْكَ الْمدرسَة اشتغالا عَظِيما. وصنف هُنَاكَ "كتاب التهافت" بِأَمْر السُّلْطَان، وَقد مر ذكره أيضا، ثمَّ إنه استقضي ببلدة "أدرنه"، ثمَّ استقضي بِمَدِينَة "قسطنطينية" يَحْكِي وَالِدي عَن الْمولى العذاري أنه قَالَ: الْمُصِيبَة كل الْمُصِيبَة قبُوله الْقَضَاء، إذ لَو داوم على الِاشْتِغَال الَّذِي كَانَ هُوَ عَلَيْهِ لظهر لَهُ آثَار عَظِيمَة فِي الْعلم، بِحَيْثُ يتحير فِيهِ أولو الألباب. ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان جعل مُحَمَّد باشا القرماني وزيرا، وَكَانَ هُوَ من تلامذة الْمولى عَليّ الطوسي، وَكَانَ متعصبا لذَلِك على الْمولى خواجه زَاده، فَقَالَ للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان: إن خواجه زَاده يشكو من هَوَاء "قسطنطينية"، وَيَقُول: قد نسيت مَا حفظت من الْعُلُوم، ويمدح هَوَاء "أزنيق"، فَقَالَ السُّلْطَان: أعطيته قَضَاءَهُ مَعَ مدرسته، فَذهب إلى "أزنيق" امتثالا لأمره. ثمَّ ترك قَضَاءَهُ، وَقَالَ: إنه مَانع لاشتغالي بِالْعلمِ، وَبَقي مدرسا بهَا إلى أن مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان، وَفِي ذَلِك قَالَ بعض من تلامذته، وَهُوَ المرحوم الْمولى سراج الدّين: وُجُوه اعْتِرَاف قد عنت لَك سَيِّدي … ويرجى عنايات وَيظْهر تعنيت وتعطس عَن أنف من الْفضل شامخ … وَلَيْسَ يرى غير الشماتة تشميت رَأَيْت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مكتوبين بِخَط الْمولى خواجه زَاده فِي ظهر كتاب "التَّوْضِيح"، وَقَالَ هُنَاكَ للأخ الْفَاضِل مَوْلَانَا سراج الدّين المرحوم فِي حق الْفَقِير الحائر عِنْد معاداة الْوَزير الجائر، ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده أتى من بَلْدَة"أزنيق" إلى بَلْدَةْ "قسطنطينية" فِي حَيَاة الْوَزير الْمَزْبُور، فَذهب إليه رَاكِبًا على بغلته، وتلامذته يَمْشُونَ قدامه، مِنْهُم الْمولى سراج الدّين الْمَذْكُور، وَالْمولى بهاء الدّين المرحوم، وَكَانَا مدرسين حِينَئِذٍ بالمدارس الثمان، وَمِنْهُم الْمولى مصلح الدّين اليارحصاري، وَكَانَ هُوَ مدرسا بمدرسة مُرَاد باشا بِمَدِينَة "قسطنطينية". فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير بِهَذِهِ الأبهة والجلال تحير، واستقبله إلى بَابه، وأجلسه مَكَانَهُ، وَجلسَ هُوَ قدامه، والتلامذة قائمون على أقدامهم، فَتحدث مَعَه سَاعَة، ثمَّ قَامَ، وأخذ هَؤُلَاءِ الأكابر بركابه، وَمَشوا قدامه إلى بَيته، وتأوه الْوَزير. وَقَالَ: مَا قَدرنَا على كسر عرضه، وَمَا علمت أن عزته بِالْعلمِ لَا بالمنصب، وَكَانَ السَّبَب لمجيئه إلى "قسطنطينية" أن الْوَزير الْمَذْكُور حرض الْمولى خطيب زَاده، حَتَّى طلب المباحثة مَعَ الْمولى خواجه زَاده، فَقَالَ خواجه زَاده: إنه يباحث أولا مَعَ تلامذتي، فإن غلب عَلَيْهِم يباحثني، فَسمع الْمولى خطيب زَاده ذَلِك الْكَلَام، فاتهمه بالإحجام عَن المباحثة، وسَمعه الْمولى خواجه زَاده، وأرسل إلى "أزنيق" خَادِمًا أن يَجِيء بكتبه إليه، فَذهب المرحوم سِنَان باشا إلى الْوَزير الْمَذْكُور، فَقَالَ: هَل تُرِيدُ كسر عرض خطيب زَاده؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إن خواجه زَاده بعد تكميل مطالعته لَا يُمكن لأحَد أن يتَكَلَّم مَعَه، فَقَالَ الْوَزير: الأمر هَكَذَا؟ قَالَ: نعم. ثمَّ أذن للْمولى خواجه زَاده أن يذهب إلى "أزنيق"، فَلم يلبث إلا قَلِيلا، حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة، فَأعْطَاهُ سلطانية "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم، ثمَّ أعطاه منصب الْفَتْوَى بِمَدِينَة "بروسه"، وَقد اخْتَلَّ رِجْلَاهُ وَيَده الْيُمْنَى، وَكَانَ يكْتب الْفَتْوَى بِالْيَدِ الْيُسْرَى، وَكَانَ لَا يكْتب الْفَتْوَى إلا بعد النّظر فِي الْفَتَاوَى، حَتَّى إِذا كررت عَلَيْهِ مسئلة وَاحِدَة كرر النّظر إليها، وَكَانَ يُعلل فِيذَلِك، وَيَقُول: لَو سامحت النَّفس فِيهَا لربما تسَامح فِي غَيرهَا، وَكَانَ إِذا لم تُوجد مسئلة فِي الْفَتَاوَى يسْلك مَسْلَك الراي، وَرُبمَا يظْهر لَهُ وُجُوه، ويرجّح وَاحِدًا مِنْهَا على الْبَوَاقِي. قَالَ: ثمَّ إني أجد تلك المسئلة فِىِ بعض الْكتب، وَأجِد أنه قد ذهب إلى كل مَا لَاحَ لي من الْوُجُوه وَاحِد من الأئمة، وَأجِد مَا رجّحته قد قيل فِيهِ، وَهُوَ الأصح، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: قلت حِين سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة مِنْهُ: إن هَذِه مرتبَة عَظِيمَة، قَالَ: وَلَيْسَ لي فضل على سَائِر الْعلمَاء، إلا بِهَذِهِ، قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: قَرَأت عَلَيْهِ حَوَاشِى "شرح الْمُخْتَصر" للسيد الشريف، فَلَمَّا بلغنَا إلى مَبْحَث خَواص الذاتي، وَكُنَّا نسْمع أن لَهُ هُنَاكَ اعتراضات على السَّيِّد الشريف، قرر الْمولى تِلْكَ الاعتراضات، وَمَا قَدرنَا أن نتكلم عَلَيْهَا لقوتها. ثمَّ قَالَ الْمولى الْمَذْكُور: وَهَذِه من الاعتراضات الَّتِي لَو كَانَ حَضْرَة الشريف فِي الْحَيَاة، وعرضتها عَلَيْهِ لقبلها بِلَا توقف، وَلَا أقل من الْقبُول بعد المباحثة، ثمَّ قَالَ: وَلَا تَظنن من كَلَامي هَذَا أني أدعِي الْفضل على حَضْرَة الشريف أوْ التَّسَاوِي مَعَه، فحاشا ثمَّ حاشا، إنه أستاذي فِي الْعُلُوم، لقد استفدت من تصانيفه، وَلَكِن كَانَ لَهُ همة صَادِقَة، وَلم يتخللها سوء المزاج وَلَا المناصب الأجنبية، وَلَقَد كَانَت معي تِلْكَ الهمة الصادقة، وَلَكِن تخللها سوء المزاج والمناصب الْأَجْنَبِيَّة، كالقضاء وَنَحْوه، وَلَو لم يتخللها هَذِه لَكَانَ لي شَأْن فِي الْعلم. قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: هَذِه عِبَارَته بِعَينهَا، قَالَ: وَكَانَ يَقُول: مَا نظرت فِي كتاب أحْد بعد تصانيف حَضْرَة الشريف بنية الاستفادة، وَحكى الْمولى الْوَالِد أنه قَالَ: إني صَاحب إقدام وإحجام، قلت: مَا التَّوْفِيقبَينهَا؟ قَالَ: إِذا كملت مطالعتي لَا أخاف أحدا كَائِنا من كَانَ، وَإِذا لم أكملها أخاف كل أحْد، قَالَ الْمولى الْوَالِد: إنه كَانَ لا يتكلم بِلَا مطالعة أصلا. نقل الْمولى الْوَالِد عَنهُ أنه قَالَ يَوْمًا: إن الْعُلُوم على ثَلَاثَة أقسام، قسم مِنْهَا مَا يُمكن تَقْرِيره وتحريره، وَهُوَ الْمَكْتُوب فِي المصنفات، وَمِنْهَا مَا يمُكن تَقْرِيره، وَلَا يجوز تحريره، وَهُوَ الْجَارِي عِنْد المباحثة، وَمِنْهَا مَا لا يمكن تَقْرِيره وَلَا تحريره، قَالَ: قلت: وأي علم لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ؟ قَالَ: مَا لا يمُكن التَّعْبِير عَنهُ لدقته إلا إذا حصل لأَحَد تِلْكَ الْحَالة الذوقية، فيتكلم مَعَه فِيهِ بالإيماء والإشارة لَا بِصَرِيح الْعبارَة. وَحكى عَنهُ أيضا أنه قَالَ: ذهبت يَوْمًا إلى الْوَزير الْمَذْكُور، وَجَلَست عِنْده، وَفيِ جَانِبه الآخر خير الدّين المهزول، وأراد بِهِ الْمولى خواجة خير الدّين معلم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، قَالَ: ثمَّ جَاءَ ابْن أفضل الدّين، فَجَلَسَ عِنْد خير الدّين، وأنف أن يجلس عِنْدِي، فتكدرت عَلَيْهِ لذَلِك، قَالَ قَالَ: ثمَّ جرى فِي الْمجْلس فضل السَّيِّد الشريف، واتفقا على أنه لَا يرد عَلَيْهِ اعْتِرَاض أصلا، قَالَ: قلت: إنه بشر، يُمكن أن يخطيء، وَلَكِن خَطؤُهُ قَلِيل، قَالَ: فأنكرا عَليّ، فَقلت: إنه يعْتَرض فِي "شرح المواقف" على الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي قَوْله: إن علم الْكَلَام مُحْتَاج إلى الْمنطق، وَيَقُول: لَا يجترئ عَلَيْهِ إلا فلسفي أوْ متفلسف، يلحس من فضلات الفلاسفة، قَالَ: وَيذكر نَفسه كَلَام الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي حَوَاشِيه على "شرح الْمُخْتَصر" بقوله: وَالْحق قَالَ: قلت: وَهَذَا خطأ صَرِيح، قَالَ: فاعترفا بِمَا نقلته عَن "شرح المواقف"، وأنكرا مَا نقلته عَن الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة. قَالَ: قلت: إنه مَكْتُوب فِي نُسْخَتي فِي الصفحة الْيُمْنَى بعد أربعة أسطر، وَهُوَ اآان نصب عَيْني، قَالَ: قَالَ الْوَزير: عِنْدِي الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة، فَأمر بإحضارها، فأحضرت، وَكَانَ غَرَضه من ذَلِك أن لَا يُوجد فِيهَا، وَيظْهرافترائي على حَضْرَة الشريف، قَالَ: فَوجدت الْكَلَام الْمَذْكُورْ فِيِ الْحَاشِيَة، فَنظر إليه، فَسكت خير الدّين، وَقَالَ ابْن أفضل الدّين: مَا فِي هَذِه الْحَاشِيَة بَيَان فِي نفس الأمر، وَمَا فِي "شرح المواقف" اعْتِرَاض، قَالَ: قلت: إنك قلت: فِي نفس الأمر، وَمَا مَعْنَاهَا؟ قَالَ: إن لَهَا مَعْنيين، قَالَ: قلت: قد أخطأت، وجهلت أن لَهَا معنى وَاحدًا، يصدق على أَمريْن، وَأَنت مِمَّن لَا يفرق بَين الْمَفْهُوم وَبَين مَا صدق هُوَ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِك تَدعِي الْعلم، قَالَ: فَسكت ابْن أفضل الدّين. قَالَ: قَالَ الْوَزير: يَا مَوْلَانَا إن فِيك لحدة، قَالَ: قلت: نعم، إن لي حِدة، لَكِن على الْكَلَام الْبَاطِل، قَالَ: قَالَ الْوَزير: أهكذا تعامل مَعَ طلبتك، قَالَ: قلت: لَو تكلم وَاحِد مِنْهُم بِمثل هَذَا الْكَلَام الْبَاطِل لضَرَبْت بِالْكتاب على رَأسه، قَالَ: فَضَحِك الْوَزير، ثمَّ قُمْت، فَذَهَبت … * * *