محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 6456, entry [5743]5,838 chars
٤٨٣٣ - الشيخ الفاضل المولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد، الشهير بعرب زَاده * ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: نَشأ ﵀ طَالبا للتحصيل، وراغبا فِي التَّكْمِيل، فاشتغل على موَالِي عصره، وأفاضل دهره، وتتبع الْكتب والرسائل، وَضبط الْقَوَاعِد والمسائل، وبرز فِي الْفُنُون، وفَاق، وملأ بصيته الآفاق، وَصَارَ…
▸ expand full passage (5,838 chars)٤٨٣٣ - الشيخ الفاضل المولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد، الشهير بعرب زَاده * ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: نَشأ ﵀ طَالبا للتحصيل، وراغبا فِي التَّكْمِيل، فاشتغل على موَالِي عصره، وأفاضل دهره، وتتبع الْكتب والرسائل، وَضبط الْقَوَاعِد والمسائل، وبرز فِي الْفُنُون، وفَاق، وملأ بصيته الآفاق، وَصَارَ ملازما للْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سليما. ثمَّ قلد الْمدرسَة الَّتِي بناها عبد السلام بقصبة "جكمجه" بِخمْس وَعشْرين، ثمَّ صَارَت وظيفته فِيهَا ثَلَاثِينَ، ثمَّ ولي بأربعين الْمدرسَة الَّتِي بناها السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي بِمَدِينَة "بروسه" الْمَشْهُور بـ "قبولجه"، ثمَّ نقل عَنْهَا إلى مدرسة مَحْمُود باشا بـ "قسطنطينية" بِخَمْسِينَ. وَقبل أن يدرس فِيهَا أعطي مدرسة السُّلْطَان سُلَيْمَان، وَلم يذهب كثير، حَتَّى نقل إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، فداخله نوع من الْغرُور الَّذِي يعمي الْقُلُوب، الَّتِي فِي الصُّدُور، فنسي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، تحرّك على خلاف الْعَادة وَعين وَاحِدًا من طلبة الْمولى أبي السُّعُود للإعادة، فَلَمَّا سمع تَركه الأدب، قَامَ الْمُفْتِي على سَاق الْغَضَب، وتهيأ للخصام، وتأهب للانتقام، فأضرم ناره، وَطلب ثاره، وَقصد إلى أن يمحو آثاره، فَكتب الْحِكَايَة، وعرضها على السُّلْطَان، وأظهر الشكاية.فَلَمَّا سمع السُّلْطَان إساءته الأدب استولى عَلَيْهِ ثائرة الْغَضَب، فأمر أن يكتبوا صُورَة فَتْوَى، مضمونها: من حقّر شيخ الإسلام ومفيَ الأنام فَمَا جَزَاؤُهُ عند الأئمة الْعِظَام. فأجاب الْمُفْتِي الْمَزْبُور بِثَلَاث كَلِمَات، الْعَزْل لِلْأَبَد، وَالضَّرب الأشد، وَالنَّفْي عَن الْبَلَد، فَعَزله السُّلْطَان، وعزم على تحقيره، فَأمر بتأديبه وتعزيره، فَاحْضُرْ إلى الدِّيوَان كواحد من الأوغاد، وَضرب على رُؤُوس الأشهاد، فَلَمَّا جَاوز الضَّرْب الْحَد أَمر بنفيه عَن الْبَلَد، فارتحل وَرَايَةْ عزّه منكوسة إلى دَار الْملك "بروسه"، وَرجع بخفي حنين، وَأقَام بهَا مُدَّة سنتَيْن، لَا أنيس لَهُ، إلا الْبعد والفراق، وأيامه فِي الظلمَة كليلة المحاق: الدَّهْر دولاب يَدُور … فِيهِ السرُور مَعَ الشرور بَينا الْفَتى فَوق السما … وَإذا بِهِ تَحت الصخور ثمَّ رَضِى عَنهُ السُّلْطَان، فأعطاه ثَانِيًا إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ نقل إلى إحدى الْمدَارِس السُّلْطَانِيَّة الْمَعْرُوفَة عِنْد النَّاس بالسليمانية، ثمَّ نقل من تِلْكَ العامرة إلى قَضَاء "الْقاهِرَة"، فَلَمَّا عزم على السّفر رأى مُؤنَة الْبر أكبر، فقصد الْبَحْر فِي غير أوانه فِي زمن عتوه وطغيانه، كَيفَ لَا، وَقد أدبر الرّبيع، وَأَقْبل الشتَاء، وألقت وشَاة الثلوج والأمطار برودة بَين الأرض وَالسَّمَاء، وَلبس السَّحَاب فَرْوَة السنجاب، وَعرض أقطان الثَّلج قَوس السَّحَاب على الحلج، وَكم نَاصح بذل جهده، واستفرغ فِي نصحه مجهوده، وَرب حَازِم نصيح، عرض عَلَيْهِ الرَّأْي الصَّحِيح، إلا أن سبق الْكتاب أغفله عَن طَرِيق الصَّوَاب. إذا انعكس الزَّمَان على لَبِيب … يحسن رَأْيه مَا كَانَ قبحا يعاني كل امْر لَيْسَ يعْنى … وَيفْسد مَا رَآهُ النَّاس صلحا فَلم يلْتَفت إلى كَلَام وملام، قَائِلا: لَا تكترثوا بشأن الشتَاء، فإنما هُوَ برد وَسَلام مركب الْبَحْر وَأَصْحَابه يمْنَعُونَ تاليا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْفَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، فَلَمَّا انْفَصل من جَزِيرَةِ رودسِ هبت الرِّيَاح الْعَاصِفَة، وأومضت البروق الخاطفة، وأظلمت السَّمَاء، وطفت كرة الماء، واضطرب الْبَحْر، وماج، وَارْتَفَعت الأمواج، وتواتر تَوَاتر الْكَتَائِب، وهجمت هجوم العدا على المراكب، وَظهر فِي ظهر الْبَحْر أودية وجبال وأنجاد شاهقة وتلال. فَلَمَّا شاهدوا هَذِه الأحوال غَابَتْ الشَّمْس فِي الْحَال، وعزمت على العروج والتحصن بالبروج، واصفرت وجنة الْقَمَر من خوف الْهَلَاك، وتشبث بذيل الأفلاك، وَأَقْبل عَلَيْهِم اللَّيْل، وَأَنْذرهُم بالشدة وَالْوَيْل، والسفينة بَين الصعُود والهبوط، وأهلها غارقون فِي بَحر الْيَأس والقنوط، وإذا موج عَظِيم كالجبل يدب نحوهم دَبِيب الأجل إلى الأمل. فَلَمَّا شاهدوا الويل سَالَتْ عبراتهم كالسيل، وَأخذُوا فِي الاسْتِغْفَار والاستحلال، وشرعوا فِي التضرّع والابتهال، وطلبوا من الله الْخَلَاص، واجتهدوا فِي طَرِيق المناص، إلا أن إرادة الْجَبَّار ساقت الْمركب نَحْو التيار، فَلم يمُكن لذَلِك الفوج إلا الدُّخُول فِي الموج. مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ … تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن فَلَمَّا انصب الماء عَلَيْهم، وانقض تلو قَوْله تَعَالَى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، وَلما ارْتَفَعت تِلْكَ الطامة، وَفتح أعينهم الْخَاصَّة والعامة، تفقد كل امْرِئ صَاحبه ورفيقه ومصاحبه، فإذا المرحوم وَفرْقَة من رفقته وأرباب صحبته، فقدوا وَلم ير لَهُم أثر، وَلم يسمع عَنْهُم خبر: كَأَن لم يكن بَين الحْجُون إلى الصَّفَا … أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر وَحكي أنه كَانَ ﵀ قَاعِدا فِي كوثل السَّفِينَة مَعَ سَبْعَة عشر نَفرا من أصحابه وخلاصة أحزابه، فَلَمَّا غشيهم من اليم مَا غشيهم، وأحاطهم ذَلِك الموج الْكَبِير، رمى بالكوثل إلى الْبَحْر، مَعَ من بِهِ من الْكَبِير وَالصَّغِير،وَكَانَ المرحومِ يقْرَأْ الْقُرْآن، وَيسْأل الْفرج من الْملكِ الرَّحْمَن، فَمَا غرق إلا والمصحف على صَدره، أغرقهم الله فِي بحار رَحمته، وَجمع شملهم فِي حدائق جنته، وحلول البأس بِهَذِهِ الفئة سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسعمِائَة، وَقد مضى من عمره خَمْسُونَ سنة. وَكَانَ ﵀ من فحول عصره، وأكابر دهره، صَاحب تَحْقِيق وتدقيق، وتوفيق وتلفيق، قوي الجْنان، نَافِذ الْكَلَام، يلوح من جَبينه آثَار الْفَوْز والسعادة، يصرف أكثر أوقاته فِي مطالعة الْكتب وَالْعِبَادَة، وَكَانَ فِي طَرِيق الْحق من السيوف الصوارم، لَا يخَاف فِي الله لومة لائم، وَكَانَ ينظم الشّعْر الْمُحكم الْمُشْتَمل على نبذ من الحكم، وَقد ظَفرت بِهَذِهِ الأبيات الخليقة بالإثبات، وَقد قَالَهَا قبل مَوته بأيام على مَا نَقله بعض الأعلام: أيا طَالبا مَالا وتزعم مَالِكًا … فَمَا لَك تَدْعُو للعواري بمالكا قُم واشتغل كسب الْكَمَال فإنه … كمالك عِنْد الله لَيْسَ كمالكا وناج بِذكر الله إنك باسمه … لناج من الأحزان فِي كل حالكا إلهى ومولائي علمتك محسنا … جميلا فجاملني بِنور جمالكا وجد نظرة وارفع حجاب هويتي … وَلَا تحرمني نفحة من وصالكا أتيتك من كل الْوَسَائِل عَارِيا … وَلم أرك فِي هَذَا شقيا وهالكا نِهَايَة آمالي لقاؤك مسرعا … فيا موصل المشتاق بلغ هنالكا وعلق حَوَاشِي على "تفْسِير الْبَيْضَاوِيّ"، وعَلى "الْهِدَايَة"، و"العناية"، وَ"فتح الْقَدِير"، وَ"صدر الشَّرِيعَة"، وعَلى "شرح الْمِفْتَاح" للشريف، وعَلى "المطول"، إلا أن أكثرها فِي حَوَاشِي الْكتب، وَلم يَتَيَسَّر لَهُ الْجمع وَالتَّرْتِيب، ضاعف الله أجره إنه قريب مُجيب. * * *