محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 5644, entry [5040]8,185 chars
٤٢٢٨ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة صاحب المقامات العليّة والكرامات المشرقة الجليّة نظام الدين محمد بن أحمد بن علي البخاري البدايوني* * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأولياء المشهورين بأرض "لهند". انتهت إليه الرياسة في دعاء الخلق إلى الله تعالى، والتسليك في طريق…
▸ expand full passage (8,185 chars)٤٢٢٨ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة صاحب المقامات العليّة والكرامات المشرقة الجليّة نظام الدين محمد بن أحمد بن علي البخاري البدايوني* * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأولياء المشهورين بأرض "لهند". انتهت إليه الرياسة في دعاء الخلق إلى الله تعالى، والتسليك في طريق العبادة، والانقطاع عن الدنيا، مع التضلّع من العلوم الظاهرة، والتبحّر فى الفضائل الفاخرة. ولد بمدينة "بدايون" في سنة ستّ وثلاثين وستمائة.وتوفي والده في صغر سنه، فتربّي فى حجر أمّه، واشتغل بالعلم، وقرأ الفقه والأصول العربية على الشيخ علاء الدين الأصولي. ثم سافر إلى "دهلي"، وكان في الخامسة عشرة من سنّه، فقرأ الكتب الدرسية على أساتذتها، منهم: الشيخ شمس الدين الخوارزمي، وحفظ عنه أربعين مقامة من "المقامات" للحريرى. ثم قرأ "المشارق" للصغاني على الشيخ كمال الدين محمد الزاهد الماريكلى، وحفظه كفارة عن "المقامات". ثم سافر إلى "أجودهن"، وأخذ عن الشيخ الكبير فريد الدين مسعود الأجودهني القرآن الكريم، و"عوارف المعارف"، و"كتاب التمهيد" للشيخ أبى شكور السالمي، ولبس منه الخرقة، وصحبه مدّة، وأجازه الشيخ في سنة تسع وستين وستمائة، وأذن له إلى "دهلى"، وأمره أن يقيم بها، فرجع، وأقام بـ"دهلى" في أمكنة عديدة، يدور في محلّاتها طالبا العزلة، حتى أقام بـ"غياثبور". واشتغل بها بالمجاهدة من الصيام والقيام والذكر والفكر في الأربعينات على طريق السادة المشايخ الجشتية (¬١)، وكان شيخه فريد الدين أوصاه عند توديعه أن يحفظ القرآن الكريم، وأن يصوم دائما، وقال: إن الصوم نصف الطريق، فلازمه، وحفظ القرآن، وانقطع إلى الله سبحانه بقلبه وقالبه، معالزهد والعبادة والعفاف والقنوع والتوكّل والإيثار وسائر الأخلاقِ المرضيّة، ولقد أحلّه الله تعالى من الولاية محلا لا يرام ما فوقه، وهدى به في عهده، ثم بأصحابه من بعده خلقا لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج، فلا ترى ناحية من نواحي المسلمين من بلاد "الهند"، إلا وقد نمت فيها طريقته، وجرى على ألسنة أهلها ذكره، إليه ينتمون، وبه يتبرّكون. وكان إماما مجاهدا زاهدا صاحب الترك والتجريد، يقوم الليل، ويصوم النهار، لم ينكح امرأة، ولم يبن دارا، ولم يدّخر شيئا، ولم يرض بلقاء الملوك والسلاطين، مع إلحاحهم على ذلك، وشدّة توقهم إليه. قال الكرماني في "سر الأولياء": إن جلال الدين فيروز الخلجي كان يريد أن يلاقيه، وهو يمنعه من ذلك، فأراد أنه يدخل عليه بغتة بغير إذن، فلمّا اطلع الشيخ على ذلك خرج من "دهلى"، وذهب إلى "أجودهن" قبل أن يحضر الملك عنده. وكذلك أرسل إليه علاء الدين محمد شاه الخلجى كتابا يشتمل على بعض مهمّات الأمور، ودعاه يستشيره في بعض المصالح، فأبى، وقال: إن كان السلطان لا يحبّ أن أقيم في ملكه، فيظهر ذلك من غير تورية، فإن أرض الله واسعة، فأرسل إليه السلطان ابنه، واعتذر من مخاطبته إياه في تلك الأمور، واستأذن في حضوره لديه، فأبى الشيخ، ولما أصرّ السلطان على ذلك، قال: إن في دارى بابين، يدخل السلطان من باب، وأخرج من الباب الآخر. ومن ذلك ما روي أن قطب الدين بن علاء الدين الخلجي كان معتادا أن يحضر العلماء والمشايخ في غرّة كلّ شهر للتهنئة، وكان الشيخ لا يذهب بنفسه النفيسة، بل يذهب خادمه إقبال نيابة عنه، فاغتاظ السلطان منه، وقال: إن لم يحضر الشيخ بنفسه في الشهر القابل نفعل به ما نشاء، فاغتمّالناس، وكانوا يتناجون بينهم، والشيخ كان جذلا، رخي البال، فارغ الخاطر، لا يرى عليه أثر الحزن، حتى استهلّ الشهر، وقتل السلطان المذكور في تلك الليلة. قال الكرماني: إن غياث الدين تغلق شاه لما استقلّ بالملك حرّضه بعض العلماء على أن ينكر على الشيخ استماع الغناء، والسلطان يتأخّر عنه، ويقول: كيف أجترئ على ذلك؟ فإنه مع جلالته في العلم والعمل والتقوى والعزيمة كيف يرتكب الحرام، فعرضوا عليه الفتوى التى رتّبها الفقهاء على القاضي حميد الدين الناكوري في استماع الغناء، فأمر السلطان بإحضار الشيخ للمناظرة بمحضر من الناس، فقبله الشيخ، وحضر ذلك المجلس المحفوف بالعلماء والمشايخ والصدور والقضاة، فأقبل عليه القاضي جلال الدين الولوالجي، وطفق يطعن عليه، ويشنّع عليه استماع الغناء، وكان الشيخ يسمعه بالتحمّل والسكينة، حتى أخذ القاضى في الزجر والتوسّع إلى الغاية، فقال الشيخ: لعلك تقول ذلك بلسان الحكومة، وإنك معزول عنها، فسكت القاضي. وقيل: إنه عزل عن خدمته بعد اثنى عشر يوما، ثم أقبل عليه حسام الدين شيخ زاده، ونحا نحو القاضي المذكور، فقال الشيخ: إن ذلك الكلام بمعزل عن دأب المناظرة، فليكن عمود البحث متعيّنا أولا، ثم سأله عن معنى الغناء، فقال: لا أدري ما هو، ولكنّي أعلم أنه حرام عند العلماء، فقال الشيخ: إن كنت لا تعلم ما هو فلست لي بالمخاطب في البحث والمناظرة، ثم كثر اللغط. وقال القاضى كمال الدين: إنه صحّ عن الإمام الأعظم أنه قال: السماع حرام، والرقص فسق، فقال الشيخ: كلا! لم يصحّ ذلك عن الإمام. ثم جاء الشيخ علم الدين سليمان الملتاني، فرفع السلطان تلك القصّة إليه، وحكمه في ذلك، فقال: إني صنّفت في ذلك رسالة، وبيّنتفيها دلائل الحلّ والحرمة، وقضيت فيه بأنه حلال لمن يسمع بالقلب، وحرام لمن يسمع بالنفس. فقال السلطان: إنكم سرتم إلى بلاد "الروم" و"الشام" و"بغداد"، هل يمتنع المشايخ عن استماع الغناء في تلك البلاد أم لا؟ فقال: لا، فإن المشايخ يستمعون الغناء بالدفّ من غير نكير عليه. فقال القاضي جلال الدين المذكور: ينبغي للسلطان أن ينصر مذهب الإمام الأعظم ﵀، ويحكم بالمنع عنه. فقال الشيخ نظام الدين: لا ينبغى له أن يحكم بشئ قبل أن تفصل القضية. ثم لما كانت أدلة التضليل لمن يقول بالتحليل ظاهرة البطلان رجع البحث إلى الحلّ والحرمة. ثم آل إلى أولوية الترك أو الفعل، وكان من أول الضحى إلى الزوال، ثم انفضّ المجلس، وأذن له تغلق شاه بالرجوع مراعيا للأدب والاحترام. فلما رجع الشيخ إلى داره، وفرغ من صلاة الظهر أمر بإحضار القاضي محي الدين الكاشاني، والقاضى ضياء الدين البرني، وخسرو بن سيف الدين الدهلوي. وقال: إني عجبت اليوم من جرأة الفقهاء، كيف أنكروا الأحاديث؟ وقالوا: إن الرواية الفقهية مقدّمة عليها، وبعضهم قالوا: إن ذلك الحديث متمسّك للشافعى، وهو عدوّ لعلمائنا، فلا نستمعه، ولا نعتقده. وقالوا ذلك بمحضر الصدور والقضاة، فكيف يصحّ اعتقادهم في الأحاديث! فإن رضي السلطان بها ومنع عن رواية الحديث أخاف أن يحلّ عليهم غضب الله سبحانه، ويهلك الحرث والنسل بسوء اعتقاد العلماء بالحديث.قال الكرماني: وقد وقع ما قال الشيخ بعد بضع سنين من يد محمد شاه تغلق، فإنه قتل من السادة والأشراف مالا يحصر بحدّ وعدّ، ثم أخرج الناس من "دهلي" إلى "دولت آباد"، فلم بيق في "دهلى" أحد، ومضت على ذلك شهور وأعوام، وكان ذلك بعد وفاة الشيخ. قال الكرماني في "سير الأولياء": إنه كان حنفيا، ولكنّه كان يجوّز القراءةَ بالفاتحة خلف الإمام في الصلاة، وكان يقرؤها في نفسه، فعرض عليه بعض أصحابه ما روى: إني وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، فقال: وقد صحّ عنه ﷺ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فالحديث الأول مشعر بالوعيد، والثاني ببطلان الصلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة، وإني أحبّ أن أتحمّل الوعيد، ولا أستطيع أن تبطل صلواتي، على أنه قد صحّ في الأصول أن الأخذ بالأحوط والخروج من الخلاف أولى. وكان ﵀ يجوّز صلاة الجنازة على الغائب، ويستدلّ عليه بالحديث المشهور، وكان يقول: إذا سمعتم بالحديث، ولم تجدوه في الصحاح، فلا تقولوا: إنه مردود، بل قولوا: إنا ما وجدناه في الكتب المتلقّاة بالقبول. وكان يستمع الغناء بالدفّ، وإذا أراد أن يستمع يقلّ في طعام الإفطار قبل ذلك بيومين، وكان إفطاره بمقدار قليل لا يستطيع الرجل أن يعتاده، وكان مغنّيه ذا دين، وكان تواجده أن يقوم على سجادته، ويبكى بكاء شديدا، تبلّ دموعه المناديل، وكان يحبّ أن يخفى على الناس بكاءه، وقلّما رآه الناس باكيا، وانما يعرفون ذلك ببل المناديل، فكان يمسحها بيده ومنديله، ولم يسمع منه في ذلك الحال صوت التأوّه قطّ. وكان يحترز عن المزامير، ويمنع أصحابه عن ذلك، ويقول: إنها حرام في الشريعة المطهّرة. وكان يقول: إن السماع على أربعة أقسام: حلال وحرام ومكروه ومباح، فإن كان المستمع له ميلان إلى الحقيقة فله مباح، وإن كان له ميلانإلى المجاز فله مكروه، وإن كان قلبه متعلّقا بالمجاز بأسره فعليه حرام، وإن كان قلبه متعلقا بالحقيقة بأسرها فله حلال، وكان يقول: إن للسماع آدابا من حيث المستمع والمسمع والمسموع وآلة السماع، فلا بدّ أن يكون المستمع مائلا إلى الحقّ، والمسمع رجلا صالحا، لا امرأة ولا أمرد، والمسموع خاليا عن الهزل، وآلة السمع لا تكون محركة كالسنك والرباب وغيرهما من المعازف والمزامير. ويقول: لا بدّ أن يكون المجلس خاليا من غير الصلحاء. انتهى. وقد ذكره علي بن سلطان القارئ المكي في كتابه "الأثمار الجنيّة في أسماء الحنفية"، وقال: إنه شيخ فقيه علما وحالا، وإليه المنتهى في دعاء الخلق إلى الله تعالى وتسليك طريق العبادة والانقطاع عن علائق الدنيا، هذا مع التضلّع من العلوم الظاهرة والتبحّر في الفضائل الفاخرة، ومكاشفاته والخوارق التي ظهرت على يده، ولسانه أكثر من أن يطمع في إحصائها بقلم ولسان، وقبره اليوم مقصد جميع أهل تلك البلاد من الحاضر والباد، وقلّد المسلمون في تعظيمه الكفار، فيقصدونه للتكريم والزيارة. انتهى. وقد ذكره مجد الدين الفيروز آبادي صاحب "القاموس" في كتابه "الألطاف الخفيّة في أشراف الحنفية"، وذكره عبد الرحمن الجامي في كتابه "نفحات الأنس وحضرات القدس". وصنّف كثير من العلماء في أخباره كتبا مستقلّة، أحسنها: "سير الأولياء" مع أكثر أصحابه ملفوظاته، أشهرها: "فوائد الفؤاد". مات رحمه الله تعالى في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وله تسع وثمانون، ودفن بمدينة "دهلي" في قاع خارج المدينة، بنى فيه محمد شاه تغلق ومن الملوك الأبنية الرفيعة، وقبره مشهور ظاهر يزار، ويتبّرك به. * * *