محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3751, entry [3081]5,779 chars
٢٥٩١ - الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله الإلهي * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، وقال: كان مولده بقصبة "سماو" من ولاية "أناطولي" اشتغل في أول عمره بالعلم الشريف، وتوطّن مدّة بمدينة "قسطنطينية" في المدرسة المشهورة هناك بمدرسة زيرك، ولما ارتحل المولى علي الطوسي إلى بلاد العجم ارتحل هو معه أيضًا …
▸ expand full passage (5,779 chars)٢٥٩١ - الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله الإلهي * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، وقال: كان مولده بقصبة "سماو" من ولاية "أناطولي" اشتغل في أول عمره بالعلم الشريف، وتوطّن مدّة بمدينة "قسطنطينية" في المدرسة المشهورة هناك بمدرسة زيرك، ولما ارتحل المولى علي الطوسي إلى بلاد العجم ارتحل هو معه أيضًا إلى بلاد العجم، ولقبه بقصبة "كرمان"، واشتغل عنده بالعلوم الظاهرة، وغلب عليه داعية الترك، فجمع كتبه، وقصد أن يحرقها بالنار. ثم بدا له أن يغرقها بالماء، ولما كان هو في هذا التردّد إذ دخل عليه فقير، فعرض خاطرته عليه، فقال: بع الكتب، وتصدق بثمنها إلا هذا الكتاب فإنه يهمك، فإذا هو كتاب فيه رسائل المشايخ. ثم عزم هو بمدينة "سمرقند"، ووصل هناك إلى خدمة الشيخ العارف بالله خواجه عبيد الله السمرقندي، وحصل عنده الطريقة، وتشرّف بتلقين من الشيخ، ثم ذهب بإشارة منه إلى "بخارا"، واعتكف هناك عند قبر الشيخ خواجه بهاء الدين النقشبندي، وتربى عنده من روحانيته، حتى أنه ربما ينشقّ القبر، ويتمّثل له خواجه بهاء الدين، ويعبر واقعته، ثم أتى مدينة "سمرقند" وصحب مع المولى عبيد الله مدّة أخرى، ثم ذهب بإشارته الشريفة إلى "بلادالروم"، ومرّ ببلاد "هراة"، وصحب مع المولى عبد الرحمن الجامي، وغير ذلك من مشايخ "خراسان". ثم أتى وطنه، وسكن به، واشتهر حاله في الآفاق، واجتمع عليه العلماء والطلاب، ووصلوا إلى مآربهم، وبلغ صيته إلى مدينة "قسطنطينية"، وطلبه علماؤها وأكابرها، فلم يلتفت إليهم إلى أن مات السلطان محمد خان، وظهرت الفتن في وطنه، فأتى مدينة "قسطنطينية"، وسكن هناك بجامع زيرك، واجتمع عليه الأكابر والأعيان، فتشوش الطلاب بمزاحمة الأكابر، ومال الشيخ إلى الارتحال منها، فبينما هو على ذلك إذ استدعاه الأمير أحمد بك الأورنوسي، وكان من محبيه بأن يشرف مقامه بولاية "روم إيلي" المسمّى بوارطار يكيجه سي، فقبل كلامه، وارتحل إليه، واجتمع عليه الطلاب، وانتفعوا به. ومات هناك سنة ستّ وتسعين وثمانمائة، ودفن بذلك الموضع، وهناك جامع ومزار يزار، ويتبرك به، وكان قدّس سرّه العزيز في مجالسه الشريفة على الحضور التام، وكان إذا غلب على واحد من أهل المجلس فترة أو غلب عليه خاطرة، يلتفت إلى جانبه للدفع، ويتكلّم بما يدفعها. وكان متواضعا، صاحب خلق عظيم، بحيث لو دخل عليه أحد صغير أو كبير أو فقير أو غني، يقوم له من مجلسه، وذكر عنده انقطاع الشيخ ابن الوفاء عن الناس وخروجه إليهم مؤقّتا وعدم التفاته إلى الأصاغر والأكابر، فقال: اختار جانب الحضور على حسن الخلق. ومن جملة مناقبه الشريفة: ما حكي عن الشيخ مصلح الدين الطويل، وكان هو من جملة أحبائه أنه قال: كنت مع سائر الطالبين عند حضور الشيخ بجامع زيرك، وعنده الشيخ عابد جلبي من أبناء جلال الدين الرومي، وكان قاضيا، ثم تركه، وصار ممن يلازم خدمة الشيخ، فأسره الشيخ بكلام إليه، فنظر هو إلى جانب وتبسم، قال: فتعجّبت من هذا الحال، فسألتعابد جلبي عن هذا، فقال: قال لي الشيخ: انظر إلى بدر الدين خليفة، وكان إماما بالجامع المذكور، وكان رجلا صالحا من أهل الطريقة الخلوتية، قال: قال: فنظرت فإذا هو في زيّ راهب، فتبسّمت من هذا، قال الشيخ مصلح الدين رحمه الله تعالى: فازداد بهذا الكلام اضطرابي، فقلت في نفسي: كيف كشف الشيخ حال ذلك الإمام، مع أنه رجل صالح من أهل الطريقة، كيف خصّ هذا الكلام بعابد جلبي، ولم يكن ذلك من عادته، فغلب علي هذا الخاطر، حتى تكلّمت عند الشيخ، قال الشيخ: ذلك الزيّ صورة إنكاره عليّ لا صورة دينه، وتخصيص الكلام بعابد جلبي هو أن مشارب الناس مختلفة، مثلا صبيان العوام يعلمون بالضرب، وصبيان الأكابر يعلمون باللطف، ولو لم أتلطّف معه لتركني، وترك هذا الطريق. ومن جملة مناقبه: أن عجوزا من إحبائه جاءت إليه يوما، فقالت: رأيت واقعة عجيبة، رأيتني في المنام ضفدعا، فقال الشيخ لا بأس بذلك، ولا ضرر فيه عليك، ولم تقنع العجوز بهذا الكلام، ولم تبرح من مكانها، ثم التفت إليها الشيخ، وقال لعلّك نويت الضيافة، فتركتها، قالت: نعم نويت ضيافة أحباء الشيخ، ثم تركتها لضيق مكاني عنهم، فراحت العجوز، وقنعت بهذا التعبير، قال: فسألناه عن هذا التعبير، قال: إن التعبير قد يؤخذ من اللفظ، وكلمة ضفدع مركّب من ضف، وهو من الضيافة، ومن دع وهو معنى الترك. ونقل عن المولى عابد جلبي المزبور أنه قال: أقمت عند الشيخ مدّة، ولم ينفتح لي شيء، ونويت أن ننقل إلى خدمة الشيخ محي الدين الأسكليبي، قال: فصليت في الجامع يوما، وأنا على هذه الخاطرة، والشيخ يصلّي في العلوّ، وبعد الصلاة التفت إليّ الشيخ، قال رأيتك تصلّي، ولكنّني رأيتك في صورة الشيخ محي الدين الأسكليبي، قال: فاعتذرت إليه، وقبلت يده، ولازمت خدمته، قدّس الله تعالى سرّه العزيز.واعلم أن الطريقة النقشبندية تنتهي إلى الشيخ العارف بالله الشيخ خواجه بهاء الدين النقشبندي، ولنذكر بعضا من مناقبه ومن مناقب بعض أحبائه رجاء أن ينفعنا الله تعالى بذكر مناقبهم الشريفة، وأوصافهم اللطيفة، نفعنا الله تعالى بهم في الدنيا والآخرة، فنقول أصل هذه الطريقة خواجه بهاء الدين النقشبندي قدّس سرّه العزيز، واسمه الشريف محمد بن محمد بن محمد البخاري، كان نسبته في الطريق إلى السيّد أمير كلال، وتلقّن منه الذكر، وتربى أيضًا من روحانية الشيخ عبد الخالق الفجدواني. سئل هو عن طريقته وقيل: إنها مكتسبة أو موروثة، فقال: شرفت بمضمون جذبة من جذبات الحق، توازي عمل الثقلين، وسئل هو أيضًا عن معنى طريقته، فقال: الخلوة في الكثرة، وتوجّه الباطن إلى الحق والظاهر إلى الخلق، قال: وإليه يشير قول الله ﷿ ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وكان لا يذكر علانية، ويعتذر في ذلك، يقول: أمرني عبد الخالق الفجدواني في الواقعة بالعمل بالعزيمة، فلهذا تركت الذكر في العلانية، ولم يكن له غلام، ولا جارية، فقيل له في ذلك، فقال: العبد لا يليق أن يكون سيّدا، وسئل أين منتهى سلسلتك؟ فقال: لا يصل أحد بالسلسلة إلى موضع، وكان يوصي باتهام النفس ومعرفة كيدها ومكرها. وكان يقول لا يصل أحد إلى هذه الطريقة، إلا بمعرفة مكايد النفس، وقال في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن ينفي وجوده الطبيعي في كلّ طرفة عين، ويثبت معبوده الحقيقي. وكان يقول: نفى الوجود أقرب الطرق عندي، ولكن لا يحصل إلا بترك الاختيار، ورؤية قصور الأعمال، وكان يقول: التعلق بما سوى الله تعالى حجاب عظيم للسالك. وكان يقول: طريقتنا الصحبة والخير في الجمعية بشرط نفي الأصحاب بعضهم بعضا، وفي الخلوة شهرة والشهرة آفة، وقال أيضًا: طريقتنا هي العروةالوثقى، لأنها مبنية على المتابعة لرسول الله ﷺ وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه وآدابهم. وقال: لا بدّ للطالب أن يعرف أحواله أولا، فإذا صحب مع واحد من أهل الطريقة، فإن وجد في حاله زيادة يلازمه بحكم قوله ﵇ أصبت، فالزم. مات قدّس سرّه ليلة الاثنين الثالثة من شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. * * *