محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3701, entry [3046]4,136 chars
٢٥٥٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أبي يَزيد الخَلَنْجِيّ * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال الخطيبُ: كان من أصحاب أبي عبد الله أحمد بن دُؤاد، حاذقا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، واسع العِلْم، ضابِطًا. وكان يصحب ابنَ سَماعة. وتقلَّد المظالِمَ بالجَبَل، فأُخْبِرَ ابنُ أبي دُؤاد أنَّه فاضلٌ، عالم…
▸ expand full passage (4,136 chars)٢٥٥٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أبي يَزيد الخَلَنْجِيّ * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال الخطيبُ: كان من أصحاب أبي عبد الله أحمد بن دُؤاد، حاذقا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، واسع العِلْم، ضابِطًا. وكان يصحب ابنَ سَماعة. وتقلَّد المظالِمَ بالجَبَل، فأُخْبِرَ ابنُ أبي دُؤاد أنَّه فاضلٌ، عالمٌ بالقضاء ووُجوهِه، فسأل عنه ابنَ سماعَة، فشَهِد له، فكلَّم ابنُ أبي دُؤاد المعْتَصمَ، فَوَلّاه قضاءَ "هَمَذان"، فأقام نحوًا من عشرين سنة لا يُشْكَى، وتلطَّف له محمد بن الجَهْم في مالٍ عظيمٍ، فلم يَقْبَلْه. ووَلِيَ أيضًا قَضاءَ "الشَّريفة" في أيَّام الواثقِ، ولما وَلِيَها ظهَرتْ عفَّتُه وديانتُه لأهل "بغداد" وكان فيه كِبْرٌ شديدٌ. وكتبَ إليه المعْتصِمُ في أن يَمْتَحِنَ النَّاس في القَوْلِ بخَلْقِ القرآن، وكان يضْبِطُ نَفْسَه، فتقدَّمتْ إليه امرأة، فقالتْ: إنَّ زَوْجِي لا يقول بقَوْلِ أمير المؤمنين في القُرآن، ففَرِّقْ بيني وبينه. فصاح عليها وطردَها، فلمّا كان في سنة سبع وثلاثين في جُمادَى عَزَلَهُ المتَوَكِّلُ، وأمر أن يُكْشَفَ عنه ليَفْضَحه بسببما امْتُحِن الناس به في القول بخَلْق القرآن، وفكُشِف عنه، فما انْكَشَف عليه أنَّه أخَذَ حَبَّةً واحدةً. ورُوِيَ أنَّه لما تَوَلَّى قضاءَ "الشَّرْقِيَّة" كَثُر من يُطالِبُه بفَكِّ الحَجْر فدعا بالأُمَناء، فقال لهم: مَن كان في يَدِه منكم مالٌ ليَتيمٍ فلْيَشْتَرِ له مَرًّ وزِنْبيلا يكونُ قِبَلَه، ولْيَدْفَعْ إليه مالهُ، فإن أتْلَفَه عَمِلَ بالمرِّ والزِّنْبيل. وذكره ابنُ عساكرُ في "تاريخ دمشق"، وقال: قرأت في كتاب علي بن الحسين ابن محمد الكاتب، حدَّثنا محمد بن خَلَف، حدَّثنا وَكيع، قال: كان الخَلَنْجِيّ القاضي، واسمُه عبد الله بن محمد، ابنُ أُخْتِ عَلَّوَيْه المغَنِّي، وكان تيَّاها صَلِفا، فتقلَّد في خلافة الأمين قضاء "الشَّرْقِيَّة"، فكان يجلس إلى أسْطونةٍ من أساطين المسجد، فيَسْتند إليها بجميع جسده ولا يتَحرَّك، فإذا تقدَّم إليه الخَصْمان، أقْبَل عليهما بجميع جسده وترك الاستناد، حتى يفْصِل بينهما، ثم يعودُ إلى حالِه، فعَمَد بعضُ المجّان إلى رُقْعةٍ من الرِّقاعِ التي يكتبُ فيها الدَّعاوَى، وألْصَقَها في موضع دبيته، وطلاها بدِبْق، وجاء الخَلَنْجِيّ فجلس كما كان يجلس، فالتصَقت دبيته بالدِّبق، وتمكَّن منها، فلما تقدَّم إليه الخُصومُ، وأقبلَ عليهم بجميع جسدِه كما كان يفْعَلُ، انْكَشف رأسُه، وبَقِيتْ الدبية في مَوضعها مَصْلوبةً، وقام الخَلَنْجِيّ مُغْضبا، وعلم أنَّها حِيلةٌ وقعتْ عليه، فغطّى رأسَه بطَيْلَسانِه، وقام، فانصرف، وتركَها مَكانَها، حتى جاء بعضُ أعْوانِه، فأخذَها، وقال بعض شُعراء ذلك العصر فيه: إنَّ الخَلَنْجِيّ مِن تَتَايُهِه … أثْقَلُ بادٍ لنا بطَلْعَتِه ماتِيهُ ذي نَخْوَةٍ مُناسبة … بين أخاوِينه وقَصْعَتِه يُصالح الخَصْمَ مَن يُخاصُمُه … خوفًا من الجَوْر في قَضِيَّتِه قال: وشُهِرت الأبياتُ والقصَّة بـ "بغداد"، وعمل عَلَّوَيْه حكاية أعطاها الرَّفَّايين والمخَنَّثين، فأخْرَجوه فيها، وكان عَلَّوَيه يُعاديه لمنازعةٍ كانتْ بينهما،ففَضَحه، واسْتَعْفَى الخَلَنْجِيُّ من القضاء بـ "بغداد"، وسأل أنْ يُولَّى بعضَ الكُوَرِ البعيدة، فوُلِّيَ جُنْدَ "دمشق" أو "حمص"، فلما وُلِّيَ المأمونُ الخلافةَ، غَنّاه عَلَّويْه بشعر الخَلَنْجِيّ، هو هذا: بَرِئْتُ من الإسلام إن كان ذا الذي … أتاك به الواشُون عنِّي كما قالوا ولكنَّهم لما رأوْكِ غَرِيَّةً … بهَجْرِي تَواصَوْا بالنَّمِيمة واحْتالوا فقد صِرْتِ أُذنًا للوُشاة سَمِيعةً … ينالون مِن عِرْضِي ولو شِئْتِ ما نالوا فقال له المأمون: مَن يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي "دمشق". فأمر المأمونُ بإحضاره، وكَتب إلى صاحب "دمشق" بإشخاصِه، فأُشْخِصَ، وجلس المأمونُ، أحْضَر عَلَّوَيْه، ودعا بالقاضي، فقال: أنْشِدْنِي قولَك: * بَرِئْتُ من الإسلام إن كان ذا الذي * فقال: يا أميرَ المؤمنين!، هذه الأبيات قلتُها من منذ أربعين سنة وأنا صَبِيٌّ، ووَالَّذي أكْرَمَك بالخلافة، ووَرَّثكَ ميراثَ النُّبُوَّة، ما قلتُ شعرا من أكْثر من عشرين سنة، إلا في زُهْدٍ، أو عتاب صديق. فقال له: اجلسْ. فجلس، فناوَلَه قدح نَبيذٍ كان في يده، فقال له: اشْرَبْ. فأُرْعِدَ وبَكَى، وأخَذَ القَدَح من يده، وقال: والله يا أمير المؤمنين! ما غَيَّرْتُ الماء بشيء قطُّ مما يُخْتَلَف في تَحْلِيلِه. فقال: لعلَّك تُريدُ نَبيذَ التَّمْرِ والزَّبيبِ؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين! ما أعْرِفُ شيئا منهما، فأخذَ القَدَحَ من يده، وقال: أما والله لو شرِبْتَ شيئا من هذا لَضَربْتُ عُنُقَك، ولكن ظنَنْتُ أنَّك صادقٌ في قولِك كلِّه، ولكن لا يتوَلّى القضاء أبدا رجلٌ بدأ في قولِه بالبراءة من الإسلام، انْصَرِفْ إلى منزِلك. وأمرَ عَلَّوَيْه فغيَّر هذه الكلمة، وجعل مكانها: حُرِمْتُ مُنائي مِنْكِ. ورُويَتْ هذه القصّةُ لغير الخَلَنْجِيّ. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. * * *