محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3434, entry [2870]6,401 chars
٢٣٩٨ - العلامة المحقّق البحّاثة المدقّق، الثبت الحجّة، المفسّر المحدّث الفقيه الأصولي البارع الأريب، المؤرّخ الأديب، الورع الزاهد، الصوفي البصير، ظفر أحمد ابن لطيف العثماني التهانوي * * ولد في ١٣ من ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه بقرب دار العلوم في "ديوبند"، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، و…
▸ expand full passage (6,401 chars)٢٣٩٨ - العلامة المحقّق البحّاثة المدقّق، الثبت الحجّة، المفسّر المحدّث الفقيه الأصولي البارع الأريب، المؤرّخ الأديب، الورع الزاهد، الصوفي البصير، ظفر أحمد ابن لطيف العثماني التهانوي * * ولد في ١٣ من ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه بقرب دار العلوم في "ديوبند"، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، وتوفّيت أمّه وهو ابن ثلاثسنين فربّته جدّته أحسن تربية، وكانت امرأة حاجّة صالحة، فتلقَّن منها صلاحها وتقواها. ولما تمَّ له من العمر خمس سنوات شرع في قراءة القرآن الكريم عند كبار حفظته في "ديوبند"، مثل الحافظ نامدار مدرّس دار العلوم، ونائبه الحافظ غلام رسول، ومولانا نذور أحمد، وهو أخو جدّته. ولما أتمّ السابعة شرع في قراءة الكتب الأردية والفارسية، كتب الحساب والرياضي، عند الشيخ الجليل مولانا محمد ياسين، وهو والد كبير علماء "باكستان". مولانا العلامة الشيخ محمد شفيع الديوبندي، والمفتي الأعظم في "كراتشي". ومؤسّس دار العلوم الإسلامية فيها، رحمه الله تعالى. ثم انتقل من "ديوبند" إلى "تهانه بهون"، إلى مجلس خاله حكيم الأمة مولانا محمد أشرف علي التهانوي قدَّس الله سرّه، وشرع في قراءة الكتب العربية في الصرف والنحو والأدب عند العلامة المتمكّن مولانا محمد عبد الله الكنكوهي، وسمع من خاله حكيم الأمّة شيئًا من علم التجويد، ونبذا من التلخيصات العشر له، وأجزاء من "المثنوي" للجلال الرومي، وقرأ عند أخيه العالم مولانا سعيد أحمد شيئًا من التلخيصات. ثم لما اشتغل خاله حكيم الأُمّة في تاليف كتابه العظيم "بيان القرآن" بالأردية ذهب به إلى "كانبور" (¬١)، وأدخله في المدرسة المسمّاة (جامع العلوم)، التي كان الشيخ حكيم الأمة قد أسّسها حين إقامته في "كانبور"، وفوّض تدريسه وتعليمه إلى أرشد تلامذته مولانا محمد إسحاق البردواني، ومولانا محمد رشيد الكانبوري، فقرأ عندهما كتب الحديث المقرّرة في تلك البلاد، وهي:"صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"سنن النسائي"، و"سنن الترمذي"، و"سنن ابن ماجه"، و"مشكاة المصابيح"، مع ما يغزز دراستها من كتب المصطلح وعلوم الحديث، كما قرأ عندهما كتب الفقه والتفسير والأدب المقرّرة بكاملها، وشيئا من العلوم العقلية. ولما فاز بسند العلوم الشرعية والعقلية، متميّزا بمواهبه وجده على سواه من الطلبة النابهين، انتقل إلى "سهارنفور"، وجلس في مدرسة (مظاهر العلوم)، وحضر دروس الحديث الشريف عند العارف بالله الإمام المحدّث الفقيه مولانا خليل أحمد السهارنفوري، مؤلّف "بذل المجهود في شرح سنن أبي داود". وبعد مدّة من ملازمته لهذا العارف المحدّث الإمام، أجازه بالحديث وعلومه وبسائر العلوم النقلية والعقلية، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسة العليا في سنة ١٣٢٨ هـ، فكانت سنّه حينئذ ابن ١٨ سنة، وهي سنّ صغيرة لا يرتقي فيها إلى ذروة هذه المرتبة إلا الأفذاذ النابغون. وقد حضر في هذه المدّة أيضًا بعض كتب المنطق والهندسة والرياضي العالية، عند مدرّسيها في المدرسة المذكورة، ومنهم: مولانا عبد اللطيف ناظم المدرسة، ومولانا عبد القادر البنجابي. ونظرا لمزيد تفوّقه وبالغ ذكائه ونبوغه عيّن مدرّسا في المدرسة المذكورة، فدرّس فيها زهاء سبع سنين: علم الفقه والأصول، والمنطق والفلسفة وغيرها، ثم انتقل منها إلى مدرسة (إمداد العلوم) في "تهانه بهون"، واشتغل بتدريس كتب السنّة المقرّرة هناك، وهي الكتب السبعة التي سبق ذكرها، وبتدريس الفقه والتفسير، فأفاد، وأجاد، وتخرّج على يديه جموع من العلماء الأفذاذ، نشروا العلم في تلك الربوع، وأناروا مسالك الشريعة للناس. ثم فوّض إليه مولانا حكيم الأمة تأليف كتاب "إعلاء السنن" مع الإفتاء والتدريس، فقام بكلّ ذلك خير قيام، وبقي في تأليف "إعلاء السنن"نحو عشرين سنة، فألّفه في جزءا بل مجلّدا، وألّف له مقدّمتين في جزئين أيضًا، فتم هذا الكتاب العجاب في عشرين جزءا، وأضاف إليها كتابا آخر، سماه: "إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن"، ترجم فيه التراجم الواسعة الجيّدة للإمام أبي حنيفة وتلامذته وتلامذتهم وهكذا، مقتصرا فيه على الفقهاء المحدّثين منهم، وطبع الجزء الأول من هذا الكتاب في "كراتشي" سنة ١٣٨٧ هـ. ثم أمره مولانا حكيم الأمة بتأليف "دلائل القرآن على مسائل النعمان"، على منوال "أحكام القرآن للجصَّاص، وقد ألَّف منه مجلَّدين كبيرين، انتهيا بسورة النساء. وهو كتاب جدير أن يقال فيه بلسان الفقهاء والعلماء: النظر فيه نعيم مقيم، والظفر بمثله فتح عظيم. وألّف كتبا عديدة بالأردية حين إقامته في "تهانه بهون"، منها: "القول المتين في الإخفاء بأمين"، و"شق الغين عن حق رفع اليدين"، و"رحمة القدوس في ترجمة بهجة النفوس"، و"فاتحة الكلام في القراءة خلف الإمام"، حقّق فيه أنه لا تجب القراءة خلف الإمام في الصلوات كلّها، وخاصّة الجهرية، أما في السرية فتجوز كما هي رواية عن الإمام أبي حنيفة أيضًا. قال الشيخ عبد الفتاح: وقلت للشيخ حفظه الله تعالى أثناء زيارتي له، وقد ذكر في ذلك: وهو قول الإمام محمد أيضًا، فقال: نعم، وإن ردّه الكمال بن الهمام. وله "كشف الدجى عن وجه الربا"، بالعربية، مطبوع وحده، وفي ضمن "الفتاوى الإمدادية" التي كان يجيب بها عن أسئلة المستفتين، التي كانت ترد على خاله حكيم الأمّة، مما يتعلّق بالفقه وغيره، حتى بلغت سبع مجلّدات ضخام، وسماها الشيخ حكيم الأمة "إمداد الأحكام في مسائل الحلال والحرام".ثم انتقل إلى المدرسة المحمدية في "رنكون" في (بورما)، واشتغل هناك بالتبليغ والوعظ والتذكير زهاء سنتين، ثم رجع إلى "تهانه بهون"، وتابع في تأليف "دلائل القرآن" مع الإفتاء وتفقيه الناس. ثم رحل إلى "داكا" (¬١) في شرقي باكستان قبل وجود "باكستان"، وعيّن بجامعتها مدرّسا للحديث والفقه والأصول، ثم عيّن صدر المدرّسين بالمدرسة العالية في "داكا"، وبقي كذلك ثماني سنين، وأسّس هناك (الجامعة القرآنية العربية)، وهي الآن أحسن مدرسة عليا في شرقي باكستان، لتعليم علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها. ثم انتقل إلى "غربي باكستان" حيث هو الآن، في أشرف آباد، تندو الله يار التابعة لـ "حيدر آباد"، السند (¬٢)، في دار العلوم الإسلامية، صدر المدرّسين بها، يدرّس الحديث الشريف، ويقوم بالإفتاء للسائلين والمستفتين، وينفع بحاله ومقاله وصالح أعماله الطلبة والمستفيدين، مدّ الله في عمره الشريف، وبارك في حسناته وعلومه، وأسبغ عليه ثوب العافية، حتى يتضاعفنفعه، وتم آثاره، ويبلغ من الله الرضوان العظيم. انتهى كلام الشيخ العلامة الشيخ عبد الفتاح أبي غدّة حفظه الله في مقدّمة تحقيقه لكتاب "قواعد في علوم الحديث". انتهى. وكان مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني ﵀ حيا حينما طبع كتابه "قواعد في علوم الحديث" بتحقيق الشيخ العلامة عبد الفتّاح أبي غدّة، ﵀، وكان شيخ الحديث بدار العلوم الإسلامية في أشرف آباد (تندو أله يار) يدرّس فيها "صحيح البخاري" مع كبر سنّه وتوارد أمراضه وانتقاص قواه. قال شيخنا العلامة المفتي محمد تقي العثماني زيد مجده: قال لي مرة: إني كلّما شعرت بازدياد في مرضي زدت في تدريس "صحيح البخاري"، ويجعله الله تعالى شفاء لمرضي. وكان مع ضعفه ومرضه ملتزما بالأذكار والنوافل، يشهد جميع الصلوات في المسجد، ويتحمّل لأجل ذلك عناء كبيرا، وكان لسانه في أواخر عمره رطبا بذكر الله في أكثر الأوقات، وفي شهر رمضان سنة ١٣٩٤ هـ قد منعه الأطبّاء عن الصيام لأمراضه المتواردة، ولكنّه لم يرض بذلك، وقال: إن عبّاسا ﵁ لم يترك الصيام، وهو في التسعين من عمره، وكان يلقى من الصوم شدّة وعناء، حتى كان يجلس في مركن من الماء، ولا يرضى بالافتداء، فكيف أرضى بالفدية، وهكذا عاش ﵀، حتى توفّاه الله تعالى في ذي القعدة من سنة ١٣٩٤ هـ، أسكنه الله تعالى في جوار رحمته ورضاه، واستخرج ابنه تاريخا لوفاته بقوله: "إنه لفي روح وريحان وجنة نعيم".