محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2661, entry [2215]8,095 chars
١٨٢٠ - الشيخ الفاضل داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شادي بن مروان أبو المفاخر بن أبي العزائم، الملك الناصر ابن الملك المعظم فقيه، أديب * *.ولد في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستمائة. وتُوفي ليلة السبت، الثامن والعشرين، من جمادى الأولى، سنة ستّ وخمسين وستمائة، في الطاعون العام. وروى أنه كان يقول: أشتهى…
▸ expand full passage (8,095 chars)١٨٢٠ - الشيخ الفاضل داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شادي بن مروان أبو المفاخر بن أبي العزائم، الملك الناصر ابن الملك المعظم فقيه، أديب * *.ولد في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستمائة. وتُوفي ليلة السبت، الثامن والعشرين، من جمادى الأولى، سنة ستّ وخمسين وستمائة، في الطاعون العام. وروى أنه كان يقول: أشتهى أن يرزقني اللَّه الشهادة. فطعن في جنبه الأيسر، فأصبح وهو يشكو ألمًا مثل الطعن بالسيف، ودام على ذلك إلى آخر النهار، فلما أمسى نام، ثم انتبه، وقال: إني رأيت جنبي الأيسر يقول لجنبي الأيمن: أنا قد جاءت نوبتي فصبرت، والليلة نوبتك فاصبر كما صبرت. فأصبح وقد طُعن في جنبه الأيمن. فلما كان بين الصلاتين، وقد سقطت قواه، نام ثم انتبه وهو يرعد، فقال: إني رأيت النبي ﷺ، والخضر ﵊، قد جاء إلي، وجلسا عندي، ثم انصرفا. فلما كان آخر النهار قال لولده الأكبر شهاب الدين غازي: يا بُني ما بقى في رجاء، فتهيأ في تجهيزي. فبكى، وبكى الحاضرون، فقال له: لا تكن إلا رجلًا، ولا تعمل عمل النساء، ولا تغير هيئتك. وأوصاه بأهله وأولاده. ثم اشتدّ به الضعف، وغاب صوابه، ثم أفاق فقال: باللَّه تقدموا إلى جانبي، فإني أجد وحشة. ثم قال: أرى صفًا عن يميني، فيهم أبو بكر وسعد، وصورهم جميلة، وعليهم ثياب بيض، وصفا عن شمالي، وصورهم قبيحة، أبدان بلا رؤوس، ورؤوس بلا أبدان، وهؤلاء يطلبونني، (وهؤلاء لا يطلبونني). وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين.ثم أغفى إغفاءة، ثم استيقظ، وقال: الحمد للَّه، خلصت، خلصت منهم. ثم مات، رحمه اللَّه تعالى. ولقد كان واسع النفس، مُحبًا للعُلماء، مُقربًا لهم، مُحسنًا إلى من يقدم عليه منهم، كثير العطاء لهم. قدم عليه راجح الحلى (¬١)، شاعر الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومدحه بقصيدته التي أولها: أَمنكُمُ خَطَرتْ مِسْكِيَّةُ النَّفَسِ … صَبأ تَلَقَّيْتُ منها بَرْدَ مُنْتَكِسِ فأعطاه ألف دينار، وقُماشًا وأثاثًا بألف أخرى. وانقطع إليه الإمام العلامة شمس الدين الخسروشاهي (¬٢)، ووصل إليه منه أموال جمة. ولا بأس بإيراد شئٍ يسير من نظمه البديع، فمنه قوله: عُيُونٌ عن السِّحْرِ المبِينِ تُبِينُ … لها عندَ تَحْريكِ القلوب سُكُونُ تَصُولُ بِبيضٍ وهْىَ سُودٌ فرِنْدُها … فُتُورُ ذُبُولٍ والجُفُونُ جُفُونُ إذا أبصرتْ قلبًا خَلِيًا مِن الهوى … تقولُ له كُنْ مُغْرَمًا فيكونُوقوله أيضًا (¬١): إذا عَايَنَتْ عَيْنَايَ أَعْلامَ جلَّقٍ … وبانَ مِن القَصْرِ المِشيد قِبَابُهُ (¬٢) تَيَقَّنْتُ أنَّ البَيْنَ قد بانَ والنوى … نَأي شَخصُه والعَيْشَ عادَ شَبابُهُ (¬٣) وقوله أيضًا: زارَ الحبيبُ وذَيْلُ الليلِ مُنْسَدِلٌ … وانْجابَ عن وَجْهِه دَاجِي غَياهِبِهِ فقال لي صاحبي والضوءُ قد رَفَعَتْ … يَدَاهُ من لَيْلِنَا مرْخِي جَلَابِبِه أما ترى الضوءَ في ليلِ الْمِحَاقِ لقدْ … جاءَ الزمانُ بضْرب من عَجائبه فقلتُ يا غافِلًا عن نُورِ طَلْعَتِهِ … أما ترى البَدْرَ يَبْدُو في عَقَارِبِهِ وقوله أيضًا (¬٤): أُحِبُّ الغادةَ الحَسْنَاءَ تَرْنُو … بِمُقْلَةِ جُؤذُرٍ فيها فُتُورُ ولا أصبُو إلى رَشَاءٍ غَريرٍ … وإن فَتَنَ الوَرى الرَّشَاأُ الغَريزُ وأنى يَسْتَوي شمسٌ وبدرٌ … ومنها يَسْتَمِدُّ ويَسْتَنِيرُ (¬٥) وقوله أيضًا (¬٦): طرفِي وقلبي قاتلٌ وشَهيدُ … ودَمِي على خَدَّيكَ منه شُهُودُ يا أيُها الرَّشَأُ الذي لَحَظاتُهُ … كم دُونَهُنَّ صَوَارِمٌ وأُسُودُ مَنْ لي بِطَيْفِكَ بعدَما منَع الكرَى … عن ناظِريَّ البُعْدُ والتَّسْهِيدُوأنا وحُبِّكُ لستُ أضمِرُ سَلْوَةً … عن صبوتي ودَعِ الفؤادَ يَيِيدُ (¬١) وألذُّ ما لاقيتُ منك منيتي … وأقل ما بالنفسِ فيك أَجُودُ (¬٢) ومنَ الْعَجَائِبِ أنَّ قلبك لم يَلِنْ … لِي والحديدُ ألانَه دَاوُدُ ومن لطيف شعره، ماكتب به إلى الملك المنصور إبراهيم، صاحب "حمص"، يستدعي إلى مجلس أنس، وذلك لما كانا نازلين بـ "بيسان" (¬٣)، حين كانا مُتفقين على حرب الصالح نجم الدين أيوب، صاحب "مصر"، وكان ذلكُ يوم عيد الفطر في زمان الربيع، وهو: يا مَلِكًا قد جَمَّلَ العَصْرَا … وفاقَ أَمْلاكَ الوَرَى طُرَّا وفاتَ في نائِلِهِ حاتمًا … وبَتَّ في إقدامه عَمْرَا وباكَر العَلْياءَ فافتَضَّهَا … وكانت النَّاهِدَة البِكْرَا أما ترى الزَّهْرَ وقد جاءَنا … مُسْتَقْبِلًا بالبِشْرِ والبُشْرَى الصَّيْدُ والنَّيْرُوزُ في حالةٍ … والملِكُ المنصورُ والنَّصْرا والأرضُ قد باهَتْ به واغتدَتْ … تَخْتالُ في حُلَّتِها الخَضْرَ عَبَّسَتِ السُّحْبُ على نَوْرِهَا … فراحَ ثَغْرُ النَّورِ مُفْتَرَّا الصَّوْمُ قد وَلَّى بآلاتِهِ … والفِطْرُ باللذاتِ قد كَرَّا فانْهَضْ بلا نَطْلٍ ولا فَتْرَة … نَرْتَشِف المعْسُولةَ الخَمْرا حِيرِيَّةٌ قد عُتِّقَتْ حِقْبَةً … فأَقْبَلَت تُخْبِرُ عن كِسْرَى واسْتَجلِهَا حَمْرَاءَ عَانِيةً … تَحْسِبُها في كأسِها تِبْرَا أو ذَوْبَ جَمْر حَلَّ في جامِدِ ال … ماءِ فألقى فوقه دُرَّا وبادِرِ اللَّذاتِ في حِينِهَا … وقُمْ بنا نَنْتَهِبِ العُمْرَافي رَوْضَةٍ أُتْرُنْجُها ببانِعٌ … يلوحُ في الأغصانِ مُصْفَرَّا كأنَّهُ قد لاح في دَوْحِها … وَجْهُ سَماءٍ أَطْلَعتْ زَهْرَا واسْلَمْ ودُمْ في عِيشَةٍ رَغْدَةٍ … تُبلى على جِدَّتِها الدَّهْرا وقال شهاب الدين التلعفري (¬١) الشاعر المشهور: اجتمعت ليلة بالملك الناصر داود، على شاطئ البحر بعسقلان، وقد طلع البدرُ وألقى شعاعه على البحر، فقال الملك الناصر مُرتجلًا (¬٢): يا ليلةً قَطَّعْتُ عُمْرَ ظَلامِهَا … بِمُدامةٍ صَفْراءَ ذاتِ تأَجُجِ بالساحِل النَّامي رَوَأئِحُ نَشْرِهِ … عَن رَوْضه المِتَّضَوِع المتِأرّجِ واليَمُّ زاه قد هَدَا تَيَّارُهُ … مِن بَعْدِ طُولي تَقَلُّقٍ وتَمَوُّجِ طَوْرًا تُدَغْدِغُهُ الشَّمالُ وتَارةً … يَكْرَى فتُوقِظُهُ بَناتُ الْخَزْرَجِ والبدرُ قد ألقى سَنَا أنوارِهِ … في لُجِّهِ المِتَجَعِّدِ المتَدَبجِ فكأنَّه إذ قد صَفْحةَ مُتنِهِ … بِشُعاعِه المتَّوقُدِ المتَّوَهِجِ نهرٌ تكوَّن من نُضَارٍ يانِعٍ … يَجْري على أرضٍ مِن الفَيْرُوزَجِ (¬٣) وقال أيضًا: يا ركبًا من أعالي الشَّام يَجْذِبُهُ … إلى العِراقَيْنِ إدْلاجٌ وإسْحارُ حَدَّثْتَني عن رُبُوعِ طالَما قُضِيْتْ … لِلنَّفْسِ فيها لُباناتٌ وأوطارُلدَىِ رِيَاضٍ سَقَاها المِزْنُ دِيَمَتَهُ … وزَانهَا رَهْرٌ غَضٌ ونَوَّارُ شَحَّ النَّدَى أن يُسقِّيها مُجاجَتَهُ … فجَادها مُفْعَمُ الشُّوبُوبِ مِدْرَارُ بَكَتْ عليها الغَوادي وهى ضاحِكةٌ … وراحَتِ الريحُ فيها وهي مِعْطارُ يا حُسْنَها حين زانتها جواسِقُها … وأيْنعَتْ في أعالي الدَّوحِ أَثْمارُ فهيَ السماءُ اخضِرارًا في جوانِبها … كواكبٌ زُهرٌ تبدو وأقمارُ ومنها: كَرِّرْ على نازح شَطَّ المِزارُ بِهِ … حديثكَ العَذْبَ لا شطَّتْ بك الدارُ وعَلِّلِ النَّفْسَ عنهم بالحديث بهم … إن الحديثَ عن الأحبابِ أَسمْارُ وقال، يتضرع إلى اللَّه تعالى، ويشكو أهله وأقاربه: أيا ربِّ إن الأقرباء تباعدوا … وعُوملت منهم بالقطيعة والهَجْرِ وقطعتِ الأرحام بيني وبينهم … وجوزِيت عن فِعلِ الصَّنائِعِ بالنَكْرِ وأَغْلَقَ دُوني بابَه كلُّ صاحِبٍ … فَتَحْتُ له بابي وأَدْخَلْتُه خِدْري تَخَيَّرْتُهُ منهم لِيَوْم مَسَاءَتِي … وأعددتُه في كلِّ نائبةٍ ذُخْري فخان عُهُودي إذْ وفيتُ بعَهْدِهِ … وشحَّ بِرَفْدِي إذْ بَذَلْتُ له رِفْدِي وأنت بِمَرْأَى يا إلهي ومَسْمَعٍ … وعالِمُ مَكْنُونِ السرائرِ والجَهْرِ أجِرْني من باغَ علىَّ بمالِهِ … ومَعْقِلِه المِحْفُوفِ بالعَسْكَرِ الْمُجْرِ أمَوْلايَ إنَّ العربَ تَمنُعُ جارَها … وتَدْفَعُ عنه الضَّيْمَ بالبيضِ والسُّمْرِ وقد جِئْتُكَ اللَّهُمَّ أَرْجُوكَ ناصِرًا … لأنكَ أوْلَى من يُؤمَّلُ لِلنَّصْرِ (¬١) فخُذ بِيدي فيما أرِّجى وأتَّقى … على رغمِ أقوامٍ تَوَاطَوا على ضُرِّي فالطافُكَ الحُسْنَى لَدَيَّ خَفِيَّةٌ … تُبَلِّغُنِي الآمالَ مِن حيثُ لا أَدْري ومن شعره أيضًا، قوله: لما تَنَمَّقَ وجهُه المهْيَضُ منْ … خَطِّ السَّوادِ المِسْتَقيمِ بأسْطُرِعايَنْتُ مَرأى لم أُشاهد مِثْلَهُ … كَلَّا ولم أَسْمَعْ به من مُخْبِر وَجْهًا تَنَقَّلَ في فُنونِ ملاحَةٍ … حتى تَمَسَّكَ بالْعِذَارِ الأَعْطرِ فكأنَّهُ لما استَدارَ عِذارُهُ … بدرٌ بَدَا في هَالةٍ مِن عَنْبَرِ ومن شعره أيضًا، قصيدة عدتها أربعة وثلاثون بيتًا، منها قوله (¬١): صَبِّحَانِي بِوَجْهِهِ الْقَمَرِىّ … واصْبِحَانِي بالسَّلْسَبِيلِ الرَّوِيِّ ومنها: ما رَأَيْنا من قَبْلِ خَدَّلهِ ورْدًا … يانِعًا فوق عارض سَوْسَنيِّ كيف يُجنى الْبَنَفْسَجُ الغَضُّ منه … وهو يُحْمَى بالنَّاظِرِ النَّرْجِسِيّ ومنها: أَعْطنيها كأنَّها وَهَجُ الشَّمْـ … ـسِ تَبَذَّتْ في بُرْجِها الْحَمَلِيّ قال ابن كثير في حق صاحب الترجمة (¬٢): وكان فصيحًا، وله شعر، ولديه فضائل، واشتغل في علم الكلام على الشمس الخُسروشاهي، تلميذ الرازي (¬٣). وكان (¬٤) يعرف علم الأوائل جيدًا، ولحد حكوا عنه أشياء تدل إن صحت، على سوء عقيدتَه، واللَّه أعلم. قال: وذكروا عنه (¬٥)، أنه حضر أول درس ذكُر بالمستنصرية، في سنة اثنتينِ وستّمائة، وأن الشعراء أنشدوا المِستنصر مدائح كثيرة، فقال بعضهم في قصيدة له: لَوْ كنتَ في يوم السَّقيفة شَاهِدًا … كُنتَ المقَدَّمَ والإمامَ الأعْظَمَا فقال الناصر للشاعر: اسكت، لحد أخطأت، قد كان جد أمير المؤمنينالعبّاس شاهدًا يومئذ، ولم يكن المقدّم ولا الإمام الأعظم، وإنما كان المقدّم والإمام الأعظم أبو بكر الصدّيق، رضي اللَّه تعالى عنه. فقال الخليفة: صدق (¬١). وهذا من أحسن ما نُقل عنه، رحمه اللَّه تعالى (¬٢). وكان، رحمه اللَّه تعالى، شاعرًا ماهرًا، عالمًا فاضلًا، وأشعاره وأخباره لا تدخل تحت الحصر، ولا يتيسر الإحاطة بها، وفيما ذكرناه منها مقنعٌ. * * *