محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 7 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 2229, entry [1831]27,661 chars
كلام بعض أهل الجرح في الحسن بن زياد سبق بيان ما قاله أهل العلم في الثناء على الحسن بن زياد بالعلم، والورع، وسعة الرواية في الحديث، والإمامة في الفقه، واليقظة، وعلوّ النفس، وكرم الخلال، ولين الجانب، والسخاء، والاعتصام بالسنة، وفيمارواه ابن أبي العوّام سئل الحسن بن زياد عن زفر أكان زفر نظر في الكلام؟ …
▸ expand full passage (27,661 chars)كلام بعض أهل الجرح في الحسن بن زياد سبق بيان ما قاله أهل العلم في الثناء على الحسن بن زياد بالعلم، والورع، وسعة الرواية في الحديث، والإمامة في الفقه، واليقظة، وعلوّ النفس، وكرم الخلال، ولين الجانب، والسخاء، والاعتصام بالسنة، وفيمارواه ابن أبي العوّام سئل الحسن بن زياد عن زفر أكان زفر نظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله! ما أسخفك تقول لأصحابنا: إنهم نظروا في الكلام، وهم بيوت العلم والفقه، إنما يقال: نظر في الكلام فيمن لا عقل له. وهؤلاء كانوا أعلم بحدود الله ﷿، وبالله، من أن يتكلّموا في الكلام، الذي تعني. وكان يهمّهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدّمهم. وذكر الحسن بن زياد أيضًا عن زفر أنه سأله رجل، فقال له: القرآن كلام الله، فقال له الرجل: أمخلوق هو؟ فقال له زفر: لو شغلك فكر في مسألة أنا فيها أرجو أن ينفعني الله بعلمها لشغلك ذلك عن هذا الذي تفكّرت فيه، والذي فكرت فيه بلا شكّ يضرّك، سلم لله ﷿ ما رضى به منك، ولا تكلّف نفسك ما لا تكلّف، وكان أبو يوسف أيضًا يقول: القرآن كلام الله، ولا يزيد على ذلك شيئًا، وكان أناس يعدّون ذلك بدعة فظيعة، بل كفرًا، بل إن هذا وقوف عندما وقف الكتاب والسنّة، لا اشتباه في قدم ما قام بالله، ولا في حدوث ما قام بالخلق، والمؤسف في المسألة إسراع من لا تحقيق عنده في موضع الخلاف إلى الإكفار والتبديع، قبل أن يعلم مراد القائل. ومثل ذلك التشنيع يرتدّ إلى قائله من غير شكّ، وفتنة القول بخلق القرآن أنتجت تناحرا بين الأمة مدى الدهور، فيما لا يعرف أغلبهم وجوه الخلاف فيه، فكانت مصيبة تراكبت ظلماتها على توالي العصور، وامتلأت كتب الجرح المؤلّفة من نقلة ذلك العصر بجروح، لا طائل تحتها، ولذلك قلت: (أي قال الشيخ زاهد) فيما علّقت على "شروط الأئمة" للحازمي، ومن أشرف على سير المسألة بعد محنة الإمام أحمد يرى مبلغ ما اعترض الرواة من التشدّد في مسائل يكون الخلاف فيها لفظيا، وعلى تقدير عدّه حقيقيا، يكون المغمز في جانبهم حتما في نظر البرهان الصحيح، فليتهم لم يتداخلوا فيما لا يعنيهم اشتغلوا بما يحسنونه من الرِّواية، ولو فعلوا ذلك لما امتلأتكتب الجرح بجروح لا طائل تحتها كقولهم: فلان من الواقفة الملعونة، أو من اللفظية الضالة، أو كان ينفي الحدّ عن الله، فنفيناه، أو لا يستثنى في الإيمان فمرجئ ضال، أو جهمي في غير مسألة الجبر، وإنكار الخلود، ونحو بها، أو كان لا يقول: إن الإيمان قول وعمل، فتركناه، أو ينسب إلى الفلسفة والزندقة، لمجرّد النظر في الكلام، أو ينظر في الرأي، ونحو ذلك، مما لبسطه موضع أخر. ومن أخطر العلوم علم الجرح والتعديل، وفي كثير من الكتب المؤلّفة في ذلك غلو وإسراف بالغ، ويظهر منشأ هذا الغلو مما ذكره ابن قتيبة في "الاختلاف في اللفظ" (ص ٦٢) ولا يخلو كتاب، ألف بعد محنة الإمام أحمد في الرجال من البعد عن الصَّواب، كما لا يخفى على أهل البصيرة، الذين درسوا تلك الكتب بإمعان، قال الرامَهرمزي في "الفاصل بين الراوي والواعي": "وليس للراوي المجرّد أن يعترض لما لا يكمل له فإن تركه ما لا يعنيه أولى به، وأعذر له، كذلك كلّ ذي علم"، فكان حرب بن إسماعيل السيرجاني (الكرماني) صاحب المسائل عن إسحاق وأحمد قد اكتفى بالسماع، وأغفل الاستبصار، فعمل رسالة، سماها "السنّة والجماعة"، تعجرف فيها، واعترض عليها بعض الكتبة من أبناء "خراسان" ممن يتعاطى الكلام ويذكر بالرياسة فيه، والتقدّم، فصنّف في ثلب رواة الحديث كتابا، يلقط فيه كلام يحيى بن مَعين، وابن المديني، ومن "كتاب التدليس" للكرابيسي وتاريخ ابن أبي خيثمة، والبخاري ما شنّع به على جماعة من شيوخ العلم خلط الغثّ بالسمين، والموثوق بالظنين. ولو كان حرب مؤيّدا مع الرِّواية بالفهم لأمسك من عنانه، ودرأ ما يخرج من لسانه، ولكنه ترك أولاها، فأمكن القارة من رماها، ونسأل الله أن ينفعنا بالعلم، ولا يجعلنا من حملة أسفاره والأشقياء به، إنه واسع لطيف قريب مجيب، وقد ذكرت في "التأنيب" (أي ذكر الشيخ زاهد) عند ذكرأئمة الفقه وأتباعهم: وقد مضت طوائف الأمّة على إجلال هؤلاء الأئمة مكتفين بالأخذ والردّ في الاحتجاج على المسائل والموازنة بين أدلة كلّ طائفة، كما تقضى به أمانة العلم، إلى أن حدثت فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون العبّاسي، وكان بين رواية الحديث أناس لم يتقنوا النظر، ولم يمارسوا استنباط الأحكام من الأدلّة، فإذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية لا يجهلها صغار المتفقِّهين، يجيب عنها بما يكون وصمة عار أبد الآبدين، وكانت فلتات تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته مما ينبذه الشرع والعقل في آن واحد، فرأى المأمون امتحان المحدّثين والرواة في مسألة كان يراها من أجلى المسائل، ليوقف موقف التروي فيما يرون، ويروون، فأخذ يمتحنهم في مسألة القرآن، يدعوهم إلى القول بخلق القرآن، ويضطهدهم على ذلك ملوما فيما اختاره من الوسيلة في اختيارهم، غير موفّق فيما توخّاه، واستمرّت هذه الفتنة من عهد المأمون إلى عهد المتوكّل العبّاسي، ولقي الرواة صنوف الإرهاق طول هذه المدّة، فمنهم من أجاب مرغما، من غير أن أن يعقل المعنى، ومنهم من تورّع من الخوض فيما لم يخص فيه السلف، وكان نزاع القوم بحسب الظاهر فيما بالأيدي، ودعوى قدمه تكون مكابرة. وأما الكلام الذي قام باللّه سبحانه، وهو صفة من صفاته تعالى، فلا شكّ في قدمه قدم باقي صفاته الذاتية الثبوتية، كم صرّح الإمام بأن القرآن من علم اللّه، وعلم الله قديم، وبين أن القرآن باعتبار وجوده في علم الله سبحانه قديم، ولكن دهماء الرواة كانوا بعيدين عن تعقل محلّ النزاع وتحريره، وكان بين أهل الغوص على المعاني ونقلة الألفاظ جفاء متوارث، وحيث كانت النقلة متمسّكين بحرفية ما يروونه، غير معوّلين على أفهام الآخرين في النصوص، يرموتهم بمنابذة السنّة عند عدم موافقة أفهام هؤلاء لأفهامهم أنفسهم، وفي هؤلاء المكثرين من الرواية بدوناهتمام بالتفقّه والدراية، ويقول شعبة كنت إذا رأيتُ رجلًا من أهل الحديث يجئ أفرح به، فصرت اليوم ليس شيء أبغض لي أن أرى واحدا منهم، ويقول ابن عيينة: أنتم سخنة عين، لو أدركَنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا، ويقول الثوري: ليس طلب الحديث من عدد الموت، ويقول أيضًا: لو كان هذا الحديث خيرا لنقص كما ينقص الخير، ويقول عمرو بن الحارث (شيخ الليث): ما رأيتُ علما أشرف وأهلا أسخف من أهل الحديث، إلى غير ذلك، كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد الير، و "المحدّث الفاضل" للرامَهرمزي وغير بها، ومما زاد في الشقاق بين الفريقين انتداب قضاة في تلك البرهة لامتحانهم في مسألة خلق القرآن، وغالب هؤلاء القضاة كانوا يرون رأي أبي حنيفة وأصحابه في الفقه، ويميلون إلى المعتزلة في مسائل الامتحان، فلمّا رفعت المحنة في عهد المتوكّل أخذ ردّ الفعل مجراه الطبيعي، من غير أن يفيد ما بدأه المأمون شيئًا مما كان يتوخَّاه، سوى استفحال التعصّب والتطرّف بين الفريقين، وقد انقلب الاضطهاد في عهد المتوكّل إلى عكس سابقه، وكان أهل الرِّواية يغلب عليهم قلّة التبصّر في المسائل، يندفعون في الوقيعة كلما ضاقتْ حجَّتهم، اندفاعا لا يبرره دليل، ولا شبه دليل، فسلوا سيف النقد على ممتحنيهم القضاة (بحق)، وعلى أئمة هؤلاء القضاة في الفقه، الذين لا ناقة لهم في الأمر، ولا جمل (من غير حق)، حتى ساووا بين القضاة وأئمتهم الأبرياء، ولسان حال أبي حنيفة وأصحابه يقول: غيري جنى وأنا المعاقب عندكم … فكأنني سبابة المتندّم وقد أطال عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم الوقيعة فيه، وفي بشر بن غياث، ومحمد بن شُجاع الثلجي في نقده، ظالما أن القضية تكسب بالبذاءة، وينقلب بها ضلالة هدي، وهو المثبت لله الحدّ والمكان والثقل والمسافة، ونحو ذلك، مما ينزل أهل العلم، مع هؤلاء إله العالمين منها، وهذاذنب لا يغتفر عند الدارمي، وأصحابه الحشوية، فرموه وأصحابه عن وتر واحد، ودوّنوا فيه وأصحابه مثالب نحتلفة بأسانيد مركّبة أوحتها إليهم غضبتهم الظالمة، فجعلوا رقابهم بأيدي أبي حنيفة وأصحابه في الآخرة، يسامحونهم إذا شاؤوا، ويقتصون منهم إذا أرادوا، كما كانت أقفيتهم في الدنيا باعترافهم، ومسامحتهم هي الجديرة بما عرف عن أبي حنيفة وأصحابه، من سعة الصدر وكرم الخلال نحو جهلة المعتدين، وهم حينما طعنوا فيه إنما طعنوا ظانّين أنه على الخطأ، وهم على الصَّواب. ومن علم حالهم ربما يعذرهم في ذلك، بخلاف أهل الفقه من المخالفين، لأن اعتقاد الحنفية واعتقادهم واحد، ومدارك الفقه عند الفريقين متقاربة، والكلّ متمسّك بالقياس في غير مورد النصّ، فإذا جازوا أحد هؤلاء في النقد حدّ قرع الحجّة بالحجّة، واسترسل في اصطناع مثالب، مسايرا لهواه، فلا عذر له أصلا، فلا يلقى مثله غير مقامع توقفه عند حدّه، وقد أجاد ابن السبكى في "طبقاته الكبرى" (١ - ١٨٧) بيان ردّ طعن المخالف في المذهب فيمن ثبتت إمامته وأمانته، لكن يضيق المقام عن نقل ذلك، فليراجعها من شاء، فهناك تحقيق بديع لا يستغني عنه باحث، فالحسن بن زياد على إمامته في الفقه وأمانته في العلم لم ينج كثير من تلامذته من ملابسة تلك الفتنة، فلم يخلص هو وتلامذته من طعون شنيعة منهم ظلما وعدوانا، وممن حاز الحدّ في الطعن على الحسن بن زياد أبو جعفر العقيلي، حيث يقول في "الضعفاء": "الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب النعمان: حدّثنا محمد بن عثمان، سمعت يحيى بن مَعين، عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال: كان ضعيف الحديث، حدّثني محمد بن عبد الحميد السمتي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحضرمي، قال: سألت يحيى بن مَعين، عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال: ليس بشيء، حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري، قال: حدّثنا محمود بن غيلان، قال لي يعلى: اتّق اللؤلؤي، حدّثنا أحمد بن عليالأبار، قال: حدّثنا محمود بن غيلان، قال: قلت ليزيد بن هارون، ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟ قال: أو مسلم هو؟ حدّثني محمد بن أبي عتاب المؤدّب، حدّثني أحمد بن سنان القطّان، قال: حدّثني هيثم بن معاوية، قال: سمعتُ محمد بن إسحاق الأزرق، يقول: كنا عند شريك بـ "الكوفة" فجاء رجل خراساني رثّ الهيئة، فقال: يا أبا عبد الله! قد فنيت نفقتي، وليس عندي شيء، وههنا من يعرف ما أقول، فكان شريكا رقّ له، فقال: من يعرفك؟ قال: الحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمّاد بن أبي حنيفة، قال: لقد عرفت شرًّا، لقد عرفت شرًّا. حدَّثني القضل بن عبد الله الجوزجاني، حدّثنا قتيبة بن سعيد بن رجاء، قال: كنا عند شريك، وهو يملي علينا إذا جاء الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقعد في آخر المجلس، وغطّى رأسه، فبصربه شريك، فقال: إني أجد ريح الأنباط، ثم رمى بصره نحوه، قال: فقام الحسن بن زياد، فذهب، حدّثنا أحمد بن علي الأبار، حدّثنا محمد بن رافع النيسابوري، قال: كان الحسن بن زياد اللؤلؤي يرفع رأسه قبل الإمام، يسجد قبله، قال: وسمعته يقول: أليس قد جاء الحديث: من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار، أرأيتم إن قطع نخلة؟ قالوا: إنما جاء الحديث في السدرة، قال: فمن قطع نخلة صوّر الله رأسه في النار مرتين، حدّثنا محمد بن عيسى، حدّثنا عبّاس، قال: سمعتُ يحيى يقول: الحسن بن زياد كذّاب، حدّثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: كنا عند وكيع، فقيل له: السنة مجدبة، فقال: كيف لا تجدب، والحسن اللؤلؤي قاض، وحمّاد بن أبي حنيفة، فمحمد بن عثمان في الخير الأول هو ابن أبي شيبة، الذي كذبه كثيرون، وأحمد بن علي الأبار بالغ العداء والتعصّب ضدّ أبي حنيفة وأصحابه، كما هو مشروح في "تأنيب الخطيب"، والمتعصب المعادي غير مقبول الرواية، ولا الشهادة فيما يمسّ تعصَّبه عند أهل العلم، وهو حيثكان من الحشوية، يعادي أهل التنزيه، ولمحمود بن غيلان انحراف غريب عن المنزهّة، وشأن الاختلاف في المذهب في باب الطعون مشروح في "طبقات ابن السبكي"، على أن من يعتقد أن الوقوف على أن (القرآن كلام الله) من غير زيادة شئ لم يرد في الكتاب والسنّة عليه كفر، لا يستغرب منه أن يتساءل عن إسلام الحسن بن زياد، على أن هذا القول لن يثبت عن يزيد بن هارون بذلك السند، ومن الغريب أنهم يطعنون طعنا مرا في شريك، ويحتجّون بقوله المخالف للسنّة، لأن الطعن في الأنساب، وتعيير المرء بنسبه الذي اختاره الله له من خلال الجاهلية، وشريك ذلق للسان مطعان، وإن كان فقيها جليلا، وفيما رواه الأبار عن محمد بن رافع، معه شاهد يكذبه، وذلك أن (كان) يفيد الاستمرار. ومن المستبعد أن يبقى محمد بن رافع خارج الصفّ، والجماعة منعقدة، حتى يشاهد سبق الحسن بن زياد على وجه الاستمرار، على أنك تعرف من هو هذا الأبار المأجور للطعن في المنزهّة، وأما تكذيب يحيى بن معين وغيره له فلا يعدو أن يكون الحسن يهم في شيء أو أشياء، ومن الذي لا يهم أصلا؟ والواهم كاذب لإخباره بخلاف الواقع، فيكون تكذيبه من قبيل تكذيبه بعضهم لأبي حنيفة وغيره من أساطين العلم. والجارح في هذا الصدد هو تعمّد الكذب عند أهل الفنّ، ولم يدلل عليه، فلا نزيد على أن يكون واهما في بعض رواته، ولا نجترئ أن نقول إن مثل هذا الإمام يعتمد الكذب من غير دليل. وأما قطع السدرة فلا يدلّ على حكم قطع النخلة عند المتمسّكين بحرفية النصّ، وأما القول بالأولوية قياسا، فله شأن عند أهل النظر، وسبق أن ذكرت خرافة إجداب السنّة والجواب عنها بتكذيب ذلك من الخبر نفسه، فلا داعي إلى إعادة ذكر جواب عنها، وهذا العقيلي لإسرافه البالغ في تجريح حملة الآثار انبري الذهبي للذّب عمن طعن فيه هذا العقيلي، وقال بعد سردأسماء رجال في ترجمة ابن المديني في "ميزان الاعتدال"، (فما لكَ عقل يا عقيلي أتدرى فيمن تكلّم كأنك لا تدري أن كلّ واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات). وزاد الخطيب على العقيلي في الولوغ في دم الحسن بن زياد والنهش في عرضه، حتى قال الذهبي في "تاريخه الكبير": بعد أن ترجم للحسن بن زياد ترجمة واسعة: (قلت: قد ساق في ترجمته أبو بكر الخطيب أشياء، لا ينبغي لي ذكرها)، هكذا يقول الذهبي، وإن لم يربأ الخطيب بنفسه، من الولوغ في دم مثله، والنهش في عرضه، مع ما له من حظّ في النظر، وسعة في الرِّواية، بخلاف ابن عدي، الذي لم يرزق حظّا، مما يقوم به لسانه، فضلًا عما يقوم به طرق تفكيره، فمثله إذا سبّ وشتم وطاوع الشيطان في الإساءة إلى أهل النظر، الذين بهم حفظ كيان الدين اعتقادا وعملا لا يستغرب، لأنه لا يميز بين صحيح الاستنباط وفاسده، وبعد ما هو عليه. هو الدين الصحيح والاعتقاد الرجيح، فيؤيّد من يؤيّده عن جهل، ويعادي من يعاديه عن خرق ونرق، معتمدا على كلّ من هبّ ودبّ، وتوغّل في الكذب، وأغرب، بل مستندًا إلى مجروحين جرحهم هو نفسه أيضًا، وإن اعتدل بعض اعتدال بعد اتصاله بأبي جعفر الطحاوي، وألّف مسندا في أحاديث أبي حنيفة، لكن الجهل المتأصّل في نفسه لا يقبل العلم الصحيح، بل شخصه في حاجة إلى بناء جديد، فدعه يهذي إلى أن يلقى جزاء خرقة في يوم الوعيد، وفي "كتاب النقد" للدارمي عثمان بن سعيد المجسّم فيكر الحسن بن زياد في صفّ بشر بن غياث، ومحمد بن شُجاع، حينما ينزل نزلات جامحة على أبي حنيفة وأصحابه، حيث لا يعجبه تنزيههم، كما هو شأن الحشوية، ظانًّا أن بذاءة اللسان تجعله على حقّ في اعتقاده التجسيم، وكتابه نفسه يكشف عما ينطوي عليه من الزيغ والضلال المبين، فكفى الله المؤمنين القتال.وبعد أن طبع "تاريخ الخطيب"، و "لسان ابن حجر" اللذان حويا كلّ إساءة في الحسن بن زياد لا يجوز إغفال ما ذكره، ونحن في زمن غير زمن الذهبي، فأقول: قال الحطيب في "تاريخه" (٧ - ٣١٥): أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن عبد الله بن مهران أخبرنا عبد المؤمن بن خلف النسفي، قال: سألت أبا علي صالح بن محمد عن الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، فقال: ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا، ولا عندهم. فقلت: بأيّ شيء تتّهمه؟ (١) قال: بداء سوء، وليس هو في الحديث بشئ)، فالخطيب على ما تعلم من بالغ التعصّب المؤدّي إلى ردّ خبره، وأبو العلاء الواسطي شيخه يقول عنه الخطيب نفسه (٣ - ٩٦): رأيتُ له أشياء، سماعه فيها مفسود، إما محكوك بالسكّين، أو مصلح بالقلم، فيكون غير مؤتمن عنده (إلا إذا كان خبره في الطعن في أصحاب أبي حنيفة)، وعبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه، لأنه كان ظاهريا، طويل اللسان، على أهل القياس، وصالح جزرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان، مداعبا أسوأ مداعبة، وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا ترمد عيناك، بدل أن يخجل يستتر، وقد قال مرّة لمن سأله عن الثوري: كذّاب، فكتب السائل قوله، فخاطبه أحد جلسائه مستنكرا صنيعه (لا يحلّ لك هذا، فالرجل يأخذه على الحقيقة ويحكيه عنك)، فقال: إما أعجبك من يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري يفكّر فيه أنه يحكي أو لا يحكى كما في "تاريخ الخطيب" (٩ - ٣٢٦، ٣٢٧)، فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة، لضياع كلامه بين الهزل والجدّ والعجب، من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع، هكذا فيما لا يتصوّر قيام الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القذفة، ومن يكون كما يصوّره هذا الخبر كيف تكون له تلك الوجاهة والمكانة؟ كيف يلتف حوله الحفّاظ والفقهاء لأخذ العلم عنه؟ كيف يثني عليه أهل العلم بالورع،والزهد، والتقي، والعلم الغزير؟ كما سبق، كمل، وسيأتي في رواية مثل الذهبي، حيث يقول في "تاريخه" الكبير: قال ابن كاس النخعي: حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذا منه، ولا أسهل جانبا، مع توّفر فقهه وعلمه وزهده وورعه. ثم قال الخطيب: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، حدّثنا محمد بن العبّاس، حدّثنا أبو بكر بن أبي داود، حدّثني أبي عن الحسن بن علي الحلواني، قال: رأيتُ الحسن بن زياد اللؤلؤي قبَّل غلاما، وهو ساجد، محمد بن عبّاس هو الخزاز كان يحدّث بما ليس عليه سماعه في رواية الخطيب نفسه، فكيف يأتمن الخطيب مثله؟! وأبو بكر بن أبي داود كذبه من من الحفّاظ أبوه، وابن صاعد، وابن جرير، والأخرم، وابن الجارود، ومحمد بن يحيى بن منده، وهو مختلق أرجوفة التسلق المعروفة. راجع "التأنيب" (ص ٦٨)، والحلواني لم يكن أحمد يرضاه، وساء كلام كثير من حملة العلم فيه، كما في (٧ - ٣٣٥) من "تاريخ الخطيب" وإن قبلت روايتُه فيما بعد، وفي الخبر نفسه ما يشهد بتلفيق الخبر، لأنه لا يتصوّر في أفجر البلاد، وأفسق العصور أن يحدث مثل هذا من أيّ فاجر، من غير أن يأتيه الموت من كلّ جانب، ثم الرائي كيف يلغ في دمه بإلقاء الخبر إلى ألسنة الإخباريين، من غير أن يرفع الأمر إلى أصحاب الشأن ليلقى جزاء عمله، ومن اجترأ على الافتراء على على كرّم اللّه وجهه بشهادة حفّاظ عليه بذلك التسلّق المختلق يسهل عليه الافتراءُ على الإمام الحسن بن زياد، وهذا ظاهر كلّ الظهور. والخطيب الذي نسب إليه في "الشام" ما نسب من مخالطة المرد، كيف لا يتحاشى عن حكاية مثل هذه الفرية المكشوفة بمثل هذا السند، ومن علم مبلغ توغّل الآجري في معتقد الحشوية، لا يصدقه في المنزهّة، وهو يروي عن أبي داود تكذيب الحسن بن زياد في كلام الخطيب، تعويلا على رواية عن أبي ثور، فسل ابن أبي حاتم، هل كان أبو ثور بحيث يتحاكم إليهفي الحديث؟ وسل غيره ما إذا كان المنتقّل من مذهب إلى مذهب بجلبة وضوضاء أحدثت تهاجرا يؤتمن على ما يقوله في أصحابه القدماء؟ على أن تكذيبه المروي عن أناس عند الخطيب في أسانيده رجال متكلّم فيهم من أمثال ابن درستويه الدراهمي، والحسن بن أبي بكر، وابن كامل، والساجي، ومحمد بن سعد العوفي، ومحمد بن أبي شيبة، فلا يعرج على الروايات عنهم فيمن ثبتت إمامته، وأمانته على أنه ليس في شيء منها ما يدلّ على تعمّده الكذب، فغاية ما في الأمر أنها تحمّل على أنه كان عنده بعض وهم في بعض الأحاديث، وهذا غير قادح عند أهل الفنّ، بل نحمل التكذيب المطلق على التوهيم مطلقا، ما يذكر ما يدلّ على التعمّد، فعند مطلقه جرحا غير مفسّر، ومن عجيب صنع ابن عدي تدليله على كذب الحسن على ابن جريج بما أخبره عبد الرزّاق بن محمد بن حمزة الجرجاني أن إبراهيم بن عبد الله النيسابوري أن خلف بن أيوب البلخي منذ سبعين سنة أن الحسن بن زياد اللؤلؤي أن ابن جريج عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من مات مريضًا مات شهيدا". قال إبراهيم: فلقيتُ الحسن بن زياد، فأول شئ سألته عن هذا الحديث، فحدّثني ابن جريج بمثل ما كان أخبرنا به خلف عن أيوب، وهذا الحديث يرويه ابن جريج عن إبراهيم، عن أبي يحيي، عن موسى بن وردان، ويقول إبراهيم بن أبي عطاء: هكذا يسمّيه، فإذا روي عن ابن جُريج، عن موسى هذا الحديث يكون قد دلسه. وهذا كلّ ما في كتاب ابن عدي في التدليل على كذب الحسن على ابن جُريج، ولا دليل في ذلك على ما تخيله، لأن غاية ما في الأمر أن ابن جريج عن موسى في روايته له، والعنعنة لا تفيد الاتصال عندهم) وابن جريج معروف بالتدليس في كتب أهل الشأن، فيكون دلس في روايتُه للحسن، وذكر الواسطة في رواية أخرى له، ولو لم يكن ابن جريج ممن يدلس، كما ذكرهالذهبي في "الميزان" لساغ القول: بأن الحسن يمكن أن يكون هو الذي أسقط الواسطة في "السند"، لكن ابن أبي يحيى يكثر عنه الشافعي، ويوثقه، وإن كان الجمهور على تضعيفه، والذى يدلّ عليه هذا الحديث أن الحسن بن زياد كان كهو قبل سنين في حفظ الرِّواية، وإبراهيم بن عبد الله السعدي النيسابوري معمر، عاش نحو تسعين سنة، لكنه لم يعاصر الحسن، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ بسبعين سنة، بل توفي سنة ٢٦٧ هـ، فيتعين أن الصَّواب (سنين) بدل (سبعين)، والله أعلم. والحسن بن زياد أيضًا معمّر، يناهز عمره تسعين سنة، أو يزيد عند وفاته في المشهور، وإن لم أجد في كتب التاريخ تحديد مولده، والله سبحانه أعلم. وأما قول النضر بن شميل للفتح بن عمرو الكشبي بمناسبة حمله للكتب التي كتبها عن الحسن بن زياد إلى "مرو": يا كشي! لقد جلبت إلى بلدك شرا كثيرا، فمن قبيل غسله لكتب أبي حنيفة جمودا وتعصّبا، وما فعله المأمون من تأنيب النضر على ذلك معروف، فلا داعي على ذكره هنا، ولله في خلقه شؤون. وأما ما ذكره ابن عدي في "كامله" سمعتُ أبا جعفر بـ "مصر" يقول: سمعتُ فهد بن سليمان، يقول: سمعتُ البويطي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: قال لي الفضل بن الربيع: أنا أشتهي مناظرتك، واللؤلؤي، قال: فقلت له: ليس هناك، قال: فقال: أنا أشتهي ذلك، فقلت له: متى شئت؟ قال: فأرسل لي، فحضرني رجل ممن كان يقول بقولهم، ثم رجع إلى قولي، فاستتبعته، وأرسل إلى اللؤلؤي، فجاء، فأتانا بطعام، فأكلنا، ولم يأكل اللؤلؤي، فلما غسلنا أيدينا، قال له الرجل الذي كان معي: ما تقول: في رجل قذف محصنة في الصلاة؟ قال: بطلت صلاته، قال: فما حال الطهارة؟ قال: بحالها، قال: فقال له: فما تقول فيمن ضحك في الصلاة؟قال: بطلتْ صلاته وطهارتُه، قال: فقال له: قذف المحصنات أيسر من الضحك في الصلاة؟! قال: فأخذ اللؤلؤي نعله، وقام، قال: فقلت للفضل: قد قلت لك: إنه ليس هناك، ومن أحاط خبرا بهذا الخبر علم أن دعوة الحسن بن زياد على سنه وإمامته إلى بيت الفضل بن الربيع لحمله على مناظرة تلميذ له انحاز إلى الشافعي بتدبير مبيت، مما يستاء من مثله حقّا، ولذا لم يشاركهم في الأكل، ولما رأى أن حديث المتحدّث معه في مسألة الضحك في الصلاة كان بالقياس فيما ورد النصّ بخلافه استهجن ذلك، وقام، وذهب، فلو كان المتحدّث معه هو الشافعي نفسه لرأى منه ما يعجبه من قوّة الحجّة، والقائل بقبول المرسَل باشتراط اعتضاده، أو من غير اشتراط ذلك، لا يمكنه ردّ مرسَل أبي العالية، كما يقول ابن حزم، لأن حديثه في الوضوء من الضحك في الصلاة لم يعيبوه إلا بالإرسال، وأبو العالية قد أدرك الصحابة، ﵃، وقد اعتضد مرسله بمراسيل إبراهيم النخعي، والحسن، والزهري، فلا يمكن ردّ هذا المرسَل بعد اعتضاده بتعدّد المخارج، وفمحاولة ذلك التلميذ ردّ النصّ بالقياس جهل، يأباه شيخه أن يستمرّ على الحديث معه على تعنّته، ومجاهرته بمخالفة النصّ، مع علمه بالمراسيل الواردة في ذلك، عند ما كان يلازمه في العلم قبل انتقاله إلى مجلس الشافعي، كما في "مسنده"، فلا يستفيد ابن عدي شيئا من ذكر هذه الحكاية، وفهد بن سليمان، شيخ الطحاوي من الثقات الأثبات. وقد جمع عبد الحي اللكنوي الآثار الواردة في حكم القهقهة في الصلاة في جزء استوفاها فيه، وتكلّم فيها بما يشفي غلّة الباحث عن هذه المسألة، ومن أقذر ما لطخ به ابن عدي كتابه ما حكاه عن ابن حمّاد (وهو متّهم عنده) عن إبراهيم بن الأصبغ (وهو مجهول غير موثّق) عن أبي الحسن أحمد بن سليمان الزهاوي (وكان صغيرا عند وفاة الحسن بن زياد) "كتبت عنالحسن بن زياد كتبه، وكنت لزمته، فرأيته يوما في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصفّ، فلمّا سجد مدّ يده إلى خدّ الغلام، فقرصه، وهو ساجد، ففارقته، وجعلته على نفسي أن لا أحدّث عنه أبدا". ثم قال ابن عدي: وأخبرني بعضُ أصحابنا عن أبي علي الحافظ البلخي، عن الحسين بن محمد الحريري، قال: (رأيت الحسن بن زياد يلعب بذكر صبي)، انظر إلى ما سجّله هذا الجلف باسم الجرح، ففيه ما ينادي أنه ليس عنده من العقل ما يفهم به أن هذا البهت معه ما يكذبه، ويفضح الباهت الأثيم، والحاكي المجرم اللئيم، فأيّ فاسق في أفسق البلاد، وأفسق العصور يجترئ على مثل هذا في الجامع والجماعة صفوف، من غير أن يأتيه الموت من كلّ جانب، وأين كان هذا المتخلّف عن الجماعة، حتى شاهد ما جرى في موضع السجدة هو وحدَه دون الجماعة؟ وكيف لم يرفع هذا المشاهد لما جرى تحت الصفوف المتراصّة أمر هذا الفاجر إلى صاحب الشأن في الحضور! بدل أن يلغ في دمه وعرضه بعد وفاته، ويعرضه للولوغ في عرضه هكذا مدى الدهور، أم كيف سكت المعتدي عليه على هذا الاعتداء؟ ومن رأى هرما متهدّما يقع منه هذا؟ كلّ ذلك يدلّ على عقل هذا الحقود الكنود ودينه، والحسن بن زياد ﵁ كان توفي سنة ٢٠٤ هـ، وهو في سنّ الهرم والتهدّم يناهز عمره التسعين، أو يزيد، وقد ذكر البرهان الزرنوجي، تلميذ صاحب "الهداية" في "تعليم المتعلّم" أن الحسن بن زياد استمرّ على تعلّم العلم أربعين سنة أخرى، فيكون ابتداؤه في تحصيل العلم في حدود سنة ١٢٤ هـ، وهو ابن ثمان فيما أرى، كما سيأتي الكلام على ذلك في آخر الترجمة، فانتظره. فلا تقلْ سنّه عند وفاته من نحو التسعين، والرهاوي توفي سنة ٢٦١ هـ، فيكون في سنّ الصغر عندما أدرك الإمام الحسن بن زياد، فهل يتصوّر عاقل من هرم متهدّم في أواخر العقد التاسع أن يقترف مثل هذا الفجور؟فتلك أمور تكفي في تحطيم هذا البهت على رأس الباهت الأثيم، ولو لم ننظر إلى السند، فكيف، والسند كما سبق. والحاصل أن من نظر إلى هذه الأسطورة من أيّ ناحية من نواحي النظر تبين له أنها مختلقة قطعا، وعلم مبلغ سقوط هؤلاء في النيل من أئمتنا الأبرياء، وأما ادّعاء لعبه بذكر رضيع حكاية عن مجهول فجهل فظيع، فكأن هذا المتحامل لم يبلغْه حديث تقبيل الرسول صلى الله ﷺ لزبيبة الحسن أو الحسين عند البيهقي، وغيره على أن وجود مجهول في السند يجعل الخبر مردودا في أول خطوة. وأما ما حكاه ابن حجر في "اللسان" عن محمد بن حميد الرازي: ما رأيت أسوأ صلاة منه، فهو رواية ابن عدي أيضا عن أحمد بن حفص السعدي عن محمد بن حميد الرازي، فأحمد بن حفص ممرور، مخلط، صاحب مناكير، وقد قال ابن عدي نفسه عنه: حدّث بأحاديث منكرة، لم يتابع عليها، فلا يصدّق مثله في إمام من أئمة المسلمين العباد المتجهدين، ومحمد بن حميد كذبه غير واحد، ولم يثن عليه إلا من لم يخبره، وهذا أيضا من الدليل على مبلغ مجازفة الخصوم في محاولة، وصم أئمتنا، على أن بعض الفقهاء يرى الاشتغال بالفقه والتفقيه أفضل من إطالة الركعات، حتى حكى العجلي أن ابن مهدي كان يسيء الصلاة، فنصحه من هو دونه، ولا يكون هذا من مثله بإخلال في أركان الصلاة، بل بعدم الإطالة بقدر ما يرضاه المتعبّدون، والله أعلم. وتجد أغلب من ألّف في الرجال، كأسراب طير، يتابع بعضهم بعضا، من غير تمحيص الرواية، فلا داعي إلى إيراد كلّ ما ذكر في كتبهم، وأكتفي بختم البحث بما ذكره الذهبي في "تاريخه الكبير" في ترجمة الإمام الحسن بن زياد بحروفه مع تحيّزه إلى الحشوية، وانحرافه عن أصحاب أبي حنيفة، ولم أرد تقطيع كلامه، وإن كان فيه بعض تكرار لما سبق، وها هي ترجمته عندهبحروفه: "الحسن بن زياد الفقيه أبو علي مولى الأنصار، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه محمد بن شجاع الثلجي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وهو كوفي، نزل "بغداد". قال محمد بن شُجاع: سمعته يقول، وسأله رجل: أكان زفر قياسا؟ فقال: ما قولك قياسا؟ هذا كلام الجهّال، كان عالما، فقال الرجل: أكان زفر نظر في الكلام؟ فقال: ما أسخفك، تقول لأصحابنا: نظروا في الكلام، وهم بيوت الفقه والعلم، إنما يقال: نظر في الكلام فيمن لا عقل له، وهؤلاء كانوا أعلم بالله وبحدوده، من أن يتكلّموا في الكلام، الذي تعني، ما كان همّهم غير الفقه. قال محمد بن شجاع الثلجي: سمعت الحسن بن أبي مالك، يقول: كان الحسن بن زياد، يقول: إذا جاء إلى أبي يوسف أهمَّت أبو يوسف نفسه من كثرة سؤالاته، قال ابن كاس النخعي: حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، قال: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذا منه، ولا أسهل جانبا مع توفّر فقهه وعلمه وزهده وورعه، وكان يكسو مماليكه كسوة نفسه، وقال: سمعتُ محمد بن عبيد الهمذاني يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد، وقال ابن كاس: أنا محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه أن الحسن بن زياد استفتي في مسألة، وأخطأ فيها، فلمّا ذهب السائل ظهر له الحقّ، فاكترى مناديا، فنادى أن الحسن بن زياد استفتي، فأخطأ في كذا، فمن كان أفتاه الحسن في شيء، فيلرجع إليه، فما زال حتى وجد صاحب الفتوى، فأعلمه بالصواب. قال زكريا الساجي: يقال: اللؤلؤي كان على القضاء، وكان حافظا لقولهم، يعني أصحاب الرأي، فكان إذا جلس ليحكم ذهب عنه التوفيق، حتى يسأل أصحابه عن الحكم، فإذا قام عاد إليه حفظه، قال نفطويه: توفي حفص بن غياث سنة ١٩٤ هـ، فولي مكانه الحسن بن زياد اللؤلؤي، قال أحمد بن يونس لما ولي الحسن بن زياد لم يوفّق، وكان حافظا لقول أصحابه،فبعث إليه البكائي: إنك لم توفّق للقضاء، وأرجو أن يكون هذا لخيرة أرادها الله بك، فاستعفي، فاستعفى، واستراح. وقال محمد بن سماعة: سمعت الحسن بن زياد يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث، كلّها مما يحتاج إليها الفقهاء، وقال أحمد بن عبد الحميد الحارثي: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذا، ولا أسهل جانبا، وكان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه، ضعّفه ابن المديني، ولكن له كتب في المذهب، وقال محمد بن رافع كان الحسن اللؤلؤي يرفع رأسه قبل الإمام، ويسجد قبله، قلت: (أي الذهبي): قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها، وتوفي سنة أربع ومائتين، فقد روي القراءة عن عيسى بن عمر، وزكريا بن سياه، وروى عنه الحروف الوليد بن حمّاد اللؤلؤي. انتهى ما ذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (٤٣) في المجلّد الحادي عشر منه. ولم يتحاش الخطيب ولا ابن حجر من ذكر أمور ظاهرة الاختلاق في هذا الإمام العظيم، في حين أن الذهبي اجتنب ذلك، وفي ذلك عبر، وقد سبق ذكر جميعها مع تفنيد المفنّد منها، وقد ساق ابن حجر في "اللسان" جميع ما قيل فيه عن كلّ من هبّ ودبّ بهشاشة وبشاشة من غير تمحيص ولا تورّع، ثم قال: (قلت مع ذلك كلّه أخرج له أبو عوانة في "مستخرجه" والحاكم في "مستدركه"، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، رحمه الله تعالى، بل ذكره ابن حبّان في "الثقات" كما في "كشف الأستار عن رجال معاني الآثار"، فإخراج أبي عوانة لحديثه في "مستخرجه" على "صحيح مسلم" في حكم التوثيق، كما أن إخراج الحاكم في "مستدركه" على الصحيحين لحديثه أيضا توثيق له من الحكم، وقول مسلمة بن قاسم القرطبي توثيقصريح، وزد على ذلك ذكره في "ثقات ابن حبان" في رواية صاحب "كشف الأستار". وقال البدر العيني في "المغاني": كان الحسن بن زياد محبّا للسنّة جدّا، مشهورا بالدين المتين، كثير الفقه والحديث، عفيف النفس، فمن هذه صفاته كيف يرمى (بما ذكروه). وفي "طبقات علي القاري" عدّ الحسن بن زياد ممن جدّد لهذه الأمة دينها، كما في "مختصر غريب أحاديث الكتب الستة" لابن الأثير. وقال الصَّيمري: أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي قال: أخبرنا أبو بكر الدامغاني الفقيه قال أخبرنا الطحاوي: أن الحسن بن زياد والحسن بن أبي مالك توفيا جميعا سنة أربع ومائتين، ﵄ وعن جميع أئمة الدين. ولم أر تعيين مولده فيما اطلعت عليه من الكتب إلى أن برهان الإسلام الزرنوجي (تلميذ صاحب الهداية) ذكر في "تعليم المتعلّم" أنه دام على تحصيل العلم أربعين سنة، واستمرّ على تعليم العلم والإفتاء أربعين سنة أخرى، فمجموع هاتين المدّتين ثمانون سنة، وكان ابتداؤه في التعلّم في سنّ تمكّنه من ذلك نحو ثماني سنوات على أقلّ تقدير، فيكون مولده سنة ١١٦ هـ تقريبا لا تحديدا، والذي حملني على القول بذلك هو ما وقع في "تعليم المتعلم" للزرنوجي المذكور تحت عنوان (فصل في وقت التحصيل): (قيل وقت التعلم من المهد إلى اللحد، دخل الحسن بن زياد في التفقّيه، وهو ابن ثمان، ولم يبت على الفراش أربعين سنة، فأفتى بعد ذلك أربعين سنة، ثم استمرّ على الإفتاء والتعليم أربعين سنة أخرى، وقد وقع في متن بعض شروحه لبعض علماء الأتراك (وهو ابن ثمانين) بدل (وهو ابن ثمان)، حتى جعل عمره يبلغ مائة وستين سنة، وهذا غلط بحت وتحريف صرف من بعض النسّاخ المساخ في نظري، لمخالفة ذلك للمعتاد وللسياق، وفي خطّ الرقعة المعروف عند الأتراك، ربما تلتبس ثمانيةبثمانين، وأما ما حكاه الحاكم في عمر صالح بن كيسان، فلا يستند إلى أصل وثيق كما ذكره أهل العلم، فلا داعي لقول القائل: (وبعد سبعين ابن زياد طلب) مع تشديد الياء للنظم ولا لإصلاحه بتحويل المصراع إلى: (وبعد سبعين بن كيسان طلب)، بل حقّهما جميعا أن يشطبا لابتنائهما على أوهام متراكبة، على أن النظم كان يصحّ لو قدم ابن زياد وقيل: (وابن زياد بعد سبعين طلب)، والله أعلم. انتهت ترجمة الحسن بن زياد، ﵁، وعن سائر أئمة الاجتهاد، ونفعنا بعلومهم أجمعين. * * *
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewhigh confidenceالذهبيpage 2229, entry [1831]344 chars
رى له، ولو لم يكن ابن جريج ممن يدلس، كما ذكرهالذهبي في "الميزان" لساغ القول: بأن الحسن يمكن أن يكون هو الذي أسقط الواسطة في "السند"، لكن ابن أبي يحيى يكثر عنه الشافعي، ويوثقه، وإن كان الجمهور على تضعيفه، والذى يدلّ عليه هذا الحديث أن الحسن بن زياد كان كهو قبل سنين في حفظ الرِّواية، وإبراهيم بن عبد الله السعدي النيسابوري معمر، عاش نحو تسعين سن
- reviewable assessment hintmudallisneeds reviewmedium confidencepage 2229, entry [1831]345 chars
دليل على كذب الحسن على ابن جُريج، ولا دليل في ذلك على ما تخيله، لأن غاية ما في الأمر أن ابن جريج عن موسى في روايته له، والعنعنة لا تفيد الاتصال عندهم) وابن جريج معروف بالتدليس في كتب أهل الشأن، فيكون دلس في روايتُه للحسن، وذكر الواسطة في رواية أخرى له، ولو لم يكن ابن جريج ممن يدلس، كما ذكرهالذهبي في "الميزان" لساغ القول: بأن الحسن يمكن أن يكون
- reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 2229, entry [1831]343 chars
دليل، ولا شبه دليل، فسلوا سيف النقد على ممتحنيهم القضاة (بحق)، وعلى أئمة هؤلاء القضاة في الفقه، الذين لا ناقة لهم في الأمر، ولا جمل (من غير حق)، حتى ساووا بين القضاة وأئمتهم الأبرياء، ولسان حال أبي حنيفة وأصحابه يقول: غيري جنى وأنا المعاقب عندكم … فكأنني سبابة المتندّم وقد أطال عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم الوقيعة فيه، وفي بشر بن غياث، ومحم
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewhigh confidenceالساجيpage 2229, entry [1831]343 chars
في أسانيده رجال متكلّم فيهم من أمثال ابن درستويه الدراهمي، والحسن بن أبي بكر، وابن كامل، والساجي، ومحمد بن سعد العوفي، ومحمد بن أبي شيبة، فلا يعرج على الروايات عنهم فيمن ثبتت إمامته، وأمانته على أنه ليس في شيء منها ما يدلّ على تعمّده الكذب، فغاية ما في الأمر أنها تحمّل على أنه كان عنده بعض وهم في بعض الأحاديث، وهذا غير قادح عند أهل الفنّ، بل
- reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 2229, entry [1831]347 chars
ي موضع الخلاف إلى الإكفار والتبديع، قبل أن يعلم مراد القائل. ومثل ذلك التشنيع يرتدّ إلى قائله من غير شكّ، وفتنة القول بخلق القرآن أنتجت تناحرا بين الأمة مدى الدهور، فيما لا يعرف أغلبهم وجوه الخلاف فيه، فكانت مصيبة تراكبت ظلماتها على توالي العصور، وامتلأت كتب الجرح المؤلّفة من نقلة ذلك العصر بجروح، لا طائل تحتها، ولذلك قلت: (أي قال الشيخ زاهد) في
- reviewable assessment hintmudallisneeds reviewhigh confidenceالبخاريpage 2229, entry [1831]343 chars
عليها بعض الكتبة من أبناء "خراسان" ممن يتعاطى الكلام ويذكر بالرياسة فيه، والتقدّم، فصنّف في ثلب رواة الحديث كتابا، يلقط فيه كلام يحيى بن مَعين، وابن المديني، ومن "كتاب التدليس" للكرابيسي وتاريخ ابن أبي خيثمة، والبخاري ما شنّع به على جماعة من شيوخ العلم خلط الغثّ بالسمين، والموثوق بالظنين. ولو كان حرب مؤيّدا مع الرِّواية بالفهم لأمسك من عنانه