محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1732, entry [1381]3,232 chars
جهوده في نشر العلم وإنشاء معاهده: وبعد أن اكتملتْ معارفُه، ذهب إلى مدينة "دهلي"، فدرّس فيها في مدرسة عبد الرب عدّة شهور، وتفرّس فيه بعض الصلحاء من أصدقائه مخايل النجابة الباهرة، فأصرّ عليه أن ينهض بتأسيس مدرسة عربية في "دهلي"، فاستجاب لذلك، وأسّسَ فيها: "المدرسة العربية الأمينية" نسبة إلى صديقه محمد…
▸ expand full passage (3,232 chars)جهوده في نشر العلم وإنشاء معاهده: وبعد أن اكتملتْ معارفُه، ذهب إلى مدينة "دهلي"، فدرّس فيها في مدرسة عبد الرب عدّة شهور، وتفرّس فيه بعض الصلحاء من أصدقائه مخايل النجابة الباهرة، فأصرّ عليه أن ينهض بتأسيس مدرسة عربية في "دهلي"، فاستجاب لذلك، وأسّسَ فيها: "المدرسة العربية الأمينية" نسبة إلى صديقه محمد أمين، أسّسها بمساعدة أهل الخير والثروة، وكلّ مدارس "الهند" الإسلامية، وجامعاتها الدينية تقوم على إمداد أهل الإيمان واليَسَار من المسلمين، -جزاهم الله الخير-، وما تزال "المدرسة العربية الأمينية" قائمة إلى اليوم، والحمد لله.وشاع صِيتُ هذه المدرسة في أقطار "الهند"، وقصدت من كلّ جانب، وشرع الشيخ نفسه يدرّس فيها العلوم وأعاظم الكتب من الحديث والتفسير والبيان والمعقول وغيرها، وبقى على الإفادة والتدريس عدّة سنين، وتخرّج على يديه الأفواج الكثيرة من الطلبة الذين غدوا كبار العلماء في تلك الديار بعده. ثم أغراه الحنينُ إلى مألفه وبلده "كشمير"، وكان قد اطمأنّ إلى بُسُوق "المدرسة الأمينية" واستكمال وجودها، فتوجّه إلى "كشمير"، وأسّس فيها مدرسة دينية علمية، سمّاها "الفيض العام"، فدرّس فيها، وأفتي، ونصح الأمة قلما ولسانا، وأزال كثيرا مما راج هناك من البدع والرسوم المحدَثة، فانقشعتْ بوجوده سحائب الجهل المتراكمة، وتلألأتْ آثار السنّة النبوية الشرفية. وبعد ثلاث سنوات من قيامه بتلك المدرسة ونشر العلوم فيها، اشتاق إلى زيارة بيت الله الحرام، وإلى حرم رسول الله ﷺ، فوفّقه الله إلى زيارتهما في سنة ١٣٢٣ هـ، ومكث في "مكّة المكرّمة" عدّة شهور، يطفئ ضرام وجده بالطواف والعبادة حول البيت المعظّم، ثم حثّه داعى الشوق إلى "المدينة الطيّبة"، فشدّ الرحل إلى روضة النبي الكريم ﷺ، وبقى فيها برهة من الدهر، ولقى فيها أكابرَ علماء البلاد الإسلامية، وذاكرهم في مهمّات المسائل. واغتنم فرصةَ قربِه من مكتبات "المدينة المنوّرة" الخطّية، وخاصّة مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة، والمكتبة المحمودية، فانكبّ على مطالعة نفائسهما من التفسير والحديث وغيرهما، حتى طفح صدرُه بعلوم تلك الأسفار الزاخرة، ثم عاد إلى وطنه يطوي في ضميره الرجوع إلى الحرمين والمجاورة في "المدينة المنوّرة"، حتى لقاء الله تعالى.وبعد عودته إلى "كشمير" مكث غير بعيد، ثم أخذ عصا التَّسْيار متوجّها إلى المجاورة في البلدة الطيبّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقصد في طريقه زيارة شيخه محمود الحسن شيخ جامعة "ديوبند" ليودَّعه، وأنباه بما نوى من المجاورة، فأمره الشيخ بفسخ العزم، وأبرم عليه الإقامة في "ديوبند"، واستلم منه زاد سفره، وزوّد به آخر للحجّ والزيارة. ولم يكن الشيخ الكشميري يفرِّط في امتثال أمر شيخه، فأقام في "ديوبند" في حدود سنة ١٣٢٥ هـ، وأمره الشيخ بتدريس "صحيح مسلم"، و "سنن النسائي"، و "سنن ابن ماجه"، وفنهض بها على خير وجه، وكانتْ فاتحة تدريسه في أكبر جامعة دينية في "الهند": دار العلوم الإسلامية، واستمرّ على ذلك إلى سنة ١٣٣٢ هـ. ثم أراد شيخه السفر إلى الحجّ والزيارة في عام ١٣٣٣ هـ، فاستخلفه نائبا عنه في التدريس وصدارة المدرّسين، فأخذ يدرّس "صحيح البخاري"، و "سنن أبي داود"، و "جامع الترمذي"، وغيرها من أمّهات كتب الحديث، وكان من أمر الشيخ محمود الحسن أن أسرته الحكومة البريطانية الغاشمة، لزعامته العلمية والدينية في "الهند"، واحتجزته في جزيرة "مالطة"! فبقى الشيخ الكشميري قائما مقامه، في تدريس كتب الحديث: "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي"، وغيرهما. وقضى في "ديوبند" ثلث عمره، وجرتْ من قلبه وفمه ينابيعُ الحكمة ومنابعُ العلم والمعرفة، حتى استفاد منها رجال من الأفاضل وأماثل العصر، وتضلّع مَنْ لا يحصى عددا من الأصاغر والأكابر، وتخرّج في تلك الحقبة أكثر من ألفي عالم، ممن قرأوا عليه أمّهات كتب الحديث، وكان الشيخ محطّا للرحال، وكان درسه جامعا للبدائع، تنحلّ فيه مشكلات سائر العلوم.