محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1480, entry [1161]5,040 chars
٨٤٥ - الشيخ الفاضل أسعد بن سعد الدين محمد بن حسن الحافظ * *.العالم ابن العالم، والفاضل ابن الفاضل، والبليغ ابن البليغ، والقدوة ابن القدوة، والرحلة ابن الرحلة، ممن تُعقد الخناصر عليه، وتشدّ الرحال إليه. وبقية نسبه سيأتي في ترجمة والده الإمام العلامة، معلّم حضرة السلطان مراد خان، عليه من الله تعالى مز…
▸ expand full passage (5,040 chars)٨٤٥ - الشيخ الفاضل أسعد بن سعد الدين محمد بن حسن الحافظ * *.العالم ابن العالم، والفاضل ابن الفاضل، والبليغ ابن البليغ، والقدوة ابن القدوة، والرحلة ابن الرحلة، ممن تُعقد الخناصر عليه، وتشدّ الرحال إليه. وبقية نسبه سيأتي في ترجمة والده الإمام العلامة، معلّم حضرة السلطان مراد خان، عليه من الله تعالى مزيد الرحمة والرضوان. ولد ثامن عشر محرّم، سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، ورباه والده في حجر الدلال، وغذاه بدر الكمال، وأقرأه القرآن العزيز عند بعض صلحاء المعلمين، وبعض المقدمات النحوية، والفقهية، وغيرهما. ثم قرأ على والده، فأكثر من القراءة تشريكًا (¬١) لأخيه قاضي القضاة محمد أفندي، الآتي ذكره في محلّه، وصار مُلازمًا من والده المشار إليه. ثم أكبّ على الاشتغال ليلًا ونهارًا، وصباحًا ومساء، ودأب، وحصل، إلى أن صار بالفضائل مشهورًا، وبالفواضل مشكورًا. وتصرّف في المناصب السنية، والمدارس العلية، منها تدريس "المدرسة الكبرى"، التي تُنسب إلى المرحومة اسمى خان، والدة المرحوم المغفور له - إن شاء الله تعالى - السلطان سليم الثاني، وهي من المدارس التي جرت العادة بنقل مدرّسها إلى إحدى المدارس الثمان، ومنها إلى تدريس إحدى المدارس السليمانية، بمدينة "قُسطنطينية"، كذلك وقع لصاحب الترجمة، وأقام في "المدرسة السليمانية" مدّة طويلة، لا ينقطع عن إلقاء الدروس الدروس بها يومًا، مما جرت به العادة، وأما الاشتغال في منزله الكريم، والمطالعة، والمراجعة، والمباحثة مع الأصحاب والإخوان والمتردّدين إليه، فإنه لا يفتر ولا يملّ، ولا يقدم على ذلك أمرًا مُهمًا، ولا حاجة من حوائج الدنيا. وله في العربية، والفارسية، والتركية، يد طُولى.وأما سَجيته الشعرية، ونظمه في القصائد الطنانة، وغوصه على استخراج الجواهر المضية، من أصداف الألفاظ الدرية، فإنه يبهر العقول، ويحير الألباب، ويأتي بالعجب العُجاب، والحال أنه ما اتهم ولا أنجد، ولا غور ولا أصعد، ولا عاشر الأعراب في بواديها، ولا قارضهم الأشعار في حاضرها ولا باديها، ولكنه فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وإن شاء الله تعالى، نسوق في آخر الترجمة من أشعاره وإنشائه، ما يفوق الماء الزلال، ويُعد من السحر الحلال. ثم بعد أن أقام في الاشتغال بالمدرسة المذكورة، ما تقدّم ذكره من المدّة المزبورة، وجه له قضاء "أدرنة" المحروسة، التي تعد من جملة أمّهات المدن، وكراسي السلاطين من آل عثمان، أدام الله تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، في أول شهر من شهور سنة أربع بعد الألف، أحسن الله ختامها، وهذه الرعاية التامة، بهذه الولاية من التدريس المذكور، ما حصلت لأحد من أبناء الموالي في هذه الأيام، ولم يكن إعطاء هم له ذلك لأجل خاطر والده شيخ الإسلام فقط، بل له ولما حواه من الفضائل الكاملة، والفواضل الشاملة، لما أنعم الله تعالى به عليه من العقل، واللطف، والرفق، والشفقة، والرحمة، وحسن التدبير، والفكر الثاقب، والرأي الصائب، ولكونه ممن يستحق أن يوصف بقول أبي الطيب المتنبي، بل هو أحق به ممن قيل في حقه: قاضٍ إذا اشْتَبَهَ الأَمْرَانِ عَنَّ له … رَأْيٌ يُفَرَّقُ بينَ الماءِ واللبنِ ولما خرج مُتوجهًا إلى مدينة "أدرنة" المذكورة، خرج معه لتوديعه وتشييعه من أرباب الدولة، وأكابر "الديار الرومية"، ومواليها، وعلمائها، وفضلائها، ما لا يعد كثرة، وكان من جملتهم قاضي القضاة، المعروف كل منهما في الدولة العثمانية بقاضي العسكر، أحدهما قاضي العسكر بولاية "روميلي"، والآخر بولاية "أناطولي".ولما وصل بالصحة والسلامة إلى مدينة "أدرنة"، فرح أهلها بقدومه، واستقبلوه إلى مسافة بعيدة عن المدينة، سرورًا بذلك لما كانوا يسمعون عنه، من اتصافه بالأخلاق الحميدة، والآراء السديدة، ولما بلغهم عنه أيضًا من الثقات، أنه يقول: لا بد أن أسألك طريق العدل والإنصاف، وأساعد الفقراء والمساكين بحسب الطاقة، ولا أدع أحدًا من أتباعي يمد يده إلى شيءٍ بن أموال الناس، وغير ذلك من الوعود الجميلة، والنية الصالحة، وقد أنجزوا وعده، وحفظ عهده، وسار فيهم سيرة شُريحية، بفطنة إياسية، حتى فاق الأقران، وأربى في سائر الفضائل على غالب من تقدّمه في الزمان. ولما سافر السلطان الغازي محمد خان، نصره الله تعالى، إلى بلاد الكفّار الفجّار، بولاية "الألمان"، مرّ في طريقه على مدينة "أدرنة"، فوجد أهاليها شكر منه، داعين له، راضين عنه، فأقبل عليه غاية الإقبال، وجلس لأجله مجلسًا خاصًا لا يشركه فيه أحد، للسلام عليه، والتشرف بتقبيل يديه، فبمجرد نظرة إليه، قام له على قدميه، وعظمه، وبجله في الدخول والخروج، أكثر من تعظمه لقضاة العسكر، بل ولمن هو أكبر منهم. ثم اقتضى رأيه الشريف، أن يكرمه ويراعيه، بما يليق من المناصب السنية، والمراتب العلية، ففوّض إليه قضاء دار السلطنة البهية، "قسطنطينية" المحمية، صانها الله تعالى عن كل آفة وبلية، وتوجه إليها مصحوبًا بالسلامة، مؤيدًا بالكرامة، وتأسفت أهالي "أدرنة" على فراقه، وشيعه كثير منهم مقدار مرحلة أو مرحلتين، فبينما هو في أثناء الطريق، إذ ورد عليه خبر بأن والدة سلطان العصر - نصره الله تعالى، وأنعم عليه خاصة، وعلى الناس عامة، بنفوذ الأوامر على كل حال، والاستقلال في مهمات الأمور بتدابير الرجال - قد امتنعت من تنفيذ هذا الإعطاء، وصممت على رد هذه الولاية، وولت فيما يقال: قاضي إستانبول سابقًا، أو أبقته على ما كان عليه، لكون ولدهاالسلطان المشار إليه، قد فوّض إليها فعل ذلك، وأنها تعزل من أرباب الدولة من أرادت، وتولي من أرادت، فاضطربت أرباب المناصب لهذا الخبر غاية الاضطراب، وتحيرت عقول العامة في هذا الأمر ولا شك أنه يُحير الألباب، أما أرباب المناصب فللخوف على مناصبهم باختلال الأحوال، وسرعة النقض والإبرام، واعوجاج ما كانوا يعهدونه من ذلك الاعتدال، وأما العامة فلكونهم كانوا يؤملون صلاح أحوالهم، بأن هذا السفر يُسفر عن اختصاص الحل والعقد بفحول الرجال، فإذا بالأمور على ما كانت عليه، والطباع ما تغير عن ما كان متوجهًا إليه، ووجوه الاختلال وعلله كثيرة، ومنكراته صارت معروفة شهيرة، لا نُطيل بذكرها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * *