محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1109, entry [819]4,509 chars
بعض أنباء الطحاوي لدى القضاة والحكّام: ذكر ابن زولاق أن الطحاوي أراد مقاسمة عمّه في الربع الذي بينهما، فحكم له القاضي بالقسمة، وأرسل إليه بمال يستعين به في ذلك، ووافق ذلك أملاكا في مجلس أحمد بن طولون، فحضره أبو جعفر الطحاوي، وقرأ الكتاب، وعقد النكاح، فخرج خادم بصينية فيها مائة دينار، وطيب، فقال: كم …
▸ expand full passage (4,509 chars)بعض أنباء الطحاوي لدى القضاة والحكّام: ذكر ابن زولاق أن الطحاوي أراد مقاسمة عمّه في الربع الذي بينهما، فحكم له القاضي بالقسمة، وأرسل إليه بمال يستعين به في ذلك، ووافق ذلك أملاكا في مجلس أحمد بن طولون، فحضره أبو جعفر الطحاوي، وقرأ الكتاب، وعقد النكاح، فخرج خادم بصينية فيها مائة دينار، وطيب، فقال: كم القاضي. فقال: كم أبي جعفر، فألقاها في كمّه، ثم خرج إلى الشهود، وكانوا عشرة بعشر صوان، والقاضى يقول: كم أبي جعفر، ثم خرجتْ صينية أبي جعفر، فانصرف أبو جعفر في ذلك اليوم بألف ومائتي دينار سوى الطيب. قال ابن زولاق: حدّثني عبد الله بن عثمان قال: سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول: كانتْ لأبي الجيش بن أحمد بن طولون أمير "مصر" شهادة، فحضر الشهود، وكان كلّما كتب شاهد شهادته قرأها الأمير والقاضي، وكان كلّ شاهد يكتب: أشهدني الأمير أبو الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين، قال أبو جعفر: فلمّا شهدت أنا كتبت: أشهدُ على إقرار الأمير أبي الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين -أطال الله بقائه، وأدام عزّه وعلوه بجميع ما في هذا الكتاب-، فلمّا قرأه الأمير قال للقاضي: من هذا؟ قال: هذا كاتبي، فقال: أبو مَنْ؟ قال: أبو جعفر، فقال: وأنت يا أبا جعفر! -فأطال الله بقاءك، وأدام عزّك-، قال: فقمت بسبب ذلك محسودا من الجماعة. قال ابن زولاق: فلم يزلْ محمد بن عبدةوأصحابه (يسمّون)، فأغروا به نائب هارون بن أبي الجيش، فاعتقل أبا جعفر الطحاوى بسبب اعتبار الأوقاف. قال ابن زولاق: وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول، وذكر فضل أبي عبيدة بن حربويه وفقهه، فقال: كان يذاكرني بالمسائل، فأجبتُه يوما في مسألة، فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلتُ له: أيّها القاضي أوَ كلّ ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما طننتُ إلا مقلّدا، فقلتُ له: وهل يقلّد إلا عصبيّ؟ فقال لي أو غبيّ. قال: فطارتْ هذه الكلمةُ بـ "مصر"، حتى صارتْ مثلا، وحفظها الناس. قال: وكان الشهود ينفسون على أبي جعفر بالشهادة، لئلا يجتمع له رياسةُ العلم وقبولُ الشهادة، فلم يزلْ أبو عبيد في سنة ٣٠٦ هـ، حتى عدله بشهادة أبي القاسم مأمون، ومحمد بن موسى سقلاب، فقبله، وقدمه، وكان أكثر الشهود في تلك السنة قد حجّوا، وجاوروا بـ "مكة" فتمّ لأبي عبيد ما أراد من تعديله، وكان لأبي عبيد في كلّ عشية مجلس لواحد من الفضلاء، يذاكره، وقد قسم أيام الأسبوع عليهم، منها عشية لأبي جعفر، فقال له في بعض كلامه: ما بلغه عن أمناء القاضي وحضه على محاسبتهم، فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم، فقال أبو جعفر: قد كان القاضي بكّار يحاسبهم، فقال القاضى أبو عبيد: كان إسماعيل … وقال أبو جعفر قد حاسب رسول الله ﷺ أمناءه، وذكر له قصّة ابن الأتبية (¬١).فلمّا بلغ ذلك الأمناء لم يزالوا، حتى أوقعوا بين أبي عبيد وأبي جعفر، وتغيّر كلّ منهما للآخر، وكان ذلك قرب صرف أبي عبيد عن القضاء، قال: فلمّا صرف أبو عبيد عن القضاء أرسل الذي ولي بعده إلى أبي جعفر بكتاب عزله، قال: فحدّثني علي بن أبي جعفر، قال: فجئتُ إلى أبي، فهنأته، فقال لي أبي: ويحك أهذه تهنئة؟ هذه والله تعزية، مَنْ أذاكر بعده أو مَنْ أجالس؟. قال ابن زولاق: ولما تولّى عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري القضاءَ بـ "مصر" كان يركب بعد أبي جعفر، وينزل بعده، فقيل له في ذلك، فقال: هذا واجب، لأنه عالمنا، وقدوتنا، وهو أسنّ مني بإحدى عشرة سنة، ولو كانتْ إحدى عشرة ساعة لكان القضاء أقلّ من أن أفتخر به على أبي جعفر، ولما ولي أبو محمد عبد الله بن زبر قضاء "مصر"، وحضر عنده أبو جعفر الطحاوي، فشهد عنده، أكرمه غايةَ الإكرام، وسأله عن حديث ذكر أنه كتبه عن رجل عنه من ثلاثين سنة، فأملاه عليه. وقال: وحدّثني الحسين بن عبد الله القرشي، قال: وكان أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حمّاد في ولايته القضاء بـ "مصر"، يلازم أبا جعفر الطحاوي، يسمع عليه الحديث، فدخل رجل من أهل أسواء، فسأل أبا جعفر عن مسألة، فقال أبو جعفر: من مذهب القاضي أيّده الله كذا وكذا، فقال: ما جئتُ إلى القاضي إنما جئتُ إليك، فقال له: يا هذا! من مذهب القاضي ما قلت لك، فأعاد القول، فقال أبو عثمان تفتيه، أعزّك الله، فقال: إذا أذنت أيّدك الله أفتيته، فقال: قد أذنت، فأفتاه، قال: فكان ذلك يعدّ في فضل أبي جعفر، وأدبه. اهـ. وكان أبو عبيد في غاية المعرفة بالأحكام، وأبو عثمان القاضي حفيد إسماعيل القاضي، كان ملكيا كجده ولم يكنْ اختلاف المذاهب يوثّر فيتواصل هؤلاء العلماء أصحاب النفوس الطاهرة، وتلك الأنباء تكشف عن مبلغ التصافي بين علماء ذلك العهد، -رحمهم الله تعالى-. يقال: إن أمير "مصر" أبا منصور تكين الخزرى الشهير بالجيار دخل على الطحاوي يوما، فلمّا رأه داخله الرعب، فأكرمه الأمير، وأحسن إليه، ثم قال له: يا سيّدي! أريد إن أزوّجك ابنتي، فقال له: لا أفعل ذلك، فقال له: ألك حاجة بمال؟ قال له: لا، قال: فهل أقطع لك أرضا؟ قال: لا، قال: فاسألْني ما شئتَ، قال: وتسمع؟ قال: نعم، قال: احفظْ دينَك لئلا ينفلت، واعملْ في فكاك نفسك قبل الموت، وإياك ومظالم العباد، ثم تركه، ومضى، فقال: إنه رجع عن ظلمه لأهل "مصر"، كما في "تحفة الأحباب". هكذا كانتْ معاملة الطحاوي مع حكّام "مصر"، يأبى المصاهرة، ويأبى إنعامهم بالمال أو الإقطاع، ويأبي قبول قضائهم لأيّ حاجة له، بل ينصحهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وأين هذا ممن يزوّج بناته الثلاث للمماليك، تزلّفا إليها: ثم يطول لسانه في مثل الطحاوي.