محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 531, entry [343]4,791 chars
٧٠ - الشيخ العالم العامل والسري الكامل تاج الدين إبراهيم بن عبد الله - سقى الله ثراه، وجعل الجنة مثواه *. وُلِدَ على رأس تسعمائة في "ولاية حميد"، فخرج منها في طلب العلم، ودار البلاد، واشتغل، واستفاد، وأفنى عنفوان شبابه في تحصيل العلم، واكتسابه، وصاحب أعيان الناس، وشيّد بنيان العلم باشدّ أساس، وتلقّى…
▸ expand full passage (4,791 chars)٧٠ - الشيخ العالم العامل والسري الكامل تاج الدين إبراهيم بن عبد الله - سقى الله ثراه، وجعل الجنة مثواه *. وُلِدَ على رأس تسعمائة في "ولاية حميد"، فخرج منها في طلب العلم، ودار البلاد، واشتغل، واستفاد، وأفنى عنفوان شبابه في تحصيل العلم، واكتسابه، وصاحب أعيان الناس، وشيّد بنيان العلم باشدّ أساس، وتلقّى من الأفاضل الدروس، حتى شهد بفضله الرؤوس، واتصل بالمولى نور الدين الشهير بصاروكرز، وصار منه ملازما. ثم درّس في "مدرسة إبراهيم الرواس" بـ"قسطنطينية" بعشرين، ثم بالمدرسة الواقعة بقصبة "يبلونه" الشهير بأنها بميخال أو غلى بخمسة وعشرين، ثم مدرسة القاضي الأسود بقصبة "تيره"، ثم "مدرسة اغراس"، ثم "مدرسة سليمان باشا" بـ "أزنيق"، فاشتغل فيها، كتب حاشية على "صدر الشريعة"، وردّ فيها على المولى ابن كمال باشا ﵀ في مواضع كثيرة، فلمّا انفصل عنها كتب رسالة، وجمع فيها من مواضع، ردّه عليه ستة عشر موضعا، وأغلظ على المولى المزبور في مواضع عديدة من تلك الرسالة.وقال في أوائل ديباجتها: فاعلموا معاشر طلاب اليقين - سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين - أن المختصر الذي سوّده الحبر الفاضل والبحر الكامل الشهير بابن كمال باشا - نعمه الله في روضة جنته - مما يعلمه، وما يشاء، وسمّاه بـ"الإصلاح والإيضاح" مع خروجه عن سنن الصلاح والفلاح، باشتماله على تصرّفات فاسدة، واعتراضات غير واردة، من السهو والزلل، والخبط والخلل، لإتيانه بما لا ينبغي، وتحرّزه عما ينبغي، مشتمل على كثير من المسائل المخالفة للشرع، بحيث لا يخفى بعد التنبيه للأصل والفرع، ولا ينبغي الاعتقاد بحقيقتها للمبتدي، ولا العمل بها للمنتهي، لوجود خلافها صريحا في الكتب المعتبرات، من المطوّلات والمختصرات، ومن شكّ فيما ذكر بعد النظر فيما سيذكر، أوشك أن يشكّ في ضوء المصباح ووجود الصباح عند طلوع الإصباح. ثم كتب نسختين، ودفع إحداهما إلى الوزير محمد الصوفي، وكان ينتسب إليه، والثانية إلى الوزير الكبير رستم باشا، فلمّا أعطاه إياها طلب الوزير المزبور قراءتها، فلمّا وصل إلى تشنيعه على المولى المزبور تغيّر الوزير غايةَ التغيّر بسبب أنه كان قد قرأ على المولى المزبور، فأخذ منه الرسالة. وقال لا بدّ من إرسالها إلى المفتي، وهو يومئذ المولى أبو السعود، فإن كنت صادقا في دعواك نعطيك ما تسأله، وإن كذبتَ فسنجزيك بإساءتك الأدب، فخرج المرحوم من عنده مغموما، ثم أمر الوزير المزبور لبعض العُلماء أن يصوّر له بعضا من تلك الصور بحيث يفهمه، وكان أول موضع منها قوله: قال الفاضل الشهير بابن كمال باشا، وكره سدل الثوب أنه تعريض لي، فعزم أن لا يوجّه إليه منصبا قطعا، ونسي ذلك المغرور "ألا إلى الله تصير الأمور"، فبقى المرحوم برهة من الزمان في مهامه الذلّ والهوان، واستولّى عليه القنوطواليأس، وقطع أمنيته عن الناس، فتوجّه إلى جناب مولاه إلى أن قرع سمعه نداء، لا تيأسوا من روح الله، وذلك أنه اتفق فتح سلطانية "بروسه" وورد الأمر من السلطان، بأن يوجّه لى أحد من المعزولين، ولم يوجد منهم إلا المرحوم، وشخص آخر، يبغضه الوزير المزبور أكثر من بغضه للمرحوم، فخاف أن يعطيها السلطان ذلك الشخص، فسارع في عرض المرحوم، فقبله السلطان، ثم ندم على ما فعله، ولم ينفعه الندم بعد ما زلّت القدم، وما أصدق مَنْ قال: إذا أتى وقت القضاء الغالب بادرت الحاجة كفّ الطالب، فذهب المرحوم إلى مدرسته، فشرع في الإفادة، وبيّض فيها ما كتبه على صدر الشريعة من أول كتاب الحجّ إلى آخر الكتاب، فلمّا مضى عليه سبع سنين أعطى إحدى المدارس الثمان، وقد قرأتُ عليه فيها نبذا من كتاب "الهداية"، ثم نقل إلى "مدرسة أيا صوفيه"، ثم نقل إلى "مدرسة السلطان سليم خان"، ثم فوّض إليه الفتوى بـ "أماسيه" في كلّ يوم بثمانين درهمًا، فلمّا مضى عليه خمس سنين انحرف مزاجه، وانكسر زجاجه، وهجمتْ عليه الأمراض، فانفصل عنه، وهو راض، وعيّن له الثمانون حسب ما هو العادة والقانون. وتوفي ﵀ في أول الربيعين من شهور سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، وكان المرحوم بحر المعارف، ولجّة العلوم، واصلا إلى التحقيق، ومالكا لازمة التدقيق، مشاركا في العلوم العقلية، وبارعا في الفنون النقلية، خصوصًا في الفقه وبابه، فإنه من أكبر أربابه، وكان ﵀ خليقًا بالمراتب العليّة، والمناصب السنيّة، إلا أنه خانه دهرُه، ولم يساعده عصرُه - عوّضه الله تعالى عن المراتب الدنيوية بالدرجات الأخروية -، وكان ﵀ ذا خصائل رضية، وشمائل مرضية، متخلّقا بأخلاق الله، قانعًا باليسير من دنياه، شيخامباركا، متبرِّكا، فاز كثير من تلاميذه، وفاق على أقرانه، وقد صدر عنه بعض الحالات الشبيهة بالكرامات. منها: أن وزير زمانه إبراهيم باشا أمر أن يعطي مدرسته معلّم غلمانه، فلم يقدر قاضى العسكر على مخالفته وعصيانه، لشدّة باسه وقوّة سلطانه، فأحضر المرحوم، وعرض عليه المرسوم، وقال له: لا بدّ من قبول هذا الحكم، فليس لك إلا الرضا بالقضاء، فاضطرب المرحوم، وأظهر النفرة عنه، وعدم الرضا، فلم يجد لنفسه ناصرا، ومعينا، فقام عنه كئيبا حزينا، وترك الأسباب، وأغلق الباب، وتوجّه إلى جناب ربّه، وبات، فإذا المعلم في تلك الليلة مات، هكذا ينجح، ويظفر بالآمال مَنْ أخلص التوجّه إلى جناب حضرة المتعال، ومَن توكّل على الله كفاه، ومن التجأ إلى غير بابه صفرتْ كفاه، وما أحسن قول من قال: أعذب من ماء الزلال، وكم له من لطف خفي، يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ، وكم يسر أتى من بعد عسر، ففرج كربة القلب الشجي، وكم أمر تساء به صباحا، وتأتيك المسرّة بالعشيّ، إذا ضاقتْ بك الأحوال يومًا فثق بالواحد الفرد العليّ، وقد كتب ﵀ حاشية على بعض المواضع من "شرح المفتاح" للشريف يرد فيها على المولى ابن كمال باشا في المواضع، التي يدعى التفرّد فيها. وله عدّة رسائل على مواضع من "حاشية التجريد" (¬١) للشريف، ولهشرح لمتن "المراح" (¬١) من علم التصريف. * * *