exact linked passagemedium confidencepage 4486, entry [1499]12,919 chars
دَعْلَج بن أحْمَد بن دَعْلَج بن عبد الرَّحْمن، أبو مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ (¬١) دَخَلَ الشَّام، ومَرَّ بالثُّغُور الشَّامِيَّة، ووَقَفَ بطَرَسُوس دَارًا على المُجَاهِدين في سَبِيْل الله تعالَى، ووَقَفَ عليها وَقْفًا، وكان كَثِيْر المَعْرُوف والصَّدَقَات، من أُولي اليَسَار والمال الكَثِيْر، مَوْصُو…
▸ expand full passage (12,919 chars)▾ collapse
دَعْلَج بن أحْمَد بن دَعْلَج بن عبد الرَّحْمن، أبو مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ (¬١) دَخَلَ الشَّام، ومَرَّ بالثُّغُور الشَّامِيَّة، ووَقَفَ بطَرَسُوس دَارًا على المُجَاهِدين في سَبِيْل الله تعالَى، ووَقَفَ عليها وَقْفًا، وكان كَثِيْر المَعْرُوف والصَّدَقَات، من أُولي اليَسَار والمال الكَثِيْر، مَوْصُوفًا بالعَدَالَة والأمَانَة. رَوَى عن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وعبد الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، وآباءِ بَكْر: ابن خُزَيْمَة، وابن أبي دَاوُد (a)، وعبد الله بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُوريّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن عُمَيْر بن جَوْصَا، والحَسَن بن سُفْيان، وعليّ بن عَبْد العَزِيْز البَغَويّ، وأبي القَاسِم البَغَويّ، والعبَّاس بن الفَضْل الأسْفَاطِيّ، وأحمد بن عليّ الأبَّار، ومُحَمَّد بن غَالب التَّمْتَام، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن التّرك (¬٢)، وعبد الله بن مُحَمَّد بن شِيْرَوُيه، وأحمد بن خَالِد الدَّامَغَانيِّ، وأحمد بن الحَسَن بن عَبْد الجَبَّار الصُّوْفِيّ، وأحمد بن مُحَمَّد بن مَهْدِي الهَرَويّ، وأحمد بن إبْراهِيم بن مِلْحَان، ومُوسَى بن هَارُون الحَمَّال، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن الفِرْيَابِيِّ، وعبد الله بن أحْمَد بن الحَسَن الحَرَّانِيّ، وأبي مُسْلِم الكجِّيّ، وبِشْر بن مُوسَى، ومُحَمَّد بن سُلَيمان البَاغَنْدِيّ، وابنهمُحَمَّد بن مُحَمَّد، وأبي المُثَنَّى مُعَاذ بن المُثَنَّى بن مُعَاذ العَنَزِيّ، ويُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، وعَبْد العَزِيْز بن مُعاوِيَة، ومُحَمَّد بن إبْرَاهِيم البُوْشَنْجيّ، وهِشَام بن عليّ السَّدُوسِيّ، ومُحَمَّد بن عَمْرو الحَرَشِيّ، وعليّ بن الحُسَنِن بن الجُنَيْد، ومُحَمَّد بن النَّضْر الجَارُودِيّ، ومُحَمَّد بن أَيُّوب الرَّازِيّ، وعُثْمان بن سَعِيد الدَّارِمِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الهَرَويّ، وإبْراهيم بن زُهَيْر الحُلْوَانيِّ، ومُحَمَّد بن شَاذَان الجَوْهَرِيّ، وعليّ بن الحَسَن بن بنان (a) البَاقِلَّانِيّ، وعُبَيْد الله بن مُوسَى الإصْطَخْرِيّ، وإسْحَاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ، ومُحَمَّد بن رُمْح البَزَّاز، ومُحَمَّد بن يَحْيَى بن المُنْذِر القَزَّاز، ومُحَمَّد بن عليّ بن زَيْد الصَّائِغ المَكِّيّ، ومُحَمَّد بن عَبْد الله الحَضْرَمِيِّ، وجَمَاعَة غيرهم. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ الحافِظ، والحافِظ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله الحاكِم، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الغَسَّانِيّ، وأبو عُمَر بن حَيَّوْيَه الخَزَّاز، وأبو أحْمَد عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد الفَرَضِيّ، وأحمد بن عليّ البَادَا، وأبو عليّ بن شَاذَان، وأحمد بن عَبْدِ الله بن المَحَامِلِيِّ، وأبو الحُسَين ابن الفَضْلِ القَطَّان، وأبو الحَسَن بن رِزْقَويه، وأبو الفَضْل أحْمَدُ بن أبي عِمْران الهَرَويّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، وعليّ وعَبْد المَلِك ابْنَا بِشْرَان، وأبو عَبْد الله أحْمَد بن عُمَر بن مُحَمَّد الحِيْريّ، وعليّ بن أحْمَد الرَّزَّاز، ومُحَمَّد بن أَحْمَد بن رِزْق البَزَّاز، وعليّ بن عَبْد المَلِك بن بِشْرَان، وغَيْلان بن مُحَمَّد السِّمْسَار، وغيرهم. أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْر بن طَلَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن جُمَيْع (¬١)، قال: حَدَّثَنَا دَعْلَج بن مُحَمَّد بن دَعْلَج أبو مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ بمَكَّة في المَسْجِد الحَرَام، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ مُحَمَّد بن عَمْرو بن النَّضْرقَشْمَرْد (a) النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا حَفْص -يعني: ابن عَبْد الله- قال: حَدَّثنا إبْراهيمُ بن طَهْمَان، عنِ مَالِك بن أنَس، عن الزُّهْريّ، عن سَالِم بن عَبْد الله بن عُمر، أنَّه حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أهْلِ الشَّام وهو يَسْأل عَبْد الله بن عُمَر عن التَّمتُّع بالعُمْرة إلى الحَجِّ، فقال عَبْد الله: فهي الحَلَال، فقال الشَّاميِّ: إنَّ أباكَ قد نَهَىَ عنها! فقال عَبْد الله: أَرَأيتَ إنْ كان أبي نَهَى عنها وقد صَنَعها رسُول الله ﷺ أتَتَّبع أمرَ أبي أم أمرَ رسُول الله ﷺ؟ فقال الرَّجُلُ: بل أمْرُ رسُول الله ﷺ، فقال: قد صَنَعها رسُول الله ﷺ. أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬١)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو نَصْر بن القُشَيْريّ، أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحافِظُ، قال: سَمِعْتُ عليِّ بن عُمَرِ الحافِظ يَقُول: صَنَّفْتُ (b) لدَعْلَج المُسْنَد الكَبِير، فكان إذا شَكَّ في حدِيثٍ ضَربَ عليه، ولَم أَرَ في مَشَايخنا أثْبَتَ منهُ. قال: وسَمِعْتُ عُمَر بن جَعْفَر البَصْرِيّ يَقُول: ما رَأيْتُ ببَغْدَاد فيمَن انتَخَبْتُ عليهم أصَحَّ كُتُبًا، ولا أحْسَن سَمَاعًا، من دَعْلَج بن أحمد. أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر الدَّارْقَزِّيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن طَرَّاد الزَّيْنَبِي، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، وأبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابن المُجْلِيّ وغيرهما، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا منهم أو من أحَدِهم، قالُوا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن يُوسُف السَّهْمِيّ، قال: سُئِلَ أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ عندَعْلَج بن أحْمَد، فقال: كانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، وذَكَرَ له قِصَّةً في أمَانَتِه وفَضْلِهِ ونُبْلِهِ. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحمّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر بن القُشَيْريّ في كتابهِ، عن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَميِّ، قال: وسَألتُه -يعني: الدَّارَقُطْنِيّ- عن دَعْلَج بن أحْمَد، فقال: الثِّقَةُ المَأْمُونُ مُلَازمٌ (a) لأُصُوله وكُتُبه. أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل البَانِياسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬١)، قال: قَرَأتُ على أبي مُحَمَّد السُّلَميِّ، ح. وأنْبَأنَا أبو القَاسِم القَاضِي، عن أبي مُحَمَّد السُّلَميِّ، عن أبي مُحَمَّد التَّمِيْميِّ، قال: كَتَبَ إليَّ أبو ذَرّ عَبْدُ بن أحْمَد، وحَدَّثَني عَبْد الغَفَّار بن عَبْد الوَاحِد عنه، قال: سَمِعْتُ عليّ بن عُمَر، وذَكَرَ حِكايَةً عن دَعْلَج، ثُمَّ قال: كان أبو مُحَمَّد قليل الهُزُؤ، سَمِعْتُ أنَّ مُعِزّ الدَّولةَ اسْتَرجَع من غُلَامهِ جَاشْتِكيْن (b)، وأَشْهَدَ عليه العُدُولَ وهو من وَرَاءِ السِّتْر فشَهِدُوا، فلمَّا شَهِدَ النَّاسُ قالُوا لدَعْلَج: اشْهَد، قال: أين المَشْهُود عليه؟ لعَلَّهُ مُقَيِّدٌ، لعَلَّهُ مُكْرهٌ! أَبْرزُوهُ لي حتَّى أرَاهُ وأشْهَد عليه (c)، وكان خَلْف السِّتْر، فقال مُعِزّ الدَّولَة: ما كان فيهم مُسْلِم غيره. قال أبو ذَرّ: وسَمِعْتُ أنَّ أوَّل ما أخَذَهُ مُعِزُّ الدَّولَة من المَوَارِيْث مال دَعْلَج، خَلَّف ثَلاثمائة ألف مِثْقَال ذَهَب، فقال مُعِزُّ الدَّولةَ دَغرًا (d): ما أُريدُ. فقالُوا: إنَّهُ كَثِيْر، فأخَذَهُ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ الخَطِيبُ (¬٢)، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم الأزْهَريّ، عن أبي عُمَرمُحَمَّد بن العبَّاس بن حَيَّوْيَه، قال: أدْخَلنِي دَعْلَجُ إلى دَارِه، وأرَاني بِدَرًا من المالِ مُعبَّأةً في مَنْزِلِه، وقال لي: يا أبا عُمَر، خُذْ من هذه ما شِئْتَ، فشَكَرتُ له، وقُلتُ: أنا في كِفَايَةٍ وغَنَاءٍ (a) عنها، ولا حَاجَةَ لي فيها. قال الخَطِيبُ (¬١): وحَدَّثَني أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد (b) بن أحْمَد العُكْبَرِيّ، قال: حَدَّثَني أبو الحُسَين أحْمَدُ بن الحُسَين الوَاعِظ، قال: أُوْدِعَ أبو عَبْدِ الله بن أبي مُوسَى الهاشِميّ عَشرةَ آلاف دِيْنار ليَتِيْمٍ، فضَاقَتْ يَدهُ، وامْتَدَّت إليها، فأنْفَقَها، فلمَّا بَلغَ الغُلَامُ مَبْلغَ الرِّجال، أمرَ السُّلْطانُ بفَكِّ الحَجْر عنهُ، وتَسْليم مالِهِ إليه، وتُقُدِّم إلى ابن أبي مُوسى بحَمْل المالِ ليُسَلَّم إلى الغُلَام. قال ابنُ أبي مُوسَى: فلمَّا تُقُدِّم إِليَّ بذلك، ضاقَتْ عليَّ الأرْض بما رَحُبَتْ، وتحيَّرتُ في أمْري؛ لا أعْلَمُ من أيِّ وجْهٍ أغرَمِ المالَ، فبَكَّرتُ من دَاري، ورَكِبتُ بَغْلَتي، وقَصَدْتُ الكَرْخ لا أعْلَمُ أينَ أتوجَّه، فانْتَهَتْ بي البَغْلة (c) إلى دَرْب السَّلُوليِّ، ووَقَفَتْ بي على باب مَسْجِد دَعْلَج بن أحْمَد، فثَنَيْتُ رِجْلي، ودَخَلْتُ المَسْجِدَ، وصَلَّيتُ خَلْفَهُ صَلَاة الفَجْر، فلمَّا سَلَّم انْفَتَل إليَّ، ورَحَّب بي، وقامَ وقُمْتُ معهُ، ودَخَلَ إلى دَاره، فلمَّا جَلَسْنا، جاءَتْهُ الجَارِيَةُ بمَائِدَةٍ لَطِيْفةٍ وعليها هرِيْسَةٌ، فقال: يَأكُل الشَّريفُ، فأكلتُ وأنا لا أُحَصِّل أمْري، فلمَّا رَأى تَقْصِيري، قال: أراكَ مُنْقَبضًا، فما الخَبَرُ؟ فقصَصْتُ عليه القِصَّةَ، وأنَّني (d) أنْفَقتُ المالَ، فقال: كُلْ فإنَّ حاجَتَكَ تُقْضَى، ثمّ أحْضَرِ حَلْوى فأكَلْنا، فلمَّا رُفِعَ الطَّعَام، وغَسَلنا أيْدِينا، قال: يا جَارِيَة، افْتَحي ذلك البابَ، فإذا خِزَانَة مَمْلوءةٌ زُبُلًا (¬٢) مُجَلَّدةً، فأخْرَج إليَّ بعضَها، وفَتَحَها إلى أنْ أخْرَج النَّقْد الّذي كانت الدَّنَانِيْر منه، واسْتَدْعَى الغُلَامَ والتَّخْتَوالطَّيَّار، فوَزَن عَشرة آلاف دِيْنار وبَدَّرها (a)، وقال: يأخُذُ الشَّريفُ هذه، فقُلتُ: يُثبتُها الشَّيْخُ عليَّ، فقال: أفْعَلُ، وقُمْتُ وقد كاد عَقْلي يَطِيرُ فَرَحًا، فرَكِبْتُ بَغْلتي وتَرَكتُ الكيسَ على القربُوسِ وغَطَّيْتُهُ بطَيْلَسَاني، وعُدْتُ إلى دَاري، وانْحَدَرتُ إلى دار السُّلْطان بقَلْبٍ قَوِيٍّ، وجنَانٍ ثَابِتٍ، فقُلتُ: ما أظُنُّ إلَّا أنَّهُ قد اسْتَشْعَرَ فيَّ أنِّي قد أكْلتُ مالَ اليَتِيْم واسْتَبْدَدْتُ بهِ، والمالَ فقد أخرجْتُه، فأحْضَرَ قاضِي القُضَاة والشُّهُود والنُّقَبَاءَ ووُلَاة العُهُود، وأُحْضر الغُلَامَ ففُكَّ حَجْرهُ، وسُلِّم المال إليه، وعَظُم الشُّكْرُ لي والثَّنَاء عليَّ. فلمَّا عُدْتُ إلى مَنْزِلي، اسْتَدْعاني أحَدُ الأُمَرَاءِ من أوْلادِ الخَلِيفَة (b)، وكان عَظِيمَ الحالِ، فقال: [قد] (c) رَغبْتُ في مُعَاملَتِكَ وتَضْمِينكَ أمْلَاكي ببَادُورَيَا ونَهْر المَلِك، فضَمِنتُ ذلك بما تقرَّرَ بيني وبينه من المالِ، وجاءتِ السَّنَة ووفَّيْتُهُ، وحَصَل في يَدي من الرّبْح ما له قَدْرٌ كَثِيْرٌ. وكان ضَمَاني لهذه [الضّيَاع ثَلاث] (d) سِنيْن، فلمَّا مَضَتْ حَسَبْتُ حِسَابي وقد تحصَّلَ في يدي ثَلاثُون أَلف دِيْنار، فعَزَلتُ عِوَضَ العَشرة آلاف دِيْنار الّتي أخَذْتُها من دَعْلَج، وحَمَلتُها إليه، وصَلَّيْتُ معه الغَدَاة، فلمَّا انْفَتَلَ من صَلَاتِه ورآني، نَهَضَ معي إلى دَاره، وقَدَّم المَائِدَة والهَرِيْسة، فأكَلْتُ بجأشٍ ثَابتٍ، وقَلْبٍ طَيِّبٍ، فلمَّا قَضَينا الأكْل، قال: خَبَرك وحَالَكَ؟ فقُلتُ: بفَضْلِ الله وبفَضْلِكَ قد أفدتُ بما فَعَلته معي ثَلاثين ألف دِيْنارٍ، وهذه منها (e) عَشرة آلاف عِوَض الدَّنَانِيْر الّتي أخَذْتُها منك، فقال: يا سُبْحَان الله، واللهِ ما خَرَجَت الدَّنَانِيْرُ عن يَدي ونَوَيْتُ أخْذَ عِوَضَها، حَلِّ بها الصِّبْيَان! فقُلتُ لَهُ: أيُّها الشَّيْخ، أيْش أصْلُ هذا المال حتَّى تَهَبَ لي عَشرة آلاف دِيْنار؟فقال: نَشَأتُ وحَفِظتُ القُرآنَ، وسَمِعْتُ الحَدِيْثَ، وكُنْتُ أتَبَزَّز (¬١)، فوَافَاني رَجُلٌ من تُجَّار البَحْر، فقال لي: أنتَ دَعْلَج بن أحمد؟ فقُلتُ: نعم، فقال: قد رَغبْتُ في تَسْليم مالي إليك للتِّجَارَةِ (a) لتَتَّجِرَ به، فما سهَّل الله من فَائِدَةٍ كانت بيننا، وما كان من جَائِحةٍ كانت في أصْلِ مالي، وسَلَّم إليَّ بارنامَجات (¬٢) بألف ألف دِرْهَم، وقال لي: ابسُط يدَكَ، ولا تَعْلَم مَوضِعًا يَنْفُقُ فيهِ هذا المَتَاعُ إلَّا حَملَتَهُ إليه، واسْتَنْبِت (b) فيه الكُفَاةَ، ولَم يَزَل يَتَردَّدُ إليَّ سَنَةً بعدَ سَنَةٍ يَحْملُ إليَّ مثل هذا والبضَاعَةُ تَنْمَى، فلمَّا كان في آخِر سَنَةٍ اجْتَمَعنا فيها، قال لي: أنا كَثِيْرُ الأَسْفَار في البَحْر، فإنْ قَضَى اللهُ عليَّ بما قَضَاهُ على خَلْقهِ فهذا المالُ لك على أنْ تَصَّدَّقَ منه، وتَبْني المَسَاجِدَ، وتَفْعَلَ الخَيْر. فأنا أفْعَلُ مثل هذا، وقد ثَمَّرَ اللهُ المالَ في يَدِي، فأسْألكَ أنْ تَطْوِي هذا الحَدِيْثَ أيَّامَ حَيَاتي. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر البَغْدَاديّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (¬٣)، قال: وحَدَّثَني أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عليّ بن عَبْدِ الله الحَدَّاد، وكان من أهْلِ الدِّين والقُرْآن والصَّلَاح، عن شَيْخٍ سَمَّاهُ، فذَهَبَ عنِّي حِفْظُ اسْمِهِ، قال: حَضَرتُ يَوْم الجُمُعَة (c) مَسْجِد الجَامِع بمَدِينَة المَنْصُور، فرَأيتُ رَجُلًا بين يَديّ في الصَّفِّ، حَسَنَ الوَقَار، ظَاهِرَ الخشُوع، دَائِمَ الصَّلاةِ، لم يَزَل يَتَنفَّل مُذْ دَخَلَ المَسْجِدَ إلى قُرْب قيَام الصَّلاةِ، قال: ثمّ جَلَسَ، قال: فعَلَتْني هَيْبَتُهُ ودَخَلَ قَلْبي مَحَبَّتُهُ، ثمّأُقِيْمَتْ الصَّلاةُ فلَم يُصَلِّ مع النَّاسِ الجُمُعَة، فكَبُرَ ذلك عليَّ من أمْره، وتَعَجَّبْتُ من حَالهِ، وغَاظَنِي فعْلُهُ. فلمَّا قَضيْتُ الصَّلاةَ تَقَدَّمْتُ إليهِ، وقُلْتُ لهُ: أيُّها الرَّجُل، ما رَأيْتُ أعْجَبَ من أمْركَ! أطَلْتَ النَّافلَةَ وأحْسَنْتها، وتَرَكتَ الفَرِيْضَة وضَيَّعْتَها؟ فقال: يا هذا، إنَّ لي عُذرًا وبي علَّةٌ مَنَعتني من (a) الصَّلاةِ، قُلتُ: وما هي؟ قال: أنا رَجُلٌ عليَّ دَيْنٌ، اخْتفَيْتُ في مَنْزِلي مُدَّةً بسَبَبهِ، ثُمَّ حَضَرْتُ اليَوْم الجَامِع للصَّلَاةِ، فقَبْلَ أنْ تُقام الْتفَتُّ فرَأيْتُ صَاحِبي الّذي له عليَّ الدَّيْن، ورآني (b) فمن خَوْفه أحْدَثتُ في ثِيَابي! فهذا خَبَري، فأسْألك بالله (c) إلَّا سَتَرْتَ عليَّ وكَتَمتَ أمْري، قال: فقُلْتُ: ومَنْ الّذي له عليكَ الدَّيْن؟ قال: دَعْلَج بن أحْمَد، قال: وكان إلى جَانبِهِ صَاحِبٌ لدَعْلَج قد صَلَّى وهو لا يَعْرفُه، فسَمِعَ هذا القَوْل، فَمَضَى في الوَقْتِ إلى دَعْلَج فذَكَرَ له القِصَّةَ، فقال له دَعْلَجِ: امْضِ إلى الرَّجُل واحْمِلْهُ إلى الحَمَّام، واطْرَح عليه خِلْعةً من ثِيَابي، وأجلِسْهُ في مَنْزِلي حتَّى انْصَرفَ من الجَامِع، ففَعَل الرَّجُلُ ذلك، فلمَّا انْصَرَفَ دَعْلَجُ إلى مَنْزِلهِ، أمَرَ بالطَّعَام فأُحْضِر، وأكَلَ هو والرَّجُل، ثُمَّ أخْرَج حِسَابَهُ فنَظَر فيه، وإذا له عليه خَمْسَة آلاف دِرْهَم، فقال: له انْظُر لا يكون عليكَ في الحِسَاب غَلَط أو نُسِي لك نَقْده؟ فقال الرَّجُل: لا، فضَرَبَ دَعْلَج على حِسَابهِ، وكَتَبَ تحتَهُ عَلَامةَ الوَفَاء، ثُمَّ أحْضَرَ المِيْزَان ووَزن خَمْسَة آلاف دِرْهَم، وقال له: أمَّا الحِسَابُ الأوَّلُ فقد حَلَلْناكَ فيما بيننا وبينَك فيه، وأسْألُكَ أنْ تَقْبَل هذه الخَمْسَة آلاف دِرْهَم، وتَجْعَلَنا في حِلٍّ من الرَّوْعةِ الّتي دَخَلَت قَلْبَك برُؤيَتِكَ إيَّانا في مَسْجِد الجَامِع، أو كما قال (¬١).﷽ وَبِه تَوفِيْقِي